البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسداً﴾ : نقل المفسرون في هذه الفتنة وإلقاء الجسد أقوالاً يجب براءة الأنبياء منها، يوقف عليها في كتبهم، وهي مما لا يحل نقلها، وأما هي من أوضاع اليهود والزنادقة، ولم يبين الله الفتنة ما هي، ولا الجسد الذي ألقاه على كرسي سليمان.
وأقرب ما قيل فيه : أن المراد بالفتنة كونه لم يستثن في الحديث الذي قال :«لأطوفنّ الليلة على سبعين امرأة، كل واحدة تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله، ولم يقل إن شاء الله، فطاف عليهن، فلم تحمل إلا امرأة واحدة، وجاءته بشق رجل ».
قال رسول الله ﷺ :" والذي نفسي بيده، لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرساناً أجمعون " فالمراد بقوله :﴿ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسداً﴾ هو هذا، والجسد الملقى هو المولود شق رجل.
وقال قوم : مرض سليمان مرضاً كالإغماء حتى صار على كرسيه جسداً كأنه بلا روح.
ولما أمر تعالى نبيه عليه السلام بالصبر على ما يقول كفار قريش وغيرهم، أمره بأن يذكر من ابتلي فصبر، فذكر قصة داود وقصة سليمان وقصة أيوب ليتأسى بهم، وذكر ما لهم عنده من الزلفى والمكانة، فلم يكن ليذكر من يتأسى به ممن نسب المفسرون إليه ما يعظم أن يتفوه به ويستحيل عقلاً وجود بعض ما ذكروه، كتمثل الشيطان بصورة نبي، حتى يلتبس أمره عند الناس، ويعتقدون أن ذلك المتصور هو النبي، ولو أمكن وجود هذا، لم يوثق بإرسال نبي، وإنما هذه مقالة مسترقة من زنادقة السوفسطائية، نسأل الله سلامة أذهاننا وعقولنا منها.
﴿ثم أناب﴾ : أي بعد امتحاننا إياه، أدام الإنابة والرجوع.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى