البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
الزيغ : الميل، ومنه : زاغت الشمس ﴿وزاغت الأبصار﴾ وقال الراغب : الزيغ : الميل عن الاستقامة إلى أحد الجانبين، وزاغ وزال ومال يتقارب، لكن زاغ لا يقال إلاَّ فيما كان من حق إلى باطل.
التأويل : مصدر أوَّل، ومعناه : آخر الشيء ومآله، قاله الراغب.
وقال غيره : التأويل المرد والمرجع.
قال :
الرسوخ : الثبوت.
قال :
﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هنّ أمّ الكتاب وأخر متشابهات﴾ مناسبة هذا لما قبله أنه : لما ذكر تعديل البنية وتصويرها على ما يشاء من الأشكال الحسنة، وهذا أمر جسماني، استطرد إلى العلم، وهو أمر روحاني.
وكان قد جرى لوفد نجران أن من شُبَهِهِمْ قوله ﴿وروح منه﴾ فبيّن أن القرآن منه محكم العبارة قد صينت من الاحتمال، ومنه متشابه، وهو ما احتمل وجوهاً.
ونذكر أقاويل المفسرين في المحكم والمتشابه.
وقد جاء وصف القرآن بأن آياته محكمة، بمعنى كونه كاملاً، ولفظه أفصح، ومعناه أصح، لا يساويه في هذين الوصفين كلام، وجاء وصفه بالتشابه بقوله :﴿كتاباً متشابهاً﴾ معناه يشبه بعضه بعضاً في الجنس والتصديق.
وأما هنا فالتشابه ما احتُمل وعجز الذهن عن التمييز بينهما، نحو :﴿إن البقر تشابه علينا﴾ ﴿وأتوا به متشابهاً﴾ أي : مختلف الطعوم متفق المنظر، ومنه : اشتبه الأمران، إذا لم يفرق بينهما.
ويقال لأصحاب المخاريق : أصحاب الشبه، وتقول : الكلمة الموضوعة لمعنى لا يحتمل غيره نص، أو يحتمل راجحاً أحد الاحتمالين على الآخر، فبالنسبة إلى الراجح ظاهر، وإلى المرجوح مؤوّل، أو يحتمل من غير رجحان، فمشترك بالنسبة إليهما، ومجمل بالنسبة إلى كل واحد منهما.
والقدر المشترك بين النص والظاهر هو المحكم، والمشترك بين المجمل والمؤوّل هو المتشابه، لأن عدم الفهم حاصل في القسمين.
قال ابن عباس، وابن مسعود، وقتادة، والربيع، والضحاك : المحكم الناسخ، والمتشابه المنسوخ.
وقال مجاهد، وعكرمة : المحكم : ما بيَّن تعالى حلاله وحرمه فلم تشتبه معانيه، والمتشابه : ما اشتبهت معانيه.
وقال جعفر بن محمد، ومحمد بن جعفر بن الزبير، والشافعي : المحكم ما لا يتحمل إلاَّ وجهاً واحداً، والمتشابه ما احتمل من التأويل أوجهاً.
وقال ابن زيد : المحكم : ما لم تتكرر ألفاظه، والمتشابه : ما تكررت.
وقال جابر بن عبد الله، وابن دئاب، وهو مقتصى قول الشعبي والثوري وغيرهما : المحكم ما فهم العلماء تفسيره، والمتشابه ما استأثر الله بعلمه : كقيام الساعة، وطلوع الشمس من مغربها، وخروج عيسى.
وقال أبو عثمان : المحكم، الفاتحة.
وقال محمد بن الفضل : سورة الإخلاص، لأن ليس فيها إلاَّ التوحيد فقط.
وقال محمد بن إسحاق : المحكمات ما ليس لها تصريف ولا تحريف.
وقال مقاتل : المحكمات خمسمائة آية، لأنها تبسط معانيها، فكانت أمَّ فروع قيست عليها وتولدت منها، كالأم يحدث منها الولد، ولذلك سماها : أم الكتاب، والمتشابه : القصص والأمثال.
وقال يحي بن يعمر : المحكم الفرائض، والوعد والوعيد ؛ والمتشابه : القصص والأمثال.
وقيل : المحكم ما قام بنفسه ولم يحتج إلى استدلال.
والمتشابه ما كان معاني أحكامه غير معقولة، كأعداد الصلوات، واختصاص الصوم بشهر رمضان دون شعبان.
وقيل : المحكم ما تقرر من القصص بلفظ واحد، والمتشابه ما اختلف لفظه، كقوله :﴿فإذا هي حية تسعى﴾ ﴿فإذا هي ثعبان مبين﴾ و ﴿قلنا احمل﴾ و ﴿فاسلك﴾
وقال أبو فاختة : المحكمات فواتح السور المستخرج منها السور : كألم والمر.
وقيل : المتشابه فواتح السور، بعكس الأول.
وقيل : المحكمات : التي في سورة الأنعام إلى آخر الآيات الثلاث، والمتشابهات : آلم وآلمرَ، وما اشتبه على اليهود من هذه ونحوها، حين سمعوا : آلم، فقالوا : هذه بالجُمَّلِ : أحد وسبعون، فهو غاية أجل هذه الأمة، فلما سمعوا : ألر، وغيرها، اشتبهت عليهم.
أو : ما اشتبه من النصارى من قوله :﴿وروح منه﴾
وقيل : المتشابهات ما لا سبيل إلى معرفته، كصفة الوجه، واليدين، واليد، والاستواء.
وقيل : المحكم ما أمر الله به في كل كتاب أنزله، نحو قوله :﴿قل تعالوا أتل﴾ الآيات و ﴿قضى ربك﴾ الآيات وما سوى المحكم متشابه.
وقال أكثر الفقهاء : المحكمات التي أحكمت بالإبانة، فإذا سمعها السامع لم يحتج إلى تأويلها، لأنها ظاهرة بينة، والمتشابهات : ما خالفت ذلك.
وقال بن أبي نجيح : المحكم ما فيه الحلال والحرام.
وقال ابن خويز منداذ : المتشابه ما له وجوه واختلف فيه العلماء، كالآيتين في الحامل المتوفى عنها زوجها، عليّ وابن عباس يقولان : تعتد أقصى الأجلين، وعمر، وزيد، وابن مسعود يقولون : وضع الحمل.
وخلافهم في النسخ، وكالاختلاف في الوصية للوراث هل نسخت أم لا.
ونحو تعارض الآيتين : أيهما أولى أن يقدّم إذا لم يعرف النسخ ؟ نحو :﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ يقتضي الجمع بين الأقارب بملك اليمين ﴿وأن تجمعوا بين الاختين إلاَّ ما قد سلف﴾ يمنع من ذلك ؟
ومعنى : أم الكتاب، معظم الكتاب، إذ المحكم في آيات الله كثير قد فصل.
وقال يحي بن يعمر : هذا كما يقال لمكة : أم القرى، ولمرو : أم خراسان، و : أم الرأس : لمجتمع الشؤون، إذ هو أخطر مكان.
وقال ابن زيد : جماع الكتاب، ولم يقل : أمهات، لأنه جعل المحكمات في تقدير شيء واحد، ومجموع المتشابهات في تقدير شيء وآخر، وأحدهما أم للآخر، ونظيره ﴿وجعلنا ابن مريم وأمه آية﴾ ولم يقل : اثنين، ويحتمل أن يكون : هنّ، أي كل واحدة منهنّ، نحو :﴿فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾ أي كل واحد منهم.
قيل : ويحتمل أن أفراد في موضع الجمع.
نحو :﴿وعلى سمعهم﴾ وقال الزمخشري : أمّ الكتاب أي أصل الكتاب، تحمل المتشابهات عليها، وترد إليها.
ومثال ذلك :﴿لا تدركه الأبصار﴾ ﴿إلى ربها ناظرة﴾ ﴿لا يأمر بالفحشاء﴾ ﴿أمرنا مترفيها﴾ انتهى.
وهذا على مذهبه الإعتزالي في أن الله لا يُرى، فجعل المحكم لا تدركه الأبصار.
والمتشابه قوله :﴿إلى ربها ناظرة﴾
وأهل السنة يعكسون هذا، أو يفرقون بين الإدراك والرّؤية.
وذكر من المحكم :﴿وما كان ربك نسيا﴾ ﴿لا يضل ربي ولا ينسى﴾ ومتشابهه :﴿نسوا الله فنسيهم﴾ ظاهر النسيان ضد العلم، ومرجوحه الترك.
وأرباب المذاهب مختلفون في المحكم والمتشابه، فما وافق المذهب فهو عندهم محكم، وما خالف فهو متشابه.
فقوله :﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ عند المعتزلة محكم ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله﴾ متشابه.
وغيرهم بالعكس.
وصرف اللفظ عن الراجح إلى المرجوح لا بد فيه من دليل منفصل، فإن كان لفظياً فلا يتم إلاَّ بحصول التعارض، وليس الحمل على أحدهما أولى من العكس، ولا قطع في الدليل اللفظي، سواء كان نصاً أو أرجح لتوقفه على أمور ظنية، وذلك لا يجوز في المسائل الأصولية.
فإذن المصير إلى المرجوح لا يكون بواسطة الدلالة العقلية القاطعة، وإذا علم صرفه عن ظاهره فلا يحتاج إلى تعيين المراد، لأن ذلك يكون ترجيح مجاز على مجاز، وتأويل على تأويل.
ومن الملاحدة من طعن في القرآن لاشتماله على المتشابه، وقال : يقولون، ان تكاليف الخلق مرتبطة بهذا القرآن إلى يوم القيامة، ثم إنا نراه يتمسك به صاحب كل مذهب على مذهبه، فالجبري يتمسك بآيات الجبر :﴿وجعلنا على قلوبهم أكنة﴾ ﴿وفي آذانهم وقرا﴾ والقدري يقول : هذا مذهب الكفار في معرض الذم لهم في قوله :﴿وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر﴾ وفي موضع آخر :﴿وقالوا قلوبنا غلف﴾
ومثبتو الرؤية تمسكوا بقوله :﴿إلى ربها ناظرة﴾ والآخرون، بقوله :﴿لا تدركه الأبصار﴾ ومثبتو الجهة بقوله :﴿يخافون ربهم من فوقهم﴾ وبقوله :﴿على العرش استوى﴾ والآخرون بقوله :﴿ليس كمثله شيء﴾ فكيف يليق بالمحكم أن يرجع إلى المرجوع إليه هكذا ؟ انتهى كلام الفخر الرازي.
وبعضه ملخص.
وقد ذكر العلماء لمجيء المتشابه فوائد، وأحسن ذلك ما ذكره الزمشخري.
قال :
فإن قلت : فهلا كان القرآن كله محكماً ؟
قلت : لو كان كله محكماً لتعلق الناس به لسهولة مأخذه، ولأعرضوا عما يحتاجون فيه إلى الفحص والتأمل من النظر والاستدلال، ولو فعلوا ذلك لعطلوا الطريق الذي لا يتوصل إلى معرفة الله وتوحيده إلاَّ به، ولما في المتشابه من الإبتلاء والتمييز بين الثابت على الحق والمتزلزل فيه، ولما في تقادح العلماء وإتقانهم القرائح في إستخراج معانيه، ورده إلى المحكم من الفوائد الجليلة، والعلوم الجمة، ونيل الدرجات عند الله، ولأن المؤمن المعتقد أن لا مناقضة في كلام الله، ولا اختلاف إذا رأى فيه ما يتناقض في ظاهره، وأهمه طلب ما يوفق بينه ويجريه على سنن واحد، ففكر وراجع نفسه وغيره، ففتح الله عليه، وتبين مطابقة المتشابة المحكم، ازداد طمأنينة إلى معتقده، وقوة في اتقانه.
إنتهى كلام الزمخشري، وهو مؤلف مما قاله الناس في فائدة المجيء بالمشابه في القرآن.
ولما ذكر تعالى أول السورة ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب﴾ ذكر هنا كيفية الكتاب، وأتى بالموصول، إذ في صلته حوالة على التنزيل السابق، وعهد فيه.
وقوله :﴿منه آيات محكمات﴾ إلى آخره، في موضع الحال، أي : تركه على هذين الوجهين محكماً ومتشابهاً، وارتفع : آيات، على الفاعلية بالمجرور لأنه قد اعتمد، ويجوز ارتفاعه على الابتداء، والجملة حالية.
ويحتمل أن تكون جملة مستأنفة، ووصف الآيات بالأحكام صادق على أن كل آية محكمة، وأما قوله :﴿وأخر متشابهات﴾ فأُخر صفة لآيات محذوفة، والوصف بالتشابه لا يصح في مفرد آخر، لو قلت : وأخرى متشابهة لم يصح إلاَّ بمعنى أن بعضها يشبه بعضاً، وليس المراد هنا هذا المعنى، وذلك أن التشابه المقصود هنا لا يكون إلاَّ بين اثنين فصاعداً، فلذلك صح هذا الوصف مع الجمع، لأن كل واحد من مفرداته يشابه الباقي، وإن كان الواحد لا يصح فيه ذلك، فهو نظير، رجلين يقتتلان، وإن كان لا يقال : رجل يقتتل.
وتقدم الكلام على أخر في قوله :﴿فعدة من أيام أُخر﴾ فاغنى عن إعادته هنا.
وذكر ابن عطية أن المهدوي خلط في مسألة : أخر، وأفسد كلام سيبوية، فتوقف على ذلك من كلام المهدوي.
﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ﴾ هم نصارى نجران لتعرضهم للقرآن في أمر عيسى، قاله الربيع.
أو : اليهود، قاله ابن عباس، والكلبي، لأنهم طلبوا بقاء هذه الآية من الحروف المقعطة والزيغ : عنادهم.
وقال الطبري : هو الأشبه.
وذكر محاورة حيي بن أخطب وأصحابه لرسول الله ﷺ في مدة ملته، واستخراج ذلك من الفواتح، وانتقالهم من عدد إلى عدد إلى أن قالوا : خلطت علينا فلا ندري بكثير نأخذ أم بقليل ؟ ونحن لا نؤمن بهذا.
فأنزل الله تعالى :﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب﴾ الآية، وفسر الزيغ : بالميل عن الهدى، ابن مسعود، وجماعة من الصحابة، ومجاهد، ومحمد بن جعفر بن الزبير، وغيرهم.
وقال قتادة : هم منكرو البعث، فإنه قال في آخرها { وما
التأويل : مصدر أوَّل، ومعناه : آخر الشيء ومآله، قاله الراغب.
وقال غيره : التأويل المرد والمرجع.
قال :
| أؤول الحكم على وجهه | ليس قضاي بالهوى الجائر |
قال :
| لقد رسخت في القلب منّي مودة | لليلى أبت أيامها أن تغيّرا |
وكان قد جرى لوفد نجران أن من شُبَهِهِمْ قوله ﴿وروح منه﴾ فبيّن أن القرآن منه محكم العبارة قد صينت من الاحتمال، ومنه متشابه، وهو ما احتمل وجوهاً.
ونذكر أقاويل المفسرين في المحكم والمتشابه.
وقد جاء وصف القرآن بأن آياته محكمة، بمعنى كونه كاملاً، ولفظه أفصح، ومعناه أصح، لا يساويه في هذين الوصفين كلام، وجاء وصفه بالتشابه بقوله :﴿كتاباً متشابهاً﴾ معناه يشبه بعضه بعضاً في الجنس والتصديق.
وأما هنا فالتشابه ما احتُمل وعجز الذهن عن التمييز بينهما، نحو :﴿إن البقر تشابه علينا﴾ ﴿وأتوا به متشابهاً﴾ أي : مختلف الطعوم متفق المنظر، ومنه : اشتبه الأمران، إذا لم يفرق بينهما.
ويقال لأصحاب المخاريق : أصحاب الشبه، وتقول : الكلمة الموضوعة لمعنى لا يحتمل غيره نص، أو يحتمل راجحاً أحد الاحتمالين على الآخر، فبالنسبة إلى الراجح ظاهر، وإلى المرجوح مؤوّل، أو يحتمل من غير رجحان، فمشترك بالنسبة إليهما، ومجمل بالنسبة إلى كل واحد منهما.
والقدر المشترك بين النص والظاهر هو المحكم، والمشترك بين المجمل والمؤوّل هو المتشابه، لأن عدم الفهم حاصل في القسمين.
قال ابن عباس، وابن مسعود، وقتادة، والربيع، والضحاك : المحكم الناسخ، والمتشابه المنسوخ.
وقال مجاهد، وعكرمة : المحكم : ما بيَّن تعالى حلاله وحرمه فلم تشتبه معانيه، والمتشابه : ما اشتبهت معانيه.
وقال جعفر بن محمد، ومحمد بن جعفر بن الزبير، والشافعي : المحكم ما لا يتحمل إلاَّ وجهاً واحداً، والمتشابه ما احتمل من التأويل أوجهاً.
وقال ابن زيد : المحكم : ما لم تتكرر ألفاظه، والمتشابه : ما تكررت.
وقال جابر بن عبد الله، وابن دئاب، وهو مقتصى قول الشعبي والثوري وغيرهما : المحكم ما فهم العلماء تفسيره، والمتشابه ما استأثر الله بعلمه : كقيام الساعة، وطلوع الشمس من مغربها، وخروج عيسى.
وقال أبو عثمان : المحكم، الفاتحة.
وقال محمد بن الفضل : سورة الإخلاص، لأن ليس فيها إلاَّ التوحيد فقط.
وقال محمد بن إسحاق : المحكمات ما ليس لها تصريف ولا تحريف.
وقال مقاتل : المحكمات خمسمائة آية، لأنها تبسط معانيها، فكانت أمَّ فروع قيست عليها وتولدت منها، كالأم يحدث منها الولد، ولذلك سماها : أم الكتاب، والمتشابه : القصص والأمثال.
وقال يحي بن يعمر : المحكم الفرائض، والوعد والوعيد ؛ والمتشابه : القصص والأمثال.
وقيل : المحكم ما قام بنفسه ولم يحتج إلى استدلال.
والمتشابه ما كان معاني أحكامه غير معقولة، كأعداد الصلوات، واختصاص الصوم بشهر رمضان دون شعبان.
وقيل : المحكم ما تقرر من القصص بلفظ واحد، والمتشابه ما اختلف لفظه، كقوله :﴿فإذا هي حية تسعى﴾ ﴿فإذا هي ثعبان مبين﴾ و ﴿قلنا احمل﴾ و ﴿فاسلك﴾
وقال أبو فاختة : المحكمات فواتح السور المستخرج منها السور : كألم والمر.
وقيل : المتشابه فواتح السور، بعكس الأول.
وقيل : المحكمات : التي في سورة الأنعام إلى آخر الآيات الثلاث، والمتشابهات : آلم وآلمرَ، وما اشتبه على اليهود من هذه ونحوها، حين سمعوا : آلم، فقالوا : هذه بالجُمَّلِ : أحد وسبعون، فهو غاية أجل هذه الأمة، فلما سمعوا : ألر، وغيرها، اشتبهت عليهم.
أو : ما اشتبه من النصارى من قوله :﴿وروح منه﴾
وقيل : المتشابهات ما لا سبيل إلى معرفته، كصفة الوجه، واليدين، واليد، والاستواء.
وقيل : المحكم ما أمر الله به في كل كتاب أنزله، نحو قوله :﴿قل تعالوا أتل﴾ الآيات و ﴿قضى ربك﴾ الآيات وما سوى المحكم متشابه.
وقال أكثر الفقهاء : المحكمات التي أحكمت بالإبانة، فإذا سمعها السامع لم يحتج إلى تأويلها، لأنها ظاهرة بينة، والمتشابهات : ما خالفت ذلك.
وقال بن أبي نجيح : المحكم ما فيه الحلال والحرام.
وقال ابن خويز منداذ : المتشابه ما له وجوه واختلف فيه العلماء، كالآيتين في الحامل المتوفى عنها زوجها، عليّ وابن عباس يقولان : تعتد أقصى الأجلين، وعمر، وزيد، وابن مسعود يقولون : وضع الحمل.
وخلافهم في النسخ، وكالاختلاف في الوصية للوراث هل نسخت أم لا.
ونحو تعارض الآيتين : أيهما أولى أن يقدّم إذا لم يعرف النسخ ؟ نحو :﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ يقتضي الجمع بين الأقارب بملك اليمين ﴿وأن تجمعوا بين الاختين إلاَّ ما قد سلف﴾ يمنع من ذلك ؟
ومعنى : أم الكتاب، معظم الكتاب، إذ المحكم في آيات الله كثير قد فصل.
وقال يحي بن يعمر : هذا كما يقال لمكة : أم القرى، ولمرو : أم خراسان، و : أم الرأس : لمجتمع الشؤون، إذ هو أخطر مكان.
وقال ابن زيد : جماع الكتاب، ولم يقل : أمهات، لأنه جعل المحكمات في تقدير شيء واحد، ومجموع المتشابهات في تقدير شيء وآخر، وأحدهما أم للآخر، ونظيره ﴿وجعلنا ابن مريم وأمه آية﴾ ولم يقل : اثنين، ويحتمل أن يكون : هنّ، أي كل واحدة منهنّ، نحو :﴿فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾ أي كل واحد منهم.
قيل : ويحتمل أن أفراد في موضع الجمع.
نحو :﴿وعلى سمعهم﴾ وقال الزمخشري : أمّ الكتاب أي أصل الكتاب، تحمل المتشابهات عليها، وترد إليها.
ومثال ذلك :﴿لا تدركه الأبصار﴾ ﴿إلى ربها ناظرة﴾ ﴿لا يأمر بالفحشاء﴾ ﴿أمرنا مترفيها﴾ انتهى.
وهذا على مذهبه الإعتزالي في أن الله لا يُرى، فجعل المحكم لا تدركه الأبصار.
والمتشابه قوله :﴿إلى ربها ناظرة﴾
وأهل السنة يعكسون هذا، أو يفرقون بين الإدراك والرّؤية.
وذكر من المحكم :﴿وما كان ربك نسيا﴾ ﴿لا يضل ربي ولا ينسى﴾ ومتشابهه :﴿نسوا الله فنسيهم﴾ ظاهر النسيان ضد العلم، ومرجوحه الترك.
وأرباب المذاهب مختلفون في المحكم والمتشابه، فما وافق المذهب فهو عندهم محكم، وما خالف فهو متشابه.
فقوله :﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ عند المعتزلة محكم ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله﴾ متشابه.
وغيرهم بالعكس.
وصرف اللفظ عن الراجح إلى المرجوح لا بد فيه من دليل منفصل، فإن كان لفظياً فلا يتم إلاَّ بحصول التعارض، وليس الحمل على أحدهما أولى من العكس، ولا قطع في الدليل اللفظي، سواء كان نصاً أو أرجح لتوقفه على أمور ظنية، وذلك لا يجوز في المسائل الأصولية.
فإذن المصير إلى المرجوح لا يكون بواسطة الدلالة العقلية القاطعة، وإذا علم صرفه عن ظاهره فلا يحتاج إلى تعيين المراد، لأن ذلك يكون ترجيح مجاز على مجاز، وتأويل على تأويل.
ومن الملاحدة من طعن في القرآن لاشتماله على المتشابه، وقال : يقولون، ان تكاليف الخلق مرتبطة بهذا القرآن إلى يوم القيامة، ثم إنا نراه يتمسك به صاحب كل مذهب على مذهبه، فالجبري يتمسك بآيات الجبر :﴿وجعلنا على قلوبهم أكنة﴾ ﴿وفي آذانهم وقرا﴾ والقدري يقول : هذا مذهب الكفار في معرض الذم لهم في قوله :﴿وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر﴾ وفي موضع آخر :﴿وقالوا قلوبنا غلف﴾
ومثبتو الرؤية تمسكوا بقوله :﴿إلى ربها ناظرة﴾ والآخرون، بقوله :﴿لا تدركه الأبصار﴾ ومثبتو الجهة بقوله :﴿يخافون ربهم من فوقهم﴾ وبقوله :﴿على العرش استوى﴾ والآخرون بقوله :﴿ليس كمثله شيء﴾ فكيف يليق بالمحكم أن يرجع إلى المرجوع إليه هكذا ؟ انتهى كلام الفخر الرازي.
وبعضه ملخص.
وقد ذكر العلماء لمجيء المتشابه فوائد، وأحسن ذلك ما ذكره الزمشخري.
قال :
فإن قلت : فهلا كان القرآن كله محكماً ؟
قلت : لو كان كله محكماً لتعلق الناس به لسهولة مأخذه، ولأعرضوا عما يحتاجون فيه إلى الفحص والتأمل من النظر والاستدلال، ولو فعلوا ذلك لعطلوا الطريق الذي لا يتوصل إلى معرفة الله وتوحيده إلاَّ به، ولما في المتشابه من الإبتلاء والتمييز بين الثابت على الحق والمتزلزل فيه، ولما في تقادح العلماء وإتقانهم القرائح في إستخراج معانيه، ورده إلى المحكم من الفوائد الجليلة، والعلوم الجمة، ونيل الدرجات عند الله، ولأن المؤمن المعتقد أن لا مناقضة في كلام الله، ولا اختلاف إذا رأى فيه ما يتناقض في ظاهره، وأهمه طلب ما يوفق بينه ويجريه على سنن واحد، ففكر وراجع نفسه وغيره، ففتح الله عليه، وتبين مطابقة المتشابة المحكم، ازداد طمأنينة إلى معتقده، وقوة في اتقانه.
إنتهى كلام الزمخشري، وهو مؤلف مما قاله الناس في فائدة المجيء بالمشابه في القرآن.
ولما ذكر تعالى أول السورة ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب﴾ ذكر هنا كيفية الكتاب، وأتى بالموصول، إذ في صلته حوالة على التنزيل السابق، وعهد فيه.
وقوله :﴿منه آيات محكمات﴾ إلى آخره، في موضع الحال، أي : تركه على هذين الوجهين محكماً ومتشابهاً، وارتفع : آيات، على الفاعلية بالمجرور لأنه قد اعتمد، ويجوز ارتفاعه على الابتداء، والجملة حالية.
ويحتمل أن تكون جملة مستأنفة، ووصف الآيات بالأحكام صادق على أن كل آية محكمة، وأما قوله :﴿وأخر متشابهات﴾ فأُخر صفة لآيات محذوفة، والوصف بالتشابه لا يصح في مفرد آخر، لو قلت : وأخرى متشابهة لم يصح إلاَّ بمعنى أن بعضها يشبه بعضاً، وليس المراد هنا هذا المعنى، وذلك أن التشابه المقصود هنا لا يكون إلاَّ بين اثنين فصاعداً، فلذلك صح هذا الوصف مع الجمع، لأن كل واحد من مفرداته يشابه الباقي، وإن كان الواحد لا يصح فيه ذلك، فهو نظير، رجلين يقتتلان، وإن كان لا يقال : رجل يقتتل.
وتقدم الكلام على أخر في قوله :﴿فعدة من أيام أُخر﴾ فاغنى عن إعادته هنا.
وذكر ابن عطية أن المهدوي خلط في مسألة : أخر، وأفسد كلام سيبوية، فتوقف على ذلك من كلام المهدوي.
﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ﴾ هم نصارى نجران لتعرضهم للقرآن في أمر عيسى، قاله الربيع.
أو : اليهود، قاله ابن عباس، والكلبي، لأنهم طلبوا بقاء هذه الآية من الحروف المقعطة والزيغ : عنادهم.
وقال الطبري : هو الأشبه.
وذكر محاورة حيي بن أخطب وأصحابه لرسول الله ﷺ في مدة ملته، واستخراج ذلك من الفواتح، وانتقالهم من عدد إلى عدد إلى أن قالوا : خلطت علينا فلا ندري بكثير نأخذ أم بقليل ؟ ونحن لا نؤمن بهذا.
فأنزل الله تعالى :﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب﴾ الآية، وفسر الزيغ : بالميل عن الهدى، ابن مسعود، وجماعة من الصحابة، ومجاهد، ومحمد بن جعفر بن الزبير، وغيرهم.
وقال قتادة : هم منكرو البعث، فإنه قال في آخرها { وما