سورة التوبة — الآية ٢٦

عن مصعب بن شيبة بن عثمان الحَجَبي، عن أبيه، قال: خرجتُ مع النَّبِيّ ﷺ يوم حُنين، واللهِ، ما خرجتُ إسلامًا، ولَكِنِّي خرجتُ أنَفًا أن تَظهَرَ هَوازِنُ على قريش، فواللهِ، إنِّي لَواقِفٌ مع رسول الله ﷺ إذ قلتُ: يا نبيَّ الله، إنِّي لأَرى خَيْلًا بُلْقًا. قال: «يا شيبةُ، إنّه لا يراها إلا كافر». فضرب بيده صَدْري، فقال: «اللَّهُمَّ، اهدِ شَيْبَةَ». ففعَل ذلك ثلاثًا، فما رفَع النبيُّ ﷺ يَدَه عن صَدْري الثالثة حتى ما أحدٌ مِن خلق الله أحبَّ إلَيَّ منه. فقال: فالتقى المسلمون، فقُتِل مَن قُتِل، ثم أقبَل النَّبِيُّ ﷺ وعمرُ آخِذٌ باللِّجام، والعباسُ آخِذٌ بالثَّفَرِ، فنادى العباسُ: أين المهاجرون؟ أين أصحابُ سورة البقرة؟ -بصوتٍ عالٍ- هذا رسول الله ﷺ. فأقبَل الناسُ والنبيُّ ﷺ يقول: «أنا النَّبِيُّ غيرَ كَذِبٍ، أنا ابنُ عبد المطلب». فأقبَل المسلمون فاصْطَكُّوا بالسيوف، فقال النبيُّ ﷺ: «الآنَ حمِيَ الوَطِيسُ»

سورة النجم — الآية ١٤

قال مقاتل بن سليمان: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ أغصانها اللؤلؤ والياقوت والزَّبَرْجد، وهي شجرة عن يمين العرش فوق السماء السابعة العليا... وإنما سُمّيت: المنتهى؛ لأنها ينتهي إليها عِلْمُ كلِّ مَلك مخلوق، ولا يعلم ما وراءها أحدٌ إلا الله عز وجل، كلّ ورقة منها تُظِلُّ أُمّةً مِن الأمم، على كلّ ورقة منها مَلَك يذكرُ الله عز وجل، ولو أنّ ورقة منها وُضِعَت في الأرض لأضاءت لأهل الأرض نورًا، تحمل لهم الحُلل والثمار من جميع الألوان، ولو أنّ رجلًا ركب حِقَّةً فطاف على ساقها ما بلغ المكان الذي ركب منه حتى يقتله الهَرَم، وهي طوبى التي ذكر الله تعالى في كتابه: ﴿طُوبى لَهُمْ وحُسْنُ مَآبٍ﴾ [الرعد:٢٩]، ينبع مِن ساق السّدرة عينان؛ أحدهما السلسبيل، والأخرى الكوثر، فينفجر من الكوثر أربعة أنهار، التي ذكر الله تعالى في سورة محمد ﷺ؛ الماء، واللبن، والعسل، والخمر

عن أُبيّ بن كعب، أنّ رسول الله ﷺ قال: «يا أُبيّ، إني أُمرتُ أنْ أُقرئك سورة». فأقرأنيها: (ما كانَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ * رَسُولٌ مِّنَ اللهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً * فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ، أيْ لا ذات اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ، إنَّ أقْوَمَ الدِّينِ الحَنِيفِيَّةُ مُسْلِمَةٌ غَيْرُ مُشْرِكَةٍ ومَن يَعْمَلْ صالِحًا فَلَن يُكْفَرَهُ، وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ، إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللهِ وفارَقُوا الكِتابَ لَمّا جَآءَهُمْ أُولَئِكَ عِندَ اللهِ شَرُّ البَرِيَّةِ، ما كانَ النّاسُ إلّا أُمَّةً واحِدَةً ثُمَّ أرْسَلَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنذِرِينَ يَأْمُرُونَ النّاسَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ، ويَعْبُدُونَ اللهَ وحْدَهُ، أُولَئِكَ عِند اللهِ هُمْ خَيْرُ البَرِيَّةِ، جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأَنْهارُ خالِدِينَ فِيهَآ أبَدًا رضي الله عنهم ورَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ)

اختلف السلف في الأرض التي عناها الله بقوله: ﴿أن الأرض يرثها عبادي الصالحون﴾ على قولين: الأول: أنها أرض الجنة. والثاني: أنها أرض الدنيا. وقد رجّح ابنُ جرير (١٦‏/‏٤٣٤) القول الأول مستندًا إلى أقوال السلف. ورجّح ابنُ القيم مستندًا إلى النظائر والسنة القول الثاني، بقوله: «وهذا هو القول الصحيح، ونظيره قوله تعالى في سورة النور [٥٥]: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ ولَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنًا﴾. وفي الصحيح عن النبي ﷺ قال: «زُوِيَت لي الأرض مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها». ونقل ابنُ القيم قولًا آخر في الآية، فقال:»وقالت طائفة من المفسرين: المراد بذلك: أرض بيت المقدس، وهي من الأرض التي أورثها الله عباده الصالحون«. ثم انتقده قائلًا:»وليست الآية مختصة بها""

سورة الفجر — الآية ٢٢

عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «تُوقفون موقفًا واحدًا يوم القيامة مقدار سبعين عامًا، لا يُنظر إليكم، ولا يُقضى بينكم، قد حُصر عليكم، فتَبْكُون حتى ينقطع الدمع، ثم تَدمعون دمًا، وتَبْكُون حتى يبلغ ذلك منكم الأذقان، أو يُلْجِمكم، فتضجّون، ثم تقولون: مَن يشفع لنا إلى ربّنا، فيقضي بيننا؟ فيقولون: مَن أحقّ بذلك مِن أبيكم؟ جبل الله تربته، وخَلَقه بيده، ونفخ فيه مِن روحه، وكلّمه قِبَلًا. فيؤتى آدم ﷺ، فيُطلب ذلك إليه، فيأبى، ثم يَستَقرون الأنبياء نبيًّا نبيًّا، كلما جاءوا نبيًّا أبى». قال رسول الله ﷺ: «حتى يأتوني، فإذا جاءوني خرجتُ حتى آتي الفحص». قال أبو هريرة: يا رسول الله، ما الفحص؟ قال: «قدام العرش، فأخرّ ساجدًا، فلا أزال ساجدًا حتى يبعث الله إلَيّ مَلكًا، فيأخذ بعضدي، فيرفعني، ثم يقول الله لي: محمد؟ وهو أعلم، فأقول: نعم. فيقول: ما شأنك؟ فأقول: يا ربّ، وعدتني الشفاعة، شفِّعني في خَلْقك فاقضِ بينهم. فيقول: قد شفّعتُك، أنا آتيكم فأقضي بينكم». قال رسول الله ﷺ: «فأنصرف حتى أقف مع الناس، فبينا نحن وقوف سمعنا حِسًّا مِن السماء شديدًا، فهالنا، فنزل أهلُ السماء الدنيا بمثلَي مَن في الأرض مِن الجن والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض أشرقت الأرض بنورهم، وأخذوا مصافّهم، وقلنا لهم: أفيكم ربُّنا؟ قالوا: لا، وهو آتٍ. ثم ينزلُ أهل السماء الثانية بمثلي مَن نزل مِن الملائكة، وبمثلي مَن فيها من الجن والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض أشرقت الأرض بنورهم، وأخذوا مصافّهم، وقلنا لهم: أفيكم ربّنا؟ قالوا: لا، وهو آتٍ. ثم نزل أهل السموات على قدْر ذلك من الضِّعف، حتى نزل الجبّار في ظُلَلٍ مِن الغمام والملائكة، ولهم زَجَلٌ مِن تسبيحهم، يقولون: سبحان ذي المُلك والملكوت، سبحان ربِّ العرش ذي الجبروت، سبحان الحيِّ الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت، سُبُّوحٌ قُدُّوس ربّ الملائكة والروح، قدوس قدوس، سبحان ربنا الأعلى، سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والسلطان والعظمة، سبحانه أبدًا أبدًا. يحمل عرشه يومئذ ثمانية، وهم اليوم أربعة، أقدامهم على تخوم الأرض السفلى، والسموات إلى حُجَزهم، والعرش على مناكبهم، فوضع الله عرشه حيث شاء مِن الأرض، ثم ينادي بنداء يُسمع الخلائق، فيقول: يا معشر الجنّ والإنس، إني قد أنصتُّ منذ يوم خلقتُكم إلى يومكم هذا، أسمع كلامكم، وأُبصر أعمالكم، فأنصِتوا إلَيَّ، فإنما هي صحفكم وأعمالكم تُقرأ عليكم، فمَن وجد خيرًا فليحمد الله، ومَن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه. ثم يأمر الله جهنم فتخرج منها عُنقًا ساطعًا مُظلمًا، ثم يقول الله: ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ إلى قوله: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [يس:٦٠-٦٣]، ﴿وامْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ﴾ [يس:٥٩]. فيتميز الناس ويجثون، وهي التي يقول الله: ﴿وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها اليَوْمَ﴾ الآية [الجاثية:٢٨]. فيقضي الله بين خَلْقه؛ الجنّ والإنس والبهائم، فإنه ليُقيد يومئذ للجمّاء من ذات القرون، حتى إذا لم يبق تبعة عند واحدة لأخرى قال الله: كونوا ترابًا. فعند ذلك يقول الكافر: ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا﴾ [النبأ:٤٠]. ثم يقضي الله سبحانه بين الجنّ والإنس»

سورة سبأ — الآية ٤١

عن عطاء بن دينار الهذلي، أنّ عبد الملك بن مروان كتب إلى سعيد بن جبير يسأله عن هذه المسائل، فأجابه فيها -وذكر منها العبادة، فقال:- والعبادة هي الطاعة، وذلك أنّه مَن أطاع الله فيما أمره به وفيما نهاه عنه فقد أتَمَّ عبادة الله، ومَن أطاع الشيطان في دينه وعمله فقد عبد الشيطان، ألم تر أنّ الله قال للذين فرَّطوا: ﴿ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان﴾ [يس:٦٠]، وإنما كانت عبادتهم الشيطان أنهم أطاعوه في دينهم، فمنهم مَن أمرهم فاتخذوا أوثانًا أو شمسًا أو قمرًا أو بشرًا أو ملكًا يسجدون له من دون الله، ولم يظهر الشيطان لأحد منهم فيُتَعَبَّد له، أو يُسجَد له، ولكنهم أطاعوه فاتخذوها آلهة مِن دون الله، فلمّا جُمِعوا جميعًا يوم القيامة في النار قال لهم الشيطان: ﴿إني كفرت بما أشركتمون من قبل﴾ [إبراهيم:٢٢]، ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون﴾ [الأنبياء:٩٨]، فعُبِد عيسى والملائكة مِن دون الله، فلم يجعلهم الله في النار، فليس للشمس والقمر ذنبٌ، وذلك يصير إلى طاعة الشيطان، فيجعلهم معهم، فذلك قوله حين تقربوا منهم: ﴿تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين﴾ [الشعراء:٩٧-٩٨]، وقالت الملائكة حين سألهم الله: ﴿أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون﴾. قال: أفلا ترى إلى عبادتهم الجن! إنما هي أنهم أطاعوه في عبادة غير الله، فيصير العبادة إلى أنها طاعة

رَجَّحَ ابنُ جرير (١‏/‏٤٤٧)، وابنُ عطية (١‏/‏١٦١)، وابنُ كثير (١‏/‏٣٣٢) القولَ بكونهما إحياءين وإماتتين. قال ابنُ عطية: «هو أوْلى هذه الأقوال؛ لأنه الذي لا محيد للكُفّار عن الإقرار به في أول ترتيبه، ثم إن قوله أولًا: ﴿كنتم أمواتا﴾، وإسناده آخرًا الإماتةَ إليه تبارك وتعالى؛ مِمّا يقوي ذلك القولَ»، وهو في هذا مُستنِدٌ إلى دلائل عقليّة. وحكم ابنُ كثير عليه بالصحة مُستندًا لنظائرِه في القرآن، فقال: «وهو كقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الجاثية:٢٦]». ووجَّهه ابنُ جرير (١‏/‏٤٤٧-٤٤٨ بتصرف) بقوله: «فأمّا وجه تأويل من تَأَوَّل قوله: ﴿كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم﴾ أي: لم تكونوا شيئًا؛ فإنه ذَهَب إلى نحو قول العرب للشيء الدارس، والأمر الخامل الذكر: هذا شيء ميت، وهذا أمر ميت. يراد بوصفه بالموت: خمول ذكره، ودروس أثره من الناس. فكذلك تأويل قول من قال في قوله: ﴿وكنتم أمواتا﴾ لم تكونوا شيئًا، أي: كنتم خمولًا لا ذِكْرَ لكم، وذلك كان موتكم فأحياكم، فجعلكم بشرًا أحياء، ثم يميتكم بقبض أرواحكم وإعادتكم، ثم يحييكم بإعادة أجسامكم إلى هيئاتها، ونفخ الروح فيها»، ومُستندُهم في هذا لغةُ العربِ كما هو ظاهر. وقال ابنُ كثير (١‏/‏٣٣٢) مُستندًا إلى النظائرِ: «عَبَّر عن الحال قبل الوجود بالموت؛ بجامع ما يشتركان فيه من عدم الإحساس، كما قال في الأصنام: ﴿أمواتٌ غيرُ أحياء﴾ [النحل:٢١]، وقال: ﴿وآية لهم الأرضُ الميْتةُ أحييناها﴾ [يس:٣٣]»

اختلف السلف في قوله: ﴿وخلقنا لهم من مثله ما يركبون﴾ على قولين: الأول: أنه السفن. الثاني: أنه الإبل. وقد رجّح ابنُ جرير (١٩‏/‏٤٤٦-٤٤٧) مستندًا إلى السياق، والدلالة العقلية القول الأول، فقال: «وأشبه القولين بتأويل ذلك قولُ مَن قال: عني بذلك: السفن، وذلك لدلالة قوله: ﴿وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم﴾ [يس:٤٣]، على أن ذلك كذلك، وذلك أنّ الغرق معلوم أن لا يكون إلا في الماء، ولا غرق في البر». وذكر ابنُ عطية (٧‏/‏٢٥٠-٢٥١) في معنى: ﴿حملنا ذريتهم﴾ وفي معنى: ﴿من مثله﴾ احتمالين، فقال: «وأمّا معنى الآية فيحتمل تأويلين: أحدهما قاله ابن عباس وجماعة، وهو أن يريد بالذريات المحمولين: أصحاب نوح في السفينة، ويريد بقوله: ﴿مِن مِثْلِهِ﴾: السفن الموجودة في جنس بني آدم إلى يوم القيامة، وإيّاها أراد الله تعالى بقوله: ﴿وإنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾، والتأويل الثاني قاله مجاهد والسُدِّيّ، وروي عن ابن عباس أيضًا، هو أن يريد بقوله: ﴿أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾: السفن الموجودة في بني آدم إلى يوم القيامة، ويريد بقوله: ﴿وخَلَقْنا لَهُمْ مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾: الإبل وسائر ما يركب، فتكون المماثلة في أنه مركوب مُبَلِّغٌ إلى الأقطار فقط، ويعود قوله: ﴿وإن نشأ نغرقهم﴾ على السفن الموجودة في الناس، وأما من خلط القولين فجعل الذرية في الفلك في قوم نوح في سفينة، وجعل ﴿من مثله﴾ في الإبل؛ فإن هذا نظرٌ فاسد يقطع به قوله تعالى: ﴿وإن نشأ نغرقهم﴾. فتأمله»

سورة هود — الآية ٨١

عن عبد الله بن عباس -من طريق جويبر، ومقاتل- قال:... فلمّا لم يتناهوا، ولم يَرُدَّهم قوله، ولم يقبلوا شيئًا مِمّا عرض عليهم من أمر بناته؛ قال: ﴿لو أن لي بكم قوة أو ءاوي إلى ركن شديد﴾. يعني: عشيرة أو شيعة تنصُرُني؛ لحُلت بينكم وبين هذا. فكسروا الباب، ودخلوا عليه، وتحوَّل جبريل في صورته التي يكون فيها في السماء، ثم قال: يا لوط، لا تخف، نحن الملائكة، لن يَصِلوا إليك، وأُمِرنا بعذابهم. فقال لوط: يا جبريل، الآن تعذبهم. وهو شديدُ الأسَف عليهم، قال جبريل: موعدُهم الصبح، أليس الصبح بقريب؟ قال ابن عباس: إنّ الله يُعَبِّي العذاب في أول الليل إذا أراد أن يُعذِّب قومًا، ثم يعذبهم في وجه الصبح. قال: فهُيِّئَت الحجارة لقوم لوطٍ في أول الليل لتُرسَل عليهم غُدْوَةً، وكذلك عُذِّبَت الأمم -عاد وثمود- بالغداة، فلما كان عند وجه الصبح عمد جبريل إلى قرى لوط بما فيها؛ من رجالها، ونسائها، وثمارها، وطيرها، فحَواها وطَواها، ثُمَّ قَلَعَها مِن تُخُومِ الثَّرى، ثُمَّ احتمَلها مِن تحت جناحه، ثم رفعها إلى السماء الدنيا، فسمع سكانُ سماء الدنيا أصواتَ الكلاب والطير والرجال والنساء مِن تحت جناح جبريل، ثم أرسلها منكوسة، ثم أتبعها بالحجارة، وكانت الحجارة للرُّعاة والتُّجّار ومَن كان خارِجًا عن مدائنهم

سورة القمر — الآية ٣٧

عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قول الله: ﴿ولَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أعْيُنَهُمْ﴾، قال: هؤلاء قوم لوط حين راودوه عن ضَيفه، طمس اللهُ أعينهم، فكان ينهاهم عن عملهم الخبيث الذي كانوا يعملون، فقالوا له: إنّا لا نترك عملنا، فإيّاك أن تُنزِل أحدًا أو تُضِيفه، أو تَدَعه يَنزل عليك، فإنّا لا ندعه بتَّةً ولا نترك عملنا. قال: فلمّا جاءه المرسلون خرجت امرأته الشّقيّة مِن الشَّقِّ، فأتتهم، فدَعَتْهم، وقالت لهم: تعالوا، فإنه قد جاء قومٌ لم أرَ قطّ أحسن وجوهًا، ولا أحسن ثيابًا، ولا أطيب أرواحًا منهم. قال: فجاءوه يُهرعون إليه، فقال: إنّ هؤلاء ضيفي، فاتقوا الله، ولا تخزوني في ضيفي. ﴿قالوا: أولم ننهَك عن العالمين﴾ أليس قد تقدّمنا إليك وأعذرنا فيما بيننا وبينك؟! قال: ﴿هؤلاء بناتي هنّ أطهر لكم﴾. فقال له جبريل عليه السلام: ما يَهُولك مِن هؤلاء؟ قال: أما ترى ما يريدون؟! فقال: ﴿إنّا رُسل ربّك لن يَصِلوا إليك﴾ لا تَخفْ ولا تحزن إنّا مُنجُّوك وأهلك إلا امرأتك، لتَصْنعنّ هذا الأمر سرًّا، وليكوننّ فيه بلاء. قال: فنشَر جبريل عليه السلام جناحًا من أجنحته، فاختلس به أبصارهم، فطمَس أعينهم، فجعلوا يجول بعضهم في بعض، فذلك قول الله: ﴿فَطَمَسْنا أعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾