محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٣٤ من سورة ص في ٩٩ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، و٣٥ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٣٤ من سورة ص

٩٩ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَلَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىَ كُرْسِيّهِ جَسَداً ثُمّ أَنَابَ﴾ :


يقول تعالى ذكره :( ولقد ابتَلينا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ) : شيطانا متمثلاً بإنسان، ذكروا أن اسمه صخر. وقيل : إن اسمه آصَف. وقيل : إن اسمه آصر. وقيل : إن اسمه حبقيق. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك : حدثني عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله :( وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيّهِ جَسَدا ) قال : هو صخر الجنّيّ تمثّل على كرسيه جسدا.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله :( وَلَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيّهِ جَسَدا ثُمّ أنابَ ) قال : الجسد : الشيطان الذي كان دفع إليه سليمان خاتمه، فقذفه في البحر، وكان مُلك سليمان في خاتمه، وكان اسم الجنيّ صخرا.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا أبو داود، قال : حدثنا مبارك، عن الحسن :( وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيّهِ جَسَدا ) قال : شيطانا.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا أبو داود، قال : حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبَير :( وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيّهِ جَسَدا ) قال : شيطانا.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا أبو داود، قال : حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد :( وألقَيْنا عَلى كُرْسِيّهِ جَسَدا ) قال : شيطانا يقال له آصر.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله :( عَلى كُرْسِيّهِ جَسَدَا )قال : شيطانا يقال له آصف، فقال له سليمان : كيف تفتنون الناس ؟ قال : أرني خاتمك أخبرك. فلما أعطاه إياه نبذه آصف في البحر، فساح سليمان وذهب مُلكه، وقعد آصف على كرسيه، ومنعه الله نساء سليمان، فلم يقربهنّ، وأنكرنه قال : فكان سليمان يستطعم فيقول : أتعرفوني أطعموني أنا سليمان، فيكذّبونه، حتى أعطته امرأة يوما حوتا يطيب بطنه، فوجد خاتمه في بطنه، فرجع إليه مُلكه، وفرّ آصف فدخل البحر فارّا.
حدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بنحوه، غير أنه قال في حديثه : فيقول : لو تعرفوني أطعمتموني.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله :( وَلَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيّهِ جَسَدا ثُمّ أنابَ ) قال : حدثنا قتادة أن سلمان أمر ببناء بيت المقدس، فقيل له : ابنه ولا يسمع فيه صوت حديد، قال : فطلب ذلك فلم يقدر عليه، فقيل له : إن شيطانا في البحر يقال له صخر شبه المارد، قال : فطلبه، وكانت عين في البحر يردها في كلّ سبعة أيام مرّة، فنزح ماؤها وجعل فيها خمر، فجاء يوم وروده فإذا هو بالخمر، فقال : إنك لشراب طيب، إلا أنك تصبين الحليم، وتزيدين الجاهل جهلاً، قال : ثم رجع حتى عطش عطشا شديدا، ثم أتاها فقال : إنك لشراب طيب، إلا أنك تصبين الحليم، وتزيدين الجاهل جهلاً قال : ثم شربها حتى غلبت على عقله، قال : فأري الخاتم أو ختم به بين كتفيه، فذلّ، قال : فكان مُلكه في خاتمه، فأتى به سليمان، فقال : إنا قد أمرنا ببناء هذا البيت. وقيل لنا : لا يسمعنّ فيه صوت حديد، قال : فأتى ببيض الهدهد، فجعل عليه زجاجة، فجاء الهدهد، فدار حولها، فجعل يرى بيضه ولا يقدر عليه، فذهب فجاء بالماس، فوضعه عليه، فقطعها به حتى أفضى إلى بيضه، فأخذ الماس، فجعلوا يقطعون به الحجارة، فكان سليمان إذا أراد أن يدخل الخلاء أو الحمام لم يدخلها بخاتمه فانطلق يوما إلى الحمام، وذلك الشيطان صخر معه، وذلك عند مقارفة ذنب قارف فيه بعض نسائه، قال : فدخل الحمام، وأعطى الشيطان خاتمه، فألقاه في البحر، فالتقمته سمكة، ونُزع مُلك سليمان منه، وألقي على الشيطان شبه سليمان قال : فجاء فقعد على كرسيه وسريره، وسلّط على مُلك سليمان كله غير نسائه قال : فجعل يقضي بينهم، وجعلوا ينكرون منه أشياء حتى قالوا : لقد فُتِن نبيّ الله وكان فيهم رجل يشبهونه بعمر بن الخطّاب في القوّة، فقال : والله لأجربنه قال : فقال له : يا نبيّ الله، وهو لا يرى إلا أنه نبيّ الله، أحدنا تصيبه الجَنابة في الليلة الباردة، فيدع الغُسْل عمدا حتى تطلع الشمس، أترى عليه بأسا ؟ قال : لا، قال : فبينا هو كذلك أربعين ليلة حتى وجد نبيّ الله خاتمه في بطن سمكة، فأقبل فجعل لا يستقبله جنيّ ولا طير إلا سجد له، حتى انتهى إليهم وأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيّهِ جَسَدا قال : هو الشيطان صخر.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، في قوله : وَلَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ قال : لقد ابتلينا وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيّهِ جَسَدا قال : الشيطان حين جلس على كرسيه أربعين يوما قال : كان لسليمان مِئة امرأة، وكانت امرأة منهنّ يقال لها جرادة، وهي آثر نسائه عنده، وآمنهنّ عنده، وكان إذا أجنب أو أتى حاجة نزع خاتمه، ولم يأتمن عليه أحدا من الناس غيرها فجاءته يوما من الأيام، فقالت : إن أخي بينه وبين فلان خصومة، وأنا أحبّ أن تَقضي له إذا جاءك، فقال لها : نعم، ولم يفعل، فابتُلي وأعطاها خاتمه، ودخل المخرج، فخرج الشيطان في صورته، فقال لها : هاتي الخاتم، فأعطته، فجاء حتى جلس على مجلس سليمان، وخرج سليمان بعد، فسألها أن تعطيه خاتمه، فقالت : ألم تأخذه قبل ؟ قال : لا، وخرج مكانه تائها قال : ومكث الشيطان يحكم بين الناس أربعين يوما. قال : فأنكر الناس أحكامه، فاجتمع قرّاء بني إسرائيل وعلماؤهم، فجاؤوا حتى دخلوا على نسائه، فقالوا : إنا قد أنكرنا هذا، فإن كان سليمان فقد ذهب عقله، وأنكرنا أحكامه. قال : فبكى النساء عند ذلك، قال : فأقبلوا يمشون حتى أتوه، فأحدقوا به، ثم نشروا التوراة، فقرؤوا قال : فطار من بين أيديهم حتى وقع على شرفة والخاتم معه، ثم طار حتى ذهب إلى البحر، فوقع الخاتم منه في البحر، فابتلعه حوت من حيتان البحر. قال : وأقبل سليمان في حاله التي كان فيها حتى انتهى إلى صياد من صيادي البحر وهو جائع، وقد اشتدّ جوعه، فاستطعمهم من صيدهم، قال : إني أنا سليمان، فقام إليه بعضهم فضربه بعصا فشجّه، فجعل يغسل دمه وهو على شاطىء البحر، فلام الصيادون صاحبهم الذي ضربه، فقالوا : بئس ما صنعت حيث ضربته، قال : إنه زعم أنه سليمان، قال : فأعطوه سمكتين مما قد مَذِر عندهم، ولم يشغله ما كان به من الضرر، حتى قام إلى شطّ البحر، فشقّ بطونهما، فجعل يغسل. . . ، فوجد خاتمه في بطن إحداهما، فأخذه فلبسه، فردّ الله عليه بهاءه ومُلكه، وجاءت الطير حتى حامت عليه، فعرف القوم أنه سليمان، فقام القوم يعتذرون مما صنعوا، فقال : ما أحمدكم على عذركم، ولا ألومكم على ما كان منكم، كان هذا الأمر لا بدّ منه، قال : فجاء حتى أتى مُلكه، فأرسل إلى الشيطان فجيء به، وسخّر له الريح والشياطين يومئذٍ، ولم تكن سخرت له قبل ذلك، وهو قوله : وَهَبْ لي مُلْكا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إنّك أنْتَ الوَهّابُ قال : وبعث إلى الشيطان، فأُتي به، فأمر به فجعل في صندوق من حديد، ثم أطبق عليه فأقفل عليه بقفل، وختم عليه بخاتمه، ثم أمر به، فألقي في البحر، فهو فيه حتى تقوم الساعة، وكان اسمه حبقيق.
وقوله : ثُمّ أنابَ سليمان، فرجع إلى مُلكه من بعد ما زال عنه مُلكه فذهب. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حُدثت عن المحاربي، عن عبد الرحمن، عن جُوَيبر، عن الضحاك، في قوله :( ثُمّ أنابَ ) قال : دخل سليمان على امرأة تبيع السمك، فاشترى منها سمكة، فشقّ بطنها، فوجد خاتمه، فجعل لا يمرّ على شجر ولا حجر ولا شيء إلا سجد له، حتى أتى مُلكه وأهله، فذلك قوله ثُمّ أنابَ يقول : ثم رجع.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قا : حدثنا سعيد، عن قتادة ثُمّ أنابَ وأقبل، يعني سليمان.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
عوف، عن الحسن، قال: أمر بها فعقرت.
وقال آخرون: بل جعل يمسح أعرافها وعراقيبها بيده حُبًّا لها.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله (فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأعْنَاقِ) يقول: جعل يمسح أعراف الخيل وعراقيبها: حبا لها.
وهذا القول الذي ذكرناه عن ابن عباس أشبه بتأويل الآية، لأن نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم لم يكن إن شاء الله ليعذب حيوانًا بالعرقبة، ويهلك مالا من ماله بغير سبب، سوى أنه اشتغل عن صلاته بالنطر إليها، ولا ذنب لها باشتغاله بالنظر إليها.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥)﴾
يقول تعالى ذكره: ولقد ابتُلينا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا شيطانا متمثلا بإنسان، ذكروا أن اسمه صخر. وقيل: إن اسمه آصَف. وقيل: إن اسمه آصر. وقيل: إن اسمه حبقيق.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله (وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا) قال: هو صخر الجنيّ تمثَّل على كرسيه جسدا.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ
جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ) قال: الجسد: الشيطان الذي كان دفع إليه سليمان خاتمه، فقذفه في البحر، وكان مُلك سليمان في خاتمه، وكان اسم الجنيّ صخرا.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا مبارك، عن الحسن (وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا) قال: شيطانا.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا) قال: شيطانا يقال له آصر.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله (عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا) قال: شيطانا يقال له آصف، فقال له سليمان: كيف تفتنون الناس؟ قال: أرني خاتمك أخبرك. فلما أعطاه إياه نبذه آصف في البحر، فساح سليمان وذهب مُلكه، وقعد آصف على كرسيه، ومنعه الله نساء سليمان، فلم يقربهنّ، وأنكرنه; قال: فكان سليمان يستطعم فيقول: أتعرفوني أطعموني أنا سليمان، فيكذّبونه، حتى أعطته امرأة يوما حوتا يطيب بطنه، فوجد خاتمه في بطنه، فرجع إليه مُلكه، وفر آصف فدخل البحر فارّا.
حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بنحوه، غير أنه قال في حديثه: فيقول: لو تعرفوني أطعمتموني.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ) قال: حدثنا قتادة أن سلمان أمر ببناء بيت المقدس، فقيل له: ابنه ولا يسمع فيه صوت حديد، قال: فطلب ذلك فلم يقدر عليه، فقيل له: إن شيطانا في البحر يقال له صخر شبه المارد، قال: فطلبه، وكانت عين في البحر يردها في كلّ سبعة أيام مرّة، فنزح ماؤها
وجعل فيها خمر، فجاء يوم وروده فإذا هو بالخمر، فقال: إنك لشراب طيب، إلا أنك تصبين الحليم، وتزيدين الجاهل جهلا قال: ثم رجع حتى عطش عطشا شديدا، ثم أتاها فقال: إنك لشراب طيب، إلا أنك تصبين الحليم، وتزيدين الجاهل جهلا قال: ثم شربها حتى غلبت على عقله، قال: فأري الخاتم أو ختم به بين كتفيه، فذلّ، قال: فكان مُلكه في خاتمه، فأتى به سليمان، فقال: إنا قد أمرنا ببناء هذا البيت. وقيل لنا: لا يسمعنّ فيه صوت حديد، قال: فأتى ببيض الهدهد، فجعل عليه زجاجة، فجاء الهدهد، فدار حولها، فجعل يرى بيضه ولا يقدر عليه، فذهب فجاء بالماس، فوضعه عليه، فقطعها به حتى أفضى إلى بيضه، فأخذ الماس، فجعلوا يقطعون به الحجارة، فكان سليمان إذا أراد أن يدخل الخلاء أو الحمام لم يدخلها بخاتمه; فانطلق يوما إلى الحمام، وذلك الشيطان صخر معه، وذلك عند مقارفة ذنب قارف فيه بعض نسائه، قال: فدخل الحمام، وأعطى الشيطان خاتمه، فألقاه في البحر، فالتقمته سمكة، ونزع مُلك سليمان منه، وألقي على الشيطان شبه سليمان; قال: فجاء فقعد على كرسيه وسريره، وسلِّط على ملك سليمان كله غير نسائه; قال: فجعل يقضي بينهم، وجعلوا ينكرون منه أشياء حتى قالوا: لقد فُتِن نبيّ الله; وكان فيهم رجل يشبهونه بعمر بن الخطَّاب في القوّة، فقال: والله لأجربنه; قال: فقال له: يا نبيّ الله، وهو يرى إلا أنه نبيّ الله، أحدنا تصيبه الجَنابة في الليلة الباردة، فيدع الغسل عمدا حتى تطلع الشمس، أترى عليه بأسا؟ قال: لا قال: فبينا هو كذلك أربعين ليلة حتى وجد نبي الله خاتمه في بطن سمكة، فأقبل فجعل لا يستقبله جنيّ ولا طير إلا سجد له، حتى انتهى إليهم (وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا) قال: هو الشيطان صخر.
حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ) قال: لقد ابتلينا (وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا) قال: الشيطان حين جلس على كرسيه أربعين يوما; قال: كان لسليمان مئة امرأة، وكانت امرأة منهنّ يقال لها جرادة، وهي آثر نسائه عنده، وآمنهن
عنده، وكان إذا أجنب أو أتى حاجة نزع خاتمه، ولم يأتمن عليه أحد من الناس غيرها; فجاءته يوما من الأيام، فقالت: إن أخي بينه وبين فلان خصومة، وأنا أحب أن تقضي له إذا جاءك، فقال لها: نعم، ولم يفعل، فابتُلي وأعطاها خاتمه، ودخل المخرج، فخرج الشيطان في صورته، فقال لها: هاتي الخاتم، فأعطته، فجاء حتى جلس على مجلس سليمان، وخرج سليمان بعد، فسألها أن تعطيه خاتمه، فقالت: ألم تأخذه قبل؟ قال: لا وخرج مكانه تائها; قال: ومكث الشيطان يحكم بين الناس أربعين يوما. قال: فأنكر الناس أحكامه، فاجتمع قرّاء بني إسرائيل وعلماؤهم، فجاءو احتى دخلوا على نسائه، فقالوا: إنا قد أنكرنا هذا، فإن كان سليمان فقد ذهب عقله، وأنكرنا أحكامه. قال: فبكى النساء عند ذلك، قال: فأقبلوا يمشون حتى أتوه، فأحدقوا به، ثم نشروا التوراة، فقرءوا; قال: فطار من بين أيديهم حتى وقع على شرفة والخاتم معه، ثم طار حتى ذهب إلى البحر، فوقع الخاتم منه في البحر، فابتلعه حوت من حيتان البحر. قال: وأقبل سليمان في حاله التي كان فيها حتى انتهى إلى صياد من صيادي البحر وهو جائع، وقد اشتدّ جوعه، فاستطعمهم من صيدهم، قال: إني أنا سليمان، فقام إليه بعضهم فضربه بعصا فشجَّه، فجعل يغسل دمه وهو على شاطئ البحر، فلام الصيادون صاحبهم الذي ضربه، فقالوا: بئس ما صنعت حيث ضربته، قال: إنه زعم أنه سليمان، قال: فأعطوه سمكتين مما قد مَذِر عندهم، ولم يشغله ما كان به من الضرر، حتى قام إلى شطّ البحر، فشقّ بطونهما، فجعل يغسل... ، فوجد خاتمه في بطن إحداهما، فأخذه فلبسه، فرد الله عليه بهاءه وملكه، وجاءت الطير حتى حامت عليه، فعرف القوم أنه سليمان، فقام القوم يعتذرون مما صنعوا، فقال: ما أحمدكم على عذركم، ولا ألومكم على ما كان منكم، كان هذا الأمر لا بُدّ منه، قال: فجاء حتى أتى ملكه، فأرسل إلى الشيطان فجيء به، وسخر له الريح والشياطين يومئذ، ولم تكن سخرت له قبل ذلك، وهو قوله (وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) قال: وبعث إلى الشيطان، فأتي به، فأمر به فجعل في صندوق من حديد، ثم أطبق عليه فأقفل عليه بقفل، وختم عليه بخاتمه، ثم أمر به، فألقي في البحر، فهو فيه حتى تقوم الساعة، وكان اسمه حبقيق.
وقوله (ثُمَّ أَنَابَ) سليمان، فرجع إلى ملكه من بعد ما زال عنه ملكه فذهب.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حُدثت عن المحاربي، عن عبد الرحمن، عن جُوَيبر، عن الضحاك، في قوله (ثُمَّ أَنَابَ) قال: دخل سليمان على امرأة تبيع السمك، فاشترى منها سمكة، فشقّ بطنها، فوجد خاتمه، فجعل لا يمر على شجر ولا حجر ولا شيء إلا سجد له، حتى أتى مُلكه وأهله، فذلك قوله; (ثُمَّ أَنَابَ) يقول: ثم رجع.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (ثُمَّ أَنَابَ) وأقبل، يعني سليمان.
قوله (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي) يقول تعالى ذكره: قال سليمان راغبا إلى ربه: ربّ استر عليّ ذنبي الذي أذنبت بيني وبينك، فلا تعاقبني به (وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي) لا يسلبنيه أحدكما كما سلبنيه قبل هذه الشيطان.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي) يقول: ملكا لا أسلَبه كما سُلبتُه. وكان بعض أهل العربية يوجه معنى قوله (لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي) إلى: أن لا يكون لأحد من بعدي، كما قال ابن أحمر:
ما أُمُّ غُفْرٍ على دعْجَاءَ ذي عَلَقٍيَنْفي القَراميدَ عنها الأعْصَمُ الوَقِلُ

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
يقول تعالى :﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ أي : اختبرناه بأن سلبناه الملك مرة، ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قال ابن عباس، ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وغيرهم : يعني شيطانا. ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ أي : رجع إلى ملكه وسلطانه وأبهته.
قال ابن جرير : وكان اسم ذلك الشيطان صخرا. قاله ابن عباس، وقتادة. وقيل : آصف. قاله مجاهد وقيل : آصروا. قاله مجاهد أيضا. وقيل : حبقيق. قاله السدي. وقد ذكروا هذه القصة مبسوطة ومختصرة.
وقد قال سعيد بن أبي عَرُوبة عن قتادة : قال أمر سليمان، عليه السلام ببناء بيت المقدس فقيل له : ابنه ولا يُسمَعُ فيه صوت حديد. فقال : فطلب ذلك فلم يقدر عليه. فقيل له : إن شيطانا في البحر يقال له :" صخر " شبه المارد. قال : فطلبه وكانت عين في البحر يَردهُا في كل سبعة أيام مرة فنزح ماؤها وجعل فيها خمر، فجاء يوم ورْده فإذا هو بالخمر فقال : إنك لشراب طيب إلا أنك تصبين الحليم، وتزيدين الجاهل جهلا. ثم رجع حتى عطش عطشا شديدا ثم أتاها(٢) فقال : إنك لشراب طيب إلا أنك تصبين الحليم، وتزيدين الجاهل جهلا. ثم شربها حتى غلبت على عقله، قال : فأري الخاتم أو ختم به بين كتفيه فَذَلَّ. قال : وكان ملكه في خاتمه فأتي به سليمان فقال : إنه قد أمرنا ببناء هذا البيت وقيل لنا : لا يسمعن فيه صوت حديد. قال : فأتى ببيض الهدهد فجعل عليه زجاجة فجاء الهدهد فدار حولها، فجعل يرى بيضه ولا يقدر عليه فذهب فجاء بالماس فوضعه عليه فقطعها به حتى أفضى إلى بيضه. فأخذ الماس فجعلوا يقطعون به الحجارة. وكان سليمان عليه السلام إذا أراد أن يدخل الخلاء - أو : الحمام - لم يدخل بخاتمه فانطلق يوما إلى الحمام وذلك الشيطان صخر معه، وذلك عند مقارفة قارف فيه بعض نسائه. قال : فدخل الحمام وأعطى الشيطان خاتمه فألقاه في البحر فالتقمته سمكة، ونزع مُلك سليمان منه وألقي على الشيطان شَبَه سليمان. قال : فجاء فقعد على كرسيه وسريره وسُلِّط على ملك سليمان كله غير نسائه. قال : فجعل يقضي بينهم، وجعلوا ينكرون منه أشياء حتى قالوا : لقد فتن نبي الله. وكان فيهم رجل يشبهونه بعمر بن الخطاب في القوة فقال : والله لأجربنه. قال : فقال : يا نبي الله - وهو لا يرى إلا أنه نبي الله - أحدنا تصيبه الجنابة في الليلة الباردة فيدع الغسل عمدا حتى تطلع الشمس أترى عليه بأسا ؟ فقال : لا. قال : فبينا هو كذلك أربعين ليلة حتى وجد نبي الله خاتمه في بطن سمكة فأقبل فجعل لا يستقبله جني ولا طير إلا سجد له حتى انتهى إليهم، ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قال : هو الشيطان صخر وقال السدي :﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ أي : ابتلينا سليمان، ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قال : جلس الشيطان على كرسيه أربعين يوما. قال : وكان لسليمان عليه السلام مائة امرأة وكانت امرأة منهن يقال لها :" جرادة "، وهي آثر نسائه وآمنهن عنده وكان إذا أجنب أو أتى حاجة نزع خاتمه ولم يأتمن عليه أحدا من الناس غيرها فأعطاها يوما خاتمه ودخل الخلاء فخرج الشيطان في صورته فقال : هاتي الخاتم. فأعطته فجاء حتى جلس على مجلس سليمان وخرج سليمان بعد ذلك فسألها أن تعطيه خاتمه، فقالت : ألم تأخذه قبل ؟ قال : لا. وخرج مكانه تائها. قال : ومكث الشيطان يحكم بين الناس أربعين يوما، قال : فأنكر الناس أحكامه فاجتمع قراء بني إسرائيل وعلماؤهم فجاءوا حتى دخلوا على نسائه فقالوا : إنا قد أنكرنا هذا فإن كان سليمان فقد ذهب عقله وأنكرنا أحكامه. قال : فبكى النساء عند ذلك قال : فأقبلوا يمشون حتى أتوا فأحدقوا به ثم نشروا التوراة فقرءوا. قال : فطار من بين أيديهم حتى وقع على شرفة والخاتم معه. ثم طار حتى ذهب إلى البحر فوقع الخاتم منه في البحر فابتلعه حوت من حيتان البحر. قال : وأقبل سليمان في حاله التي كان فيها حتى انتهى إلى صياد من صيادي البحر وهو جائع وقد اشتد جوعه. فاستطعمهم من صيدهم وقال : إني أنا سليمان. فقام إليه بعضهم فضربه بعصا فشجه فجعل يغسل دمه وهو على شاطئ البحر فلام الصيادون صاحبهم الذي ضربه فقالوا بئس ما صنعت حيث ضربته. قال : إنه زعم أنه سليمان. قال : فأعطوه سمكتين مما قد مذر عندهم فلم يشغله ما كان به من الضرب حتى قام إلى شط البحر فشق بطونهما فجعل يغسل دمه فوجد خاتمه في بطن إحداهما فأخذه فلبسه فرد الله عليه بهاءه وملكه، وجاءت الطير حتى حامت عليه فعرف القوم أنه سليمان عليه السلام فقام القوم يعتذرون مما صنعوا به فقال : ما أحمدكم على عذركم ولا ألومكم على ما كان منكم، كان هذا الأمر لا بد منه. قال : فجاء حتى أتى ملكه وأرسل إلى الشيطان فجيء به فأمر به فجعل في صندوق من حديد، ثم أطبق عليه وقفل عليه بقفل وختم عليه بخاتمه ثم أمر به فألقي في البحر فهو فيه حتى تقوم الساعة. وكان اسمه حبقيق قال : وسخر له الريح ولم تكن سخرت له قبل ذلك وهو قوله :﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله :﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قال : شيطانا يقال له : آصف. فقال له سليمان : كيف تفتنون الناس ؟ قال : أرني خاتمك أخبرك. فلما أعطاه إياه نبذه آصف في البحر فساح سليمان وذهب ملكه، وقعد آصف على كرسيه ومنعه الله نساء سليمان فلم يقربهن - ولم يقربنه وأنكرنه. قال : فكان سليمان يستطعم فيقول : أتعرفوني ؟ أطعموني أنا سليمان فيكذبونه، حتى أعطته امرأة يوما حوتا فجعل يطيب بطنه، فوجد خاتمه في بطنه فرجع إليه ملكه وفر آصف فدخل البحر فارا.
وهذه كلها من الإسرائيليات ومن أنكرها ما قاله ابن أبي حاتم :
حدثنا علي بن الحسين حدثنا محمد بن العلاء وعثمان بن أبي شيبة وعلي بن محمد قالوا : حدثنا أبو معاوية أخبرنا الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ قال : أراد سليمان أن يدخل الخلاء فأعطى الجرادة خاتمه - وكانت الجرادة امرأته وكانت أحب نسائه إليه - فجاء الشيطان في صورة سليمان فقال لها : هاتي خاتمي. فأعطته إياه. فلما لبسه دانت له الإنس والجن والشياطين فلما خرج سليمان من الخلاء قال لها : هاتي خاتمي. قالت : قد أعطيته سليمان. قال : أنا سليمان. قالت : كذبت لست سليمان فجعل لا يأتي أحدا يقول له :" أنا سليمان "، إلا كذبه حتي جعل الصبيان يرمونه بالحجارة. فلما رأى ذلك عَرَف أنه من أمر الله عز وجل. قال : وقام الشيطان يحكم بين الناس فلما أراد الله أن يرد على سليمان سلطانه ألقى في قلوب الناس إنكار ذلك الشيطان. قال : فأرسلوا إلى نساء سليمان فقالوا لهن : أتنكرن من سليمان شيئاً ؟ قلن : نعم إنه يأتينا ونحن حيض وما كان يأتينا قبل ذلك. فلما رأى الشيطان أنه قد فطن له ظن أن أمره قد انقطع فكتبوا كتبا فيها سحر وكفر، فدفنوها تحت كرسي سليمان ثم أثاروها وقرءوها على الناس. وقالوا : هذا كان يظهر سليمان على الناس ويغلبهم فأكفر الناس سليمان عليه السلام فلم يزالوا يكفرونه وبعث ذلك الشيطانُ بالخاتم فطرحه في البحر فتلقته سمكة فأخذته. وكان سليمان يحمل على شط البحر بالأجر فجاء رجل فاشترى سمكاً فيه تلك السمكة التي في بطنها الخاتم فدعا سليمان فقال : تحمل لي هذا السمك ؟ فقال : نعم. قال : بكم ؟ قال بسمكة من هذا السمك. قال : فحمل سليمان عليه السلام السمك ثم انطلق به إلى منزله فلما انتهى الرجل إلى بابه أعطاه تلك السمكة التي في بطنها الخاتم فأخذها سليمان فشق بطنها، فإذا الخاتم في جوفها فأخذه فلبسه. قال : فلما لبسه دانت له الجن والإنس والشياطين وعاد إلى حاله وَهَرب الشيطان حتى دخل جزيرة من جزائر البحر فأرسل سليمان في طلبه وكان شيطاناً مريداً فجعلوا يطلبونه ولا يقدرون عليه حتى وجدوه يوماً نائماً فجاءوا فبنوا عليه بنيانا من رصاص فاستيقظ فوثب فجعل لا يثب في مكان من البيت إلا أنماط معه من الرصاص قال : فأخذوه فأوثقوه وجاءوا به إلى سليمان، فأمر به فنقر له تخت من رخام ثم أدخل في جوفه ثم سد بالنحاس ثم أمر به فطرح في البحر فذلك قوله :﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ قال : يعني الشيطان الذي كان سلط عليه.
إسناده إلى ابن عباس قوي ولكن الظاهر أنه إنما تلقاه ابن عباس - إن صح عنه - من أهل الكتاب، وفيهم طائفة لا يعتقدون نبوة سليمان عليه السلام فالظاهر أنهم يكذبون عليه ولهذا كان في السياق منكرات من أشدها ذكر النساء فإن المشهور أن ذلك الجني لم يسلط على نساء سليمان بل عصمهن الله منه تشريفاً وتكريماً لنبيه ﷺ، وقد رويت هذه القصة مطولة عن جماعة من السلف، كسعيد بن المسيب وزيد بن أسلم وجماعة آخرين وكلها متُلقًّاة من قصص أهل الكتاب والله أعلم بالصواب.
وقال يحيى بن أبي عمرو السيباني : وجد سليمان خاتمه في عسقلان، فمشى في خرقة إلى بيت المقدس تواضعا لله عز وجل، رواه ابن أبي حاتم.
وقد روى ابن أبي حاتم عن كعب الأحبار في صفة كرسي سليمان عليه الصلاة والسلام خبرا عجيبا فقال : حدثنا أبي رحمه الله، حدثنا أبو صالح كاتب الليث أخبرني أبو إسحاق المصري عن كعب الأحبار ؛ أنه لما فرغ من حديث " إرم ذات العماد " قال له معاوية : يا أبا إسحاق أخبرني عن كرسي سليمان بن داود وما كان عليه ؛ ومن أي شيء هو ؟ فقال : كان كرسي سليمان من أنياب الفيلة مُفَصّصاً بالدر والياقوت والزبرجد واللؤلؤ. وقد جُعل له درجة منها مُفَصّصة بالدر والياقوت والزبرجد ثم أمر بالكرسي فحُفّ من جانبيه بالنخل، نخل من ذهب شماريخها من ياقوت وزبرجد ولؤلؤ. وجعل على رءوس النخل التي عن يمين الكرسي طواويس من ذهب، ثم جعل على رءوس النخل التي على يسار الكرسي نسور من ذهب مقابلة الطواويس، وجعل على يمين الدرجة الأولى شجرتا صنوبر من ذهب، وعن يسارها أسدان من ذهب وعلى رءوس الأسدين عمودان من زبرجد وجعل من جانبي الكرسي شجرتا كرم من ذهب قد أظلتا الكرسي وجعل عناقيدهما درا وياقوتا أحمر. ثم جُعل فوق دَرَج الكرسي أسَدَان عظيمان من ذهب مجوفان محشوان مسكا وعنبرا. فإذا أراد سليمان أن يصعد على كرسيه استدار الأسدان ساعة ثم يقعان فينضحان ما في أجوافهما من المسك والعنبر حول كرسي سليمان عليه السلام، ثم يوضع منبران من ذهب واحد لخليفته والآخر لرئيس أحبار بني إسرائيل ذلك الزمان. ثم يوضع أمام كرسيه سبعون منبرا من ذهب يقعد عليها سبعون قاضيا من بني إسرائيل وعلمائهم وأهل الشرف منهم والطول ومن خلف تلك المنابر كلها خمسة وثلاثون منبرا من ذهب ليس عليها أحد، فإذا أراد أن يصعد على كرسيه وضع قدميه على الدرجة السفلى فاستدار الكرسي كله بما فيه وما عليه، ويبسط الأسد يده اليمنى وينشر النسر جناحه الأيسر ثم يصعد [ سليمان ] على الدرجة الثانية فيبسط الأسد يده اليسرى وينشر النسر جناحه الأيمن فإذا استوى سليمان على الدرجة الثالثة وقعد على الكرسي أخذ نسر من تلك النسور عظيم تاج سليمان فوضعه على رأسه فإذا وضعه على رأسه استدار الكرسي بما في
٢ - في أ: "أتاه"..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
اشْتَغَلَ بِهَا حَتَّى خَرَجَ وَقْتُ الصَّلَاةِ؛ وَلِهَذَا لَمَّا خَرَجَ عَنْهَا لِلَّهِ تَعَالَى (١) عَوَّضَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَا (٢) هُوَ خَيْرٌ مِنْهَا وَهِيَ (٣) الرِّيحُ الَّتِي تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ فَهَذَا أَسْرَعُ وَخَيْرٌ مِنَ الْخَيْلِ (٤)
وَقَالَ (٥) الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ (٦) عَنْ أَبِي قَتَادَةَ وَأَبِي الدَّهْمَاءِ -وَكَانَا يُكْثِرَانِ السَّفَرَ نَحْوَ الْبَيْتِ-قَالَا أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، فَقَالَ الْبَدَوِيُّ: أَخَذَ بِيَدِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم فجعل يُعَلِّمُنِي مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَقَالَ: "إِنَّكَ لَا تَدَعُ شَيْئًا اتِّقَاءَ اللَّهِ (٧) -عَزَّ وَجَلَّ-إِلَّا أَعْطَاكَ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهُ" (٨)
﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأصْفَادِ (٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠)﴾
يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ أَيِ: اخْتَبَرْنَاهُ بِأَنْ سَلَبْنَاهُ الْمُلْكَ مَرَّةً، ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمْ: يَعْنِي شَيْطَانًا. ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ أَيْ: (٩) رَجَعَ إِلَى مُلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ وَأُبَّهَتِهِ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَكَانَ اسْمُ ذَلِكَ الشَّيْطَانِ صَخْرًا. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةُ. وَقِيلَ: آصِفُ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَقِيلَ: آصِرُوا. قَالَهُ مُجَاهِدٌ أَيْضًا. وَقِيلَ: حبقيقُ. قَالَهُ السُّدِّيُّ. وَقَدْ ذَكَرُوا هَذِهِ الْقِصَّةَ مَبْسُوطَةً وَمُخْتَصَرَةً.
وَقَدْ قَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبة عَنْ قَتَادَةَ: قَالَ أَمَرَ سُلَيْمَانُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ بِبِنَاءِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَقِيلَ لَهُ: ابْنِهِ وَلَا يُسمَعُ فِيهِ صَوْتُ حَدِيدٍ. فَقَالَ: فَطَلَبَ ذَلِكَ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ. فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ شَيْطَانًا فِي الْبَحْرِ يُقَالُ لَهُ: "صَخْرٌ" شِبْهُ الْمَارِدِ. قَالَ: فَطَلَبَهُ وَكَانَتْ عَيْنٌ فِي الْبَحْرِ يَردهُا فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ مَرَّةً فَنُزِحَ مَاؤُهَا وَجُعِلَ فِيهَا خَمْرٌ، فَجَاءَ يَوْمَ ورْده فَإِذَا هُوَ بِالْخَمْرِ فَقَالَ: إِنَّكِ لَشَرَابٌ طَيِّبٌ إِلَّا أَنَّكِ تُصْبِينَ الْحَلِيمَ، وَتَزِيدِينَ الْجَاهِلَ جَهْلًا. ثُمَّ رَجَعَ حَتَّى عَطِشَ عَطَشًا شَدِيدًا ثُمَّ أَتَاهَا (١٠) فَقَالَ: إِنَّكِ لَشَرَابٌ طَيِّبٌ إِلَّا أَنَّكِ تُصْبِينَ الْحَلِيمَ، وَتَزِيدِينَ الْجَاهِلَ جَهْلًا. ثُمَّ شَرِبَهَا حَتَّى غَلَبَتْ عَلَى عَقْلِهِ، قَالَ: فَأُرِيَ الْخَاتَمَ أَوْ خُتِمَ بِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ فَذَلَّ. قَالَ: وَكَانَ مُلْكُهُ فِي خَاتَمِهِ فأتي به سليمان فقال: إنه
(١) في ت، س: "عز وجل".
(٢) في ت، س: "بما".
(٣) في ت، س، أ: "وهو".
(٤) وهذا هو الصواب، وانظر كلام القرطبي في: الجامع لأحكام القرآن (١٥/١٩٥، ١٩٦).
(٥) في ت: "وروى".
(٦) في ت: "وروى الإمام أحمد بإسناده".
(٧) في أ: "لله".
(٨) المسند (٥/٧٨) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٢٩٦) :"رجاله رجال الصحيح".
(٩) في ت، س: "ثم".
(١٠) في أ: "أتاه".
قَدْ أُمِرْنَا بِبِنَاءِ هَذَا الْبَيْتِ وَقِيلَ لَنَا: لَا يُسْمَعَنَّ فِيهِ صَوْتُ حَدِيدٍ. قَالَ: فَأَتَى بِبَيْضِ الْهُدْهُدِ فَجَعَلَ عَلَيْهِ زُجَاجَةً فَجَاءَ الْهُدْهُدُ فَدَارَ حَوْلَهَا، فَجَعَلَ يَرَى بَيْضَهُ وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ فَذَهَبَ فَجَاءَ بِالْمَاسِ فَوَضَعَهُ عَلَيْهِ فَقَطَعَهَا بِهِ حَتَّى أَفْضَى إِلَى بَيْضِهِ. فَأَخَذَ الْمَاسَ فَجَعَلُوا يَقْطَعُونَ بِهِ الْحِجَارَةَ. وَكَانَ سُلَيْمَانُ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] (١) إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ الْخَلَاءَ -أَوِ: الْحَمَّامَ-لَمْ يَدْخُلْ بِخَاتَمِهِ فَانْطَلَقَ يَوْمًا إِلَى الْحَمَّامِ وَذَلِكَ الشَّيْطَانُ صَخْرٌ مَعَهُ، وَذَلِكَ عِنْدَ مُقَارَفَةٍ قَارَفَ فِيهِ (٢) بَعْضَ نِسَائِهِ. قَالَ: فَدَخَلَ الْحَمَّامَ وَأَعْطَى الشَّيْطَانَ خَاتَمَهُ فَأَلْقَاهُ فِي الْبَحْرِ فَالْتَقَمَتْهُ سَمَكَةٌ، وَنُزِعَ مُلك سُلَيْمَانَ مِنْهُ وَأُلْقِيَ عَلَى الشَّيْطَانِ شَبَه سُلَيْمَانَ. قَالَ: فَجَاءَ فَقَعَدَ عَلَى كُرْسِيِّهِ وَسَرِيرِهِ وسُلِّط عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ كُلِّهِ غَيْرَ نِسَائِهِ. قَالَ: فَجَعَلَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ، وَجَعَلُوا يُنْكِرُونَ مِنْهُ أَشْيَاءَ حَتَّى قَالُوا: لَقَدْ فُتِنَ نَبِيُّ اللَّهِ. وَكَانَ فِيهِمْ رَجُلٌ يُشَبِّهُونَهُ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي الْقُوَّةِ فَقَالَ: وَاللَّهُ لَأُجَرِّبَنَّهُ. قَالَ: فَقَالَ: يَا نَبِيَّ (٣) اللَّهِ -وَهُوَ لَا يَرَى إِلَّا أَنَّهُ نَبِيُّ اللَّهِ-أَحَدُنَا تُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ فَيَدَعُ الْغُسْلَ عَمْدًا حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ أَتُرَى (٤) عَلَيْهِ بَأْسًا؟ فَقَالَ: (٥) لَا. قَالَ: فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً حَتَّى وَجَدَ نَبِيُّ اللَّهِ خَاتَمَهُ فِي بَطْنِ سَمَكَةٍ فَأَقْبَلَ فَجَعَلَ لَا يَسْتَقْبِلُهُ جِنِّيٌّ وَلَا طَيْرٌ إِلَّا سَجَدَ لَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِمْ، ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قَالَ: هُوَ الشَّيْطَانُ صَخْرٌ (٦)
وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ أَيِ: ابْتَلَيْنَا سُلَيْمَانَ، ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قَالَ: جَلَسَ الشَّيْطَانُ عَلَى كُرْسِيِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا. قَالَ: وَكَانَ لِسُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِائَةُ امْرَأَةٍ وَكَانَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ يُقَالُ لَهَا: "جَرَادَةُ"، وَهِيَ آثَرُ نِسَائِهِ وَآمَنُهُنَّ عِنْدَهُ وَكَانَ إِذَا أَجْنَبَ أَوْ أَتَى حَاجَةً (٧) نَزَعَ خَاتَمَهُ وَلَمْ يَأْتَمِنْ (٨) عَلَيْهِ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ غَيْرَهَا فَأَعْطَاهَا يَوْمًا خَاتَمَهُ وَدَخَلَ الْخَلَاءَ فَخَرَجَ الشَّيْطَانُ فِي صُورَتِهِ فَقَالَ: هَاتِي الْخَاتَمَ. فَأَعْطَتْهُ فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ عَلَى مَجْلِسِ سُلَيْمَانَ وَخَرَجَ سُلَيْمَانُ بَعْدَ ذَلِكَ فَسَأَلَهَا أَنْ تُعْطِيَهِ خَاتَمَهُ، فَقَالَتْ: أَلَمْ تَأْخُذْهُ قَبْلُ؟ قَالَ: لَا. وَخَرَجَ مَكَانَهُ تَائِهًا. قَالَ: وَمَكَثَ الشَّيْطَانُ يُحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، قَالَ: فَأَنْكَرَ النَّاسُ أَحْكَامَهُ فَاجْتَمَعَ قُرَّاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَعُلَمَاؤُهُمْ فَجَاءُوا حَتَّى دَخَلُوا عَلَى نِسَائِهِ فَقَالُوا: إِنَّا قَدْ أَنْكَرْنَا هَذَا فَإِنْ كَانَ سُلَيْمَانَ فَقَدْ ذَهَبَ عَقْلُهُ وَأَنْكَرْنَا أَحْكَامَهُ. قَالَ: فَبَكَى النِّسَاءُ عِنْدَ ذَلِكَ قَالَ: فَأَقْبَلُوا يَمْشُونَ حَتَّى أَتَوْا (٩) فَأَحْدَقُوا بِهِ ثُمَّ نَشَرُوا التَّوْرَاةَ فَقَرَءُوا. قَالَ: فَطَارَ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ حَتَّى وَقَعَ عَلَى شُرْفَةٍ وَالْخَاتَمُ مَعَهُ. ثُمَّ طَارَ حَتَّى ذَهَبَ إِلَى الْبَحْرِ فَوَقَعَ الْخَاتَمُ مِنْهُ فِي الْبَحْرِ فَابْتَلَعَهُ حُوتٌ مِنْ حِيتَانِ الْبَحْرِ. قَالَ: وَأَقْبَلَ سُلَيْمَانُ فِي حَالِهِ الَّتِي كَانَ فِيهَا حَتَّى انْتَهَى إِلَى صَيَّادٍ مِنْ صَيَّادِي (١٠) الْبَحْرِ وَهُوَ جَائِعٌ وَقَدِ اشْتَدَّ جُوعُهُ. فَاسْتَطْعَمَهُمْ مِنْ صَيْدِهِمْ وَقَالَ: إِنِّي أَنَا سُلَيْمَانُ. فَقَامَ إِلَيْهِ بَعْضُهُمْ فَضَرَبَهُ بِعَصًا فَشَجَّهُ فَجَعَلَ يَغْسِلُ دَمَهُ وَهُوَ عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ فَلَامَ الصَّيَّادُونَ صَاحِبَهُمُ الَّذِي ضَرَبَهُ فَقَالُوا بِئْسَ مَا صَنَعْتَ حيث ضربته. قال: إنه
(١) زيادة من أ.
(٢) في ت: "فيها".
(٣) في أ: "أنبي".
(٤) في ت: "ترى".
(٥) في ت، س: "قال".
(٦) تفسير الطبري (٢٣/١٠١).
(٧) في أ: "حاجته".
(٨) في ت: "يأمن".
(٩) في أ: "أتوه".
(١٠) في ت، س، أ: "صيادين".
زَعَمَ أَنَّهُ سُلَيْمَانُ. قَالَ: فَأَعْطَوْهُ سَمَكَتَيْنِ مِمَّا قَدْ مَذِرَ عِنْدَهُمْ فَلَمْ يَشْغَلْهُ مَا كَانَ بِهِ مِنَ الضَّرْبِ حَتَّى قَامَ إِلَى شَطِّ الْبَحْرِ فَشَقَّ بُطُونَهُمَا فَجَعَلَ يَغْسِلُ [دَمَهُ] (١) فَوَجَدَ خَاتَمَهُ فِي بَطْنِ إِحْدَاهُمَا فَأَخَذَهُ فَلَبِسَهُ فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بَهَاءَهُ وَمُلْكَهُ، وَجَاءَتِ الطَّيْرُ حَتَّى حَامَتْ عَلَيْهِ فَعَرَفَ الْقَوْمُ أَنَّهُ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَامَ الْقَوْمُ يَعْتَذِرُونَ مِمَّا صَنَعُوا [بِهِ] (٢) فَقَالَ: مَا أَحْمَدُكُمْ عَلَى عُذْرِكُمْ وَلَا أَلُومُكُمْ عَلَى مَا كَانَ مِنْكُمْ، كَانَ هَذَا الْأَمْرُ لَا بُدَّ مِنْهُ. قَالَ: فَجَاءَ حَتَّى أَتَى مُلْكَهُ وَأَرْسَلَ إِلَى الشَّيْطَانِ فَجِيءَ بِهِ فَأَمَرَ بِهِ فَجُعِلَ فِي صُنْدُوقٍ مِنْ حَدِيدٍ، ثُمَّ أَطْبَقَ عَلَيْهِ وَقَفَلَ عَلَيْهِ بِقُفْلٍ وَخَتَمَ عَلَيْهِ بِخَاتَمِهِ ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَأُلْقِي فِي الْبَحْرِ فَهُوَ فِيهِ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ. وَكَانَ اسْمُهُ حبقيقُ قَالَ: وَسَخَّرَ (٣) لَهُ الرِّيحَ وَلَمْ تَكُنْ سُخِّرَتْ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ (٤)
وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلُهُ: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قَالَ: شَيْطَانًا يُقَالُ لَهُ: آصِفُ. فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: كَيْفَ تَفْتِنُونَ النَّاسَ؟ قَالَ: أَرِنِي خَاتَمَكَ أُخْبِرْكَ. فَلَمَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ نَبَذَهُ آصِفُ فِي الْبَحْرِ فَسَاحَ سُلَيْمَانُ وَذَهَبَ مُلْكُهُ، وَقَعَدَ آصِفُ عَلَى كُرْسِيِّهِ وَمَنَعَهُ اللَّهُ نِسَاءَ سُلَيْمَانَ فَلَمْ يَقْرَبْهُنَّ -وَلَمْ يَقْرَبْنَهُ وَأَنْكَرْنَهُ. قَالَ: فَكَانَ سُلَيْمَانُ يَسْتَطْعِمُ فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُونِي؟ أَطْعِمُونِي أَنَا سُلَيْمَانُ فَيُكَذِّبُونَهُ، حَتَّى أَعْطَتْهُ امْرَأَةٌ يَوْمًا حُوتًا فَجَعَلَ يُطَيِّبُ بَطْنَهُ، فَوَجَدَ خَاتَمَهُ فِي بَطْنِهِ فَرَجَعَ إِلَيْهِ مُلْكُهُ وَفَرَّ آصِفُ فَدَخَلَ الْبَحْرَ فَارًّا.
وَهَذِهِ كُلُّهَا مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ وَمِنْ أَنْكَرِهَا مَا قَالَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ:
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ أَخْبَرَنَا الْأَعْمَشِ عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] (٥) ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ قَالَ: أَرَادَ سُلَيْمَانُ أَنْ يَدْخُلَ الْخَلَاءَ فَأَعْطَى الْجَرَادَةَ خَاتَمَهُ -وَكَانَتِ الْجَرَادَةُ (٦) امْرَأَتَهُ وَكَانَتْ أَحَبَّ نِسَائِهِ إِلَيْهِ-فَجَاءَ الشَّيْطَانُ فِي صُورَةِ سُلَيْمَانَ فَقَالَ لَهَا: هَاتِي خَاتَمِي. فَأَعْطَتْهُ إِيَّاهُ. فَلَمَّا لَبِسَهُ دَانَتْ لَهُ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ (٧) وَالشَّيَاطِينُ فَلَمَّا خَرَجَ سُلَيْمَانُ مِنَ الْخَلَاءِ قَالَ لَهَا: هَاتِي خَاتَمِي. قَالَتْ: قَدْ أَعْطَيْتُهُ سُلَيْمَانَ. قَالَ: أَنَا سُلَيْمَانُ. قَالَتْ: كَذَبْتَ لَسْتَ سُلَيْمَانَ (٨) فَجَعَلَ لَا يَأْتِي أَحَدًا يَقُولُ لَهُ: "أَنَا سُلَيْمَانُ"، إِلَّا كَذَّبَهُ حَتَّى جَعَلَ (٩) الصِّبْيَانُ يَرْمُونَهُ بِالْحِجَارَةِ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَرَف أَنَّهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ: وَقَامَ الشَّيْطَانُ يَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَى سُلَيْمَانَ سُلْطَانَهُ أَلْقَى فِي قُلُوبِ النَّاسِ إِنْكَارَ ذَلِكَ الشَّيْطَانِ. قَالَ: فَأَرْسَلُوا إِلَى نِسَاءِ سُلَيْمَانَ فَقَالُوا لَهُنَّ: أَتُنْكِرْنَ مِنْ سُلَيْمَانَ شَيْئًا؟ قُلْنَ: نَعَمْ إِنَّهُ يَأْتِينَا وَنَحْنُ حُيَّضٌ وَمَا كَانَ يَأْتِينَا قَبْلَ ذَلِكَ. فَلَمَّا رَأَى الشَّيْطَانُ أَنَّهُ قَدْ فَطِنَ لَهُ (١٠) ظَنَّ أَنَّ أَمْرَهُ قَدِ انْقَطَعَ فَكَتَبُوا كُتُبًا فِيهَا سِحْرٌ وَكُفْرٌ، فَدَفَنُوهَا تَحْتَ كُرْسِيِّ سُلَيْمَانَ ثُمَّ أَثَارُوهَا وقرءوها على الناس. وقالوا:
(١) زيادة من أ.
(٢) زيادة من أ.
(٣) في ت، أ: "وسخرت".
(٤) تفسير الطبري (٢٣/١٠١).
(٥) زيادة من أ.
(٦) في ت: "جرادة".
(٧) في أ: "والجن والطير".
(٨) في ت: "بسليمان".
(٩) في أ: "جاء".
(١٠) في ت: "أنه فطن له".
بِهَذَا كَانَ يَظْهَرُ سُلَيْمَانُ عَلَى النَّاسِ [وَيَغْلِبُهُمْ] (١) فَأَكْفَرَ النَّاسُ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَلَمْ يَزَالُوا يُكَفِّرُونَهُ وَبَعَثَ ذَلِكَ الشيطانُ بِالْخَاتَمِ فَطَرَحَهُ فِي الْبَحْرِ فَتَلَقَّتْهُ سَمَكَةٌ فَأَخَذَتْهُ. وَكَانَ سُلَيْمَانُ يَحْمِلُ عَلَى شَطِّ الْبَحْرِ بِالْأَجْرِ فَجَاءَ رَجُلٌ فَاشْتَرَى سَمَكًا فِيهِ تِلْكَ السَّمَكَةُ الَّتِي فِي بَطْنِهَا الْخَاتَمُ فَدَعَا سُلَيْمَانُ فَقَالَ: تَحْمِلُ لِي هَذَا السَّمَكَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. قَالَ: بِكَمْ؟ قَالَ بِسَمَكَةٍ مِنْ هَذَا السَّمَكِ. قَالَ: فَحَمَلَ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ السَّمَكَ ثُمَّ انْطَلَقَ بِهِ إِلَى مَنْزِلِهِ فَلَمَّا انْتَهَى الرَّجُلُ إِلَى بَابِهِ أَعْطَاهُ تِلْكَ السَّمَكَةَ الَّتِي فِي بَطْنِهَا الْخَاتَمُ فَأَخَذَهَا سُلَيْمَانُ فَشَقَّ بَطْنَهَا، فَإِذَا الْخَاتَمُ فِي جَوْفِهَا فَأَخَذَهُ فَلَبِسَهُ. قَالَ: فَلَمَّا لَبِسَهُ دَانَتْ لَهُ الْجِنُّ وَالْإِنْسُ وَالشَّيَاطِينُ وَعَادَ إِلَى حَالِهِ وَهَرب الشَّيْطَانُ حَتَّى دَخَلَ جَزِيرَةً (٢) مِنْ جَزَائِرِ الْبَحْرِ فَأَرْسَلَ سُلَيْمَانُ فِي طَلَبِهِ وَكَانَ شَيْطَانًا مَرِيدًا فَجَعَلُوا يَطْلُبُونَهُ وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ حَتَّى وَجَدُوهُ يَوْمًا نَائِمًا فَجَاءُوا فَبَنَوْا عَلَيْهِ بُنْيَانًا مِنْ رَصَاصٍ فَاسْتَيْقَظَ فَوَثَبَ فَجَعَلَ لَا يَثِبُ فِي مَكَانٍ من البيت إلا أنماط معه من الرَّصَاصُ قَالَ: فَأَخَذُوهُ فَأَوْثَقُوهُ وَجَاءُوا بِهِ إِلَى سُلَيْمَانَ، فَأَمَرَ بِهِ فَنُقِرَ (٣) لَهُ تَخْتٌ مِنْ رُخَامٍ ثُمَّ أُدْخِلَ فِي جَوْفِهِ ثُمَّ سُدَّ بِالنُّحَاسِ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَطُرِحَ فِي الْبَحْرِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ قَالَ: يَعْنِي الشَّيْطَانَ الَّذِي كَانَ سُلِّطَ عَلَيْهِ.
إِسْنَادُهُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَوِيٌّ وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ إِنَّمَا تَلَقَّاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ -إِنْ صَحَّ عَنْهُ-مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَفِيهِمْ طَائِفَةٌ لَا يَعْتَقِدُونَ نُبُوَّةَ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ يَكْذِبُونَ عَلَيْهِ وَلِهَذَا كَانَ فِي السِّيَاقِ مُنْكَرَاتٌ مِنْ أَشَدِّهَا ذِكْرُ النِّسَاءِ فَإِنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّ (٤) ذَلِكَ الْجِنِّيَّ لَمْ يُسَلَّطْ عَلَى نِسَاءِ سُلَيْمَانَ بَلْ عَصَمَهُنَّ اللَّهُ مِنْهُ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ رُوِيَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ مُطَوَّلَةً عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ، كَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَجَمَاعَةٍ آخَرِينَ وَكُلُّهَا متُلقًّاة مِنْ قَصَصِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِي عَمْرٍو السَّيْبَانِيُّ: وَجَدَ سُلَيْمَانُ خَاتَمَهُ فِي عَسْقَلَانَ، فَمَشَى فِي خِرْقَةٍ (٥) إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ تَوَاضُعًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ فِي صِفَةِ كُرْسِيِّ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ خَبَرًا عَجِيبًا فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ كَاتِبُ اللَّيْثِ أَخْبَرَنِي أَبُو إِسْحَاقَ الْمِصْرِيُّ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ؛ أَنَّهُ لَمَّا فَرَغَ مِنْ حَدِيثِ "إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ" قَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ أَخْبِرْنِي عَنْ كُرْسِيِّ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ؛ وَمِنْ أَيِّ شَيْءٍ هُوَ؟ فَقَالَ: كَانَ كُرْسِيُّ سُلَيْمَانَ مِنْ أَنْيَابِ الْفِيَلَةِ مُفَصّصاً بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ وَالزَّبَرْجَدِ وَاللُّؤْلُؤِ. وَقَدْ جُعل لَهُ دَرَجَةً مِنْهَا مُفَصّصة بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ وَالزَّبَرْجَدِ ثُمَّ أَمَرَ بِالْكُرْسِيِّ فحُفّ مِنْ جَانِبَيْهِ بِالنَّخْلِ، نَخْلٌ مِنْ ذَهَبٍ شَمَارِيخُهَا مِنْ يَاقُوتٍ وَزَبَرْجَدٍ وَلُؤْلُؤٍ. وَجُعِلَ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ الَّتِي عَنْ يَمِينِ الْكُرْسِيِّ طَوَاوِيسُ مَنْ ذَهَبٍ، ثُمَّ جُعِلَ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ الَّتِي عَلَى يَسَارِ الْكُرْسِيِّ نُسُورٌ مَنْ ذَهَبٍ مُقَابَلَةَ الطَّوَاوِيسِ، وَجُعِلَ على يمين الدرجة الأولى
(١) زيادة من أ.
(٢) في ت: "لحق بجزيرة".
(٣) في ت: "فثقب".
(٤) في أ: "فإن المشهور عن مجاهد وغير واحد من السلف أن".
(٥) في أ: "بحرقة".
شَجَرَتَا صَنَوْبَرٍ مَنْ ذَهَبٍ، وَعَنْ يَسَارِهَا أَسَدَانِ مَنْ ذَهَبٍ وَعَلَى رُءُوسِ الْأَسَدَيْنِ عَمُودَانِ مِنْ زَبَرْجَدٍ وَجُعِلَ مِنْ جَانِبَيِ الْكُرْسِيِّ شَجَرَتَا كَرْمٍ مَنْ ذَهَبٍ قَدْ أَظَلَّتَا الْكُرْسِيَّ وَجُعِلَ عَنَاقِيدُهُمَا دُرًّا وَيَاقُوتًا أَحْمَرَ. ثُمَّ جُعل فَوْقَ دَرَج الْكُرْسِيِّ أسَدَان عَظِيمَانِ مِنْ ذَهَبٍ مُجَوَّفَانِ مَحْشُوَّانِ مِسْكًا وَعَنْبَرًا. فَإِذَا أَرَادَ سُلَيْمَانُ أَنْ يَصْعَدَ عَلَى كُرْسِيِّهِ اسْتَدَارَ الْأَسَدَانِ سَاعَةً ثُمَّ يَقَعَانِ (١) فَيَنْضَحَانِ مَا فِي أَجْوَافِهِمَا مِنَ الْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ حَوْلَ كُرْسِيِّ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ يُوضَعُ مِنْبَرَانِ مِنْ ذَهَبٍ وَاحِدٌ لِخَلِيفَتِهِ وَالْآخِرُ لِرَئِيسِ أَحْبَارِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ذَلِكَ الزَّمَانِ. ثُمَّ يُوضَعُ أَمَامَ كُرْسِيِّهِ سَبْعُونَ مِنْبَرًا مِنْ ذَهَبٍ يَقْعُدُ عَلَيْهَا سَبْعُونَ قَاضِيًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَعُلَمَائِهِمْ وَأَهْلِ الشَّرَفِ مِنْهُمْ وَالطَوْلِ وَمِنْ خَلْفِ تِلْكَ الْمَنَابِرِ كُلِّهَا خَمْسَةٌ وَثَلَاثُونَ مِنْبَرًا مِنْ ذَهَبٍ لَيْسَ عَلَيْهَا أَحَدٌ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَصْعَدَ عَلَى كُرْسِيِّهِ وَضَعَ قَدَمَيْهِ عَلَى الدَّرَجَةِ السُّفْلَى فَاسْتَدَارَ الْكُرْسِيُّ كُلُّهُ بِمَا فِيهِ وَمَا عَلَيْهِ، وَيَبْسُطُ الْأَسَدُ يَدَهُ الْيُمْنَى وَيَنْشُرُ النَّسْرُ جَنَاحَهُ الْأَيْسَرَ ثُمَّ يَصْعَدُ [سُلَيْمَانُ] (٢) عَلَى الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ فَيَبْسُطُ الْأَسَدُ يَدَهُ الْيُسْرَى وَيَنْشُرُ النَّسْرُ جَنَاحَهُ الْأَيْمَنَ فَإِذَا اسْتَوَى سُلَيْمَانُ عَلَى الدَّرَجَةِ الثَّالِثَةِ وَقَعَدَ عَلَى الْكُرْسِيِّ أَخَذَ نَسْرٌ مِنْ تِلْكَ النُّسُورِ عَظِيمٌ تَاجَ سُلَيْمَانَ فَوَضَعَهُ عَلَى رَأْسِهِ فَإِذَا وَضَعَهُ عَلَى رَأْسِهِ اسْتَدَارَ الْكُرْسِيُّ بِمَا فِيهِ كَمَا تَدُورُ الرَّحَى الْمُسْرِعَةُ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَمَا الَّذِي يُدِيرُهُ يَا أَبَا إِسْحَاقَ؟ قَالَ: تِنِّينٌ مِنْ ذَهَبِ ذَلِكَ الْكُرْسِيِّ عَلَيْهِ وَهُوَ عَظِيمٌ مِمَّا عَمِلَهُ صَخْرٌ الْجِنِّيُّ فَإِذَا أَحَسَّتْ بِدَوَرَانِهِ تِلْكَ النُّسُورُ والأسْدُ وَالطَّوَاوِيسُ الَّتِي فِي أَسْفَلِ الْكُرْسِيِّ دُرْنَ إِلَى أَعْلَاهُ فَإِذَا وَقَفَ وَقَفْنَ كُلُّهُنَّ مُنَكِّسَاتٍ رُءُوسَهُنَّ عَلَى رَأْسِ سُلَيْمَانَ [ابْنِ دَاوُدَ] (٣) عَلَيْهِ (٤) السَّلَامُ وَهُوَ جَالِسٌ ثُمَّ يَنْضَحْنَ جَمِيعًا مَا فِي أَجْوَافِهِنَّ مِنَ الْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ عَلَى رَأْسِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. ثُمَّ تَتَنَاوَلُ حَمَامَةٌ مَنْ ذَهَبٍ وَاقِفَةٌ عَلَى عَمُودٍ مِنْ جَوْهَرٍ التوراةَ فَتَجْعَلُهَا فِي يَدِهِ فَيَقْرَؤُهَا سُلَيْمَانُ عَلَى النَّاسِ.
وَذَكَرَ تَمَامَ الْخَبَرِ (٥) وَهُوَ غَرِيبٌ جِدًّا.
﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ قَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي أَيْ: لَا يَصْلُحُ لِأَحَدٍ أَنْ يَسْلُبَنِيهِ كَمَا كَانَ مِنْ قَضِيَّةِ (٦) الْجَسَدِ الَّذِي أُلْقِيَ عَلَى كُرْسِيِّهِ لَا أَنَّهُ يَحْجُرُ عَلَى مَنْ بَعْدَهُ مِنَ النَّاسِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ سَأَلَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى مُلْكًا لَا يَكُونُ لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ مِنَ الْبَشَرِ مِثْلُهُ، وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ السِّيَاقِ مِنَ الْآيَةِ وَبِهِ (٧) وَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ مِنْ طُرُقٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَالَ (٨) الْبُخَارِيُّ عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا رَوْحٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ (٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الْجِنِّ تَفَلَّت عَلَيَّ الْبَارِحَةَ -أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا-لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلَاةَ فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ وَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ حَتَّى تُصبحوا وَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾
(١) في ت: "يقفان".
(٢) زيادة من ت، أ.
(٣) زيادة من أ.
(٤) في أ: "عليهما".
(٥) في ت: "الحديث".
(٦) في ت: "في قصة"، وفي أ: "من قصة".
(٧) في ت، س، أ: "وبذلك".
(٨) في ت: "فروى".
(٩) في ت: "بإسناده".
قَالَ رَوْحٌ: فَرَدَّهُ خَاسِئًا (١)
وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ بِهِ (٢)
وَقَالَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ المُرَادي حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ حَدَّثَنِي رَبِيعَةَ بْنِ يَزيد عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ (٣) عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ: "أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ". ثُمَّ قَالَ: "أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ" -ثَلَاثًا-وَبَسَطَ يَدَه كَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ شَيْئًا فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ سَمِعْنَاكَ تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ شَيْئًا لَمْ نَسْمَعْكَ تَقُولُهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَرَأَيْنَاكَ بَسَطَتْ يَدَكَ؟ قَالَ: "إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إِبْلِيسَ جَاءَ بِشِهَابٍ مِنْ نَارٍ لِيَجْعَلَهُ فِي وَجْهِي فَقُلْتُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ -ثَلَاثَ مَرَّاتٍ-ثُمَّ قُلْتُ: أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ التَّامَّةِ. فَلَمْ يَسْتَأْخِرْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ أَرَدْتُ أخْذَه وَاللَّهِ لَوْلَا دَعْوَةُ أَخِينَا سُلَيْمَانَ لَأَصْبَحَ مُوثَقًا يَلْعَبُ بِهِ صِبْيَانُ (٤) أَهْلِ الْمَدِينَةِ" (٥)
وَقَالَ (٦) الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ حَدَّثَنَا مَيْسَرَةُ بْنُ مَعْبَدٍ حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ حَاجِبُ سُلَيْمَانَ قَالَ: رَأَيْتُ عَطَاءَ بْنَ يَزِيدَ اللَّيْثِيَّ قَائِمًا يُصَلِّي، فَذَهَبْتُ أَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَرَدَّنِي ثُمَّ قَالَ (٧) حَدَّثَنِي (٨) أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ يُصَلِّي (٩) صَلَاةَ الصُّبْحِ وَهُوَ خَلْفُهُ فَقَرَأَ فَالْتَبَسَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صِلَاتِهِ قَالَ: "لَوْ رَأَيْتُمُونِي وَإِبْلِيسَ فَأَهْوَيْتُ بِيَدِي فَمَا زِلْتُ أَخْنُقُهُ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ لُعَابِهِ بَيْنَ أُصْبُعَيَّ هَاتَيْنِ -الْإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا-وَلَوْلَا دَعْوَةُ أَخِي سُلَيْمَانَ لَأَصْبَحَ (١٠) مَرْبُوطًا بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، يَتَلَاعَبُ بِهِ صِبْيَانُ الْمَدِينَةِ فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَلَّا يَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ أَحَدٌ فَلْيَفْعَلْ".
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْهُ: "مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَلَّا يَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ أَحَدٌ فَلْيَفْعَلْ" عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي سُرَيج عَنْ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ بِهِ (١١)
وَقَالَ (١٢) الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَزَارِيُّ حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ (١٣) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الدَّيْلَمِيِّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَهُوَ فِي حَائِطٍ لَهُ بِالطَّائِفِ يُقَالُ لَهُ: "الْوَهْطُ"، وَهُوَ مُخَاصر فَتًى مِنْ قُرَيْشٍ يُزَنّ بشُرْب الْخَمْرِ، فَقُلْتُ: بَلَغَنِي عَنْكَ حَدِيثٌ أَنَّهُ "مِنْ شَرِبِ شَرْبَةَ خَمْر لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-لَهُ تَوبَةً أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، وَإِنَّ الشَّقِيَّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَإِنَّهُ مَنْ أَتَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ لا يَنْهَزه إلا الصلاة فيه، خرج
(١) صحيح البخاري برقم (٤٨٠٨).
(٢) صحيح مسلم برقم (٥٤١) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤٤٠).
(٣) في ت: "بإسناده".
(٤) في ت، س، أ: "ولدان".
(٥) صحيح مسلم برقم (٥٤٢).
(٦) في ت: "وروى".
(٧) في ت: "بإسناده".
(٨) في ت: "عن".
(٩) في ت: "فصلى".
(١٠) في ت: "أصبح".
(١١) المسند (٣/٨٣) وسنن أبي داود برقم (٦٩٩).
(١٢) في ت: "وروى".
(١٣) في ت: "بإسناده".
مِنْ خَطِيئَتِهِ مِثْلَ يَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، فَلَمَّا سَمِعَ الْفَتَى ذَكْرَ الْخَمْرِ اجْتَذَبَ يَدَهُ مِنْ يَدِهِ ثُمَّ انْطَلَقَ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو (١) إِنِّي لَا أُحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ عَلَيّ مَا لَمْ أَقُلْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "مَنْ شَرِبَ مِنَ الْخَمْرِ شَرْبَةً لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَإِنْ (٢) عَادَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ. فَإِنْ عَادَ -قَالَ فَلَا أَدْرِي فِي الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ-فَإِنْ عَادَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ رَدْغَة الْخَبَالِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" قَالَ: وَسَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ خَلْقَهُ فِي ظُلْمَةٍ ثُمَّ أَلْقَى عَلَيْهِمْ مِنْ نُورِهِ فَمَنْ أَصَابَهُ مِنْ نُورِهِ يَوْمَئِذٍ اهْتَدَى وَمَنْ أَخْطَأَهُ ضَلَّ فَلِذَلِكَ (٣) أَقُولُ جَفَّ الْقَلَمُ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ" وَسَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِنَّ سُلَيْمَانَ سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى ثَلَاثًا فَأَعْطَاهُ اثْنَتَيْنِ وَنَحْنُ نَرْجُو أَنْ تَكُونَ لَنَا الثَّالِثَةُ: سَأَلَهُ حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَهُ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ وَسَأَلَهُ مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ وَسَأَلَهُ أَيُّمَا رَجُلٍ خَرَجَ مَنْ بَيْتِهِ لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ خَرَجَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَيَوْمِ (٤) وَلَدَتْهُ أُمُّهُ فَنَحْنُ نَرْجُو أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى (٥) قَدْ أَعْطَانَا إِيَّاهَا" (٦)
وَقَدْ رَوَى هَذَا الْفَصْلَ الْأَخِيرَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طُرُقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ فَيْرُوزَ الدَّيْلِمِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ سُلَيْمَانَ لَمَّا بَنَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ سَأَلَ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خِلَالًا ثَلَاثًا... " وَذَكَرَهُ (٧)
وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ عُمَيْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، بِإِسْنَادٍ وَسِيَاقٍ غَرِيبَيْنِ فَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ قُتَيْبة الْعَسْقَلَانِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ بْنِ سُوَيْد حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي عَبْلَة عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ (٨) عَنْ رَافِعِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِدَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ابْنِ لِي بَيْتًا فِي الْأَرْضِ. فَبَنَى دَاوُدُ (٩) بَيْتًا لِنَفْسِهِ قَبْلَ الْبَيْتِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: يَا دَاوُدُ نَصَبْتَ بَيْتَكَ قَبْلَ بَيْتِي؟ قَالَ: يَا رَبِّ هَكَذَا قَضَيْتَ (١٠) مَنْ مَلَكَ اسْتَأْثَرَ ثُمَّ أَخَذَ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ فَلَمَّا تَمَّ السُّورَ سَقَطَ ثَلَاثًا فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ: يَا دَاوُدُ (١١) إِنَّكَ لَا تَصْلُحُ أَنْ تَبْنِيَ لِي بَيْتًا قَالَ: وَلِمَ يَا رَبِّ؟ قَالَ: لِمَا جَرَى عَلَى يَدَيْكَ مِنَ الدِّمَاءِ. قَالَ: يَا رَبِّ أَوْ مَا كَانَ (١٢) ذَلِكَ فِي هَوَاكَ وَمَحَبَّتِكَ؟ قَالَ: بَلَى وَلَكِنَّهُمْ عِبَادِي وَأَنَا أَرْحَمُهُمْ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: لَا تَحْزَنْ فَإِنِّي سَأَقْضِي بِنَاءَهُ عَلَى يَدَيِ ابْنِكَ سُلَيْمَانَ. فَلَمَّا مَاتَ دَاوُدُ أَخْذَ سُلَيْمَانُ فِي بِنَائِهِ فَلَمَّا تَمَّ قَرَّبَ الْقَرَابِينَ وَذَبَحَ الذَّبَائِحَ وَجَمَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: قَدْ أَرَى سرورَك بِبُنْيَانِ بَيْتِي فَسَلْنِي أُعْطِكَ. قَالَ: أَسْأَلُكَ ثَلَاثَ خِصَالٍ حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَكَ وَمُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي وَمَنْ أَتَى هَذَا الْبَيْتَ لَا يُرِيدُ إلا الصلاة فيه
(١) في أ: "عمرو رضي الله عنهما".
(٢) في أ: "وإن".
(٣) في أ: "ولذلك".
(٤) في ت، س، أ: "مثل يوم".
(٥) في ت، س، أ: "عز وجل".
(٦) المسند (٢/١٧٦).
(٧) سنن النسائي (٢/٤٣) وسنن ابن ماجة برقم (١٤٠٨).
(٨) في ت: "وروى الطبراني بإسناده".
(٩) في ت: "داود عليه السلام".
(١٠) في ت، س، أ: "هكذا قلت فيما قضيت".
(١١) في ت، أ: "فأوحى الله إليه"
(١٢) في ت، س، أ: "أو لم يكن".
خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ". قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أما ثِنْتَانِ فَقَدْ أُعْطِيَهُمَا وَأَنَا أَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ أُعْطِيَ الثَّالِثَةَ" (١)
وَقَالَ (٢) الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ حَدَّثَنَا عُمَر بْنُ رَاشِدٍ الْيَمَامِيُّ، حَدَّثَنَا إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: مَا سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا دُعَاءً إِلَّا اسْتَفْتَحَهُ بِـ "سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّي الْأَعْلَى الْعَلِيِّ الْوَهَّابِ" (٣)
وَقَدْ قَالَ (٤) أَبُو عَبِيدٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ ثَابِتٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بَرْقان عَنْ صَالِحِ بْنِ مِسْمَارٍ قَالَ: لَمَّا مَاتَ نَبِيُّ اللَّهِ دَاوُدُ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى ابْنِهِ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِمَا (٥) السَّلَامُ: أَنْ سَلْنِي حَاجَتَكَ. قَالَ: أَسْأَلُكَ أَنْ تَجْعَلَ لِي قَلْبًا يَخْشَاكَ كَمَا كَانَ قَلْبُ أَبِي وَأَنْ تَجْعَلَ قَلْبِي يُحِبُّكَ كَمَا كَانَ قَلْبُ أَبِي. فَقَالَ اللَّهُ: أَرْسَلْتُ إِلَى عَبْدِي وَسَأَلَتْهُ (٦) حَاجَتَهُ فَكَانَتْ [حَاجَتُهُ] (٧) أَنْ أَجْعَلَ قَلْبَهُ يَخْشَانِي وَأَنْ أَجْعَلَ قَلْبَهُ يُحِبُّنِي لأهَبَنّ لَهُ مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ وَالَّتِي بَعْدَهَا، قَالَ: فَأَعْطَاهُ [اللَّهُ] (٨) مَا أَعْطَاهُ وَفِي الْآخِرَةِ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ.
هَكَذَا أَوْرَدَهُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي تَارِيخِهِ (٩)
وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ دَاوُدَ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] (١٠) أَنَّهُ قَالَ: "إِلَهِي كُنْ لِسُلَيْمَانَ كَمَا كُنْتَ لِي": فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: أَنْ قُلْ لِسُلَيْمَانَ: يَكُونُ لِي كَمَا كُنْتَ لِي، أَكُونُ لَهُ كَمَا كنتُ لَكَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَمَّا عَقَرَ سُلَيْمَانُ الْخَيْلَ غَضَبًا لِلَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ عَوَّضَهُ اللَّهُ مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهَا وَأَسْرَعُ الرِّيحُ الَّتِي غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ.
وَقَوْلُهُ: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ أَيْ: حَيْثُ أَرَادَ مِنَ الْبِلَادِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ أَيْ: مِنْهُمْ مَنْ هُوَ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْأَبْنِيَةِ الْهَائِلَةِ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجَفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا الْبَشَرُ وَطَائِفَةٌ غَوَّاصُونَ فِي الْبِحَارِ يَسْتَخْرِجُونَ مِمَّا (١١) فِيهَا مِنَ اللَّآلِئِ وَالْجَوَاهِرِ وَالْأَشْيَاءِ النَّفِيسَةِ الَّتِي لَا تُوجَدُ إِلَّا فِيهَا ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأصْفَادِ﴾ أَيْ: مُوثَقُونَ فِي الْأَغْلَالِ وَالْأَكْبَالِ مِمَّنْ قَدْ تَمَرّد وَعَصَى وَامْتَنَعَ مِنَ الْعَمَلِ وَأَبَى أَوْ قَدْ أَسَاءَ فِي صنيعه واعتدى.
(١) المعجم الكبير (٥/٢٤) قال الهيثمي في المجمع (٤/٨) :"فيه محمد بن أيوب بن سويد الرملي وهو متهم بالوضع".
(٢) في ت: "وروى".
(٣) المسند (٤/٥٤) قال الهيثمي في المجمع (١٠/١٥٦) :"فيه عمر بن راشد اليمامي وثقه غير واحد، وبقية رجاله رجال الصحيح".
(٤) في ت: "وروى".
(٥) في ت، أ: "عليه".
(٦) في ت، س: "أسأله".
(٧) زيادة من ت، س.
(٨) زيادة من أ.
(٩) تاريخ دمشق (٧/٥٦٩) "القسم المخطوط".
(١٠) زيادة من ت، س، أ.
(١١) في ت: "ما".

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ أي : ابتليناه واختبرناه بذهاب ملكه وانفصاله عنه بسبب خلل اقتضته الطبيعة البشرية، ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ أي : شيطانا قضى اللّه وقدر أن يجلس على كرسي ملكه، ويتصرف في الملك في مدة فتنة سليمان، ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ سليمان إلى اللّه تعالى وتاب.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{٣٠ - ٤٠} ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ * إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ * فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ * رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأعْنَاقِ * وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ * قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ * فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأصْفَادِ * هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ * وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾.
لما أثنى تعالى على داود، وذكر ما جرى له ومنه، أثنى على ابنه سليمان عليهما السلام فقال: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ﴾ أي: أنعمنا به عليه، وأقررنا به عينه.
﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ سليمان عليه السلام، فإنه اتصف بما يوجب المدح، وهو ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ أي: رجَّاع إلى الله في جميع أحواله، بالتأله والإنابة، والمحبة والذكر والدعاء والتضرع، والاجتهاد في مرضاة الله، وتقديمها على كل شيء.
ولهذا، لما عرضت عليه الخيل الجياد السبق الصافنات أي: التي من وصفها الصفون، وهو رفع إحدى قوائمها عند الوقوف، وكان لها منظر رائق، وجمال معجب، خصوصا للمحتاج إليها كالملوك، فما زالت تعرض عليه حتى غابت الشمس في الحجاب، فألهته عن صلاة المساء وذكره.
فقال ندما على ما مضى منه، وتقربا إلى الله بما ألهاه عن ذكره، وتقديما لحب الله على حب غيره: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ وضمن ﴿أحببت﴾ معنى ﴿آثرت﴾ أي: آثرت حب الخير، الذي هو المال عموما، وفي هذا الموضع المراد الخيل ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾
-[٧١٣]-
﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾ فردوها ﴿فَطَفِقَ﴾ فيها ﴿مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأعْنَاقِ﴾ أي: جعل يعقرها بسيفه، في سوقها وأعناقها.
﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ أي: ابتليناه واختبرناه بذهاب ملكه وانفصاله عنه بسبب خلل اقتضته الطبيعة البشرية، ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ أي: شيطانا قضى الله وقدر أن يجلس على كرسي ملكه، ويتصرف في الملك في مدة فتنة سليمان، ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ سليمان إلى الله تعالى وتاب.
فـ ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ فاستجاب الله له وغفر له، ورد عليه ملكه، وزاده ملكا لم يحصل لأحد من بعده، وهو تسخير الشياطين له، يبنون ما يريد، ويغوصون له في البحر، يستخرجون الدر والحلي، ومن عصاه منهم قرنه في الأصفاد وأوثقه.
وقلنا له: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا﴾ فَقَرَّ به عينا ﴿فَامْنُنْ﴾ على من شئت، ﴿أَوْ أَمْسِكْ﴾ من شئت ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: لا حرج عليك في ذلك ولا حساب، لعلمه تعالى بكمال عدله، وحسن أحكامه، ولا تحسبن هذا لسليمان في الدنيا دون الآخرة، بل له في الآخرة خير عظيم.
ولهذا قال: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ أي: هو من المقربين عند الله المكرمين بأنواع الكرامات لله.

فصل فيما تبين لنا من الفوائد والحكم في قصة داود وسليمان عليهما السلام


فمنها: أن الله تعالى يقص على نبيه محمد ﷺ أخبار من قبله، ليثبت فؤاده وتطمئن نفسه، ويذكر له من عباداتهم وشدة صبرهم وإنابتهم، ما يشوقه إلى منافستهم، والتقرب إلى الله الذي تقربوا له، والصبر على أذى قومه، ولهذا - في هذا الموضع - لما ذكر الله ما ذكر من أذية قومه وكلامهم فيه وفيما جاء به، أمره بالصبر، وأن يذكر عبده داود فيتسلى به.
ومنها: أن الله تعالى يمدح ويحب القوة في طاعته، قوة القلب والبدن، فإنه يحصل منها من آثار الطاعة وحسنها وكثرتها، ما لا يحصل مع الوهن وعدم القوة، وأن العبد ينبغي له تعاطي أسبابها، وعدم الركون إلى الكسل والبطالة المخلة بالقوى المضعفة للنفس.
ومنها: أن الرجوع إلى الله في جميع الأمور، من أوصاف أنبياء الله وخواص خلقه، كما أثنى الله على داود وسليمان بذلك، فليقتد بهما المقتدون، وليهتد بهداهم السالكون ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾
ومنها: ما أكرم الله به نبيه داود عليه السلام، من حسن الصوت العظيم، الذي جعل الله بسببه الجبال الصم، والطيور البهم، يجاوبنه إذا رجَّع صوته بالتسبيح، ويسبحن معه بالعشي والإشراق.
ومنها: أن من أكبر نعم الله على عبده، أن يرزقه العلم النافع، ويعرف الحكم والفصل بين الناس، كما امتن الله به على عبده داود عليه السلام.
ومنها: اعتناء الله تعالى بأنبيائه وأصفيائه عندما يقع منهم بعض الخلل بفتنته إياهم وابتلائهم بما به يزول عنهم المحذور، ويعودون إلى أكمل من حالتهم الأولى، كما جرى لداود وسليمان عليهما السلام.
ومنها: أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم معصومون من الخطأ فيما يبلغون عن الله تعالى، لأن مقصود الرسالة لا يحصل إلا بذلك، وأنه قد يجري منهم بعض مقتضيات الطبيعة من المعاصي، ولكن الله يتداركهم ويبادرهم بلطفه.
ومنها: أن داود عليه السلام، [كان] في أغلب أحواله ملازما محرابه لخدمة ربه، ولهذا تسور الخصمان عليه المحراب، لأنه كان إذا خلا في محرابه لا يأتيه أحد، فلم يجعل كل وقته للناس، مع كثرة ما يرد عليه من الأحكام، بل جعل له وقتا يخلو فيه بربه، وتقر عينه بعبادته، وتعينه على الإخلاص في جميع أموره.
ومنها: أنه ينبغي استعمال الأدب في الدخول على الحكام وغيرهم، فإن الخصمين لما دخلا على داود في حالة غير معتادة ومن غير الباب المعهود، فزع منهم، واشتد عليه ذلك، ورآه غير لائق بالحال.
ومنها: أنه لا يمنع الحاكم من الحكم بالحق سوء أدب الخصم وفعله ما لا ينبغي.
ومنها: كمال حلم داود عليه السلام، فإنه ما غضب عليهما حين جاءاه بغير استئذان، وهو الملك، ولا انتهرهما، ولا وبخهما.
ومنها: جواز قول المظلوم لمن ظلمه "أنت ظلمتني" أو "يا ظالم" ونحو ذلك أو باغ علي لقولهما: ﴿خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾
ومنها: أن الموعوظ والمنصوح، ولو كان كبير القدر، جليل العلم، إذا نصحه أحد، أو وعظه، لا يغضب، ولا يشمئز، بل يبادره بالقبول والشكر، فإن الخصمين نصحا داود فلم يشمئز ولم يغضب ولم يثنه ذلك عن الحق، بل حكم بالحق الصرف.
ومنها: أن المخالطة بين الأقارب والأصحاب، وكثرة التعلقات الدنيوية المالية، موجبة للتعادي بينهم، وبغي بعضهم على بعض، وأنه لا يرد عن ذلك إلا استعمال تقوى الله، والصبر على الأمور، بالإيمان والعمل الصالح، وأن هذا من أقل شيء في الناس.
ومنها: أن الاستغفار والعبادة، خصوصا الصلاة، من مكفرات الذنوب، فإن الله، رتب مغفرة ذنب داود على استغفاره وسجوده.
ومنها: إكرام الله لعبده داود وسليمان، بالقرب منه، وحسن الثواب، وأن لا يظن أن ما جرى لهما منقص لدرجتهما عند الله تعالى، وهذا من تمام لطفه بعباده المخلصين، أنه إذا غفر لهم وأزال أثر ذنوبهم، أزال الآثار المترتبة عليه كلها، حتى ما يقع في -[٧١٤]- قلوب الخلق، فإنهم إذا علموا ببعض ذنوبهم، وقع في قلوبهم نزولهم عن درجتهم الأولى، فأزال الله تعالى هذه الآثار، وما ذاك بعزيز على الكريم الغفار.
ومنها: أن الحكم بين الناس مرتبة دينية، تولاها رسل الله وخواص خلقه، وأن وظيفة القائم بها الحكم بالحق ومجانبة الهوى، فالحكم بالحق يقتضي العلم بالأمور الشرعية، والعلم بصورة القضية المحكوم بها، وكيفية إدخالها في الحكم الشرعي، فالجاهل بأحد الأمرين لا يصلح للحكم، ولا يحل له الإقدام عليه.
ومنها: أنه ينبغي للحاكم أن يحذر الهوى، ويجعله منه على بال، فإن النفوس لا تخلو منه، بل يجاهد نفسه بأن يكون الحق مقصوده، وأن يلقي عنه وقت الحكم كل محبة أو بغض لأحد الخصمين.
ومنها: أن سليمان عليه السلام من فضائل داود، ومن منن الله عليه حيث وهبه له، وأن من أكبر نعم الله على عبده، أن يهب له ولدا صالحا، فإن كان عالما، كان نورا على نور.
ومنها: ثناء الله تعالى على سليمان ومدحه في قوله ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾
ومنها: كثرة خير الله وبره بعبيده، أن يمن عليهم بصالح الأعمال ومكارم الأخلاق، ثم يثني عليهم بها، وهو المتفضل الوهاب.
ومنها: تقديم سليمان محبة الله تعالى على محبة كل شيء.
ومنها: أن كل ما أشغل العبد عن الله، فإنه مشؤوم مذموم، فَلْيُفَارِقْه ولْيُقْبِلْ على ما هو أنفع له.
ومنها: القاعدة المشهورة "من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه" فسليمان عليه السلام عقر الجياد الصافنات المحبوبة للنفوس، تقديما لمحبة الله، فعوضه الله خيرا من ذلك، بأن سخر له الريح الرخاء اللينة، التي تجري بأمره إلى حيث أراد وقصد، غدوها شهر، ورواحها شهر، وسخر له الشياطين، أهل الاقتدار على الأعمال التي لا يقدر عليها الآدميون.
ومنها: أن تسخير الشياطين لا يكون لأحد بعد سليمان عليه السلام.
ومنها: أن سليمان عليه السلام، كان ملكا نبيا، يفعل ما أراد، ولكنه لا يريد إلا العدل، بخلاف النبي العبد، فإنه تكون إرادته تابعة لأمر الله، فلا يفعل ولا يترك إلا بالأمر، كحال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه الحال أكمل.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (٩٩ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان معاني القرآن — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى تفسير القرآن — الصنعاني غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — المراغي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
فَتَنَّا
ابْتَلَيْنَا.
جَسَدًا
شِقَّ إِنْسَانٍ وُلِدَ لَهُ.
أَنَابَ
رَجَعَ إِلَى اللهِ بِالتَّوْبَةِ.

إعراب الآية ٣٤ من سورة ص

من كتاب: إعراب القرآن

[سورة ص (٣٨) : آية ٣١]

إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ (٣١)
الْجِيادُ جمع جواد للفرس إذا كان شديد الحضر، كما يقال للإنسان: جواد إذا كان سريع العطيّة غزيرها غير أنه يقال: قوم أجواد وخيل جياد وقد قيل: جياد جمع جائد. وقائل هذا يحتجّ بأنه لو كان جمع جواد لقيل جواد، كطويل وطوال. ويقال في جمع جواد: جوداء وأجوداء وجود بإسكان الواو وجوود بضمها.

[سورة ص (٣٨) : الآيات ٣٢ الى ٣٣]

فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ (٣٢) رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ (٣٣)
فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ الفراء «١» يقدّره مفعولا أي آثرت حبّ الخيل، وغيره يقدره مصدرا وهو يقدّر الخيل بمعنى الخير، وغيره يقول: معنى أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ أنه كان في صلاة فجيء إليه بخيل لتعرض عليه قد غنمت فأشار إليها بيده لأنه يصلّي حتّى توارت الخيل، وسترها جدر الإصطبلات فلمّا فرغ من صلاته قال: رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً «٢» أي فأقبل يمسحها مسحا. وفي معناه قولان: أحدهما أنه أقبل يمسح سوقها وأعناقها بيده إكراما منه لها، وليري أن الجليل لا يقبح به أن يفعل مثل هذا بخيله.
وقال قائل هذا القول: كيف يقتلها وفي ذلك إفساد المال ومعاقبة من لا ذنب له؟ وقيل المسح هاهنا القطع أذن له في قتلها. والسّوق جمع ساق مثل دار ودور، وفي أقلّ العدد أسوق. والساق مؤنّثة.

[سورة ص (٣٨) : آية ٣٤]

وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ (٣٤)
وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ أي اختبرناه بما يثقل عليه وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً قيل يعني به ولدا له ميّتا. وذلك أنه طاف على جواريه، وقال: أرجو أن تلد كلّ واحدة منهم ذكرا، وفي الحديث أنه لم يقل إن شاء الله فلم تحمل إلّا واحدة منهن، ومات الولد وألقي على كرسيّه فتنة على محبّة الدّنيا، والرغبة فيها، واستدعاء الولد، وأنه لا ينبغي أن يكون كذا ثُمَّ أَنابَ أي رجع عما كان عليه. وقد قيل: جسد شيطان.

[سورة ص (٣٨) : آية ٣٥]

قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥)
قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي قيل: ليس في هذا دليل على أنّ ذلك الفعل منه ذنب، لأنه قد يكون له أن يستغفر مما عمله قبل النبوة أو يستغفر مما يعرض له.

[سورة ص (٣٨) : آية ٤٠]

وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠)
(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٤٠٥.
(٢) انظر البحر المحيط ٧/ ٣٨٠.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

الموضوعات القرآنية للآية ٣٤ من سورة ص

٥ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٣٥ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

آثار مطولة في القصة

١٢ قولًا
١
عن علي بن أبي طالب، قال: بينما سليمان بن داود جالسًا على شاطئ البحر، وهو يعبث بخاتمه، إذ سقط منه في البحر، وكان مُلكُه في خاتمه، فانطلق وخلَف شيطان في أهله، فأتى عجوزًا، فأوى إليها، فقالت له العجوز: إن شئت أن تنطلق فتطلُب وأكفيك عملَ البيت، وإن شئت أن تكفيني عملَ البيت وأنطلق فألتمس. قال: فانطلق يلتمس، فأتى قومًا يصيدون السمك، فجلس إليهم، فنبذوا إليه سمكات، فانطلق بهنَّ حتى أتى العجوز، فأخذت تصلحه، فشقت بطن سمكة، فإذا فيها الخاتم، فأخذته، وقالت لسليمان: ما هذا؟ فأخذه سليمان، فلبسه، فأقبلت إليه الشياطين والجن والإنس والطير والوحش، وهرب الشيطان الذي خلَف في أهله، فأتى جزيرةً في البحر، فبعث إليه الشياطين، فقالوا: لا نقدر عليه؛ إنّه يرد عينًا في جزيرة في البحر في سبعة أيام يومًا، ولا نقدر عليه حتى يسكر. قال: فصُبّ له في تلك العين خمر، فأقبل فشرب، فأروه الخاتم، فقال: سمعًا وطاعة. فأوثقه سليمان، ثم بعث به إلى جبل، فذكروا أنه جبل الدخان، فيقال: الدخان الذي يرون من نَفَسه، والماء الذي يخرج من الجبل بوله١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- قال: أراد سليمانُ أن يدخل الخلاء، فأعطى الجرادةَ خاتمه، وكانت جرادةُ امرأته، وكانت أحبَّ نسائه إليه، فجاء الشيطان في صورة سليمان، فقال لها: هاتي خاتمي. فأعطته، فلما لبسه دانت له الإنسُ والجنُّ والشياطين، فلما خرج سليمان من الخلاء قال لها: هاتي خاتمي. فقالت: قد أعطيته سليمانَ. قال: أنا سليمان. قالت: كذبتَ، لست سليمان. فجعل لا يأتي أحدًا يقول: أنا سليمان. إلا كذّبه، حتى جعل الصبيان يرمونه بالحجارة، فلمّا رأى ذلك عرف أنّه مِن أمر الله، وقام الشيطان يحكم بين الناس، فلما أراد الله أن يرُدَّ على سليمان سلطانَه ألقى في قلوب الناس إنكارَ ذلك الشيطان، فأرسلوا إلى نساء سليمان، فقالوا لهنَّ: هل تُنكِرْنَ مِن سليمان شيئًا؟ قلن: نعم، إنّه يأتينا ونحن حُيَّض، وما كان يأتينا قبل ذلك. فلما رأى الشيطانُ أنه قد فُطِن له ظنَّ أنّ أمره قد انقطع، فكتبوا كتبًا فيها سحر وكفر، فدفنوها تحت كرسي سليمان، ثم أثاروها، وقرؤوها على الناس، قالوا: بهذا كان يظهر سليمانُ على الناس ويغلبهم. فأكفر الناسُ سليمانَ، فلم يزالوا يكفِّرونه، وبعث ذلك الشيطانُ بالخاتم، فطرحه في البحر، فتلقّته سمكةٌ، فأخذته، وكان سليمان يحمل على شطِّ البحر بالأجر، فجاء رجلٌ، فاشترى سمكًا فيه تلك السمكة التي في بطنها الخاتم، فدعا سليمان، فقال: تحمل لي هذا السمك؟ قال: نعم. قال بكم؟ قال: بسمكة من هذا السمك. فحمل سليمانُ السمكَ، ثم انطلق به إلى منزله، فلما انتهى الرجلُ إلى بابه أعطاه تلك السمكة التي في بطنها الخاتم، فأخذها سليمان، فشقَّ بطنَها، فإذا الخاتم في جوفها، فأخذه فلبسه، فلما لبسه دانت له الجنُّ والإنس والشياطين، وعاد إلى حاله، وهرب الشيطانُ حتى لحق بجزيرة من جزائر البحر، فأرسل سليمان في طلبه، وكان شيطانًا مريدًا، فجعلوا يطلبونه ولا يقدرون عليه، حتى وجدوه يومًا نائمًا، فجاؤوا فبنوا عليه بنيانًا مِن رصاص، فاستيقظ، فوثَب، فجعل لا يثب في مكان من البيت إلا انماطَ١ معه الرصاص، فأخذوه فأوثقوه، وجاؤوا به إلى سليمان، فأمر به فنُقر له تخت٢ من رخام، ثم أُدخل في جوفه، ثم سُدّ بالنحاس، ثم أمر به فطرح في البحر، فذلك قوله: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾، يعني: الشيطان الذي كان سُلِّط عليه٣٤
التخريج
  1. ١انماط: تَنَحّى وذَهَبَ وبَعُدَ. اللسان (ميط).
  2. ٢التخت: وعاء تصان فيه الثياب، فارسي. اللسان (تخت).
  3. ٣أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٣٢٤، والنسائي في الكبرى (١٠٩٩٣)، وابن أبي حاتم واللفظ له -كما في تفسير ابن كثير ٧‏/‏٥٩-٦٠-.
تعليقات المحققين
  1. ٤ذكر ابنُ كثير (١٢/٩٣) هذا الأثر عن ابن عباس، ثم علَّق قائلًا: «إسناده إلى ابن عباس قوي، ولكن الظاهر أنه إنما تلقاه ابن عباس -إن صح عنه- مِن أهل الكتاب، وفيهم طائفة لا يعتقدون نبوة سليمان عليه السلام، فالظاهر أنهم يكذبون عليه، ولهذا كان في السياق منكرات مِن أشدها ذكر النساء، فإن المشهور أن ذلك الجني لم يُسلَّط على نساء سليمان، بل عصمهن الله منه تشريفًا وتكريمًا لنبيه ﷺ، وقد رويت هذه القصة مطولة عن جماعة من السلف، كسعيد بن المسيب وزيد بن أسلم وجماعة آخرين، وكلها متلقاة من قصص أهل الكتاب».
٣
عن عبد الله بن عباس، قال: كان سليمانُ إذا دخل الخلاءَ أعطى خاتمه أحبَّ نسائه إليه، فإذا هو خرج وقد وُضِع له وضوؤه، فإذا توضأ خرج إليه فلبسه، فدخل يومًا الخلاء، فدفع خاتمه إلى امرأته، فلبث ما شاء الله، وخرج عليها شيطانٌ في صورة سليمان، فدفعت الخاتم إليه، فضاق وفزع به، فنهض به، فألقاه في البحر، فالتقمته سمكةٌ، فخرج سليمانُ على امرأته، فسألها الخاتم، فقالت: قد دفعتُه إليك. فعلم سليمان أنه قد ابتُلي، فخرج وترك مُلكه، ولزم البحر، فجعل يجوع، فأتى يومًا على صيادين قد صادوا سمكًا بالأمس فنبذوه، وصادوا يومهم سمكًا فهو بين أيديهم، فقام عليهم سليمان فقال: أطعموني بارك الله فيكم؛ فإني ابن سبيل غَرْثان١. فلم يلتفتوا إليه، ثم عاد فقال لهم مثل ذلك، فرفع رجل منهم رأسه إليه، فقال: ائْتِ ذلك السمك، فخُذ منه سمكةً. فأتاه سليمان، فأخذ أدنى سمكة، فلما أخذها إذا فيها ريح، فأتى بها البحر، فغسلها، وشقّ بطنها، فإذا هو بخاتمه، فحمد الله، وأخذه، فتختَّم به، ونطق كلُّ شيء كان حوله مِن جنوده، وفزِع الصيادون لذلك، فقاموا إليه، وحيل بينهم وبينه، ولم يصلوا إليه، وردَّ الله إليه مُلكَه٢
التخريج
  1. ١الغرثان: الجوعان. اللسان (غرث).
  2. ٢عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٤
عن سعيد بن المسيب -من طريق علي بن زيد-: أنّ سليمان بن داود احتجب عن الناس ثلاثة أيام، فأوحى الله إليه: أن يا سليمان، احتجبتَ عن الناس ثلاثة أيام فلم تنظر في أمور عبادي، ولم تنصف مظلومًا من ظالم! وكان مُلكُه في خاتمه، وكان إذا دخل الحمام وضع خاتمه تحت فراشه، فدخل ذات يوم الخلاء، فوضع خاتمه تحت فراشه، فجاء الشيطان فأخذه، فأقبل الناس على الشيطان، فقال سليمان: يا أيها الناس، أنا سليمان، أنا نبيُّ الله. فدفعوه، فسأل بكفيه أربعين يومًا، فأتى أهلَ سفينة، فأعطوه حُوتًا، فشقَّها، فإذا هو بالخاتم فيها، فتختَّم به، ثم جاء فأخذ بناصيته، فقال عند ذلك: رب هب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي. قال: وكان أول مَن أنكره نساؤه؛ فقلن بعضهن لبعض: أتنكرون ما ننكر؟ قلن: نعم. وكان يأتيهن وهن حُيّض، فقال علي: فذكرت ذلك للحسن فقال: ما كان الله ليسلطه على نسائه١
التخريج
  1. ١أخرجه آدم بن أبي إياس -كما في تفسير مجاهد (٥٧٤) -. وعزاه السيوطي إلى الحكيم الترمذي، وعبد بن حميد. وقول الحسن أخرجه عبد الرزاق ٢/ ١٦٤ من طريق معمر.
٥
عن سعيد بن جبير، ﴿وأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾، قال: هو الشيطان؛ دخل سليمان الحمام، فوضع خاتمه عند امرأة مِن أوثق نسائه في نفسه، فأتاها الشيطان، فتمثَّل لها على صورة سليمان، فأخذ الخاتم منها، فلما خرج سليمانُ أتاها، فقال لها: هاتي الخاتم. فقالت: قد دفعتُه إليك. قال: ما فعلتِ. فهرب سليمانُ، وجلس الشيطانُ على مُلكه، وانطلق سليمانُ هاربًا في الأرض يتتبع ورق الشجر خمسين ليلة، فأنكر بنو إسرائيل أمرَ الشيطان، فقال بعضهم لبعض: هل تنكرون من أمر مَلِككم ما ننكر؟ قالوا: نعم. قال: إمّا قد هلكتم أنتم بعامة، وإمّا قد هلك مَلِككم. فقال بعضهم: واللهِ، إنّ عندكم من هذا الخبر؛ نساؤه معكم فاسألوهنَّ، فإن كُنَّ أنكرن ما أنكرنا فقد ابتُلينا. فسألوهن، فقلن: إي، واللهِ، لقد أنكرنا. فلما انقضت مدته انطلق سليمان حتى أتى ساحل البحر، فوجد صيادين يصيدون السمك، فصادوا سمكًا كثيرًا، فأنتَنَ عليهم بعضُه، فألقوه، فأتاهم سليمانُ، فاستطعمهم، فألقوا عليه أنتَنَ تلك الحيتان، قال: لا، بل أطعمِوني مِن هذا. فأبوا. فقال: أطعمِوني، فإني سليمان. فوثب إليه بعضهم بالعصا فضربه غضبًا لسليمان، فأتى إلى تلك الحيتان التي ألقوا، فأخذ منها حوتين، فانطلق بهما إلى البحر، فغسلهما، فشقّ بطن أحدهما، فإذا فيه الخاتم، فأخذه فجعله في يده، فعاد في ملكه، فجاءه الصيادون يسعون إليه، فقال لهم: لقد كنتُ استطعمتكم فلم تطعموني، وضربتموني، فلم ألُمكم إذ أهنتموني، ولم أحمدكم إذا أكرمتموني١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٦
عن الحسن البصري -من طريق قتادة- قال: إنّ صخرًا أمسك الخاتم أربعين يومًا، فمِن ثَمَّ دانت له الجنُّ والإنسُ، وعطفت عليه الطيرُ والوحشُ، فلمّا أنكر آصفُ وعظماءُ بني إسرائيل حكمَ عدو الله الشيطان في تلك الأربعين يومًا؛ قال آصف: يا معشر بني إسرائيل، هل رأيتم مِن خلاف حكم ابن داود ما رأيت؟ قالوا: نعم. فعمد عند ذلك صخرٌ فألقى بالخاتم في البحر، فاستقبله جِرِّيٌّ١، فابتلع الخاتم، فصار في جوفه مثل الحريق مِن نور الخاتم، فاستقبل جِرِّيُّه الماءَ، فوقع في شباك الصيادين الذين كان سليمان معهم، فلمّا أمسوا قسموا السمك، فأسقطوا الجِرِّيّ فجعلوه لسليمان، فذهب به إلى أهله، فأمرهم أن يصنعوه، فلما شقوا بطنَه أضاء البيتَ نورًا مِن خاتمه، فدعت المرأةُ سليمان، فأرته الخاتم، فتختم به، وخرَّ لله ساجدًا، قال: إلهي، لك الحمد على قديم بلائك، وحسن صنيعك إلى آل داود، إلهي، أنت الذي ابتدأتهم بالنِّعَم، وأورثتهم الكتاب والحكم والنبوة، فلك الحمد، إلهي، تجود بالكثير، وتلطف بالصغير، إلهي، فلك الحمد، نعماؤك ظهرت فلا تخفى، وبطنت فلا تحصى، فلك الحمد، إلهي، تجود بالكثير، وتلطف بالصغير، لم تسلمني بذنوبي فلك الحمد، تغفر الذنوب، وتستجيب الدعاء، فلك الحمد، إلهي، لم تسلمني بجريرتي، فلك الحمد، ولم تخذلني بخطيئتي، فلك الحمد، فتَمِّم -إلهي- نعمتك عليَّ، واغفر لي ما سلف، ﴿وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي﴾. فذلك قوله: ﴿ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب﴾٢
التخريج
  1. ١الجِرِّي -كَذِمِّي-: نوع من السمك. القاموس (جرى).
  2. ٢أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٢٢‏/‏٢٥١.
٧
عن الحسن البصري -من طريق قتادة- قال: وُلِد له ابنٌ به عاهة، قد كسرته الرياح -ولم يقل: شِقُّ إنسان-. قال: فأُعجب به سليمان، ولم يكن له ولد ذكر. قال: فخاف عليه الموت وآفات الأرض، فطلب له الرضاع، فجاءت الإنس، فطلبوا الرضاع، فأبى، وجاءت الجن، فطلبوه، فأبى، وجاءت السحاب فطلبت، فقال: كيف ترضعيه؟ قالت: أحتمله بين السماء والأرض، وأربيه بماء المزن. قال: فدعا الريح، فقال لها: كوني مع السحاب في كفالة هذا الولد. فقالت: أفعلُ. قال: فمهدوا لابن سليمان على السحاب، ثم صار السحاب مِن فوقه كهيئة القبة، وجعل معه وصيفةً تُناغيه، ثم أمر الريحَ أن تحمله، فحملته، فكانت السحاب تنحدر به كل يوم مرتين غدوة وعشية إلى أمه، ترضعه وتغسله وتطيبه، ثم تضعه في السحاب، فتحمله الريحُ بين السماء والأرض، فكانت إذا حنَّت إليه أو أراده سليمان تكلما أو أحدهما، فتحمل الريح كلامهما إلى السحاب، فتنقض السحاب به إليهما حتى ينظرا إليه، ثم يأمر سليمان عليه السلام بردِّه إلى موضعه، وإنما فعل ذلك شفقة عليه، قال: فأمر الله ملكَ الموت بقبض روحه، فقبضه، ثم قال للسحاب: أرسليه، فإنك تكفَّلت به وهو حي. فأرسلته، فوقع على كرسيه مَيِّتًا، فذلك قوله عز وجل: ﴿ولقد فتنا سليمان والقينا على كرسيه جسدا﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٢٢‏/‏٢٤٢.
٨
عن وهب بن مُنَبِّه -من طريق محمد بن إسحاق- قال: سمع سليمان عليه السلام بمدينة في جزيرة من جزائر البحر يُقال لها: صيدون، بها ملِك عظيم الشأن، لم يكن للناس إليه سبيلًا لمكانه في البحر، وكان اللهُ قد آتى سليمانَ في مُلكه سلطانًا لا يمتنع عليه شيء في بر ولا بحر، إنما يركب إليه الريح، فخرج إلى تلك المدينة تحمله الريحُ على ظهر الماء، حتى نزل بها بجنوده مِن الجن والإنس، فقَتَل مَلِكَها، واستولى واستفاء وسبى ما فيها، وأصاب فيما أصاب بنتًا لذلك الملك، يقال لها: جرادة، لم يُر مثلها حسنًا وجمالًا، فاصطفاها لنفسه، ودعاها إلى الإسلام، فأسلمت على جفاءٍ منها وقِلَّة فِقْه، وأحبها حبًّا لم يحبه شيئًا مِن نسائه، وكانت على منزلتها عنده لا يذهب حزنها ولا يرقأ دمعها، فشقَّ ذلك على سليمان، فقال لها: ويحكِ، ما هذا الحزن الذي لا يذهب، والدمع الذي لا يرقأ؟ قالت: إنّ أبي أذكره وأذكر ملكه وما كان فيه وما أصابه، فيحزنني ذلك. قال سليمان: فقد أبدلك الله به مُلكًا هو أعظم مِن ملكه، وسلطانًا هو أعظم من سلطانه، وهداك للإسلام وهو خير من ذلك كله. قالت: إن ذلك كذلك، ولكني إذا ذكرته أصابني ما ترى مِن الحزن، فلو أنك أمرت الشياطين فصوَّروا صورته في داري التي أنا فيها أراها بكرة وعشيًا لَرجوت أن يُذهب ذلك حزني، وأن يُسلِّي عنِّي بعضَ ما أجد في نفسي. فأمر سليمانُ الشياطين، فقال: مثِّلوا لها صورةَ أبيها في دارها حتى لا تنكر منه شيئًا. فمثَّلوه لها حتى نظرت إلى أبيها بعينه، إلا أنه لا روح فيه، فعمدت إليه حين صنعوه فأزَّرته وقمَّصته وعمَّمته ورَدَتْه بمثل ثيابه التي كان يلبس، ثم كان إذا خرج سليمان مِن دارها تغدو عليه في ولائدها حتى تسجد له، ويَسْجُدْنَ له كما كانت تصنع به في ملكه، وتروح كل عشية بمثل ذلك، وسليمان لا يعلم بشيء مِن ذلك أربعين صباحًا، وبلغ ذلك آصفَ بن برخيا، وكان صديقًا، وكان لا يُرَدّ عن أبواب سليمان، أي ساعة أراد دخول شيء مِن بيوته دخل، حاضرًا كان سليمان أو غائبًا، فأتاه، فقال: يا نبيَّ، الله كبر سني، ورقَّ عظمي، ونفد عمري، وقد حان مني الذهاب، فقد أحببتُ أن أقوم مقامًا قبل الموت أذكر فيه مَن مضى مِن أنبياء الله وأُثني عليهم بعلمي فيهم، وأُعَلِّمُ الناسَ بعضَ ما كانوا يجهلون مِن كثير من أمورهم. فقال: افعل. فجمع له سليمان الناس، فقام فيهم خطيبًا، فذكر مَن مضى من أنبياء الله تعالى، فأثنى على كل نبيِّ بما فيه، فذكر ما فضَّله الله، حتى انتهى إلى سليمان، فقال: ما أحلمك في صغرك، وأورعك في صغرك، وأفضلك في صغرك، وأحكم أمرك في صغرك، وأبعدك مِن كل ما تكره في صغرك. ثم انصرف، فوجد سليمان عليه السلام في نفسه من ذلك حتى ملأه غضبًا، فلما دخل سليمان دارَه أرسل إليه، فقال: يا آصف، ذكرت مِن مضى من أنبياء الله فأثنيت عليهم خيرًا في كل زمانهم، وعلى كل حال مِن أمرهم، فلما ذكرتني جعلت تثني عليّ بخير في صغري، وسكتَّ عما سوى ذلك مِن أمري في كبري! فما الذي أحدثتُ في آخر أمري؟ فقال: إنّ غير الله لَيُعْبَد في دارك منذُ أربعين صباحًا في هوى امرأة. فقال: في داري؟! فقال: في دارك. قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، لقد عرفتُ أنّك ما قلتَ الذي قلتَ إلا عن شيء بلغك. ثم رجع سليمان إلى داره، وكسر ذلك الصنم، وعاقب تلك المرأةَ وولائدها، ثم أمر بثياب الطُّهرة، فأُتِي بها، وهي ثياب لا يغزلها إلا الأبكار، ولا ينسجها إلا الأبكار، ولا يغسلها إلا الأبكار، لم تمسسها امرأة قد رأت الدم، فلبسها، ثم خرج إلى فلاةٍ مِن الأرض وحده، فأمر برماد ففُرش له، ثم أقبل تائبًا إلى الله عز وجل، حتى جلس على ذلك الرماد، وتمعَّك فيه بثيابه تذلُّلًا لله تعالى، وتضرُّعًا إليه يبكي ويدعو، ويستغفر مما كان في داره، فلم يزل كذلك يومه حتى أمسى، ثم رجع إلى داره. وكانت له أم ولد يقال لها: الأمينة، كان إذا دخل مذهبَه أو أراد إصابةَ امرأة مِن نسائه وضع خاتمه عندها حتى يتطهر، وكان لا يمس خاتمه إلا وهو طاهر، وكان مُلكُه في خاتمه، فوضعه يومًا عندها، ثم دخل مذهبه، فأتاها الشيطان صاحب البحر -واسمه: صخر- على صورة سليمان، لا تُنكِر منه شيئًا، فقال: خاتمي، أمينة. فناولته إياه، فجعله في يده، ثم خرج حتى جلس على سرير سليمان، وعكفت عليه الطير والجن والإنس، وخرج سليمان فأتى الأمينةَ وقد غُيِّرت حاله وهيئته عند كل من رآه، فقال: يا أمينة، خاتمي. قالت: مَن أنت؟ قال: أنا سليمان بن داود. قالت: كذبت، فقد جاء سليمانُ فأخذ خاتمه، وهو جالس على سرير ملكه. فعرف سليمان أن خطيئته قد أدركته، فخرج، فجعل يقف على الدار مِن دور بني إسرائيل، فيقول: أنا سليمان بن داود. فيحثون عليه التراب، ويسبُّونه، ويقولون: انظروا إلى هذا المجنون! أيَّ شيء يقول؟! يزعم أنه سليمان! فلما رأى سليمانُ ذلك عمد إلى البحر، فكان ينقل الحيتان لأصحاب البحر إلى السوق، فيعطونه كل يوم سمكتين، فإذا أمسى باع إحدى سمكتيه بأرغفة، وشوى الأخرى فأكلها، فمكث بذلك أربعين صباحًا عِدَّة ما كان عُبِد الوثن في داره، فأنكر آصفُ وعظماء بني إسرائيل حكمَ عدوِّ الله الشيطان في تلك الأربعين، فقال آصف: يا معشر بني إسرائيل، هل رأيتم من اختلاف حكم ابن داود ما رأيت؟ قالوا: نعم. قال: أمهِلوني حتى أدخل على نسائه فأسألهن: فهل أنكرتن منه في خاصة أمره ما أنكرناه في عامة أمر الناس وعلانيته؟ فدخل على نسائه، فقال: ويحكنَّ، هل أنكرتنَّ مِن أمر ابن داود ما أنكرنا؟ فقلن: أشده؛ ما يَدَعُ مِنّا امرأةً في دمها، ولا يغتسل من الجنابة. فقال: إنّا لله وإنا إليه راجعون، إنّ هذا لهو البلاء المبين. ثم خرج على بني إسرائيل، فقال: ما في الخاصة أعظم مما في العامة. فلما مضى أربعون صباحًا طار الشيطانُ عن مجلسه، ثم مرَّ بالبحر، فقذف الخاتم فيه، فبلعته سمكة، فأخذها بعض الصيادين، وقد عمل له سليمان صدرَ يومه ذلك، حتى إذا كان العشيُّ أعطاه سمكتيه، وأعطاه السمكةَ التي أخذت الخاتم، فخرج سليمان بسمكتيه، فباع التي ليس في بطنها الخاتم بالأرغفة، ثم عمد إلى السمكة الأخرى، فبقرها ليشويها، فاستقبله خاتمه في جوفها، فأخذه، فجعله في يده، ووقع ساجدًا، وعكفت عليه الطير والجن، وأقبل عليه الناس، وعرف الذي كان قد دخل عليه لِما كان قد حدث في داره، فرجع إلى مُلْكِه، وأظهر التوبة مِن ذنبه، وأمر الشياطينَ، فقال: ائتوني بصخر. فطلبته الشياطين حتى أخذته، فأُتي به، وجاؤوا له بصخرة، فنقرها، فأدخله فيها، ثم شدَّ عليه بأخرى، ثم أوثقها بالحديد والرصاص، ثم أمر به فقُذف في البحر١
التخريج
  1. ١أخرجه الثعلبي ٨‏/‏٢٠١-٢٠٥، والبغوي ٧‏/‏٩٠-٩١. كما أخرج نحوه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٢٢‏/‏٢٤٦-٢٤٧ من طريق عبد المنعم بن إدريس عن أبيه، بسياق أشد نكارة من هذا السياق.
٩
وعن مقاتل بن سليمان، نحو ذلك مختصرًا١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏٦٤٦.
١٠
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قال: أُمِر سليمانُ ببناء بيت المقدس، فقيل له: ابْنِه، ولا يُسمَع فيه صوت حديد. فطلب ذلك، فلم يقدر عليه، فقيل له: إنّ شيطانًا يُقال له: صخر، شِبه المارد. فطلبه، وكانت عينٌ في البحر يَرِدها في كل سبعة أيام مرة، فنُزِح ماؤُها، وجُعِل فيها خمرًا، فجاء يومَ وروده فإذا هو بالخمر، فقال: إنّك لَشراب طيِّب، إلا أنكِ تُصْبِين الحليمَ، وتزيدين مِن الجاهل جهلًا. ثم رجع حتى عطش عطشًا شديدًا، ثم أتاها، فشربها حتى غلبت على عقله، فأُتي بالخاتم، فختم بين كتفيه، فذَلَّ، وكان مُلكه في خاتمه، فأُتي به سليمان، فقال: إنّا قد أُمِرنا ببناء هذا البيت، فقيل لنا: لا يُسْمَعَنَّ فيه صوت حديد. فأتى ببيض الهدهد، فجعل عليه زجاجة، فجاء الهدهد فدار حولها، فجعل يرى بيضَه ولا يقدر عليه، فذهب، فجاء بالماس، فوضعها عليه، فقطعها حتى أفضى إلى بيضه، فأخذوا الماس، فجعلوا يقطعون به الحجارة. وكان سليمان عليه السلام إذا أراد أن يدخل الخلاء أو الحمّام لم يدخل بخاتمه، فانطلق يومًا إلى الحمّام، وذلك الشيطان صخر معه، فدخل الحمّام، وأعطى الشيطانُ خاتمَه، فألقاه في البحر، فالتقمته سمكة، ونُزِع ملكُ سليمان عليه السلام منه، وأُلْقِي على الشيطان شَبَه سليمان، فجاء فقعد على كرسيه، وسُلِّط على مُلك سليمان كله غير نسائه، فجعل يقضي بينهم أربعين يومًا، حتى وجد سليمان عليه السلام خاتمه في بطن السمكة، فأقبل، فجعل لا يستقبله جِنِّيٌّ ولا طير إلا سجد له، حتى انتهى إليهم، ﴿وأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قال: هو الشيطان صخر١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢‏/‏١٦٤-١٦٥، وفي مصنفه (٩٧٥٣) من طريق معمر، وابن جرير ٢٠‏/‏٨٩-٩١ واللفظ له. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
١١
عن [سعيد بن أبي سعيد] المَقْبُرِيّ -من طريق أبي معشر-: أنّ سليمان بن داود قال: لَأطوفن الليلةَ بمائة امرأة مِن نسائي، فتأتي كلُّ امرأة منهن بفارسٍ يُجاهد في سبيل الله. ولم يستثنِ، ولو استثنى لكان، فطاف على مائة امرأة، فلم تحمل منهنَّ امرأةٌ إلا امرأةٌ واحدة، حملت شِقَّ إنسان. قال: ولم يكن شيءٌ أحبَّ إلى سليمان مِن تلك الشِّقة. قال: وكان أولادُه يموتون، فجاء ملَك الموت في صورة رجل، فقال له سليمان: إن استطعت أن تُؤَخِّر ابني هذا ثمانية أيام إذا جاء أجله؟ فقال: لا، ولكن أُخبِرُك قبل موته بثلاثة أيام. فجاءه مَلك الموت في ثلاثة أيام، فقال لِمَن عنده مِن الجن: أيكم يَخْبأ لي ابني هذا؟ قال أحدهم: أنا أخْبؤه لك في المشرق. قال: ممن تخبؤه؟ قال: من مَلك الموت. قال: قد نفذ بصره. ثم قال آخر: أنا أخبؤه لك في المغرب. قال: وممن تخبؤه؟ قال: من مَلك الموت. قال: قد نفذ بصره. قال آخر: أنا أخبؤه لك في الأرض السابعة. قال: ممن تخبؤه؟ قال: من مَلك الموت. قال: قد نفذ بصره. قال آخر: أنا أخبؤه لك بين مُزْنتين لا تُريان. قال سليمان: إن كان شيءٌ فهذا. فلما جاء أجَلُه نظر مَلَكُ الموت في الأرض فلم يره في مشرقها، ولا في مغربها، ولا شيء مِن البحار، ورآه بين مُزنتين، فجاءه، فأخذه، فقبض روحَه على كرسيِّ سليمان، فذلك قوله: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن سعد في الطبقات ٨‏/‏٢٠٣ من طريق محمد بن عمر الواقدي. وأوَّله ثابت في صحيح البخاري (٢٨١٩) وصحيح مسلم (١٦٥٤) من حديث أبي هريرة مرفوعًا، كما سيأتي قريبًا.
١٢
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- في قوله: ﴿وأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾، قال: الشيطانُ حين جلس على كرسيه أربعين يومًا؛ كان لسليمان عليه السلام مائة امرأة، وكانت امرأة منهن يقال لها: جرادة، وهي آثر نسائه عنده وآمَنُهُنَّ، وكان إذا أجنب أو أتى حاجة نزع خاتمه، ولم يأتمن عليه أحدًا من الناس غيرها، فجاءته يومًا من الأيام، فقالت: إنّ أخي بينه وبين فلان خصومة، وأنا أحبُّ أن تقضي له إذا جاءك. فقال: نعم. ولم يفعل، فابتُلي؛ فأعطاها خاتمه، ودخل المخرج، فخرج الشيطان في صورته، فقال: هات الخاتم. فأعطته، فجاء حتى جلس على مجلس سليمان، وخرج سليمانُ بعد، فسألها أن تعطيه خاتمه، فقالت: ألم تأخذه قبلُ؟! قال: لا. قال: وخرج مِن مكانه تائهًا، ومكث الشيطان يحكم بين الناس أربعين يومًا، فأنكر الناسُ أحكامَه، فاجتمع قُرّاء بني إسرائيل وعلماؤهم، فجاؤوا حتى دخلوا على نسائه، فقالوا: إنا قد أنكرنا هذا. وأقبلوا يمشون حتى أتوه، فأحدقوا به، ثم نشروا فقرؤوا التوراة، فطار مِن بين أيديهم حتى وقع على شُرْفَةٍ١ والخاتم معه، ثم طار حتى ذهب إلى البحر، فوقع الخاتم منه في البحر، فابتلعه حوتٌ مِن حيتان البحر، وأقبل سليمان في حاله التي كان فيها حتى انتهى إلى صيّاد مِن صيادي البحر وهو جائع، فاستطعمه من صيدهم، فأعطاه سمكتين، فقام إلى شطِّ البحر، فشقَّ بطونهما، فوجد خاتمه في بطن إحداهما، فأخذه، فلبسه، فردَّ الله عليه بهاءَه وملكَه، فأرسل إلى الشيطان، فجيء به، فأَمر به، فجُعل في صندوق من حديد، ثم أطبق عليه، وأقفل عليه بقفل، وخَتم عليه بخاتمه، ثم أمر به فأُلقي في البحر، فهو فيه حتى تقوم الساعة، وكان اسمه: حبقيق٢٣
التخريج
  1. ١الشُّرْفة: ما يُوضَع على أعالي القصور والمدن يُحلّى به، وأيضًا هو بناء خارج من البيت يستشرف منه على ما حوله. اللسان (شرف)، والمعجم الوسيط (الشرفة).
  2. ٢أخرجه ابن جرير ٢٠‏/‏٩١-٩٢، وفي تاريخه ١‏/‏٤٩٩-٥٠١.
تعليقات المحققين
  1. ٣ذكر ابنُ كثير (١٢/٩٢) هذه القصة عن السدي، ومجاهد، وغيرهما، ثم علّق قائلًا: «وهذه كلها من الإسرائيليات».

تتمات للقصة

٣ أقوال
١
عن عبد الرحمن بن رافع، قال: بلغني: أنّ رسول الله ﷺ حدّث عن فتنة سليمان بن داود، قال: «إنّه كان في قومه رجلٌ كعمر بن الخطاب في أُمَّتي، فلما أنكر حالَ الجانِّ الذي كان مكانه أرسل إلى أفاضل نسائه، فقال: هل تُنكِرْنَ مِن صاحِبِكُنَّ شيئًا؟ فإنا قد أنكرناه. قُلنَ: نعم، كان لا يأتينا حُيَّضًا، وإنّ هذا يأتينا حُيَّضًا. فاشتمل على سيفه، فقعد له في مكان ينتظره ليقتله، فردَّ الله عند ذلك على سليمان مُلكه، فأقبل، فوجده في مكانه ذلك، فأخبره بما يريد»١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد. وقد سبق ذكر قول ابن كثير ١٢‏/‏٩٣: «إن المشهور أن ذلك الجني لم يسلط على نساء سليمان بل عصمهن الله منه تشريفًا وتكريمًا لنبيه ﷺ». كما سبق في المتن إنكار الحسن البصري تسلط الجني على نساء سليمان، حيث قال: «ما كان الله ليسلطه على نسائه».
٢
قال يحيى بن سلّام: وفي تفسير مجاهد: إنّ الشيطانَ مُنِع نساءَ سليمان أن يقربهن١
التخريج
  1. ١تفسير ابن أبي زمنين ٤‏/‏٩١.
٣
قال يحيى بن سلّام: في تفسير الحسن: إن الشيطان قعد على كرسي سليمان -وهو سرير ملكه- لا يأكل ولا يشرب ولا يأمر ولا ينهى، وأذهب الله ذلك مِن أذهان الناس؛ فلا يرون إلا أنّ سليمان في مكانه يصلي بهم، ويقضي بينهم١
التخريج
  1. ١تفسير ابن أبي زمنين ٤‏/‏٩٠-٩١.

آثار متعلقة بالقصة

قول واحد
١
عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ: «قال سليمان: لَأطوفنَّ الليلةَ على تسعين امرأة، كلُهُنَّ تأتي بفارسٍ يُجاهد في سبيل الله، فقال له صاحبُه: قل: إن شاء الله. فلم يقل: إن شاء الله. فطاف عليهنَّ جميعًا، فلم يحمل منهنَّ إلا امرأة واحدة، جاءت بشِقِّ رجل، وايم الذي نفس محمد بيده، لو قال: إن شاء الله؛ لجاهدوا في سبيل الله فرسانًا أجمعون»١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٨‏/‏١٣٠-١٣١ (٦٦٣٩)، ومسلم ٣‏/‏١٢٧٦ (١٦٥٤)، والثعلبي في تفسيره ٨‏/‏٢٠٦-٢٠٧. وعلَّقه البخاري في ٤‏/‏٢٢ (٢٨١٩).

تفسير

١٩ قولًا
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- في قوله: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾، قال: هو الشيطان الذي كان على كرسيه يقضي بين الناس أربعين يومًا، وكان لسليمان امرأة يُقال لها: جرادة، وكان بين بعض أهلها وبين قومٍ خُصومة، فقضى بينهم بالحق، إلا أنهَّ ودَّ أنّ الحق كان لأهلها، فأوحى الله إليه: أن سيصيبك بلاء. فكان لا يدري يأتيه من السماء أم من الأرض١
التخريج
  1. ١أخرجه الحكيم الترمذي ٢‏/‏١٨٠، والحاكم ٢‏/‏٤٣٣-٤٣٤. وعزاه السيوطي إلى الفريابي.
٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق جويبر، عن الضحاك- في قوله: ﴿وألقينا على كرسيه جسدا﴾: يعني الجسد: صخرًا المارد، حين غلب على ملكه، وجلس على كرسي سليمان أربعين يومًا، فالله أعلمُ أيَّ ذلك كان١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٢٢‏/‏٢٤٣.
٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿وأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أنابَ﴾، قال: هو صخر الجني، تمثَّل على كرسيِّه على صورته١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٠‏/‏٨٨ بنحوه، وابن أبي حاتم -كما في الإتقان ٢‏/‏٤٠-. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العوفي- ﴿ولَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾، قال: الجسد: الشيطانُ الذي كان دَفع سليمانُ إليه خاتمَه، فقذفه في البحر، وكان مُلك سليمان في خاتمه، وكان اسم الجني: صخرًا١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٠‏/‏٨٨.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابنُ عطية (٧/٣٤٨) ما جاء في قول ابن عباس بأن هذا الجني كان اسمه: صخرًا، ثم قال: «وقيل غير هذا مما اختصرناه لعدم الصحة».
٥
عن ابن عباس -من طريق سعيد بن جبير- قال: أربع آيات مِن كتاب الله لم أدرِ ما هي حتى سألتُ عنهُنَّ كعبَ الأحبار... سألتُه عن قوله: ﴿وأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أنابَ﴾، قال: شيطان أخذ خاتمَ سليمان الذي فيه مُلكه، فقذف به في البحر، فوقع في بطن سمكة، فانطلق سليمان يطوف إذ تُصدِّق عليه بتلك السمكة، فاشتواها، فأكلها، فإذا فيها خاتمه، فرجع إليه مُلكه١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏١٦٥-١٦٦. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وابن مردويه.
٦
عن سعيد بن جبير -من طريق أبي بشر- ﴿وأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾، قال: شيطانًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٠‏/‏٨٨.
٧
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- ﴿وأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾، قال: شيطانًا يُقال له: آصر١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٠‏/‏٨٨.
٨
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- ﴿وأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾، قال: شيطانًا يُقال له: آصف. فقال له سليمان: كيف تَفتِنون الناس؟ قال: أرِني خاتمك أخبرك. فلمّا أعطاه إيّاه نبذه آصفُ في البحر، فساح سليمانُ وذهب مُلْكُه، وقعد آصَفُ على كُرسيِّه، ومنعه الله تعالى نساء سليمان، فلم يقربهن ولا يقربنه وأنكرنه، وأنكر الناسُ أمرَ سليمان، وكان سليمانُ يستطعم، فيقول: أتعرفوني؟ أنا سليمان. فيُكَذِّبونه، حتى أعطته امرأةٌ يومًا حوتًا يُطيِّب١ بطنه، فوجد خاتمه في بطنه، فرجع إليه مُلكه، وفرَّ آصف، فدخل البحرَ فارًّا٢
التخريج
  1. ١يطيب: يزيل الأذى والقذر. الوسيط (طيب).
  2. ٢تفسير مجاهد (٥٧٤)، وأخرجه ابن جرير ٢٠‏/‏٨٨-٨٩. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
٩
عن عامر الشعبي - من طريق مجالد- قال: قالت الجن: لَئِن وُلِد لسليمان ذكرٌ لَنَلْقَيَنَّ منه مثل ما لقينا مِن أبيه، فتعالوا حتى نرصد أرحامَ نسائه حتى لا يولد له. قال: فوُلِد له غلام، فلم يأمن عليه الإنسَ ولا الجنَّ، فاسترضعه في المُزْن، يعني: السحاب، وكان يزيد في السنة كذا وكذا، وفي الشهر كذا وكذا، وفي الجمعة كذا وكذا، قال: فلم يشعر إلا وقد وُضِع على كرسيه وقد مات، فذلك قوله تعالى: ﴿وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب﴾. وقال غيره: الشيطان الذي كان أخذ خاتمه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٢٢‏/‏٢٤٣. وينظر: تفسير الثعلبي ٨‏/‏٢٠٦.
١٠
عن الحسن البصري -من طريق مبارك- ﴿وأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾، قال: شيطانًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٠‏/‏٨٨. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
١١
عن قتادة بن دعامة -من طريق معمر- في قوله تعالى: ﴿وأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أنابَ﴾، قال: كان على كرسيِّه شيطانٌ أربعين ليلةً، حتى ردَّ اللهُ عليه ملكَه١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏١٦٤.
١٢
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قال: ﴿وأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾، قال: هو الشيطان صخر١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٠‏/‏٩٠. وعزاه السيوطي إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر.
١٣
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- قال: الشيطانُ الذي جلس على كرسيِّ سليمان كان اسمه: حبقيق١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٠‏/‏٩٢ مطولًا وسيأتي. وعزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
١٤
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ﴾ يعني: بعد ما ملك عشرين سنة، ثم ملك أيضًا بعد الفتنة عشرين سنة، فذلك أربعين. يقول: لقد ابتلينا سليمان أربعين يومًا، ﴿وأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ﴾ يعني: سريره ﴿جَسَدًا﴾ يعني: رجلًا مِن الجن يُقال له: صخر بن عفير بن عمرو بن شرحبيل، ويقال: إنّ إبليس جده، ويقال أيضًا: اسمه أسيد١٢
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏٦٤٥.
تعليقات المحققين
  1. ٢أفادت الآثار اختلاف السلف في تفسير قوله: ﴿وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب﴾ على قولين: الأول: أن ذلك شيطان. الثاني: أن ذلك ولد لسليمان مات. وقد رجّح ابنُ عطية (٧/٣٤٨) القول الأول؛ لأنه الأظهر معنىً بقوله: «وهذا أصح الأقوال، وأبينها معنى». وذكر ابنُ عطية القول الثاني، وقولًا أن ذلك كان شق الولد الذي وُلِد له حين أقسم ليطوفن على نسائه ولم يستثن في قسمه. وقولًا أن ذلك كان مرضًا كالإغماء أصاب سليمان حتى صار على كرسيه كأنه بلا روح. وانتقد مستندًا لدلالة الآية الثلاثة بقوله: «وهذا كله غير متصل بمعنى هذه الآية».
١٥
عن عبد الله بن عباس -من طريق مقاتل وجويبر عن الضحاك- في قوله عز وجل: ﴿ثم أناب﴾: يعني: ثم استغفر١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٢٢‏/‏٢٦٠.
١٦
عن الضحاك بن مزاحم -من طريق جويبر- في قوله: ﴿ثُمَّ أنابَ﴾، قال: دخل سليمانُ على امرأةٍ تبيع السمك، فاشترى منها سمكةً، فشقّ بطنها، فوجد خاتمه، فجعل لا يمر على شجرة ولا على شيء إلا سجد له، حتى أتى مُلكَه وأهله، فذلك قوله: ﴿ثُمَّ أنابَ﴾ يقول: ثم رجع١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٠‏/‏٩٣.
١٧
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قال: ﴿ثُمَّ أنابَ﴾ وأقبل، يعني: سليمان١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٠‏/‏٩٣. وعزاه السيوطي إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر.
١٨
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ثُمَّ أنابَ﴾، يقول: ثم رجع بعد أربعين يومًا إلى مُلكه وسلطانه١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏٦٤٥.
١٩
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «وُلِد لسليمان بن داود ولدٌ، فقال للشياطين: أين نُواريه مِن الموت؟ قالوا: نذهب به إلى المشرق. فقال: يصل إليه الموت. قالوا: فإلى المغرب. قال: يصل إليه الموت. قالوا: إلى البحار. قال: يصل إليه الموت. قالوا: نضعه بين السماء والأرض. فنَزل عليه ملَكُ الموت، فقال: إنِّي أُمِرْتُ بقبض نسمة طلبتُها في البحار وطلبتُها في تخوم١ الأرض فلم أُصِبها، فبينا أنا أصعد إذ أصبتُها، فقبضتُها. وجاء جسده حتى وقع على كرسي سليمان، فهو قول الله: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أنابَ﴾»٢
التخريج
  1. ١التخوم: الحدود. النهاية (تخم).
  2. ٢أخرجه العقيلي في الضعفاء الكبير ٤‏/‏٤٢٤ في ترجمة يحيى بن كثير (٢٠٥٢)، والطبراني في الأوسط ٦‏/‏١١٢ (٥٩٦٠). وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه. قال العقيلي عن يحيى: «منكر الحديث». وقال الطبراني: «لم يرو هذا الحديث عن محمد بن عمرو إلا يحيى بن كثير، تفرد به ابنه». وقال ابن الجوزي في الموضوعات ٣‏/‏٢١٨: «هذا حديث موضوع، ولا يجوز أن ينسب إلى سليمان -وهو نبي كريم- أنه يفر من الموت، ولا أنه يُقِرّ على أنّ كونه بين السماء والأرض يدفع الموت». وقال الهيثمي في المجمع ٧‏/‏٩٩ (١١٣٠٧): «رواه الطبراني في الأوسط، وفيه يحيى بن كثير صاحب البصري، وهو متروك، وابنه كثير ضعيف أيضًا». وقال السيوطي في الدر بعد عزوه أيضًا إلى ابن مردويه: «بسند ضعيف». وقال الألباني في الضعيفة ١٢‏/‏٩٨٧ (٥٩٩٣): «منكر».
التفسير بالمأثور لسورة ص كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٣٤ من سورة ص

٦ وقفات في هذه الآية

  • "ولقد فتنا سليمان" الله يمتحن ويمحص أنبياء اختارهم لوحيه.. فلا تأمن أيها العالم والداعية بعض ما يعرض لك.. فلعله فتنة واختبار.

    — علي الفيفي

  • إذا أردت أن تعرف ماذا يعني حسن الظن بالله فانظر إلى دعوة سليمان يفتن ويستغفر ويسأل الله في ذات الدعوة ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده " لَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (34) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ"

    — بدون مصدر

  • فبدأ بطلب المغفرة قبل طلب المُلك العظيم؛ وذلك لأنَّ زوال أثر الذنوب هو الذي يحصل به المقصود، فالذنوب تتراكم على القلب، وتمنعه كثيرًا من المصالح، فعلى المؤمن أن يسأل ربَّه التخلص من هذه الذنوب قبل أن يسأل ما يريد.

    — محمد بن صالح ابن عثيمين

  • مشاكل مشاكل مشاكل ؟؟!! اطمئن فإن الله قد امتحن أنبياءه فكيف بك؟؟!! "ولقد فتنا سليمان" فأحسن التعامل تجد المخرج..

    — محاسن التاويل

  • سلسلة ( ختمة تعارف) سورة ص أية 34

    — حازم شومان

  • برنامج لمسات بيانية سورة ص آية 34

    — فاضل السامرائي

فتاوى متعلقة بالآية ٣٤ من سورة ص

فتوى واحدة تتعلق بهذه الآية

ترجمات معاني الآية ٣٤ من سورة ص

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(34) And We certainly tried Solomon and placed on his throne a body;[1327] then he returned.[1328]
[1327]- Said to be a devil or a lifeless body (one without capability), but Allāh alone knows.
[1328]- To sovereignty and to Allāh in repentance.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال