جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
حدثنا ابن حُميد، قال : حدثنا يعقوب، عن حفص بن حميد، عن شمر، قال : جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار، فقال له : حدثني عن قول الله : عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى عِنْدَها جَنّةُ المَأْوَى فقال كعب : إنها سدرة في أصل العرش، إليها ينتهي علم كلّ عالم، مَلك مقرّب، أو نبيّ مرسل، ما خلفها غيب، لا يعلمه إلا الله.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال أخبرني جرير بن حازم، عن الأعمش، عن شمر بن عطية، عن هلال بن يساف، قال : سأل ابن عباس كعبا، عن سدرة المنتهى وأنا حاضر، فقال كعب : إنها سدرة على رؤوس حملة العرش، وإليها ينتهي علم الخلائق، ثم ليس لأحد وراءها علم، ولذلك سميت سدرة المنتهى، لانتهاء العلم إليها.
وقال آخرون : قيل لها سدرة المنتهى، لأنها ينتهي ما يهبط من فوقها، ويصعد من تحتها من أمر الله إليها. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمارة، قال : حدثنا سهل بن عامر، قال : حدثنا مالك، عن الزّبير، عن عديّ، عن طلحة اليامي، عن مرّة، عن عبد الله، قال : لما أُسري برسول الله ﷺ انتهى به إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السادسة، إليها ينتهي من يعرج من الأرض أو من تحتها، فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط من فوقها، فيقبض فيها.
حدثني جعفر بن محمد المروزي، قال : حدثنا يعلى، عن الأجلح، قال : قلت للضحاك : لم تسمى سدرة المنتهى ؟ قال : لأنه ينتهي إليها كلّ شيء من أمر الله لا يعدوها.
وقال آخرون : قيل لها : سِدْرة المنتهى، لأنه ينتهي إليها كلّ من كان على سنة رسول الله ﷺ ومِنهاجه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حُمَيد، قال : حدثنا مهران، عن أبي جعفر، عن الربيع عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى، قال : إليها ينتهي كلّ أحد، خلا على سنة أحمد، فلذلك سميت المنتهى.
حدثني عليّ بن سهل، قال : حدثنا حجاج، قال : حدثنا أبو جعفر الرازيّ، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية الرياحي، عن أبي هُريرة، أو غيره «شكّ أبو جعفر الرازيّ » قال : لما أُسري بالنبيّ ﷺ، انتهى إلى السدرة، فقيل له : هذه السدرة ينتهي إليها كلّ أحد خلا من أمتك على سنتك.
والصواب من القول في ذلك أن يقال : إن معنى المنتهى الانتهاء، فكأنه قيل : عند سدرة الانتهاء. وجائز أن يكون قيل لها سدرة المنتهى : لانتهاء علم كلّ عالم من الخلق إليها، كما قال كعب. وجائز أن يكون قيل ذلك لها، لانتهاء ما يصعد من تحتها، وينزل من فوقها إليها، كما رُوي عن عبد الله. وجائز أن يكون قيل ذلك كذلك لانتهاء كلّ من خلا من الناس على سنة رسول الله ﷺ إليها. وجائز أن يكون قيل لها ذلك لجميع ذلك، ولا خبر يقطع العذر بأنه قيل ذلك لها لبعض ذلك دون بعض، فلا قول فيه أصحّ من القول الذي قال ربنا جلّ جلاله، وهو أنها سدرة المنتهى.
وبالذي قلنا في أنها شجرة النبق تتابعت الأخبار عن رسول الله ﷺ، وقال أهل العلم. ذكر ما في ذلك من الآثار، وقول أهل العلم :
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا ابن أبي عديّ، عن حميد، عن أنس بن مالك، قال : قال رسول الله ﷺ :«انْتَهَيْتُ إلى السّدْرَةِ فإذَا نَبْقُها مِثْلُ الجِرَارِ، وَإذَا وَرَقُها مِثْل آذَانِ الفِيلَةِ فَلَمّا غَشِيَها مِنْ أمْرِ اللّهِ ما غَشِيَها، تَحَوّلَتْ ياقُوتا وَزُمُرّدا وَنَحْوَ ذلكَ ».
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا ابن أبي عَدِيّ، عن سعيد عن قتادة، عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة رجل من قومه قال : قال نبيّ الله ﷺ :«لَمّا انْتَهَيْتُ إلى السّماءِ السّابِعَةِ أتَيْتُ عَلى إبْرَاهِيمَ فَقُلْتُ : يا جِبْرِيلُ مَنْ هَذَا ؟ قال : هَذَا أبُوكَ إبْرَاهِيمُ، فَسَلّمْتُ عَلَيْهِ، فَقالَ : مَرْحَبا بالابْنِ الصّالِحِ والنّبِيّ الصّالِح، قال : ثُمّ رُفِعَتْ لي سِدْرَةُ المُنْتَهَى فحدّث نبيّ الله أنّ نبقها مثل قلال هجر، وأن ورقها مثل آذان الفِيلة ».
وحدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا خالد بن الحارث، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة رجل من قومه، عن النبيّ ﷺ، بنحوه.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا معاذ بن هشام، قال : ثني أبي، عن قتادة، قال : حدثنا أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة، أن رسول الله ﷺ قال، فذكر نحوه.
حدثنا أحمد بن أبي سُرَيج، قال : حدثنا الفضل بن عنبسة، قال : حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البُنانيّ، عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ :«رَكِبْتُ البُرَاقَ ثُمّ ذُهِبَ بِي إلى سِدْرَةِ المُنْتَهَى، فإذَا وَرقُها كآذَانِ الفِيَلَةِ، وَإَذَا ثَمَرُها كالقِلالِ » قال :«فَلَمّا غَشِيَها مِنْ أمْرِ اللّهِ ما غَشِيَها تَغَيّرَتْ، فَمَا أحَدٌ يَسْتَطِيعُ أنْ يَصِفَها مِنْ حُسْنِها »، قال :«فأَوْحَى اللّهُ إليّ ما أوْحَى ».
حدثنا أحمد بن أبي سريج، قال : حدثنا أبو النضر، قال حدثنا سليمان بن المُغيرة، عن أنس، قال : قال رسول الله ﷺ :«عَرَجَ بِي المَلَكُ » قال :«ثُمّ انْتَهَيْتُ إلى السّدْرَةِ وأنا أعْرِفُ أنها سِدْرَةٌ، أعْرِفُ وَرَقَها وَثَمَرها » قال :«فَلَمّا غَشِيَها مِنْ أمْرِ اللّهِ ما غَشِيَها تَحَوّلَتْ حتى ما يسْتَطِيعُ أحَدٌ أنْ يَصِفَها ».
حدثنا محمد بن سنان القزّاز، قال : حدثنا يونس بن إسماعيل، قال : حدثنا سليمان، عن ثابت، عن أنس عن رسول الله ﷺ مثله، إلا أنه قال :«حتى ما أسْتَطيعُ أنْ أصِفَها ».
حدثنا عليّ بن سهل، قال : حدثنا حجاج، قال : حدثنا أبو جعفر الرازيّ، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية الرياحي، عن أبي هريرة أو غيره «شكّ أبو جعفر الرازيّ » قال : لما أُسريَ بالنبيّ ﷺ انتهى إلى السدرة، فقيل له : هذه السدرة ينتهي إليها كلّ أحد خلا من أمتك على سنتك، فإذا هي شجرة يخرج من أصلها أنهار من ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذّة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى، وهي شجرة يسير الراكب في ظلها سبعين عاما لا يقطعها، والورقة منها تغطي الأمة كلها.
وحدثنا ابن حُمَيد، قال : حدثنا مهران، عن سفيان، عن سلمة بن كهيل الحضرميّ، عن الحسن العرنيّ، أراه عن الهذيل بن شرحبيل، عن ابن مسعود سدْرَةِ المُنْتَهَى قال : من صُبْر الجنة عليها أو عليه فضول السندس والإستبرق، أو جعل عليها فضول.
وحدثنا به ابن حُمَيد مرّة أخرى، عن مهران، فقال عن الحسن العُرنيّ، عن الهذيل، عن ابن مسعود «ولم يشكّ فيه »، وزاد فيه : قال صبر الجنة : يعني وسطها وقال أيضا : عليها فضول السندس والإستبرق.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن الحسن العرني، عن الهذيل بن شرحبيل، عن عبد الله بن مسعود في قوله : سِدْرَةِ المُنْتَهَى قال : صبر الجنة عليها السندس والإستبرق.
حدثنا أبو كُرَيب، قال : حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد بن عبد الله، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر، قالت : سمعت رسول الله ﷺ، وذكر سدرة المنتهى، فقال :«يَسِيرُ فِي ظِلّ الْفَنَنِ مِنْها مِئَةُ رَاكِبٍ »، أو قال :«يَسْتَظِلّ فِي الفَننِ مِنْها مِئَةُ رَاكِبٍ »، «شكّ يحيى » «فِيها فَرَاشُ الذّهَبِ، كأنّ ثَمَرها القِلالُ ».
حدثنا ابن حُمَيد، قال : حدثنا مهران، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن سدرة المنتهى، قال : السدرة : شجرة يسير الراكب في ظلها مئة عام لا يقطعها، وإن ورقة منها غَشّت الأمّةَ كلها.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله : عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى : أن النبيّ ﷺ قال :«رُفِعَتْ لي سِدْرَةٌ مُنْتَهاها فِي السّماءِ السّابِعَةِ، نَبْقُها مِثْلُ قِلالِ هَجَرٍ، وَوَرَقُها مِثْلُ آذانِ الفِيلَةِ، يَخْرُجُ مِنْ ساقِها نَهْرَانِ ظاهِران، وَنهْرانِ باطِنانِ »، قال :«قُلْتُ لِجْبِريلَ ما هَذَان النّهْرَانِ أرْوَاحٌ » قال : أمّا النّهْرَانِ الباطِنانِ، فَفِي الجَنّة، وأمّا النّهْرَانِ الظّاهِرَانِ : فالنّيلُ والفُراتُ.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
حدثنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجانيّ، قال: ثنا عمرو بن عاصم، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن عاصم عن زرّ، عن عبد الله، أن النبي ﷺ قال: "رأيْتُ جِبْريلَ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى، لَهُ سِتُّ مئَة جنَاح، يَنْفضُ مِنْ رِيشهِ التَّهاويلَ الدُّرَّ والياقُوتَ ".
حدثنا أبو هشام الرفاعي، وإبراهيم بن يعقوب، قالا ثنا زيد بن الحباب، أن الحسين بن واقد، حدثه قال: حدثني عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رأيْتُ جِبْريلَ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى لَهُ سِتُّ مئَة جنَاح" زاد الرفاعيّ في حديثه، فسألت عاصما عن الأجنحة، فلم يخبرني، فسألت أصحابي، فقالوا: كلّ جناح ما بين المشرق والمغرب.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى) قال: رأى جبريل في صورته التي هي صورته، قال: وهو الذي رآه نزلة أخرى.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى) فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة ومكة والكوفة والبصرة (كَذبَ) بالتخفيف، غير عاصم الجحدري وأبي جعفر القارئ والحسن البصري فإنهم قرءوه "كذب" بالتشديد، بمعنى: أن الفؤاد لم يكذب الذي رأى، ولكنه جعله حقا وصدقا، وقد يحتمل أن يكون معناه إذا قرئ كذلك: ما كذّب صاحب الفؤاد ما رأى. وقد بيَّنا معنى من قرأ ذلك بالتخفيف.
والذي هو أولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأه بالتخفيف لإجماع الحجة من القرّاء عليه، والأخرى غير مدفوعة صحتها لصحة معناها.