فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
قوله :﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سليمان﴾ أي ابتليناه واختبرناه. قال الواحدي : قال أكثر المفسرين : تزوّج سليمان امرأة من بنات الملوك، فعبدت الصنم في داره، ولم يعلم بذلك سليمان، فامتحن بسبب غفلته عن ذلك. وقيل : إن سبب الفتنة : أنه تزوّج سليمان امرأة يقال لها : جرادة، وكان يحبها حباً شديداً، فاختصم إليه فريقان : أحدهما : من أهل جرادة، فأحبّ أن يكون القضاء لهم، ثم قضى بينهم بالحق. وقيل : إن السبب : أنه احتجب عن الناس ثلاثة أيام لا يقضي بين أحد. وقيل : إنه تزوّج جرادة هذه وهي مشركة ؛ لأنه عرض عليها الإسلام، فقالت : اقتلني، ولا أسلم. وقال كعب الأحبار : إنه لما ظلم الخيل بالقتل سلب ملكه. وقال الحسن : إنه قارب بعض نسائه في شيء من حيض أو غيره. وقيل : إنه أمر أن لا يتزوّج امرأة إلا من بني إسرائيل، فتزوّج امرأة من غيرهم. وقيل : إن سبب فتنته ما ثبت في الحديث الصحيح أنه قال : لأطوفنّ الليلة على تسعين امرأة تأتي كلّ واحدة بفارس يقاتل في سبيل الله، ولم يقل : إن شاء الله. وقيل غير ذلك. ثم بيّن سبحانه ما عاقبه به، فقال :﴿وَأَلْقَيْنَا على كُرْسِيّهِ جَسَداً﴾ انتصاب ﴿جسداً﴾ على أنه مفعول ﴿ألقينا﴾، وقيل : انتصابه على الحال على تأويله بالمشتق، أي ضعيفاً، أو فارغاً، والأوّل أولى. قال أكثر المفسرين : هذا الجسد الذي ألقاه الله على كرسيّ سليمان هو شيطان اسمه : صخر، وكان متمّرداً عليه غير داخل في طاعته، ألقى الله شبه سليمان عليه، وما زال يحتال حتى ظفر بخاتم سليمان، وذلك عند دخول سليمان الكنيف ؛ لأنه كان يلقيه إذا دخل الكنيف، فجاء صخر في صورة سليمان، فأخذ الخاتم من امرأة من نساء سليمان، فقعد على سرير سليمان، وأقام أربعين يوماً على ملكه، وسليمان هارب. وقال مجاهد : إن شيطاناً قال له سليمان : كيف تفتنون الناس ؟ قال : أرني خاتمك أخبرك، فلما أعطاه إياه نبذه في البحر، فذهب ملكه، وقعد الشيطان على كرسيه، ومنعه الله نساء سليمان، فلم يقربهنّ، وكان سليمان يستطعم، فيقول : أتعرفونني أطعموني ؟ فيكذبوه حتى أعطته امرأة يوماً حوتاً، فشقّ بطنه، فوجد خاتمه في بطنه، فرجع إليه ملكه، وهو معنى قوله :﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ أي رجع إلى ملكه بعد أربعين يوماً. وقيل : معنى أناب : رجع إلى الله بالتوبة من ذنبه، وهذا هو الصواب. وتكون جملة :﴿قَالَ رَبّ اغفر لِي﴾ بدلاً من جملة أناب، وتفسيراً له.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج الفريابي، والحكيم الترمذي، والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله :﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سليمان وَأَلْقَيْنَا على كُرْسِيّهِ جَسَداً﴾ قال : هو الشيطان الذي كان على كرسيه يقضي بين الناس أربعين يوماً، وكان لسليمان امرأة يقال لها : جرادة، وكان بين بعض أهلها، وبين قوم خصومة، فقضى بينهم بالحق إلا أنه ود أن الحق كان لأهلها، فأوحى الله إليه أن سيصيبك بلاء، فكان لا يدري أيأتيه من السماء أم من الأرض ؟ وأخرج النسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، قال السيوطي بسند قوي : عن ابن عباس قال : أراد سليمان أن يدخل الخلاء، فأعطى لجرادة خاتمه، وكانت جرادة امرأته، وكانت أحب نسائه إليه، فجاء الشيطان في صورة سليمان، فقال لها : هاتي خاتمي فأعطته، فلما لبسه دانت له الإنس، والجن، والشياطين، فلما خرج سليمان من الخلاء قال : هاتي خاتمي، قالت : قد أعطيته سليمان. قال : أنا سليمان، قالت : كذبت لست سليمان، فجعل لا يأتي أحداً يقول : أنا سليمان إلا كذبه، حتى جعل الصبيان يرمونه بالحجارة، فلما رأى ذلك عرف أنه من أمر الله، وقام الشيطان يحكم بين الناس، فلما أراد الله أن يرد على سليمان سلطانه ألقى في قلوب الناس إنكار ذلك الشيطان، فأرسلوا إلى نساء سليمان، فقالوا لهن : تنكرن من أمر سليمان شيئاً ؟ قلن : نعم إنه يأتينا، ونحن نحيض، وما كان يأتينا قبل ذلك، فلما رأى الشيطان أنه قد فطن له ظن أن أمره قد انقطع، فكتبوا كتباً فيها سحر وكفر، فدفنوها تحت كرسي سليمان، ثم أثاروها، وقرؤوها على الناس، وقالوا : بهذا كان يظهر سليمان على الناس، ويغلبهم، فأكفر الناس سليمان، فلم يزالوا يكفرونه، وبعث ذلك الشيطان بالخاتم، فطرحه في البحر فتلقته سمكة، فأخذته، وكان سليمان يعمل على شط البحر بالأجر، فجاء رجل، فاشترى سمكاً فيه تلك السمكة التي في بطنها الخاتم، فدعا سليمان، فقال : تحمل لي هذا السمك ؟ قال : نعم، قال : بكم ؟ قال : بسمكة من هذا السمك، فحمل سليمان السمك، ثم انطلق به إلى منزله، فلما انتهى الرجل إلى باب داره أعطاه تلك السمكة التي في بطنها الخاتم، فأخذها سليمان، فشق بطنها، فإذا الخاتم في جوفها، فأخذه، فلبسه، فلما لبسه دانت له الجنّ، والإنس، والشياطين، وعاد إلى حاله، وهرب الشيطان حتى لحق بجزيرة من جزائر البحر، فأرسل سليمان في طلبه، وكان شيطاناً مريداً، فجعلوا يطلبونه، ولا يقدرون عليه حتى وجدوه يوماً نائماً، فجاءوا، فبنوا عليه بنياناً من رصاص، فاستيقظ، فوثب، فجعل لا يثب في مكان من البيت إلا انماط معه الرصاص، فأخذوه فأوثقوه، وجاءوا به إلى سليمان، فأمر به، فنقر له تخت من رخام، ثم أدخله في جوفه، ثم شدّ بالنحاس، ثم أمر به، فطرح في البحر، فذلك قوله :﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سليمان وَأَلْقَيْنَا على كُرْسِيّهِ جَسَداً﴾ يعني : الشيطان الذي كان سلط عليه.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿وَأَلْقَيْنَا على كُرْسِيّهِ جَسَداً﴾ قال : صخر الجني تمثل على كرسيه على صورته. وأخرج البخاري، ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ :«إنّ عفريتاً من الجنّ جعل يتفلت عليّ البارحة ؛ ليقطع عليّ صلاتي، وإن الله أمكنني منه، فلقد هممت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا، فتنظروا إليه كلكم، فذكرت قول أخي سليمان :﴿وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِى لأحَدٍ مّن بَعْدِى﴾ فردّه الله خاسئاً» وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿فامنن﴾ يقول : اعتق من الجنّ من شئت، وأمسك منهم من شئت.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿وَأَلْقَيْنَا على كُرْسِيّهِ جَسَداً﴾ قال : صخر الجني تمثل على كرسيه على صورته. وأخرج البخاري، ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ :«إنّ عفريتاً من الجنّ جعل يتفلت عليّ البارحة ؛ ليقطع عليّ صلاتي، وإن الله أمكنني منه، فلقد هممت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا، فتنظروا إليه كلكم، فذكرت قول أخي سليمان :﴿وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِى لأحَدٍ مّن بَعْدِى﴾ فردّه الله خاسئاً» وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿فامنن﴾ يقول : اعتق من الجنّ من شئت، وأمسك منهم من شئت.