ذكرَ ابنُ جرير (٤/٥٤٠) دليلَ مَن قال: الكرسيُّ: هو العرش. فقال بعد أن ذكر الأقوال في معنى الكرسي: «ولكل قول من هذه الأقوال وجْه ومذهب، غير أنّ الذي هو أوْلى بتأويل الآية ما جاء به الأثر عن رسول الله ﷺ، وهو: ما حدثني به عبد الله ابن أبي زياد القَطَواني، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، قال: أتت امرأةٌ النبي ﷺ، فقالت: ادْعُ الله أن يُدخلني الجنةَ. فعَظَّم -الرَّبَّ تعالى-، ثم قال: «إن كرسيَّه وسع السماوات والأرض، وإنه لَيَقْعُدُ عليه فما يَفْضُلُ منه مقدار أربَعِ أصابع». ثم قال بأصابعه فجمعها: «وإنّ له أطيطًا كأطيط الرَّحْلِ الجديد إذا رُكِبَ؛ مِن ثِقَلِه»». ثم ساق سندين آخرين إلى النبي ﷺ بنحو هذا الحديث، الأول منهما: «حدثني عبد الله بن أبي زياد، قال: ثنا يحيى بن أبي بكر، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، عن عمر، عن النبي ﷺ، بنحوه». ورَجَّح ابنُ عطية (٢/٢٧-٢٨)، وابنُ كثير (٢/٤٤٤) مستندين إلى السُّنَّةِ، وأقوال السلف أنّ الكرسي غير العرش. وانتَقَدا قول الحسن، فقال ابنُ عطية: «والذي تقتضيه الأحاديثُ أنّ الكرسي مخلوق عظيم بين يدي العرش، والعرش أعظم منه، وقد قال رسول الله ﷺ: «ما السموات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس»، وقال أبو ذر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت في فلاة من الأرض»». وقال ابنُ كثير: «وروى ابن جرير من طريق جويبر عن الحسن البصري أنه كان يقول: الكرسي هو العرش. والصحيح أن الكرسي غير العرش، والعرش أكبر منه، كما دلت على ذلك الآثار والأخبار». وقال ابنُ تيمية (١/٥٨٧-٥٨٨) مُبَيِّنًا أنّ أكثر السَّلَف على أنّ الكرسيَّ غيرَ العرش: «وقد قال بعضهم: إنّ الكرسيَّ هو العرش. لكن الأكثرون على أنهما شيئان»
عن المِسْورِ بن مَخْرمة، ومروان بن الحكم، قالا: كان في صُلْحِ رسول الله - ﷺ - يومَ الحُديبية بينه وبين قريش أنّه مَن شاءَ أن يدخُلَ في عقدِ محمد وعهدِه دخَل، ومَن شاءَ أن يدخُلَ في عقَدِ قريش وعهدِهم دخَل. فتَواثَبت خُزاعة، فقالوا: نحن ندخُلُ في عقدِ محمد وعهدِه. وتَواثَبَت بنو بكرٍ فقالوا: نحن ندخُلُ في عقدِ قريش وعهدِهم. فمكَثوا في تلك الهُدْنةِ نحو السبعةَ أو الثمانيةَ عشَرَ شهرًا، ثم إنّ بني بكر -الذين كانوا دخَلوا في عقدِ قريشٍ وعهدِهم- وثَبُوا على خُزاعة -الذين دخَلوا في عقدِ رسول الله - ﷺ - وعهدِه- ليلًا بماءٍ لهم يُقالُ له: الوَتِير، قريبٌ مِن مكة، فقالت قريشٌ: ما يعلمُ بنا محمد، وهذا الليلُ وما يَرانا أحدٌ. فأعانُوهم عليهم بالكُراعِ والسلاح، فقاتَلوهم معهم؛ للضِّغْنِ على رسول الله - ﷺ -. وأنّ عمرَو بن سالم ركِب إلى رسول الله - ﷺ - عندَما كان مِن أمرِ خزاعة وبني بكر بالوَتير، حتى قدِم المدينةَ على رسول الله - ﷺ - يُخبِرُه الخبر، وقد قال أبياتَ شعرٍ، فلما قدِم على رسول الله - ﷺ - أنشَده إياها: لاهُمَّ إني ناشِدٌ محمدا... حِلْفَ أبِينا وأبيه الأَتْلَدا كُنّا والدًا وكنتَ ولدا... ثُمَّتَ أسْلَمْنا ولم نَنزِعْ يَدا فانصُرْ رسولَ الله نصرًا أعْتَدا... وادْعُ عبادَ اللهِ يأتوا مَدَدا فيهم رسولُ الله قد تجَرَّدا... إن سِيم خَسْفًا وجْهُه تربَّدا في فَيْلَقٍ كالبحرِ يجرِي مُزْبِدا... إنّ قريشًا أخْلَفوك الموْعِدا ونَقَضوا مِيثاقَك المُؤَكَّدا... وزَعَموا أن لستُ أرجُو أحدا فهُم أذَلُّ وأقَلُّ عَدَدا... قد جَعَلوا لي بكداءٍ رُصَّدا هم بَيَّتونا بالوَتيرِ هُجَّدا... وقَتَّلونا رُكَّعًا وسُجَّدا فقال رسول الله - ﷺ -: «نُصِرْتَ، يا عمرُو بن سالم». فما برِح رسولُ الله - ﷺ - حتىمَرَّت عَنانةٌ في السماء، فقال رسول الله - ﷺ -: «إنّ هذه السحابةَ لَتَشْهَدُ بنصرِ بني كعب». وأمَر رسولُ الله - ﷺ - الناسَ بالجَهازِ، وكتَمَهم مخرَجَه، وسأل اللهَ أن يُعَمِّيَ على قريشٍ خبرَه حتى يبغَتَهم في بلادهم
عن أبي العالية -من طريق أبي داود بن أبي هند- قال: كانت خَوْلَةُ بنت الدُّلَيْج تحت رَجُلٍ مِن الأنصار، وكان سيِّئ الخُلق، ضرير البصر، فقيرًا، وكانت الجاهليةُ إذا أراد الرجل أن يُفارِق امرأته، قال: أنتِ عَلَيَّ كظَهْر أُمّي. فنازعَتْه في بعض الشيء، فقال: أنتِ عَلَيَّ كظَهْر أُمّي. وكان له عَيِّل أو عَيِّلان، فلما سَمعتْه يقول ما قال احتَملتْ صبيانها، فانطلَقت تسعى إلى رسول الله ﷺ، فوافَقتْه عند عائشة، وإذا عائشة تغسل شِقّ رأس رسول الله ﷺ، فقامت عليه، ثم قالت: يا رسول الله، إنّ زوجي فقير، ضرير البصر، سيِّئ الخُلق، وإني نازعتُه في شيء، فقال: أنتِ عَلَيَّ كظَهْر أُمّي. ولم يُرِد الطلاق. فرفع النبيُّ ﷺ رأسه، فقال: «ما أعلم إلا قد حَرُمتِ عليه». فاستكانتْ، وقالتْ: أشتكي إلى الله ما نزل بي وبِصِبْيتي. وتَحوّلتْ عائشةُ تغسل شِقّ رأسه الآخر، فتَحوّلتْ معها، فقالت مثل ذلك، قالت: ولي منه عَيِّل أو عَيِّلان. فرفع النبيُّ رأسَه إليها، فقال: «ما أعلم إلا قد حَرُمتِ عليه». فبَكَتْ، وقالتْ: أشتكي إلى الله ما نزل بي وبِصِبْيتي. وتَغيّر وجهُ رسول الله ﷺ، فقالتْ عائشة: وراءكِ. فتَنَحّتْ، ومَكث رسولُ الله ﷺ ما شاء الله، ثم انقطع الوحي، فقال: «يا عائشة، أين المرأة؟». قالت: هاهي. قال: «ادْعِيها». فدَعَتْها، فقال النبيُّ ﷺ: «اذهبي، فجيئي بزوجكِ». فانطلَقت تسعى، فلم تَلبثْ أن جاءتْ، فَأدخَلتْه على النبي ﷺ، فإذا هو كما قالت: ضرير البصر، فقير، سيئ الخُلق. فقال النبيُّ ﷺ: «أستعيذ بالسميع العليم مِن الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وتَشْتَكِي إلى اللَّهِ﴾» إلى آخر الآية. فقال له النبيُّ ﷺ: «أتجد رقبة؟». قال: لا. قال: «أفتستطيع صوم شهرين متتابعين؟». قال: والذي بعثكَ بالحقّ، إنّي إذا لم آكلِ المرّة والمرّتين والثلاثة يكاد يُغشى عَلَيَّ. قال: «فتستطيع أن تُطْعِم ستين مسكينًا؟». قال: لا، إلا أن تُعِينني فيها. فأعانه رسولُ الله ﷺ، فكفّر يمينه
قال يحيى بن سلّام: قدم وفد مِن كندة وحضرموت على رسول الله ﷺ، فبايعوه على الإسلام، ولم يهاجروا، وأقروا بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة. ثم إنّ رجلا من حضرموت قام فتعلق برجل من كندة يُقال له: امرؤ القيس، فقال: يا رسول الله، إنّ هذا جاورني في أرض لي، فقطع طائفةً منها، فأدخلها في أرضه. فقال له رسول الله ﷺ: «ألك بينةٌ بما تزعم؟». فقال: القوم كلهم يعلمون أنِّي صادق وأنّه كاذب، ولكنه أكرم عليهم مني. فقال رسول الله ﷺ: «يا امرأ القيس، ما يقول هذا؟» فقال: ما يقول إلا الباطل. قال: «فقم، فاحلف بالله الذي لا إله إلا هو: ما له قِبَلَك شيء مما يقول، وأنّه الكاذب فيما يقول». فقال: نعم. فقال الحضرمي: إنّا لله، تجعلها يا رسول الله إليه؟ إنه رجل فاجر، لا يبالي بما حلف عليه. فقال رسول الله عليه السلام: «إنّه مَن اقتطع مال رجل مسلم بيمين كاذبة لقي الله وهو عليه ساخط». فقام امرؤ القيس ليحلف؛ فنزلت هاتان الآيتان: ﴿ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون (٩٥) ما عندكم ينفد وما عند الله باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون (٩٦)﴾. فقام الأشعث بن قيس، فأخذ بمنكبي امرئ القيس، فقال: ويلك، يا امرأ القيس، إنه قد نزلت آيتان فيك وفي صاحبك، خيرتهما له، والأخرى لك، وقد قال رسول الله عليه السلام: «مَن اقتطع مال امرئ مسلم بيمين كاذبة لقي الله وهو عليه ساخط». فأقبل امرؤ القيس، فقال: يا رسول الله، ما نزل فِيَّ؟ فتلا عليه الآيتين، فقال امرؤ القيس: أمّا ما عندي فينفد، وأما صاحبي فيجزى بأحسن ما كان يعمل، اللهم، إنّه صادق، وإني أُشهد الله أنه صادق، ولكن -واللهِ- ما أدري ما يبلغ ما يدعي من أرضه في أرضي؛ فقد أصبتها منذ زمان، فله ما ادَّعى في أرضي، ومثلُها معها. فنزلت هذه الآية: ﴿من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾. فقال امرؤ القيس: ألي هذه، يا رسول الله؟ قال: نعم. فكبَّر امرؤ القيس
عن سعيد بن جبير -من طريق أبي بكر-: أنّ موسى لَمّا عالج فرعون بالآيات الأربع: العصا، واليد، ونقص من الثمرات، والسنين، قال: يا ربِّ، إنّ عبدك هذا قد علا في الأرض، وعتا في الأرض، وبغى عَلَيَّ، وعلا عليك، وعادَّني بقومه؛ ربِّ، خُذْ عبدك بعقوبة تجعلها له ولقومه نقمة، وتجعلها لقومي عِظَةً، ولمنبعدي آيةً في الأمم الباقية. فبعث الله عليهم الطوفان -وهو الماء- وبيوت بني إسرائيل وبيوت القبط مشتبكة مختلطة بعضها في بعض، فامتلأت بيوتُ القِبْطِ ماءً، حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم، من حبس منهم غرق، ولم يدخل في بيوت بني إسرائيل قطرةٌ، فجَعَلَتِ القِبْطُ تُنادي: موسى، ادع لنا ربك بما عهد عندك، لَئِن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك، ولنرسلن معك بني إسرائيل. قال: فواثقوا موسى ميثاقًا أخَذَ عليهم به عهودَهم، وكان الماءُ أخذهم يوم السبت، فأقام عليهم سبعة أيام إلى السبت الآخر، فدعا موسى ربَّه، فرفع عنهم الماء، فأَعْشَبَتْ بلادُهم من ذلك الماء، فأقاموا شهرًا في عافية، ثم جحدوا، وقالوا: ما كان هذا الماءُ إلا نعمة علينا، وخِصْبًا لبلادنا، ما نُحِبُّ أنه لم يكن، قال: وقد قال قائل لابن عباس: إني سألت ابن عمر عن الطوفان، فقال: ما أدري موتًا كان أو ماء؟ ، فقال ابن عباس: أما يقرأ ابن عمر سورة العنكبوت، حين ذكر الله قوم نوح، فقال: ﴿فأخذهم الطوفان وهم ظالمون﴾ [العنكبوت: ١٤]؟! أرأيتَ لو ماتوا؛ إلى مَن جاء موسى - عليه السلام - بالآيات الأربع بعد الطوفان؟!. قال [سعيد بن جبير]: فقال موسى: يا ربِّ، إنّ عبادك قد نقضوا عهدي، وأخلفوا وعدي؛ ربِّ، خذهم بعقوبة تجعلها لهم نقمة، ولقومي عِظَةً، ولمن بعدهم آية في الأمم الباقية. قال: فبعث الله عليهم الجرادَ، فلم يدع لهم ورقة ولا شجرة ولا زهرة ولا ثمرة إلا أكلها، حتى لم يُبْقِ جَنًى، حتى إذا أفنى الخَضِر كلها أكَل الخشب، حتى أكل الأبواب، وسقوف البيوت، وابتُلِي الجراد بالجوع، فجعل لا يشبع، غير أنّه لا يدخل بيوت بني إسرائيل، فعَجُّوا وصاحوا إلى موسى، فقالوا: يا موسى، هذه المرَّةَ ادع لنا ربك بما عهد عندك، لَئِن كشفت عنّا الرجز لَنُؤْمِنَنَّ لك، ولَنُرْسِلَنَّ معك بني إسرائيل. فأعطوه عهد الله وميثاقه، فدعا لهم ربه، فكشف الله عنهم الجراد بعد ما أقام عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت، ثم أقاموا شهرا في عافية، ثم عادوا لتكذيبهم ولإنكارهم، ولأعمالهم أعمال السوء، قال: فقال موسى: يا ربِّ، عبادك قد نقضوا عهدي، وأخلفوا موعدي؛ فخذهم بعقوبة تجعلها لهم نقمة، ولقومي عظة، ولمن بعدي آية في الأمم الباقية. فأرسل الله عليهم القُمَّل، قال أبو بكر: سمعت سعيد بن جبير، والحسن يقولان: كان إلى جنبهم كثيبٌ أعفرُ بقرية من قرى مصر، تُدْعى:عين شمس، فمشى موسى إلى ذلك الكثيب، فضربه بعصاه ضربةً صار قملًا تدب إليهم -وهي دواب سود صغار-، فدب إليهم القمل، فأخذ أشعارهم وأبشارهم وأشفار عيونهم وحواجبهم، ولزم جلودهم، كأنه الجُدَرِيُّ عليهم، فصرخوا وصاحوا إلى موسى: إنّا نتوب، ولا نعود، فادع لنا ربك. فدعا ربَّه فرفع عنهم القمل بعد ما أقام عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت، فأقاموا شهرًا في عافية، ثم عادوا، وقالوا: ما كُنّا قطُّ أحقَّ أن نستيقن أنّه ساحرٌ مِنّا اليوم، جعل الرَّمْلَ دوابَّ، وعِزَّةِ فرعونَ، لا نصدقه أبدًا، ولا نتبعه. فعادوا لتكذيبهم وإنكارهم، فدعا موسى عليهم، فقال: يا ربِّ، إنّ عبادك نقضوا عهدي، وأخلفوا وعدي؛ فخذهم بعقوبة تجعلها لهم نقمة، ولقومي عظة، ولمن بعدي آية في الأمم الباقية. فأرسل الله عليهم الضفادع، فكان أحدهم يضطجع، فتركبه الضفادع، فتكون عليه رُكامًا، حتى ما يستطيع أن ينصرف إلى الشق الآخر، ويفتح فاه لِأَكْلَتِه فيسبق الضفدعُ أكْلَتَه إلى فيه، ولا يعجن عجينًا إلا تسدَّحت فيه، ولا يطبخ قدرًا إلا امتلأت ضفادع، فعُذِّبوا بها أشد العذاب، فبكوا إلى موسى - عليه السلام -، وقالوا: هذه المرة نتوب، ولا نعود. فأخذ عهدهم وميثاقهم، ثم دعا ربه، فكشف الله عنهم الضفادع بعد ما أقام عليهم سبعًا من السبت إلى السبت، فأقاموا شهرًا في عافية، ثم عادوا لتكذيبهم وإنكارهم، وقالوا: قد تبين لكم سحره، ويجعل التراب دواب، ويجيء بالضفادع في غير ماء. فآذوا موسى - عليه السلام -، فقال موسى: يا ربِّ، إنّ عبادك نقضوا عهدي، وأخلفوا وعدي؛ فخذهم بعقوبة تجعلها لهم عقوبة، ولقومي عظة، ولمن بعدي آية في الأمم الباقية. فابتلاهم الله بالدم، فأفسد عليهم معايشهم، فكان الإسرائيليُّ والقبطيُّ يأتيان النيل فيستقيان، فيخرج للإسرائيلي ماءً، ويخرج للقبطي دمًا، ويقومان إلى الحُبِّ فيه الماء؛ فيخرج للإسرائيلي في إنائه ماء، وللقبطي دمًا
ذكر ابنُ عطية (٧/٢٣٩) في قوله: ﴿إذ جاءها المرسلون﴾ قولين: الأول: أنهم من الحواريين. كما في قول قتادة. الثاني: أنهم أنبياء مِن قِبَل الله. وعلّق على القول الثاني بقوله: «وهذا يرجحه قولُ الكَفَرة: ﴿ما أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾؛ فإنها محاورة إنما تقال لِمَن ادعى الرسالة عن الله تعالى». ثم قال: «والآخر محتمل». ورجّح ابنُ تيمية (٥/٣١٨-٣٢٣) مستندًا إلى الدلالة التاريخية، وظاهر القرآن، والدلالة العقلية أنّ هؤلاء الرسل كانوا رُسُلًا لله قبل المسيح، وانتقد قولَ مَن جعلهم مِن الحواريين مِن وجوه عدة، ذكر منها: الأول: أنّ إرسال هؤلاء الرسل كان قبل المسيح، والمسيح ذهب إلى أنطاكية اثنان من أصحابه بعد رفعه إلى السماء، ولم يعززوا بثالث، ولا كان حبيب النجار موجودًا إذ ذلك. الثاني: ليس في القرآن آيةٌ تنطق بأنّ الحواريين رسل الله، بل ولا صرح في القرآن بأنه أرسلهم. الثالث: أن المعروف عند النصارى أن أهل أنطاكية آمنوا بالحواريين واتبعوهم، ولم يهلك الله أهل أنطاكية. الرابع: أنّ الرسل في القرآن ثلاثة، وجاءهم من أقصا المدينة رجل يسعى، والذين جاءوا مِن أتباع المسيح كانوا اثنين، ولم يأتهم رجل يسعى، لا حبيب ولا غيره. الخامس: أن الله تعالى قال: ﴿قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا﴾، ولو كانوا رسل رسول لكان التكذيب لمن أرسلهم، ولم يكن في قولهم: إن أنتم إلا بشر مثلنا. شبهة، فإن أحدًا لا ينكر أن يكون رسلُ رسلِ الله بشرًا، وإنما أنكروا أن يكون رسول الله بشرًا. السادس: أنه إذا كانت رسل محمد ﷺ لم يتناولهم اسم «رسل الله» في الكتاب الذي جاء به، فكيف يجوز أن يقال: إنّ هذا الاسم يتناول رسل رسول غيره؟!. وانتقد ابنُ كثير (١١/٢٥٧) مستندًا إلى الدلالة العقلية، وظاهر الآية القول الأول، فقال: «ظاهر القصة يدل على أن هؤلاء كانوا رسل الله عز وجل، لا من جهة المسيح، كما قال تعالى: ﴿إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون﴾ إلى أن قالوا: ﴿ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون * وما علينا إلا البلاغ المبين﴾ [يس:١٤-١٧]. ولو كان هؤلاء من الحواريين لقالوا عبارة تناسب أنهم من عند المسيح، عليه السلام، والله أعلم. ثم لو كانوا رسل المسيح لما قالوا لهم: ﴿ما أنتم إلا بشر مثلنا﴾»
اختلف المفسرون في الحال التي يُلزَم فيها الشاهدان باليمين في هذه الآية عند وقوع الريبة في شهادتهما على قولين: الأول: أن ذلك إذا شهدا على الميت أنه أوصى بما يخالف أحكام الإسلام من وصية بماله كله أو تفضيل لبعض ورثته على بعض. وهو قول عبد الله بن عباس من طريق عطية العوفي، وقول السدي. والثاني: أنّ ذلك إذا ادعيا أنّ الميت أوصى لهما ببعض المال. وهو قول يحيى بن يعمر. ورجَّح ابنُ جرير (٩/٨٦-٩٤) مستندًا إلى السنة، وأقوال السلف، والدلالة العقلية أنّ اليمين يلزمهما إذا اتهمهما أهل الميت بالخيانة فيما دَفع إليهما الميت من ماله، أو بغير ذلك مما لا تبرأ ذمتهما منه إلا باليمين. وانتَقَد القولين الأولين، فقال: «وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في ذلك بالصحة لأنّا لا نعلم من أحكام الإسلام حكمًا يجب فيه اليمين على الشهود ارتيب بشهادتهما أو لم يرتب بها، فيكون الحكم في هذه الشهادة نظيرًا لذلك، ولا صحَّ بخبر عن الرسول ﷺ، ولا بإجماع من الأمة، لأنّ استحلاف الشهود في هذا الموضع من حكم الله تعالى، فيكون أصلا مسلَّمًا. والمقول إذا خرج من أن يكون أصلًا أو نظيرًا لأصل فيما تنازعت فيه الأمة كان واضحًا فساده، وإذا فسد هذا القول بما ذكرنا فالقول بأنّ الشاهدين استحلفا من أجل أنهما ادَّعيا على الميت وصية لهما بمال من ماله أفسد من أجل أن أهل العلم لا خلاف بينهم في أن من حكم الله تعالى أن مُدَّعِيا لو ادَّعى في مال ميتٍ وصية، أنّ القول قول ورثة المدَّعى في ماله الوصية مع أيمانهم، دون قول مُدَّعِي ذلك مع يمينه، وذلك إذا لم يكن للمدَّعِي بينة. وقد جعل الله تعالى اليمين في هذه الآية على الشهود إذا ارتيب بهما، وإنما نقل الأيمان عنهم إلى أولياء الميت إذا عثر على أن الشهود استحقوا إثمًا في أيمانهم، فمعلوم بذلك فساد قول من قال: ألزم اليمين الشهود لدعواهم لأنفسهم وصية أوصى بها لهم الميت في ماله، على أنّ ما قلنا في ذلك عن أهل التأويل هو التأويل الذي وردت به الأخبار عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ أنّ رسول الله ﷺ قضى به حين نزلت هذه الآية بين الذين نزلت فيهم وبسببهم». ثم نقل الأحاديث الواردة في قصة تميم الداري وعدي بن بدّاء. وذكر ابنُ عطية (٣/٢٨٧) أن قوله تعالى: ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ شرط لا يتوجه تحليف الشاهدين إلا به، ثم قال: «ومتى لم يقع ارتياب ولا اختلاف فلا يمين، أما أنه يظهر من حكم أبي موسى تحليف الذميين أنه باليمين تكمل شهادتهما وتنفذ الوصية لأهلها وإن لم يرتب، وهذه الريبة عند من لا يرى الآية منسوخة تترتب في الخيانة وفي الاتهام بالميل إلى بعض الموصى لهما دون بعض وتقع مع ذلك اليمين عنده، وأما من يرى الآية منسوخة فلا يقع تحليف إلا بأن يكون الارتياب في خيانة أو تعدٍّ بوجه من وجوه التعدي، فيكون التحليف عنده بحسب الدعوى على منكِر، لا على أنه تكميل للشهادة»
رجَّح ابنُ جرير (٤/٣٠١-٣٠٣) هذا القولَ الذي قال به أبو العالية، والحسن، وسعيد بن جبير، مستندًا إلى دلالة العموم، والعقل، فقال: «لأنّ الله -تعالى ذِكْرُه- قال: ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين﴾. فجعل الله -تعالى ذِكْرُه- ذلك لكُلِّ مطلقةٍ، ولم يخصص منهُنَّ بعضًا دون بعض، فليس لأحد إحالةُ ظاهر تنزيل عامٍّ إلى باطنٍ خاصٍّ إلا بحُجَّةٍ يجب التسليمُ لها. فإن قال قائل: فإنّ الله -تعالى ذِكْرُه- قد خَصَّ المطلقة قبل المسيس إذا كان مفروضًا لها بقوله: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم﴾، إذ لم يجعل لها غير نصف الفريضة. قيل: إنّ الله -تعالى ذِكْرُه- إذا دَلَّ على وجوب شيء في بعض تنزيله، ففي دلالته على وجوبه في الموضع الذي دلَّ عليه الكفايةُ عن تكريره، حتى يدلَّ على بُطُولِ فرضه، وقد دلَّ بقوله: ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف﴾ على وجوب المتعة لكلِّ مطلقةٍ، فلا حاجة بالعباد الى تكرير ذلك في كلِّ آية وسورة. وليس في دلالته على أنّ للمطلقة قبلَ المسيس المفروض لها الصداق نصفَ ما فُرِض لها دلالةٌ على بُطُولِ المتعة عنه؛ لأنّه غيرُ مستحيل في الكلام لو قيل: وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم والمتعة. فلمّا لم يكن ذلك مُحالًا في الكلام كان معلومًا أنّ نصف الفريضة إذا وجب لها لم يكن في وجوبه لها نفيٌ عن حقها مِن المتعة، ولَمّا لم يكن اجتماعهما للمطلقة مُحالًا، وكان الله -تعالى ذكره- قد دلَّ على وجوب ذلك لها، وإن كانت الدلالة على وجوب أحدهما في آيةٍ غير الآية التي فيها الدلالة على وجوب الأخرى ثبت وصحَّ وجوبهما لها. هذا إذا لم يكن على أنّ للمطلقة المفروض لها الصداق إذا طلقت قبل المسيس دلالة غير قول الله -تعالى ذكره-: ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف﴾، فكيف وفي قول الله -تعالى ذكره-: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن﴾ الدلالة الواضحة على أنّ المفروض لها إذا طلقت قبل المسيس لها من المتعة مثل الذي لغير المفروض لها منها؟! وذلك أنّ الله -تعالى ذكره- لَمّا قال: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة﴾ كان معلومًا بذلك أنّه قد دلَّ به على حكم طلاق صنفين من طلاق النساء: أحدهما المفروض له، والآخر غير المفروض له؛ وذلك أنّه لما قال: ﴿أو تفرضوا لهن فريضة﴾ عُلِم أنّ الصنف الآخر هو المفروض له، وأنّها المطلقة المفروض لها قبل المسيس؛ لأنه قال: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن﴾، ثم قال -تعالى ذكره-: ﴿ومتعوهن﴾ فأوَجَبَ المُتْعَةَ للصِّنفَيْنِ منهُنَّ جميعًا؛ المفروضِ لهن، وغيرِ المفروض لهن. فمَنِ ادَّعى أنّ ذلك لأحد الصنفين سُئِل البرهانَ على دعواه مِن أصلٍ أو نظيرٍ، ثم عُكِسَ عليه القولُ في ذلك؛ فلن يقول في شيء منه قولًا إلا أُلْزِم في الآخر مثلَه». وذكَر ابنُ عطية (١/٥٩٣) أن من قال: إن المتعة واجبة؛ قال: إن قوله: ﴿حقا على المحسنين﴾ تأكيد الوجوب، أي: على المحسنين بالإيمان والإسلام، فليس لأحد أن يقول لَسْتُ بمُحسن على هذا التأويل. ثم قال: «و﴿حقا﴾ صفة لقوله: ﴿متاعا﴾، أو نصب على المصدر، وذلك أدخل في التأكيد للأمر»
اختُلف في معنى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ على أقوال: الأول: حضَّ الله نبيَّه على الصلاة المكتوبة، وعلى الحفاظ عليها في أوقاتها بقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾. الثاني: عُنِيَ بقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ المكتوبة، وبقوله: ﴿وانْحَرْ﴾ أن يرفع يديه إلى النَّحر عند افتتاح الصلاة والدخول فيها. الثالث: ضع يدك اليمين على الشمال، ثم ضعهما على صدرك في الصلاة. الرابع: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ المكتوبة، ﴿وانْحَر﴾ نَحْر البدن. الخامس: صلِّ يوم النَّحر صلاة العيد، وانحر نُسكك. السادس: قيل ذلك للنبي لأنّ قومًا كانوا يُصلُّون لغير الله، ويَنحَرون لغيره، فقيل له: اجعل صلاتك ونَحْرك لله، إذ كان من يكفر بالله يجعله لغيره. السابع: أُنزِلَتْ هذه الآية يوم الحُدَيْبِية، حين حُصِر النبي وأصحابه وصُدُّوا عن البيت، فأمره الله أن يُصلّي، ويَنحَر البُدْن، ويَنصَرِف، ففعَل. الثامن: استقبل القِبلة بنَحْرك. التاسع: فصلِّ وادعُ ربَّكَ وسَلْهُ. ووجَّه ابنُ عطية (٨/٧٠٠) القول الثالث بقوله: «فالنَّحر -على هذا- ليس بمصدر نَحَرَ، بل هو الصدر». وعلَّق عليه ابنُ كثير (١٤/٤٨١) بقوله: «يُروى هذا عن علي، ولا يصح». وعلَّق ابنُ عطية على القول السابع بقوله: «وعلى هذا تكون الآية من المدني». ورجَّح ابنُ جرير (٢٤/٦٩٦) -مستندًا إلى السياق والدلالة العقلية- القول السادس وهو قول محمد بن كعب القُرَظيّ، فذكر أنّ الصواب: «فاجعل صلاتك كلَّها لربِّك خالصًا دون ما سواه من الأنداد والآلهة، وكذلك نَحْرُك، اجْعَلْه له دون الأوثان، شكرًا له على ما أعطاك من الكرامة والخير الذي لا كُفْءَ له، وخصَّك به، من إعطائه إيّاك الكوثر». وعلَّل ذلك بقوله: «لأنّ الله -جلَّ ثناؤه- أخبر نبيّه بما أكرمه به مِن عطيَّتِه وكرامتِه وإنعامه عليه بالكوثر، ثم أتبع ذلك قولَه: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَر﴾، فكان معلومًا بذلك أنه خصَّه بالصلاة له، والنَّحر على الشكر له، على ما أعْلَمه من النعمة التي أنعمها عليه، بإعطائه إيّاه الكوثر، فلم يكن لخصوص بعض الصلاة بذلك دون بعضٍ، وبعض النحر دون بعضٍ وجْهٌ، إذ كان حثًّا على الشكر على النعم». وعلَّق ابنُ كثير (١٤/٤٨٢) على ترجيح ابن جرير بقوله: «وهذا الذي قاله في غاية الحُسن، وقد سبقه إلى هذا المعنى: محمد بن كعب القُرَظيّ، وعطاء». وذكر ابنُ عطية (٨/٦٩٩) أنّ النَّحر: «نَحْر الهدي والنُّسك في الضحايا في قول جمهور الناس». ثم وجَّهه بقوله: «فكأنه تعالى قال: ليكن شغلك هذين، ولم يكن في ذلك الوقت جهاد». ورجَّح ابنُ كثير (١٤/٤٨٢) «أنّ المراد بالنَّحر: ذبح المناسك؛ ولهذا كان رسول الله يُصلِّي العيد، ثم يَنحَر نُسكه، ويقول: «مَن صَلّى صلاتنا، ونَسك نُسكنا، فقد أصاب النُّسك، ومَن نَسك قبل الصلاة فلا نُسك له». فقام أبو بردة بن نيار فقال: يا رسول الله، إني نَسكتُ شاتي قبل الصلاة، وعرفتُ أنّ اليوم يوم يُشتهى فيه اللحم. قال: «شاتك شاة لحم». قال: فإنّ عندي عَناقًا هي أحبّ إليّ من شاتين، أفتجزئ عني؟ قال: «تجزئك، ولا تجزئ أحدًا بعدك»». وعلَّق ابنُ كثير (١٤/٤٨٢) على القول الثاني والثالث والثامن قائلًا: «وكلّ هذه الأقوال غريبة جدًّا»
عن الحسن البصري -من طريق هشام، ومبارك، زاد أحدهما على الآخر- قال: إنّ أيوب آتاه الله تعالى مالًا وولدًا، وأَوْسَع عليه؛ فله مِن الشاء والبقر والغنم والإبل، وإنّ عدو الله إبليس قيل له: هل تقدر أن تفتِن أيوب؟ قال: ربِّ، إنّ أيوب أصبح في دنيا مِن مال وولد، فلا يستطيع ألّا يشكرك، فسلِّطني على ماله وولده، فسترى كيف يطيعني ويعصيك. فسُلِّط على ماله وولده، فكان يأتي الماشيةَ مِن ماله مِن الغنم فيحرقها بالنيران، ثم يأتي أيوب وهو يُصَلِّي مُتَشَبِّهًا براعي الغنم، فيقول: يا أيوب، تُصَلِّي لربٍّ! ما ترك الله لك مِن ماشيتك شيئًا مِن الغنم إلا أحرقها بالنيران، وكنتَ ناحيةً فجئتُ لأخبرك. فيقول أيوب: اللهم، أنت أعطيت، وأنت أخذت، مهما يبق شيءٌ أحمدك على حُسْنِ بلائك. فلا يقدر مِنه على شيء مِمّا يُريد، ثم يأتي ماشيته من البقر فيحرقها بالنيران، ثم يأتي أيوبَ فيقول له ذلك، ويرد عليه أيوب مثل ذلك، وكذلك فعل بالإبل، حتى ما ترك له ماشية، حتى هدم البيت على ولده، فقال: يا أيوب، أرسل اللهُ على ولدك مَن هدم عليهم البيوت حتى يهلكوا! فيقول أيوبُ مثل ذلك، وقال: ربِّ، هذا حين أحسنت إلَيَّ الإحسان كله؛ قد كنت قبل اليوم يُشْغِلُني حُبُّ المال بالنهار، ويشغلني حُبُّ الولد بالليل شفقةً عليهم، فالآن أُفْرِغُ سمعي لك وبصري وليلي ونهاري بالذِّكر والحمد والتقديس والتهليل. فينصرف عدوُّ الله مِن عنده ولم يُصِب منه شيئًا مِمّا يريد، ثم إنّ الله تعالى قال: كيف رأيتَ أيوب؟ قال إبليس: أيوب قد عَلِم أنّك سَتُرَدُّ عليه مالَه وولده، ولكن سلَّطني على جسده، فإن أصابه الضُّرُّ فيه أطاعني وعصاك. فسُلِّط على جسده، فأتاه فنفخ فيه نفخةً؛ قَرِحَ من لدن قرنه إلى قدمه، فأصابه البلاءُ بعد البلاء، حتى حُمِل فوُضِع على مزبلة كُناسةٍ لبني إسرائيل، فلم يبق له مال، ولا ولد، ولا صديق، ولا أحد يقربه غير رحمة، صبرت عليه، تَصَدَّقُ، وتأتيه بطعام، وتحمد الله معه إذا حمده، وأيوب على ذلك لا يَفْتُرُ مِن ذِكْرِ الله، والتحميد، والثناء على الله، والصبر على ما ابتلاه الله. فصرخ إبليس صرخةً جمعَ فيها جنوده من أقْطارِ الأرضين جزعًا من صبر أيوب، فاجتمعوا إليه، وقالوا له: اجتمعنا إليك؛ ما أحزنك؟ ما أعياك؟ قال: أعياني هذا العبدُ الذي سألتُ ربي أن يُسَلِّطَني على ماله وولده، فلم أدع له مالًا ولا ولدًا، فلم يَزْدَد بذلك إلا صبرًا وثناءً على الله تعالى، وتحميدًا له، ثم سُلِّطتُ على جسده فتركتُه قُرْحَةً ملقاةً على كُناسَةِ بني إسرائيل، لا يقربه إلا امرأته، فقد افْتَضَحْتُ بربي، فاستعنت بكم لتعينوني عليه. فقالوا له: أين مكرُك؟! أين علمُك الذي أهلكتَ به مَن مضى؟! قال: بطل ذلك كله في أيوب، فأشِيروا عَلَيَّ. قالوا: نُشِير عليك، أرأيت آدم حين أخرجتَه من الجنة، مِن أين أتيته؟ قال: مِن قِبَل امرأته. قالوا: فشأنُك بأيوب مِن قِبَل امرأته، فإنّه لا يستطيع أن يعصيها، وليس أحد يقربه غيرها. قال: أصبتم. فانطلق حتى أتى امرأتَه وهي تَصدَّقُ، فتَمَثَّل لها في صورة رجل، فقال: أين بعلُكِ، يا أمة الله؟ قالت: ها هو ذاك يحكُّ قروحه، ويتردَّدُ الدُّودُ في جسده. فلمّا سمِعها طمِع أن تكون كلمةَ جَزَع، فوضع في صدرها، فوسوس إليها، فذكَّرها ما كانت فيه مِن النِّعَم والمال والدواب، وذكَّرها جمال أيوب وشبابه، وما هو فيه مِن الضُّرِّ، وأنّ ذلك لا ينقطع عنهم أبدًا، فصَرَخَت، فلمّا صرخت علِم أن قد صرخت وجزعت، فأتاه بِسَخْلَةٍ، فقال: لِيذبح هذا إلَيَّ أيوبُ ويَبْرَأ. فجاءت تصرخ: يا أيوب، يا أيوب، حتى متى يعذبك ربُك؟! ألا يرحمك؟! أين المال؟! أين الشباب؟! أين الولد؟! أين الصديق؟! أين لونك الحسن، وقد تغير وصار مثل الرماد؟! أين جسمك الحسن الذي قد بلي وتَردَّد فيه الدواب؟! اذبح هذه السخلةَ واسترح. قال: أيوب: أتاكِ عدوُّ اللهِ فنفخَ فيكِ، فوجد فيكِ رِفَقًا فأجبتِه! ويلكِ! أرأيتِ ما تبكين عليه مما تذكرين مِمّا كُنّا فيه؛ من المال والولد والصحة والشباب، مَن أعطانيه؟ قالت: الله. قال: فكم مُتِّعنا به؟ قالت: ثمانين سنة. قال: فمُذ كم ابتلانا اللهُ بهذا البلاء الذي ابتلانا به؟ قالت: منذ سبع سنين وأشهرٍ. قال: ويلكِ! واللهِ، ما عدلتِ، ولا أنصفتِ ربَّكِ، ألا صبرتِ حتى نكون في هذا البلاء الذي ابتلانا ربُّنا ثمانين سنة كما كُنّا في الرخاء ثمانين سنة! واللهِ، لئن شفاني الله لأجلدنَّكِ مائة جلدة؛ حيت أمرتيني أن أذبح لغير الله، طعامك وشرابك الذي أتيتيني به عليَّ حرام، وأن أذوق شيئًا مما تأتيني به بعد إذ قلت لي هذا، فاغرُبي عَنِّي فلا أراكِ. فطُرِدَتْ، فذهبتْ، فقال الشيطان: هذا قد وطََّن نفسه ثمانين سنة على هذا البلاء الذي هو فيه! فباء بالغلبة، ورفضه، ونظر إلى أيوب قد طرد امرأته، وليس عنده طعامٌ ولا شراب ولا صديق، ومرَّ به رجلان وهو على تلك الحال -ولا واللهِ، ما على ظهر الأرض يومئذ أكرم على الله مِن أيوب-، فقال أحدُ الرجلين لصاحبه: لو كان لله في هذا حاجة ما بلغ به هذا. فلم يسمع أيوبُ شيئًا كان أشد عليه مِن هذه الكلمة؛ فقال: رب، ﴿مسني الضر﴾. ثم رد ذلك إلى الله، فقال: ﴿وأنت أرحم الراحمين﴾. فقيل له: ﴿اركض برجلك هذا مغتسل بارد﴾ [ص:٤٢]. فرَكَض برجله، فنَبَعَتْ عينُ ماء، فاغتسل منها، فلم يبق مِن دائه شيء ظاهر إلا سقط، فأذهب الله كُلَّ ألم وكُلَّ سقم، وعاد إليه شبابُه وجمالُه أحسن ما كان، ثم ضرب برجله فنبعت عينٌ أخرى، فشرب منها، فلم يبق في جوفه داءٌ إلا خرج، فقام صحيحًا، وكُسِي حُلَّةً، فجعل يلتفت فلا يرى شيئًا مِمّا كان له مِن أهلٍ ومال إلا وقد أضعَفَه الله له، حتى ذكر لنا: أنّ الماء الذي اغتسل به تطاير على صدره جَرادًا من ذَهَبٍ، فجعل يضمُّه بيده، فأوحى الله إليه: يا أيوب، ألم أُغْنِك؟ قال: بلى، ولكنها بركتك فمَن يشبع منها؟! فخرج حتى جلس على مكان مُشْرِف. ثم إنّ امرأته قالت: أرأيت إن كان طردني إلى مَن أكِلُه؟ أدَعُه يموت جوعًا، أو يضيع فتأكله السباع؟! لأرْجِعَنَّ إليه. فرجعت، فلا كناسة ترى، ولا تلك الحال التي كانت، وإذا الأمور قد تغيرت، فجعلت تطوف حيث الكناسة وتبكي، وذلك بعين أيوب، وهابت صاحب الحُلَّة أن تأتيه فتسأل عنه، فأرسل إليها أيوب، فدعاها، فقال: ما تُريدين، يا أمة الله؟ فبَكَتْ، وقالتْ: أردتُ ذلك المُبتَلى الذي كان منبوذًا على الكناسة، لا أدري أضاع أم ما فعل. قال لها أيوب: ما كان منك؟ فبكت، وقالت: بعلي، فهل رأيتَه؟ فقال: وهل تعرفينه إذا رأيتِه؟ قالت: وهل يخفى على أحد رآه؟ ثم جعلت تنظر إليه وهي تهابه، ثم قالت: أما إنّه كان أشبه خلق الله بك إذ كان صحيحًا. قال: فإني أيوب الذي أمرتِني أن أذبح للشيطان، وإني أطعتُ الله وعَصَيْتُ الشيطان، ودعوتُ الله فرَدَّ عَلَيَّ ما تَرَيْن. ثم إنّ الله رحمها بصبرها معه على البلاء، فأمره -تخفيفًا عنها- أن يأخذ جماعةً مِن الشجر، فيضربها ضربة واحدة؛ تخفيفًا عنها بصبرها معه