عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- في قوله: ﴿وأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾، قال: الشيطانُ حين جلس على كرسيه أربعين يومًا؛ كان لسليمان عليه السلام مائة امرأة، وكانت امرأة منهن يقال لها: جرادة، وهي آثر نسائه عنده وآمَنُهُنَّ، وكان إذا أجنب أو أتى حاجة نزع خاتمه، ولم يأتمن عليه أحدًا من الناس غيرها، فجاءته يومًا من الأيام، فقالت: إنّ أخي بينه وبين فلان خصومة، وأنا أحبُّ أن تقضي له إذا جاءك. فقال: نعم. ولم يفعل، فابتُلي؛ فأعطاها خاتمه، ودخل المخرج، فخرج الشيطان في صورته، فقال: هات الخاتم. فأعطته، فجاء حتى جلس على مجلس سليمان، وخرج سليمانُ بعد، فسألها أن تعطيه خاتمه، فقالت: ألم تأخذه قبلُ؟! قال: لا. قال: وخرج مِن مكانه تائهًا، ومكث الشيطان يحكم بين الناس أربعين يومًا، فأنكر الناسُ أحكامَه، فاجتمع قُرّاء بني إسرائيل وعلماؤهم، فجاؤوا حتى دخلوا على نسائه، فقالوا: إنا قد أنكرنا هذا. وأقبلوا يمشون حتى أتوه، فأحدقوا به، ثم نشروا فقرؤوا التوراة، فطار مِن بين أيديهم حتى وقع على شُرْفَةٍ والخاتم معه، ثم طار حتى ذهب إلى البحر، فوقع الخاتم منه في البحر، فابتلعه حوتٌ مِن حيتان البحر، وأقبل سليمان في حاله التي كان فيها حتى انتهى إلى صيّاد مِن صيادي البحر وهو جائع، فاستطعمه من صيدهم، فأعطاه سمكتين، فقام إلى شطِّ البحر، فشقَّ بطونهما، فوجد خاتمه في بطن إحداهما، فأخذه، فلبسه، فردَّ الله عليه بهاءَه وملكَه، فأرسل إلى الشيطان، فجيء به، فأَمر به، فجُعل في صندوق من حديد، ثم أطبق عليه، وأقفل عليه بقفل، وخَتم عليه بخاتمه، ثم أمر به فأُلقي في البحر، فهو فيه حتى تقوم الساعة، وكان اسمه: حبقيق
اختُلِف في تأويل قوله تعالى: ﴿يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها﴾ على أربعة أقوال: الأول: أن النعمة: ما ذُكِرَ في هذه السورة، وإنكارها: قولهم: ورثناها عن آبائنا. وهذا قول مجاهد. والثاني: أن النعمة: ما ذُكِرَ في هذه السورة، وإنكارها: قولهم: لولا فلان ما كان كذا وكذا، ولولا فلان ما أصبت كذا وكذا. وهذا قول عون بن عبد الله. والثالث: أن النعمة: ما ذُكِرَ في هذه السورة، وإنكارها: قولهم: هذه بشفاعة آلهتنا. وهذا قول الكلبي، وغيره. والرابع: أن النعمة: نبوَّة محمد ﷺ، وإنكارها: جحد نبوّته وتكذيبه. وهذا قول السّدّيّ. ورجَّحَ ابنُ جرير (١٤/٣٢٦-٣٢٧) القولَ الرابعَ استنادًا إلى السياق، وقال مُعَلِّلًا اختياره: «وذلك أنّ هذه الآية بين آيتين كلتاهما خبر عن رسول الله ﷺ وعما بُعِث به، فأولى ما بينهما أن يكون في معنى ما قبله وما بعده؛ إذ لم يكن معنى يدل على انصرافه عما قبله وعما بعده، فالذي قبل هذه الآية قوله: ﴿فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها﴾ وما بعده: ﴿ويوم نبعث من كل أمة شهيدا﴾ وهو رسولها. فإذ كان ذلك كذلك فمعنى الآية: يعرف هؤلاء المشركون بالله نعمة الله عليهم يا محمد بك، ثم ينكرونك ويجحدون نبوتك». وذَهَبَ إلى ذلك أيضًا ابنُ القيم (٢/١١٨) مستندًا إلى دلالة عقلية، فقال: «هذا أقرب إلى حقيقة الإنكار؛ فإنه إنكار لما هو أجَلُّ النعم أن تكون نعمة». ثم علّق على الأقوال الثلاثة الأولى، واسْتَدْرَكَ عليها (٢/١١٨-١١٩) بقوله: «أما على القول الأول والثاني والثالث فإنهم لما أضافوا النعمة إلى غير الله فقد أنكروا نعمة الله بنسبتها إلى غيره؛ فإن الذي قال: إنما كان هذا لآبائنا ورثناه كابرًا عن كابر. جاحدًا لنعمة الله عليه، غير معترف بها، وهو كالأبرص والأقرع اللذين ذكَّرهما الملَك بنعم الله عليهما، فأنكرا، وقالا: إنما ورثنا هذا كابرًا عن كابر. فقال: إن كنتما كاذبين فصيركما الله إلى ما كنتما. وكونها موروثة عن الآباء أبلغ في إنعام الله عليهم؛ إذ أنعم بها على آباءهم، ثم ورثهم إياها، فتمتعوا هم وآباؤهم بنعمه. وأما قول الآخرين: لولا فلان لما كان كذا. فيتضمن قطع إضافة النعمة إلى مَن لولاه لم تكن، وإضافتها إلى من لا يملك لنفسه ولا لغيره ضرًّا ولا نفعًا، وغايته أن تكون جزء من أجزاء السبب أجرى الله تعالى نعمته على يده، والسبب لا يستقل بالإيجاد، وجعله سببًا هو من نعم الله عليه، وهو المنعم بتلك النعمة، وهو المنعم بما جعله من أسبابها، فالسبب والمسبب من إنعامه، وهو سبحانه قد ينعم بذلك السبب، وقد ينعم بدونه؛ فلا يكون له أثر، وقد يسلبه تسبيبته، وقد يجعل لها معارضًا يقاومها، وقد يرتب على السبب ضد مقتضاه، فهو وحده المنعم على الحقيقة. وأما قول القائل: بشفاعة آلهتنا. فتضمن الشرك مع إضافة النعمة إلى غير وليها، فالآلهة التي تعبد من دون الله أحقر وأذل من أن تشفع عند الله، وهي محضرة في الهوان والعذاب مع عابديها، وأقرب الخلق إلى الله وأحبهم إليه لا يشفع عنده إلا من بعد إذنه لمن ارتضاه، فالشفاعة بإذنه من نعمه، فهو المنعم بالشفاعة، وهو المنعم بقبولها، وهو المنعم بتأهيل المشفوع له؛ إذ ليس كل أحد أهلًا أن يشفع له، فمن المنعم على الحقيقة سواه؟! قال تعالى: ﴿وما بِكُمْ مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾، فالعبد لا خروج له عن نعمته وفضله ومنته وإحسانه طرفة عين، لا في الدنيا، ولا في الآخرة»
اختُلف في تفسير قوله: ﴿كانوا قليلًا من الليل ما يهجعون﴾ على أقوال: الأول: معناه: كانوا قليلًا من الليل لا يهجعون، وقالوا: ﴿ما﴾ بمعنى الجحد. الثاني: كانوا قليلًا من الليل يهجعون، ووجهوا ﴿ما﴾ التي في قوله: ﴿ما يهجعون﴾ إلى أنها صلة. الثالث: معناه: كانوا يُصَلُّون العَتَمَة. الرابع: أن معناه: كان هؤلاء المحسنون قبل أن تُفرض عليهم الفرائض قليلًا من الناس، والكلام بعد قوله: ﴿إنهم كانوا قبل ذلك محسنين﴾ كانوا قليلًا مستأنف بقوله: ﴿من الليل ما يهجعون﴾. وقد بيّن ابنُ جرير (٢١/٥٠٦) أنه على القول الثاني «يجوز أن تكون ﴿ما﴾ في موضع رفع، ويكون تأويل الكلام: كانوا قليلًا من الليل هجوعهم». ثم قال: «وأما مَن جعل ﴿ما﴾ صلة فإنه لا موضع لها؛ ويكون تأويل الكلام على مذهبه: كانوا يهجعون قليل الليل، وإذا كانت ﴿ما﴾ صلة كان القليل منصوبًا بـ﴿يهجعون﴾». وعلّق على القول الثالث، فقال: «وعلى هذا التأويل ﴿ما﴾ في معنى الجحد». وعلّق على القول الرابع، فقال: «فالواجب أن تكون ﴿ما﴾ على هذا التأويل بمعنى الجحد». ثم رجّح (٢١/٥٠٩) -مستندًا إلى الأغلب من ظاهر اللفظ- القول الثاني، فقال: «وأولى الأقوال بالصحة في تأويل قوله: ﴿كانوا قليلًا من الليل ما يهجعون﴾ قول مَن قال: كانوا قليلًا من الليل هجوعهم؛ لأن الله -تبارك وتعالى- وصفهم بذلك مدحًا لهم، وأثنى عليهم به، فوصفهم بكثرة العمل، وسهر الليل، ومكابدته فيما يُقرّبهم منه ويرضيه عنهم أولى وأشبه من وصفهم من قلّة العمل، وكثرة النوم، مع أنّ الذي اخترنا في ذلك هو أغلب المعاني على ظاهر التنزيل». وبنحوه ابنُ عطية (٨/٦٧) حيث قال: «وظاهر الآية عندي أنهم كانوا يقومون الأكثر من ليلهم، أي: من كل ليلة». وبيّن أن ﴿ما﴾ على هذا مصدرية و﴿قليلًا﴾ خبر كان، و«الهجوع» مرتفع بـ﴿قليلًا﴾ على أنه فاعل، ويكون المعنى على هذا:«كانوا قليلًا من الليل هجوعهم». وكذا ابنُ تيمية (٦/١٠٢) مستندًا إلى النظائر، فقال: «وأصح الأقوال: أنّ معناه: كانوا يهجعون قليلًا. فـ﴿قليلًا﴾ منصوب بـ﴿يهجعون﴾ و﴿ما﴾ مؤكدة. وهذا مثل قوله: ﴿بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون﴾ [البقرة:٨٨]، وقوله: ﴿كانوا قليلًا من الليل ما يهجعون﴾ هو مُفسّر في سورة المزمل بقوله: ﴿قم الليل إلا قليلا*نصفه أو انقص منه قليلا * أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا﴾ [المزمل:٢-٤]، فهذا المستثنى من الأمر هو القليل المذكور في تلك السور، وهو قليل بالنسبة إلى مجموع الليل والنهار؛ فإنهم إذا هجعوا ثلثه أو نصفه أو ثلثاه فهذا قليل بالنسبة إلى ما لم يهجعوه من الليل والنهار، وسواء ناموا بالنهار أو لم يناموا». وانتقد ابنُ القيم (٣/٣٥) -مستندًا إلى الدلالة العقلية، والسنة، والنظائر- القول الأول بقوله: «وهذا ضعيف لوجوه» ثم ذكر لضعفه عدة وجوه، أهمها ما يلي: ١- أنّ هذا ليس بلازم لوصف المتقين الذين يستحقون هذا الجزاء. ٢- أنّ قيام مَن نام من الليل نصفه أحبّ إلى الله من قيام مَن قامه كلّه. ٣- أنه لو كان هذا مرادًا لكان النبي أولى به، وما قام ليلة حتى الصباح. ٤- أنه سبحانه لما أمره بقيام الليل في سورة المزمل إنما أمره بقيام النصف أو النقصان منه أو الزيادة عليه فذكر له هذه المراتب الثلاثة، ولم يذكر قيامه كلّه
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- قال: وأما شأن هاروت وماروت؛ فإن الملائكة عَجِبت من ظُلْم بني آدم وقد جاءتهم الرسل والكتب والبينات، فقال لهم ربهم: اختاروا منكم مَلَكَيْن أُنزِلُهما في الأرض بين بني آدم. فاختاروا -فلم يَأْلوا- هاروت وماروت، فقال لهما حين أنزلهما: أعَجِبْتُما من بني آدم ومن ظلمهم ومعصيتهم؟ وإنما تأتيهم الرسل والكتب من وراءَ وراءَ، وأنتما ليس بيني وبينكما رسول، فافعلا كذا وكذا، ودَعا كذا وكذا. فأمرهما بأمر، ونهاهما، ثم نزلا على ذلك، ليس أحدٌ أطوعَ لله منهما، فحَكَما فعَدَلا، فكانا يحكمان النهار بين بني آدم، فإذا أمسيا عَرَجا وكانا مع الملائكة، وينزلان حين يُصْبِحان فيحكمان فيعدلان، حتى أُنزِلت عليهما الزُّهْرَةُ في أحسن صورة امرأة تُخاصم، فقضيا عليها، فلما قامت وجَد كل واحد منهما في نفسه، فقال أحدهما لصاحبه: وجدتَ مثل ما وجدتُ؟ قال: نعم. فبعثا إليها: أن ائْتِينا نَقْضِ لك. فلَمّا رجعت قالا لها -وقَضَيا لَها-: ائْتِينا. فأتتهما، فكشفا لها عن عورتهما، وإنما كانت شهوتهما في أنفسهما، ولم يكونا كبني آدم في شهوة النساء ولَذَّتها، فلما بلغا ذلك واسْتَحَلّاه وافْتَتَنا طارت الزُّهْرَة، فرجعت حيث كانت، فلما أمسيا عَرَجا، فزُجِرا، فلم يُؤْذَن لهما، ولم تحملْهما أجنحتُهما، فاستغاثا برجل من بني آدم، فأتياه، فقالا: ادع لنا ربك. فقال: كيف يشفع أهلُ الأرض لأهل السماء؟ قالا: سمعنا ربك يذكرك بخير في السماء. فوعدهما يومًا يدعو لهما، فدعا لهما، فاستجيب له، فخُيِّرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فنظر أحدهما إلى صاحبه، فقالا: نعلم أن أفواج عذاب الله في الآخرة كذا وكذا في الخُلْد، نعم، ومع الدنيا سبع مرات مثلها. فأُمِرا أن يَنزِلا ببابل، فثَمَّ عذابُهما، وزعم أنهما مُعَلَّقان في الحديد، مَطْوِيّان، يَصْطَفِقان بأجنحتهما
عن [عبد الرحمن] بن غَنْم -من طريق شَهْر بن حَوْشَب-: أنّه لَمّا خرج أصحاب النبي ﷺ إلى النجاشيِّ أدركهم عمرو بن العاص وعُمارة بن أبي مُعَيْطٍ، فأرادوا عَنَتَهم والبغيَ عليهم، فقَدِموا على النجاشي، وأخبروه أنّ هؤلاء الرَّهْط الذين قدموا عليك مِن أهل مكة إنّما يريدون أن يَخْبِلوا عليك مُلْكَك، ويُفْسِدوا عليك أرضَك، ويشتموا ربَّك. فأرسل إليهم النجاشيُّ، فلمّا أن أتوه قال: ألا تسمعون ما يقول صاحباكم هذان -لعمرو بن العاص، وعمارة بن أبي مُعيط-! يزعمان أنّما جِئتُم لتَخْبِلوا عَلَيَّ مُلْكي، وتُفسِدوا عَلَيَّ أرضي. فقال عثمان بن مَظْعُون وحمزة: إن شئتم فخلُّوا بين أحدنا وبين النجاشي، فلنُكَلِّمْه، فأنا أحْدَثُكم سِنًّا، فإن كان صوابًا فالله يأتي به، وإن كان أمرًا غير ذلك قلتم: رجل شابٌّ، لكم في ذلك عذر. فجمع النجاشِيُّ قِسِّيسِيهِ ورُهْبانَه وتَراجِمَتَه، ثم سألهم: أرأيتكم صاحبَكم هذا الذي مِن عنده جئتُم، ما يقول لكم وما يأمركم به وما ينهاكم عنه، هل له كتاب يقرؤه؟ قالوا: نعم، هذا الرجل يقرأ ما أنزل الله عليه، وما قد سمع منه، وهو يأمُرُ بالمعروف، ويأمُرُ بحسن المجاورة، ويأمُرُ باليتيم، ويأمرُ بأن يُعبد الله وحده، ولا يُعبَد معه إلهٌ آخر. فقرأ عليه سورة الروم وسورة العنكبوت وأصحاب الكهف ومريم، فلمّا أن ذكر عيسى في القرآن أراد عمرو أن يُغْضِبَه عليهم، فقال: واللهِ، إنّهم ليشتمون عيسى ويَسُبُّونه. قال النجاشي: ما يقول صاحبكم في عيسى؟ قال: يقول: إنّ عيسى عبد الله، ورسوله، وروحه، وكلمته ألقاها إلى مريم. فأخذ النجاشيُّ نفثةً مِن سواكه قَدْرَ ما يُقَذِّي العين، فحلف: ما زاد المسيحُ على ما يقول صاحبكم، ما يَزِنُ ذلك القَذى في يده مِن نَفْثَةِ سِواكِه، فأبشِروا، ولا تخافوا، فلا دهونة -يعني بلسان الحبشة: اليوم- على حِزب إبراهيم. قال عمرو بن العاصي: ما حِزبُ إبراهيم؟ قال: هؤلاء الرهط وصاحبُهم الذي جاؤوا من عنده ومَن اتبعهم. فأُنْزِلَتْ ذلك اليوم خُصُومَتُهم على رسول الله ﷺ وهو بالمدينة: ﴿إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النَّبِيّ والذين آمنوا والله ولي المؤمنين﴾
اختُلِف في المخاطب بقوله: ﴿ليس بأمانيكم﴾ على ثلاثة أقوال: الأول: هم أهل الشرك من عبدة الأوثان. والثاني: هم أهل الكتاب خاصة. والثالث: هم أهل الإسلام. ورجَّح ابنُ جرير (٧/٥١٤-٥١٥ بتصرف) القول الأول الذي قاله مجاهد وابن زيد، وانتَقَد البقية مستندًا إلى السياق، فقال: «لأن المسلمين لم يَجْرِ لأمانيهم ذِكْرٌ فيما مضى مِن الآي قبل قوله: ﴿ليس بأمانيكم﴾، وإنما جرى ذكر أماني نصيب الشيطان المفروض، وذلك في قوله: ﴿ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام﴾، وقوله: ﴿يعدهم ويمنيهم﴾؛ فإلحاق معنى قوله: ﴿ليس بأمانيكم﴾ بما قد جرى ذكره قبلُ أحقُّ وأولى مِن ادِّعاء تأويلٍ فيه لا دلالة عليه من ظاهر التنزيل، ولا أثر عن الرسول ﷺ، ولا إجماع من أهل التأويل... ومما يدل أيضًا على صِحَّة ما قلنا...: إنّ الله وصف وعْد الشيطان ما وعَدَ أولياءه، وأخبر بحال وعْدِه الصادق بقوله: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا وعد الله حقا﴾، وقد ذكر -جلَّ ثناؤه- مع وصفه وعد الشيطان أولياءه وتمنيته إياهم الأماني بقوله: ﴿يعدهم ويمنيهم﴾ كما ذكر وعده إياهم، فالذي هو أشْبه أن يُتبِع تمنيته إياهم من الصفة بمثل الذي أتبع عِدَتَه إياهم به من الصفة. وإذ كان ذلك كذلك صَحَّ أنّ قوله: ﴿ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب﴾ ﴿من يعمل سوءا يجز به﴾ الآية إنّما هو خبر من الله عن أماني أولياء الشيطان، وما إليه صائِرَةٌ أمانيهم مع سَيِّء أعمالهم من سوء الجزاء، وما إليه صائرة أعمال أولياء الله من حسن الجزاء. وإنما ضمَّ -جل ثناؤه- أهل الكتاب إلى المشركين في قوله: ﴿ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب﴾ لأن أماني الفريقين من تمنية الشيطان إياهم التي وعدهم أن يُمَنِّيهُمُوها بقوله: ﴿ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم﴾». ورجَّح ابنُ تيمية (٢/٣٤٣-٣٤٤ بتصرف) القول الأخير مستندًا إلى أحوال النزول، فقال: «[وهو] أشهر في النقل، وأظهر في الدليل؛ لأن السورة مدنية بالاتفاق، فالخطاب فيها مع المؤمنين كسائر السور المدنية»
ذكر ابنُ عطية (٨/٦٦٠) هذا الأثر، ثم قال معلّقًا: «ثم كشف الغيبُ أنْ كان من سنة الجماعة إلى قتْل مروان الجعْدي هذا القدر من الزمان بعينه، ثم إنّ القول يعارضه أنه قد مَلَك بنو أُميّة في غرب الأرض مدة غير هذه». وذكر هذا الأثر ابنُ كثير (١٤/٤٠٤-٤٠٥) ثم انتقده -مستندًا إلى دلالة التاريخ والعقل وأحوال النزول- فقال: «قلتُ: وقول القاسم بن الفضل الحداني إنه حسب مدة بني أُميّة فوجدها ألف شهر لا تزيد يومًا ولا تنقص، ليس بصحيح؛ فإنّ معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه استقلّ بالمُلك حين سَلّم إليه الحسن بن علي الإمرة سنة أربعين، واجتمعت البيعة لمعاوية، وسُمِّي ذلك عام الجماعة، ثم استمروا فيها متتابعين بالشام وغيرها، لم تخرج عنهم إلا مدة دولة عبد الله بن الزُّبير في الحرمين والأهواز وبعض البلاد قريبًا من تسع سنين، لكن لم تزل يدهم عن الإمرة بالكلية، بل عن بعض البلاد، إلى أن استلبهم بنو العباس الخلافة في سنة اثنتين وثلاثين ومائة، فيكون مجموع مدتهم اثنتين وتسعين سنة، وذلك أزيد من ألف شهر، فإنّ الألف شهر عبارة عن ثلاث وثمانين سنة وأربعة أشهر، وكأن القاسم بن الفضل أسقط من مدتهم أيام ابن الزُّبير، وعلى هذا فتقارب ما قاله الصحة في الحساب، والله أعلم. ومما يدل على ضعف هذا الحديث أنه سيق لذمّ دولة بني أُميّة، ولو أريد ذلك لم يكن بهذا السياق؛ فإنّ تفضيل ليلة القدر على أيامهم لا يدل على ذمّ أيامهم، فإنّ ليلة القدر شريفة جدًّا، والسورة الكريمة إنما جاءتْ لمدح ليلة القدر، فكيف تُمدح بتفضيلها على أيام بني أُميّة التي هي مذمومة بمقتضى هذا الحديث. ثم الذي يُفهم من ولاية الألف شهر المذكورة في الآية هي أيام بني أُميّة، والسورة مكّيّة، فكيف يحال على ألف شهر هي دولة بني أُميّة، ولا يدل عليها لفظ الآية ولا معناها؟! والمنبر إنما صُنع بالمدينة بعد مدة من الهجرة، فهذا كلّه مما يدل على ضعف هذا الحديث ونكارته»
عن عبد الله بن عباس، أنّ نافع بن الأزرق قال له: أخبِرني عن قوله تعالى: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾. قال: نهر في بُطنان الجنة، حافتاه قِباب الدُّرّ والياقوت، فيه أزواجه وخدمه. قال: وبأيِّ شيء ذُكر ذلك؟ قال: إنّ رسول الله ﷺ دخل باب المروة، وخرج من باب الصفا، فاستقبله العاصي بن وائل السهمي، فرجع العاصي إلى قريش، فقالت له قريش: مَن استقبلك -يا أبا عمرو- آنفًا؟ قال: ذلك الأَبْتَر. يريد به: النبيَّ ﷺ، فما برح النبي ﷺ حتى أنزل الله هذه السورة: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ إنَّ شانِئَكَ هُوَ الأَبْتَر﴾، يعني: عدوّك العاصي بن وائل الأَبْتَر من الخير؛ لا أُذكر في مكان إلا ذُكرتَ معي، يا محمد، فمَن ذكرني ولم يذكرك ليس له في الجنة نصيب. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعتَ حسّان بن ثابت يقول: وحَباه الإلهُ بالكوثرِ الأكــ ـبرِ فيه النعيمُ والخيرات؟
قال ابن جرير (٢١/٤٠٣-٤٠٤): «في هذا الكلام متروكٌ استُغْنِي بدلالة ما ذُكر عليه مِن ذكره، وذلك أنّ الله دلّ بخبره عن تكذيب هؤلاء المشركين الذين ابتدأ هذه السورة بالخبر عن تكذيبهم رسوله محمدًا ﷺ بقوله: ﴿بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب﴾ على وعيده إيّاهم على تكذيبهم محمدًا ﷺ، فكأنه قال لهم -إذ قالوا منكرين رسالة الله رسوله محمدًا ﷺ: ﴿هذا شيء عجيب﴾-: ستعلمون -أيها القوم- إذا أنتم بُعثتم يوم القيامة ما يكون حالكم في تكذيبكم محمدًا ﷺ، وإنكاركم نبوته. فقالوا مجيبين رسول الله ﷺ: ﴿أئذا متنا وكنا ترابا﴾ نعلم ذلك، ونرى ما تعِدنا على تكذيبك ﴿ذلك رجع بعيد﴾ أي: أن ذلك غير كائن، ولسنا راجعين أحياء بعد مماتنا. فاستغني بدلالة قوله: ﴿بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب﴾ مِن ذِكر ما ذكرت مِن الخبر عن وعيدهم». ثم ذكر أن قول الضَّحّاك فيه دلالة على صحة ما قاله مِن أنهم أنكروا البعث إذا تُوعّدوا به
قال ابنُ عطية (٨/٣٢٦-٣٢٧ بتصرف): «اختُلف في البداية بالنبي، ثم قوله تعالى بعد ذلك: ﴿طلَّقتم﴾؛ فقال بعض النحويين -حكاه الزهراوي-: ذلك خروج من مخاطبة أفراد إلى مخاطبة جماعة، وهذا موجود. وقال آخرون منهم: إنّ نداء النبي ﷺ أُريدت أُمّته معه، فلذلك قال تعالى: ﴿طلَّقتم﴾. وقال آخرون منهم: إنّ المعنى: يا أيها النبي قل لهم: ﴿إذا طلَّقتم﴾. وقال آخرون: إنه من حيث يقول الرجل العظيم: فعلنا، وضَعْنا، خُوطب النبي ﷺ في هذه بـ﴿طلَّقتم﴾ إظهارًا لتعظيمه، وهذا على نحو قوله تعالى في عبد الله بن أبيّ: ﴿هم الذين يقولون﴾ [المنافقون:٧] إذا كان قوله مما يقوله جماعة، فكذلك النبي في هذه الآية ما يُخاطب به فهو خطاب لجماعة. والذي يظهر لي في هذا أنهما خطابان مفترقان، خُوطب النبي على معنى تنبيه لسماع القول وتلقِّي الأمر، ثم قيل له: ﴿إذا طلَّقتم﴾ أي: أنت وأُمّتك، فقوله: ﴿إذا طلَّقتم﴾ ابتداء كلام لو ابتدأ السورة به. وطلاق النساء حَلُّ عِصمتهنّ»