الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي

عن الكتاب
أخرج الفريابي والحكيم الترمذي والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ﴿ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسداً﴾ قال : هو الشيطان الذي كان على كرسيه يقضي بين الناس أربعين يوماً، وكان لسليمان عليه السلام امرأة يقال لها جرادة، وكان بين بعض أهلها وبين قوم خصومة، فقضى بينهم بالحق إلا أنه ودَّ أن الحق كان لأهلها ؛ فأوحى الله تعالى إليه : أنه سيصيبك بلاء، فكان لا يدري يأتيه من السماء أم من الأرض.
وأخرج النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم بسند قوي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : أراد سليمان عليه السلام أن يدخل الخلاء، فأعطى الجرادة خاتمه، وكانت جرادة امرأته، وكانت أحب نسائه إليه، فجاء الشيطان في صورة سليمان، فقال لها : هاتي خاتمي، فأعطته، فلما لبسه دانت له الجن والإِنس والشياطين، فلما خرج سليمان عليه السلام من الخلاء قال لها : هاتي خاتمي. فقالت : قد أعطيته سليمان قال : أنا سليمان قالت : كذبت لست سليمان. فجعل لا يأتي أحداً يقول أنا سليمان إلا كذبه حتى جعل الصبيان يرمونه بالحجارة، فلما رأى ذلك عرف أنه من أمر الله عز وجل، وقام الشيطان يحكم بين الناس.
فلما أراد الله تعالى أن يرد على سليمان عليه السلام سلطانه، ألقى في قلوب الناس إنكار ذلك الشيطان، فأرسلوا إلى نساء سليمان عليه السلام فقالوا لهن : أيكون من سليمان شيء ؟ قلن : نعم. إنه يأتينا ونحن حيض، وما كان يأتينا قبل ذلك.
فلما رأى الشيطان أنه قد فطن له، ظن أن أمره قد انقطع، فكتبوا كتباً فيها سحر ومكر، فدفنوها تحت كرسي سليمان، ثم أثاروها وقرأوها على الناس قالوا : بهذا كان يظهر سليمان على الناس ويغلبهم، فأكفر الناس سليمان، فلم يزالوا يكفرونه، وبعث ذلك الشيطان بالخاتم، فطرحه في البحر، فتلقته سمكة فأخذته، وكان سليمان عليه السلام يعمل على شط البحر بالأجر، فجاء رجل فاشترى سمكاً فيه تلك السمكة التي في بطنها الخاتم، فدعا سليمان عليه السلام فقال : تحمل لي هذه السمك ؟ ثم انطلق إلى منزله، فلما انتهى الرجل إلى باب داره، أعطاه تلك السمكة التي في بطنها الخاتم، فأخذها سليمان عليه السلام، فشق بطنها فإذا الخاتم في جوفها، فأخذه فلبسه، فلما لبسه دانت له الإنس والجن والشياطين، وعاد إلى حاله، وهرب الشيطان حتى لحق بجزيرة من جزائر البحر، فأرسل سليمان عليه السلام في طلبه، وكان شيطاناً مريداً يطلبونه ولا يقدرون عليه، حتى وجدوه يوماً نائماً، فجاؤوا فنقبوا عليه بنياناً من رصاص، فاستيقظ، فوثب، فجعل لا يثبت في مكان من البيت إلا أن دار معه الرصاص، فأخذوه وأوثقوه وجاؤوا به إلى سليمان عليه السلام، فأمر به فنقر له في رخام، ثم أدخل في جوفه، ثم سد بالنحاس، ثم أمر به فطرح في البحر.
فذلك قوله ﴿ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسداً﴾ يعني الشيطان كان تسلط عليه.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : أربع آيات من كتاب الله لم أدر ما هي حتى سألت عنهن كعب الأحبار رضي الله عنه في قوله ﴿قوم تبع﴾ [الدخان: ٧٣] في القرآن، ولم يذكر تبع فقال : إن تبعاً كان ملكاً، وكان قومه كهاناً، وكان في قومه قوم من أهل الكتاب، وكان الكهان يبغون على أهل الكتاب ويقتلون تابعهم فقال أهل الكتاب لتبع : أنهم يكذبون علينا فقال تبع : إن كنتم صادقين فقربوا قرباناً فأيكم كان أفضل أكلت النار قربانه. فقرب أهل الكتاب والكهان، فنزلت نار من السماء، فأكلت قربان أهل الكتاب، فأتبعهم تبع فأسلم. فلهذا ذكر الله قومه في القرآن ولم يذكره قال ابن عباس رضي الله عنه وسألته عن قوله ﴿وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب﴾ قال : الشيطان أخذ خاتم سليمان عليه السلام الذي فيه ملكه، فقذف به في البحر، فوقع في بطن سمكة، فانطلق سليمان يطوف إذ تصدق عليه بتلك السمكة، فاشتواها فأكلها، فإذا فيها خاتمه، فرجع إليه ملكه.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ﴿وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب﴾ قال : صخر الجني. مثل على كرسيه على صورته.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه قال : أمر سليمان عليه السلام ببناء بيت المقدس فقيل له : ابنه ولا يسمع فيه صوت حديد، فطلب ذلك، فلم يقدر عليه، فقيل له إن شيطاناً يقال له صخر شبه المارد، فطلبه وكانت عين في البحر يردها في كل سبعة أيام مرة، فنزح ماءها وجعل فيها خمراً، فجاء يوم وروده فإذا هو بالخمر فقال : إنك لشراب طيب، تصيب من الحليم، وتزيد من الجاهل جهلاً ثم جفل حتى عطش عطشاً شديداً، ثم أتاها، فشربها حتى غلب على عقله، فأوتي بالخاتم، فختم بين كتفيه، فذل وكان ملكه في خاتمه، فأتي به سليمان فقال : أنا قد أمرنا ببناء هذا البيت فقيل لنا : لا تسمعن فيه صوت حديد، فأتى ببيض الهدهد، فجعل عليه زجاجة، فجاء الهدهد فدار حولها، فجعل يرى بيضه ولا يقدر عليه، فذهب فجاء بألماس، فوضعها عليه، فقطعها حتى أفضى إلى بيضه، فأخذوا الماس، فجعلوا يقطعون به الحجارة.
وكان سليمان عليه السلام إذا أراد أن يدخل الخلاء أو الحمام لم يدخل بخاتمه. فانطلق يوماً إلى الحمام، وذلك الشيطان صخر معه، فدخل الحمام، وأعطى الشيطان خاتمه، فألقاه في البحر، فالتقمته سمكة، ونزع ملك سليمان عليه السلام منه، وألقى على الشيطان شبه سليمان، فجاء فقعد على كرسيه، وسلط على ملك سليمان كله غير نسائه، فجعل يقضي بينهم أربعين يوماً حتى وجد سليمان عليه السلام خاتمه في بطن السمكة فأقبل، فجعل لا يستقبله جني ولا طير إلا سجد له حتى انتهى إليهم ﴿وألقينا على كرسيه جسداً﴾ قال : هو الشيطان صخر ﴿ثم أناب﴾ قال : تاب ثم أقبل يعني سليمان.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه ﴿وألقينا على كرسيه جسداً﴾ قال : شيطاناً يقال له آصف. فقال له سليمان : كيف تفتنون الناس ؟ قال أرني خاتمك أخبرك. فلما أعطاه إياه نبذه آصف في البحر، فساح سليمان عليه السلام، وذهب ملكه، وقعد آصف على كرسيه، ومنعه الله تعالى نساء سليمان عليه السلام فلم يقربهن ولا يقربنه وأنكرنه، وأنكر الناس أمر سليمان عليه السلام.
وكان سليمان عليه السلام يستطعم فيقول : أتعرفوني أنا سليمان ؟ فيكذبوه حتى أعطته امرأة يوماً حوتاً، وطيب بطنه، فوجد خاتمه في بطنه، فرجع إليه ملكه، وفر الشيطان فدخل البحر فاراً.
وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه بسند ضعيف عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله ﷺ :« ولد لسليمان ولد فقال للشيطان : تواريه من الموت ؟ قالوا نذهب به إلى المشرق. فقال يصل إليه الموت. قالوا فإلى المغرب. قال يصل إليه. قالوا إلى البحار. قال يصل إليه الموت. قال نضعه بين السماء والأرض، ونزل عليه ملك الموت فقال : إني أمرت بقبض نسمة طلبتها في البحار، وطلبتها في تخوم الأرض ؛ فلم أصبها، فبينا أنا صاعد أصبتها، فقبضتها وجاء جسده حتى وقع على كرسي سليمان، فهو قول الله ﴿ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب﴾ ».
وقال ابن سعد رضي الله عنه، أخبرنا الواقدي، حدثنا معشر عن المقبري : أن سليمان بن داود عليه السلام قال : لأطوفن الليلة بمائة امرأة من نسائي، فتأتي كل امرأة منهن بفارس يجاهد في سبيل الله. ولم يستثنِ ولو استثنى لكان، فطاف على مائة امرأة، فلم تحمل امرأة إلا امرأة واحدة، حملت بشق إنسان ولم يكن شيء أحب إلى سليمان من تلك الشقة.
قال وكان أولاده يموتون، فجاء ملك الموت في صورة رجل، فقال له سليمان عليه السلام : إن استطعت أن تؤخر إبني هذا ثمانية أيام إذا جاءه أجله فقال : لا. ولكن أخبرك قبل موته بثلاثة أيام. قال لمن عنده من الجن : أيكم يُخَبِّىء لي ابني هذا ؟ قال أحدهم ؟ أنا أخبؤه لك في المشرق قال : ممن تخبئوه ؟ قال : من ملك الموت. قال يبصره. قال آخر : أنا أخبؤه لك بين قرينين لا يريان. قال سليمان عليه السلام إن كان شيء فهذا.
فلما جاء أجله، نظر ملك الموت في الأرض، فلم يره في مشرقها، ولا في مغربها، ولا شيء من البحار، ورآه بين قرينين، فجاءه، فأخذه، فقبض روحه على كرسي سليمان. فذلك قوله ﴿ولقد فتنا سليمان﴾ وهو قول الله ﴿وألقينا على كرسيه جسداً﴾ ".
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : بينما سليمان بن داود جالساً على شاطئ البحر، وهو يعبث بخاتمه إذ سقط منه في البحر، وكان ملكه في خاتمه، فانطلق وخلف شيطاناً في أهله، فأتى عجوزاً، فأوى إليها، فقالت له العجوز : إن شئت أن تنطلق فتطلب وأكفيك عمل البيت، وإن شئت أن تكفيني عمل البيت وانطلق فالتمس. قال : فانطلق يلتمس، فأتى قوماً يصيدون السمك، فجلس إليهم، فنبذوا سمكات، فانطلق بهن حتى أتى العجوز، فأخذت تصلحه، فشقت بطن سمكة، فإذا فيها الخاتم، فأخذته وقالت لسليمان عليه السلام : ما هذا ؟ فأخذه سليمان عليه السلام، فلبسه، فأقبلت إليه الشياطين، والإنس، والجن، والطير، والوحش، وهرب الشيطان الذي خلف في أهله، فأتى جزيرة في البحر، فبعث إليه الشياطين فقالوا : لا نقدر عليه أنه يرد عيناً في جزيرة في البحر في سبعة أيام، ولا نقدر عليه حتى يسكر.
قال فصب له في تلك العين خمراً، فأقبل فشرب فسكر، فأروه الخاتم فقال : سمعاً وطاعة، فأوثقه سليمان عليه السلام، ثم بعث به إلى جبل، فذكروا أنه جبل الدخان، فالدخان الذي يرون من نفسه، والماء الذي يخرج من الجبل بوله.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن ﴿وألقينا على كرسيه جسداً﴾ قال : هو الشيطان. دخل سليمان عليه السلام الحمام، فوضع خاتمه عند امرأة من أوثق نسائه في نفسه، فأتاها الشيطان، فتمثل لها على صورة سليمان عليه السلام، فأخذ الخاتم منها، فلما خرج سليمان عليه السلام أتاها فقال لها : هاتي الخاتم فقالت : قد دفعته إليك. قال ما فعلت. . ! فهرب سليمان عليه السلام وجلس الشيطان على ملكه، وانطلق سليمان عليه السلام هارباً في الأرض يتتبع ورق الشجر خمسين ليلة، فأنكر بنو إسرائيل أمر الشيطان، فقال بعضهم لبعض : هل تنكرون من أمر ملككم ما ننكر عليه ؟ قالوا : نعم. قال أما لقد هلكتم أنتم العامة، وأما قد هلك ملككم، فقالوا : والله إن عندكم من هذا الخبر، نساؤه معكم، فاسألوهن، فإن كن أنكرن ما أنكرنا فقد ابتلينا. فسألوهن، فقلن : أي والله لقد أنكرنا.
فلما انقضت مدته انطلق سليمان عليه السلام حتى أتى ساحل البحر، فوجد صيادين يصيدون السمك، فصادوا سمكاً كثيراً غلبهم بعضه، فألقوه فأتاهم سليمان عليه السلام، فاستطعمهم، فأعطوه تلك الحيتان قال : لا بل أطعموني من هذا، فأبوا فقال : أطعموني فإني سليمان، فوثب إليه بعضهم بالعصا فضربه غضباً لسليمان، فأتى إلى تلك الحيتان التي ألقوا، فأخذ منها حوتين، فانطلق بهما إلى البحر، فغسلهما فشق بطن أحدهما،

تفسير هذه الآية من كتب أخرى