اختُلف في المراد بالشاهد، وبحسب هذا اختُلف في مكية السورة ومدنيتها على أقوال: الأول: أنّ الآية مدنية، والشاهد عبد الله بن سلام. وقوله: ﴿عَلى مِثْلِهِ﴾ الضمير فيه عائد على قول محمد ﷺ في القرآن: إنه من عند الله. الثاني: أنه رجل من بني إسرائيل غير عبد الله بن سلام كان بمكة، والآية مكية. الثالث: الآية مكية، والشاهد عبد الله بن سلام. الرابع: أن الشاهد موسى بن عمران، والآية مكية. وعلَّق ابنُ عطية (٧‏/‏٧١٥) على القول الأخير الذي قاله مسروق، والشعبي، بقوله: «قوله تعالى: ﴿على مثله﴾ يريد بالمثل: التوراة، والضمير عائد -على هذا التأويل- على القرآن، أي: جاء شاهدٌ مِن بني إسرائيل بمثله، وشهد أنّه مِن عند الله تعالى». ورجَّح ابنُ جرير (٢١‏/‏١٣١) أنّ الشاهدَ عبد الله بن سلام مستندًا إلى أقوال السلف، وأحوال النُّزول، كما قوّى القول الأخير من جهة السياق، فقال: «لأن قوله: ﴿قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله﴾ في سياق توبيخ الله -تعالى ذكره- مشركي قريش، واحتجاجًا عليهم لنبيّه ﷺ، وهذه الآية نظيرة سائر الآيات قبلها، ولم يجرِ لأهل الكتاب ولا لليهود قبل ذلك ذِكر فتُوجّه هذه الآية إلى أنها فيهم نزلت، ولا دلّ على انصراف الكلام عن قصص الذين تقدم الخبر عنهم معنى». ثم قال: «غير أنّ الأخبار قد وردت عن جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ بأنّ ذلك عني به عبد الله بن سلام وعليه أكثر أهل التأويل، وهم كانوا أعلم بمعاني القرآن، والسبب الذي فيه نزل، وما أُريدَ به». ورجَّح ابنُ كثير (١٣‏/‏١١) -مستندًا إلى أحوال النزول والنظائر- أنّ الشاهد اسم جنس يعمّ عبد الله بن سلام وغيره، ثم قال: «فإنّ هذه الآية مكية نزلت قبل إسلام عبد الله بن سلام، وهذه كقوله: ﴿وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين﴾ [القصص:٥٣]، وقال: ﴿إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا﴾ [الإسراء:١٠٧- ١٠٨]». وساق ابنُ عطية (٥‏/‏٩٥ ط: دار الكتب العلمية) الأقوال، ثم علَّق بقوله: «قوله: ﴿فآمن﴾ -على هذا التأويل [يعني: قول مسروق]- يعني به: تصديق موسى بأمر محمد، وتبشيره به. فذلك إيمان به، وأما مَن قال: الشاهد عبد الله بن سلام، فإيمان بيّن، وكذلك إيمان الإسرائيلي الذي كان بمكة في قول من قاله». ثم ذكر (٧‏/‏٦١٥) قولًا بأن الفاعل بـ«آمن» هو محمد ﷺ، وعلَّق عليه بقوله: «وهذا من القائلين بأن الشاهد هو موسى بن عمران عليه السلام»

اختُلف في معنى: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ في هذه الآية على أقوال: الأول: يريدون أن يُغيِّروا وعْد الله لأهل الحُدَيبية بِجَعْل غنائم خَيْبَر لهم. الثاني: أنّ الله تعالى وعَد نبيَّه ﷺ بالحُدَيبية أن يفتح عليه خَيْبَر، ونهاه عن أن يسير معه أحد من المتخلِّفين، فأراد المخَلَّفون أنْ يغيِّروا كلام الله الذي أمر به نبيَّه ﷺ. الثالث: يريدون أن يبدِّلوا كلام الله، أي: كتاب الله، كانوا يُبطِّئون المسلمين عن الجهاد ويأمرونهم أن يفرُّوا. الرابع: عُنِيَ بالآية: إرادتهم الخروج مع نبيِّ الله ﷺ في غَزْوِه، وقد قال الله -تبارك وتعالى-: ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِي عَدُوًّا﴾ [التوبة:٨٣]. ورجَّح ابنُ جرير (٢١‏/‏٢٦٤) القول الأول، وهو قول مجاهد، ومقسم، وقتادة، وجويبر. وانتقد (٢١‏/‏٢٦٣) القول الرابع، وهو قول ابن زيد، مستندًا إلى أحوال النزول، والدلالة العقلية، فقال: «وهذا الذي قاله ابن زيد قولٌ لا وجْه له؛ لأن قول الله عز وجل: ﴿فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِي عَدُوًّا﴾ إنما نزل على رسول الله ﷺ مُنصَرَفَه مِن تبوك، وعُنِيَ به الذين تخلَّفوا عنه حين توجَّه إلى تبوك لغزو الروم، ولا اختلاف بين أهل العلم بمغازي رسول الله ﷺ أنّ تبوك كانت بعد فتح خَيْبَر، وبعد فتح مكة أيضًا، فكيف يجوز أن يكون الأمرُ على ما وصفنا معنِيًّا بقول الله: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾، وهو خبرٌ عن المتخلِّفين عن المسير مع رسول الله ﷺ -إذ شخَص معتمرًا يريد البيت، فصدَّه المشركون عن البيت- الذين تخلَّفوا عنه في غزوة تبوك، وغزوة تبوك لم تكن كانت يوم نزلت هذه الآية، ولا كان أُوحِي إلى رسول الله ﷺ قوله: ﴿فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِي عَدُوًّا﴾». وانتقده ابنُ عطية (٧‏/‏٦٧٥) -مستندًا إلى أحوال النزول- قائلًا: «وهذا قول ضعيف؛ لأنّ هذه الآية نزلتْ في رجوع رسول الله ﷺ من تبوك، وهذا في آخر عمره ﷺ، وآية هذه السورة نزلت سنة الحُدَيبية، وأيضًا فقد غزت جُهَينة ومُزَيْنَة بعد هذه المدة مع رسول الله ﷺ، وقد فضَّلهم رسول الله ﷺ -بعد ذلك- على تميم وغطفان وغيرهم مِن العرب، الحديث المشهور، فأخبره الله تعالى أن يقول لهم في هذه الغزوة إلى خَيْبَر: ﴿لَنْ تَتَّبِعُونا﴾، وخصَّ الله تعالى بها أهل الحُدَيبية». ونحوه قال ابنُ كثير (١٣‏/‏١٠٢)

اختُلِف في الذبيح المفْدِيِّ من ولد إبراهيم، المُبَشَّر به في قوله تعالى: ﴿فبشرناه بغلام حليم﴾ على قولين: الأول: أنه إسحاق عليه السلام. والثاني: أنه إسماعيل عليه السلام. ورجَّحَ ابنُ جرير (١٩‏/‏٥٩٨-٥٩٩) القولَ الأولَ استنادًا إلى دلالة القرآن، ونظائره، والدلالة العقلية، فقال: «هو إسحاق؛ لأن الله قال: ﴿وفديناه بذبح عظيم﴾ فذكر أنه فدى الغلام الحليم الذي بشر به إبراهيم حين سأله أن يهب له ولدًا صالحًا من الصالحين، فقال: ﴿رب هب لي من الصالحين﴾ فإذ كان المفدي بالذبح من ابنيه هو المبشر به، وكان الله -تبارك اسمه- قد بين في كتابه أن الذي بشر به هو إسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، فقال -جل ثناؤه-: ﴿فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب﴾، وكان في كل موضع من القرآن ذكر تبشيره إياه بولد، فإنما هو معنيّ به إسحاق، كان بيِّنًا أن تبشيره إياه بقوله: ﴿فبشرناه بغلام حليم﴾ في هذا الموضع نحو سائر أخباره في غيره من آيات القرآن». ورجَّحَ ابنُ عطية (٤‏/‏٦١١، ٧‏/‏٣٠١)، وكذا ابنُ تيمية (٥‏/‏٣٥٢-٣٥٣)، ومثلهما ابنُ كثير (٧‏/‏٤٥٣، ١٢‏/‏٣٧-٣٨) القولَ الثانيَ استنادًا إلى القرآن، والسنة، والدلالة العقلية، وانتَقَدَ الأخيران القول الأول بكلام طويل، ملخصه ما يلي:١- أنه بشره بالذبيح وذكر قصته أولًا، فلما استوفى ذلك قال: ﴿وبشرناه بإسحاق نبيًا من الصالحين*وباركنا عليه وعلى إسحاق﴾ فبين أنهما بشارتان: بشارة بالذبيح، وبشارة ثانية بإسحاق، وهذا بيِّنٌ. ٢- أنه لم يذكر قصة الذبيح في القرآن إلا في هذا الموضع، وفي سائر المواضع يذكر البشارة بإسحاق خاصة، ولم يذكر أنّه الذبيح، ثم لَمّا ذكر البشارتين جميعًا: البشارة بالذبيح، والبشارة بإسحاق بعده كان هذا مِن الأدلة على أنّ إسحاق ليس هو الذبيح. ٣- أنه ذكر في الذبيح أنه غلام حليم، ولما ذكر البشارة بإسحاق ذكر البشارة بغلام عليم في غير هذا الموضع، والحلم مناسب للصبر الذي هو خلق الذبيح: ﴿قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين﴾، وإسماعيل وصف بالصبر في قوله تعالى: ﴿وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين﴾ [الأنبياء:٨٥]. ٤- أنّ البشارة بإسحاق كانت مشتركة بين إبراهيم وامرأته، أما البشارة بالذبيح فكانت لإبراهيم عليه السلام، وامتحن بذبحه دون الأم المبشرة به، وهذ يوافق الأخبار الواردة في الصحيح وغيره أن سارة غارت لما ولدت هاجر إسماعيل، فذهب إبراهيم بإسماعيل وأمه إلى مكة، وهناك أُمِر بالذبح. ٥- أن قرن الكبش كان معلقًا بالكعبة، ولم ينقل أحد أن إسحاق ذهب إلى مكة. ٦- أن الله تعالى قال: ﴿فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب﴾ [هود:٧١]، والبشارة بيعقوب تقتضي أن إسحاق يعيش ويولد له يعقوب، ولا خلاف بين الناس أنّ قصة الذبيح كانت قبل ولادة يعقوب، بل يعقوب إنما ولد بعد موت إبراهيم عليه السلام وقصة الذبيح كانت في حياة إبراهيم بلا ريب. ورَدَّ ابنُ جرير (١٩‏/‏٥٩٩-٦٠٠) عللًا مِمّا احتج بها مَن يقول: إن الذبيح هو إسماعيل عليه السلام، فقال: «أما الذي اعتل به من اعتل في أنه إسماعيل، أن الله قد كان وعد إبراهيم أن يكون له من إسحاق ابنُ ابنٍ، فلم يكن جائزًا أن يأمره بذبحه مع الوعد الذي قد تقدم. فإنّ الله إنما أمره بذبحه بعد أن بلغ معه السعي، وتلك حال غير منكر أن يكون قد ولد لإسحاق فيها أولاد، فكيف الواحد؟! وأما اعتلال مَن اعتل بأن الله أتبع قصة المفديِّ من ولد إبراهيم بقوله: ﴿وبشرناه بإسحاق نبيا﴾ ولو كان المفديّ هو إسحاق لم يبشر به بعد، وقد ولد وبلغ معه السعي. فإنّ البشارة بنبوة إسحاق من الله فيما جاءت به الأخبار جاءت إبراهيم وإسحاق بعد أن فُدِي تكرمة مِن الله له على صبره لأمرِ ربه فيما امتحنه به مِن الذبح، وقد تقدمت الرواية قبلُ عمَّن قال ذلك. وأما اعتلال من اعتل بأن قرن الكبش كان معلقًا في الكعبة. فغير مستحيل أن يكون حُمِل مِن الشام إلى مكة، وقد روي عن جماعة من أهل العلم أنّ إبراهيم إنما أمر بذبح ابنه إسحاق بالشام، وبها أراد ذبحه». وتعقَّب ابنُ كثير (١٢‏/‏٥١-٥٢ بتصرف) ذلك، فقال: «إنما عوَّل ابنُ جرير في اختياره أن الذبيح إسحاق على قوله تعالى: ﴿فبشرناه بغلام حليم﴾، فجعل هذه البشارة هي البشارة بإسحاق في قوله تعالى: ﴿وبشروه بغلام عليم﴾، وليس ما ذهب إليه بمذهب ولا لازم، بل هو بعيد جدًّا، والذي استدل به محمد بن كعب القرظي على أنه إسماعيل أثبت وأصح وأقوى»

رجَّح ابنُ جرير (٤‏/‏٣٠١-٣٠٣) هذا القولَ الذي قال به أبو العالية، والحسن، وسعيد بن جبير، مستندًا إلى دلالة العموم، والعقل، فقال: «لأنّ الله -تعالى ذِكْرُه- قال: ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين﴾. فجعل الله -تعالى ذِكْرُه- ذلك لكُلِّ مطلقةٍ، ولم يخصص منهُنَّ بعضًا دون بعض، فليس لأحد إحالةُ ظاهر تنزيل عامٍّ إلى باطنٍ خاصٍّ إلا بحُجَّةٍ يجب التسليمُ لها. فإن قال قائل: فإنّ الله -تعالى ذِكْرُه- قد خَصَّ المطلقة قبل المسيس إذا كان مفروضًا لها بقوله: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم﴾، إذ لم يجعل لها غير نصف الفريضة. قيل: إنّ الله -تعالى ذِكْرُه- إذا دَلَّ على وجوب شيء في بعض تنزيله، ففي دلالته على وجوبه في الموضع الذي دلَّ عليه الكفايةُ عن تكريره، حتى يدلَّ على بُطُولِ فرضه، وقد دلَّ بقوله: ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف﴾ على وجوب المتعة لكلِّ مطلقةٍ، فلا حاجة بالعباد الى تكرير ذلك في كلِّ آية وسورة. وليس في دلالته على أنّ للمطلقة قبلَ المسيس المفروض لها الصداق نصفَ ما فُرِض لها دلالةٌ على بُطُولِ المتعة عنه؛ لأنّه غيرُ مستحيل في الكلام لو قيل: وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم والمتعة. فلمّا لم يكن ذلك مُحالًا في الكلام كان معلومًا أنّ نصف الفريضة إذا وجب لها لم يكن في وجوبه لها نفيٌ عن حقها مِن المتعة، ولَمّا لم يكن اجتماعهما للمطلقة مُحالًا، وكان الله -تعالى ذكره- قد دلَّ على وجوب ذلك لها، وإن كانت الدلالة على وجوب أحدهما في آيةٍ غير الآية التي فيها الدلالة على وجوب الأخرى ثبت وصحَّ وجوبهما لها. هذا إذا لم يكن على أنّ للمطلقة المفروض لها الصداق إذا طلقت قبل المسيس دلالة غير قول الله -تعالى ذكره-: ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف﴾، فكيف وفي قول الله -تعالى ذكره-: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن﴾ الدلالة الواضحة على أنّ المفروض لها إذا طلقت قبل المسيس لها من المتعة مثل الذي لغير المفروض لها منها؟! وذلك أنّ الله -تعالى ذكره- لَمّا قال: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة﴾ كان معلومًا بذلك أنّه قد دلَّ به على حكم طلاق صنفين من طلاق النساء: أحدهما المفروض له، والآخر غير المفروض له؛ وذلك أنّه لما قال: ﴿أو تفرضوا لهن فريضة﴾ عُلِم أنّ الصنف الآخر هو المفروض له، وأنّها المطلقة المفروض لها قبل المسيس؛ لأنه قال: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن﴾، ثم قال -تعالى ذكره-: ﴿ومتعوهن﴾ فأوَجَبَ المُتْعَةَ للصِّنفَيْنِ منهُنَّ جميعًا؛ المفروضِ لهن، وغيرِ المفروض لهن. فمَنِ ادَّعى أنّ ذلك لأحد الصنفين سُئِل البرهانَ على دعواه مِن أصلٍ أو نظيرٍ، ثم عُكِسَ عليه القولُ في ذلك؛ فلن يقول في شيء منه قولًا إلا أُلْزِم في الآخر مثلَه». وذكَر ابنُ عطية (١‏/‏٥٩٣) أن من قال: إن المتعة واجبة؛ قال: إن قوله: ﴿حقا على المحسنين﴾ تأكيد الوجوب، أي: على المحسنين بالإيمان والإسلام، فليس لأحد أن يقول لَسْتُ بمُحسن على هذا التأويل. ثم قال: «و﴿حقا﴾ صفة لقوله: ﴿متاعا﴾، أو نصب على المصدر، وذلك أدخل في التأكيد للأمر»

اختُلِف في تأويل قوله تعالى: ﴿وتُخْفِي فِي نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ على قولين: أولهما: أن الذي أخفاه في نفسه ميله إليها، وحبه لفراق زيد لها؛ ليتزوجها إن طلقها. وهذا قول قتادة، وابن زيد، ومقاتل، وغيرهم. والثاني: أن الذي أخفاه في نفسه أنّ الله أعلمه أنها ستكون مِن أزواجه ﷺ. وهذا قول عليّ بن الحسين، والسّدّيّ. واختار ابنُ جرير (١٩‏/‏١١٥) القول الأول مستندًا إلى سبب النزول، وأقوال أهل التأويل. ويظهر من كلام ابن كثير (١١‏/‏١٧١-١٧٢) ميله إلى القول الثاني. ورجَّحَ ابن القيم (٢‏/‏٣٣٠-٣٣١) القولَ الثانيَ، وانتَقَدَ القولَ الأولَ، مستندًا إلى الدلالات العقلية، والسياق، فقال: «أما ما زعمه بعض مَن لم يقدر رسول الله ﷺ حقَّ قدره أنه ابتلي به في شأن زينب بنت جحش، وأنه رآها، فقال: «سبحان مقلب القلوب». وأخذت بقلبه، وجعل يقول لزيد بن حارثة: «أمسكها». حتى أنزل الله عليه: ﴿وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾، فظن هذا الزاعم أن ذلك في شأن العشق، وصنَّف بعضهم كتابًا في العشق، وذكر فيه عشق الأنبياء، وذكر هذه الواقعة، وهذا من جهل هذا القائل بالقرآن وبالرسل، وتحميله كلام الله ما لا يحتمله، ونسبته رسول الله ﷺ إلى ما برأه الله منه؛ فإن زينب بنت جحش كانت تحت زيد بن حارثة، وكان رسول الله ﷺ قد تبنّاه، وكان يُدْعى: زيد بن محمد، وكانت زينب فيها شمم وترفُّع عليه، فشاور رسول الله ﷺ في طلاقها، فقال له رسول الله ﷺ: «أمسك عليك زوجك واتق الله». وأخفى في نفسه أن يتزوجها إن طلقها زيد، وكان يخشى مِن قالة الناس أنه تزوَّج امرأة ابنه؛ لأن زيدًا كان يُدْعى ابنه، فهذا هو الذي أخفاه في نفسه، وهذه هي الخشية من الناس التي وقعت له، ولهذا ذكر سبحانه هذه الآية يُعَدِّد فيها نعمَه عليه، لا يعاتبه فيها، وأعلمه أنه لا ينبغي له أن يخشى الناس فيما أحل الله له، وأن الله أحق أن يخشاه، فلا يتحرَّج ما أحلَّه له لأجل قول الناس، ثم أخبره أنه سبحانه زوجه إياها بعد قضاء زيد وطره منها؛ لتقتدي أمته به في ذلك، ويتزوج الرجل بامرأة ابنه من التبني، لا امرأة ابنه لصلبه، ولهذا قال في آية التحريم: ﴿وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم﴾ [النساء:٢٣]، وقال في هذه السورة: ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم﴾ [الأحزاب:٤٠]، وقال في أولها: ﴿وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم﴾ [الأحزاب:٤]. فتأمل هذا الذب عن رسول الله ﷺ، ودفع طعن الطاعنين عنه، وبالله التوفيق. نعم كان رسول الله ﷺ يحب نساءه، وكان أحبهن إليه عائشة رضي الله عنها، ولم تكن تبلغ محبته لها ولا لأحد سوى ربه نهاية الحب، بل صحَّ أنه قال: «لو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا». وفي لفظ: «وإنّ صاحبكم خليل الرحمن»»

أفادت الآثار الاختلاف في إرسال رسل من الجنّ إليهم أكان أم لم يكن؟ على قولين: أحدهما: أرسل إلى الجن رسل منهم، كما أرسل إلى الإنس رسل من الإنس. وهو قول الضحاك. الآخر: ليس في الجنِّ رسل، إنما الرسل في الإنس، والنِّذارةُ في الجن. وهو قول مجاهد، وابن جريج، وغيرهما. وعلَّقَ ابن جرير (٩‏/‏٥٦١) على تأويل ابن عباس هذا قائلًا: «تأويل الآية على هذا التأويل الذي تأوَّله ابن عباس: ألم يأتكم أيها الجن والإنس رسل منكم؟ فأمّا رسل الإنس فرسل من الله إليهم، وأما رسل الجن فرسُل رُسُلِ الله من بني آدم، وهم الذين إذا سَمِعوا القرآنَ ولّوا إلى قومهم منذرين. وأما الذين قالوا بقول الضحاك، فإنهم قالوا: إنّ الله -تعالى ذكره- أخبرَ أنّ من الجن رسلًا أرسلوا إليهم، كما أخبر أنّ من الإنس رسلًا أرسلوا إليهم، قالوا: ولو جاز أن يكون خبرُه عن رسل الجن بمعنى أنهم رسل الإنس جاز أن يكون خبره عن رسل الإنس بمعنى أنهم رُسُل الجنّ. قالوا: وفي فساد هذا المعنى ما يدلُّ على أنّ الخبرين جميعًا بمعنى الخبر عنهم أنهم رُسُل الله؛ لأنّ ذلك هو المعروف في الخطاب دون غيره». ورجَّحَ ابنُ كثير (٦‏/‏١٧٦) القولَ الثاني استنادًا إلى القرآن، ودلالة العقل، فقال: «الدليل على أنّ الرسل إنما هم من الإنس قوله تعالى: ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده﴾ إلى قوله: ﴿رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾ [النساء:١٦٣-١٦٥]، وقال تعالى عن إبراهيم: ﴿وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب﴾ [العنكبوت:٢٧]، فحصر النبوة والكتاب بعد إبراهيم في ذريته، ولم يقل أحد من الناس: إنّ النبوة كانت في الجن قبل إبراهيم الخليل، ثم انقطعت عنهم ببعثته. وقال تعالى: ﴿وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق﴾ [الفرقان:٢٠]، وقال: ﴿وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى﴾ [يوسف:١٠٩]، ومعلوم أنّ الجن تَبَع للإنس في هذا الباب، ولهذا قال تعالى إخبارًا عنهم: ﴿وإذ صرفنا إليك نفرًا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين * قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقًا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم * يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم * ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض وليس له من دونه أولياء أولئك في ضلال مبين﴾ [الأحقاف:٢٩-٣٢]. وقد جاء في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره: أنّ رسول الله ﷺ تلا عليهم سورة الرحمن، وفيها قوله تعالى: ﴿سنفرغ لكم أيها الثقلان * فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾». وذكر ابنُ عطية (٣‏/‏٤٦٣) أنّ قوله: ﴿غرتهم الحياة الدنيا﴾ التفاتة فصيحة، تضمَّنت أنّ كفرهم كان بأذمِّ الوجوه لهم؛ وهو الاغترار الذي لا يُواقِعه عاقل، ثم قال: «ويحتمل ﴿غرتهم﴾ أن يكون بمعنى: أشبعتهم وأطعمتهم بحلوائها، كما يقال: غرَّ الطائرُ فرخَه»

اختُلِف في معنى الأُمَّة، وفي الناس الذين وصفهم الله بأنهم كانوا أمة واحدة؛ فقال قوم: هم الذين كانوا بين آدم ونوح، وهم عشرة قرون. وقال آخرون: بل تأويل ذلك: كان آدم على الحق، فبعث الله النبيين في ولده. وقال غيرهم: كان الناس أمة واحدة ودين واحد يوم استخرج ذرية آدم من صلبه فعرضهم على آدم. وذهب قوم إلى أنّ المعنى: كان الناس أمة واحدة على الكفر، فبعث الله النبيين. ورَجَّح ابنُ القيم (١‏/‏١٧١ بتصرف) القولَ الأول الذي قاله ابن عباس من طريق عكرمة، وقتادة مستندًا إلى القراءات، والنظائر، فقال: «وهذا هو القول الصحيح في الآية؛ فإن قراءة أبى بن كعب: (فاخْتَلَفُوا فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنذِرِينَ)، ويشهد لهذه القراءة: قوله تعالى في سورة يونس [١٩]: ﴿وما كانَ النّاسُ إلا أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفوا﴾، والمقصود: أنّ العدوَّ كادَهُم، وتلاعب بهم، حتى انقسموا قسمين؛ كفارًا ومؤمنين، فكادهم بعبادة الأصنام، وإنكار البعث». وبنحوه قال ابنُ تيمية (١‏/‏٤٩٠)، وزاد الاستناد لقول جمهور الصحابة والتابعين. وكذلك رجَّحه ابنُ كثير (٢‏/‏٢٧٩)، فقال: «لأنّ الناس كانوا على ملة آدم عليه السلام، حتى عبدوا الأصنام، فبعث الله إليهم نوحًا عليه السلام، فكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض». ووجَّهَه ابنُ جرير (٣‏/‏٦٢١) بقوله: ""فتأويل الأُمَّة على هذا القول الذي ذكرناه عن ابن عباس: الدِّين، كما قال النابغة الذبياني:حلفت فلم أترك لنفسك ريبةً وهل يَأْثَمَن ذو أُمَّةٍ وهو طائعيعني: ذا الدِّين. فكان تأويل الآية على معنى قول هؤلاء: كان الناس أمة مجتمعة على ملة واحدة ودين واحد، فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين. وأصل الأمة: الجماعة تجتمع على دين واحد، ثم يكتفى بالخبر عن الأمة من الخبر عن الدين لدلالتها عليه، كما قال -جل ثناؤه-: ﴿ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة﴾ [المائدة: ٤٨]، يراد به: أهل دين واحد، ومِلَّة واحدة. فوَجَّه ابنُ عباس في تأويله قوله: ﴿كان الناس أمة واحدة﴾ إلى أنّ الناس كانوا أهل دين واحد حتى اختلفوا"". ورجَّح ابنُ جرير (٣‏/‏٦٢٥-٦٢٦ بتصرف) أنّ الناس كانوا أمة واحدة على دين واحد فاختلفوا في دينهم، فبعث الله عند اختلافهم النبيين. ولم يرَ تخصيصَ ذلك المعنى بوقت دون وقت، مستندًا لعدم وجود دليل يقطع بصحة أيِّ وقت، فقال: «وقد يجوز أن يكون ذلك الوقت الذي كانوا فيه أمة واحدة من عهد آدم إلى عهد نوح عليهما السلام. وجائز أن يكون عنى الله بالأمة: آدم. وجائز أن يكون كان ذلك حين عرض على آدم خلقه. وجائز أن يكون كان ذلك في وقت غير ذلك. ولا دلالة من كتاب الله ولا خبر يثبت به الحجة على أيِّ هذه الأوقات كان ذلك، فغيرُ جائزٍ أن نقول فيه إلا ما قال الله عز وجل فيه من أنّ الناس كانوا أمة واحدة، فبعث الله فيهم لما اختلفوا الأنبياء والرسل. ولا يضُرُّنا الجهلُ بوقت ذلك، كما لا ينفعنا العلمُ به إذا لم يكن العلم به لله طاعة». وذكر ابنُ عطية (١‏/‏٥١٢) أنّ الآية تحتمل احتمالًا آخر، وهو أن يخبر عن الناس الذين هم الجنس كله أنهم أمة واحدة في خُلُوِّهم عن الشرائع وجهلهم بالحقائق، لولا مَنُّ الله عليهم وتفضُّلُه بالرسل إليهم. وعلَّق عليه بقوله: «فــ﴿كان﴾ على هذا الثبوت لا تختص بالمضي فقط، وذلك كقوله تعالى: ﴿وكان الله غفورا رحيما﴾ [النساء:٩٦]»

سورة الحج — الآية ٥٢

عن محمد بن كعب القرظي -من طريق ابن إسحاق، عن يزيد بن زياد المدني- قال: لَمّا رأى رسولُ الله ﷺ تَوَلِّيَ قومِه عنه، وشَقَّ عليه ما يرى مِن مُباعَدَتهم ما جاءهم به مِن عند الله؛ تَمَنّى في نفسه أن يأتيه مِن الله ما يُقارِب به بينه وبين قومه، وكان يَسُرُّه -مع حُبِّه وحِرصه عليهم- أن يلين له بعض ما غلظ عليه مِن أمرهم، حين حدَّث بذلك نفسه وتَمَنّى وأحبه، فأنزل الله: ﴿والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى﴾. فلما انتهى إلى قول الله: ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾ ألقى الشيطانُ على لسانه لِما كان يُحَدِّث به نفسَه، ويتمنى أن يأتي به قومه: «تلك الغرانِيق العُلى، وإنّ شفاعتهن تُرْتَضى». فلمّا سمعت قريشٌ ذلك فرِحوا وسَرَّهم، وأعجبهم ما ذكر به آلهتهم، فأصاخوا له، والمؤمنون مُصَدِّقون نبيَّهم فيما جاءهم به عن ربِّهم، ولا يَتَّهمونه على خطأ، ولا وهم، ولا زلل. فلمّا انتهى إلى السجدة منها وختم السورة سجد فيها، فسجد المسلمون بسجود نبيِّهم تصديقًا لِما جاء به، واتِّباعًا لأمره، وسجد مَن في المسجد مِن المشركين مِن قريش وغيرهم لِما سَمِعوا مِن ذكر آلهتهم، فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر إلا سجد، إلا الوليد بن المغيرة، فإنّه كان شيخًا كبيرًا، فلم يستطع، فأخذ بيده حَفْنَةً مِن البطحاء، فسجد عليها، ثم تَفَرَّق الناسُ مِن المسجد، وخرجت قريشٌ وقد سَرَّهم ما سمعوا مِن ذكر آلهتهم، يقولون: قد ذكر محمدٌ آلهتنا بأحسن الذِّكر، وقد زعم فيما يتلو أنّها الغرانيق العلى، وأن شفاعتهن ترتضى. وبلغت السجدةُ مَن بأرض الحبشة مِن أصحاب رسول الله ﷺ، وقيل: أسلمت قريش. فنهضت منهم رجال، وتَخَلَّف آخرون. وأتى جبرائيلُ النبيَّ ﷺ، فقال: يا محمد، ماذا صنعت؟! لقد تلوتَ على الناس ما لم آتِك به عن الله، وقلتَ ما لم يُقَل لك، فحزِن رسولُ الله ﷺ عند ذلك، وخاف مِن الله خوفًا كبيرًا؛ فأنزل الله -تبارك وتعالى- عليه -وكان به رحيمًا- يُعَزِّيه، ويُخفِّض عليه الأمر، ويخبره أنه لم يكن قبله رسول ولا نبيٌّ تَمَنّى كما تَمَنّى، ولا أحَبَّ كما أحَبَّ، إلا والشيطان قد ألقى في أمنيته كما ألقى على لسانه ﷺ، فنسخ الله ما ألقى الشيطان، وأحكم آياته، أي: فأنت كبعض الأنبياء والرسل. فأنزل الله: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته﴾ الآية. فأذهب الله عن نبيِّه الحزن، وأَمَّنه مِن الذي كان يخاف، ونسخ ما ألقى الشيطان على لسانه مِن ذكر آلهتهم أنّها الغرانيق العُلى، وأنّ شفاعتهن تُرْتَضى. يقول الله حين ذكر اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى إلى قوله: ﴿وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى﴾ [النجم:٢٦]، أي: فكيف تنفع شفاعة آلهتكم عنده؟! فلمّا جاءه مِن الله ما نسخ ما كان الشيطان ألقى على لسان نبيه؛ قالت قريش: ندِم محمدٌ على ما كان مِن منزلة آلهتكم عند الله، فغَيَّر ذلك، وجاء بغيره. وكان ذانك الحرفان اللذان ألقى الشيطان على لسان رسوله قد وقعا في فَمِ كُلِّ مشرك، فازدادوا شَرًّا إلى ما كانوا عليه

اختُلِف في المراد بـ«الذين ظلموا» في قوله تعالى: ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هِيَ أحْسَنُ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾، وهل الآية ثابتة، أم منسوخة؟ على ثلاثة أقوال: أولها: أنّ المراد بهم: الذين لم يؤدُّوا الجزية مِن أهل الكتاب، وحاربوا المسلمين، والمعنى: ولا تجادلوا أهل الكتاب مِن اليهود والنصارى إلا بالتي هي أحسن، إلا المحاربين الذين لم يؤدُّوا الجزية، فأولئك ينبغي جدالهم بالسيف حتى يسلموا، أو يعطوا الجزية. وهذا قول مجاهد. والثاني: أنّ المراد بهم: المقيمون على كفرهم مِن أهل الكتاب، والمعنى: ولا تجادلوا مَن آمن مِن أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن، ثم استثنى مِن ذلك مَن بقي على كفره مِن أهل الكتاب بعد قيام الحجة عليهم. والآية على هذا محكمة غير منسوخة. وهذا قول ابن زيد. والثالث: أنّ المراد بهم: مَن ظَلَمَ المؤمنين بقول أو فِعْل، والمعنى: ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن، ثم استثنى مِن المجادلة بالحسنى مَن ظَلَمَ المؤمنين بقول أو فِعْل، ثم نُسِخَ ذلك بآية القتال والجزية. وهذا قول قتادة. ورجَّحَ ابنُ جرير (١٨‏/‏٤٢٠-٤٢١) القولَ الأولَ، وانتَقَدَ القولَ الثانيَ استنادًا إلى الدلالة العقلية، وقال: «إنما قلنا: ذلك أولى الأقوال فيه بالصواب؛ لأن الله -تعالى ذِكْرُه- أذِن للمؤمنين بجدال ظلمة أهل الكتاب بغير الذي هو أحسن بقوله: ﴿إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾، فمعلوم -إذ كان قد أذن لهم في جدالهم- أنّ الذين لم يُؤذَن لهم في جدالهم إلا بالتي هي أحسن غيرُ الذين أذن لهم بذلك فيهم، وأنهم غير المؤمنين؛ لأن المؤمن منهم غير جائز جداله إلا في غير الحقّ؛ لأنه إذا جاء بغير الحق فقد صار في معنى الظَلَمة في الذي خالف فيه الحقّ، فإذ كان ذلك كذلك تبيَّن أن لا معنى لقول مَن قال: عنى بقوله: ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ﴾ أهل الإيمان منهم». ورجَّحَ ابنُ عطية (٦‏/‏٦٥١) القولَ الثالثَ استنادًا إلى أحوال النُّزول، فقال: «الذي يَتَوَجَّه في معنى الآية إنما يتضح في معرفة الحال في وقت نزول الآية، وذلك أن السورة مكية من بعد الآيات العشر الأول، ولم يكن في ذلك الوقت قتال مفروض، ولا طلب جزية، ولا غير ذلك، وكانت اليهود بمكة وفيما جاورها، فربما وقع بينهم وبين بعض المؤمنين جدال واحتجاج في أمر الدين وتكذيب، فأمر الله تعالى المؤمنين ألا يجادلوهم بالمحاجّة إلا بالحسنى، دعاء إلى الله تعالى وملاينة، ثم استثنى مَن ظلم منهم المؤمنين إما بفعل، وإما بقول، وإما بإذاية محمد ﷺ، وإما بإعلان كُفْر فاحش كقول بعضهم: عزير ابن الله، ونحو هذا، فإن هذه الصفة استثني لأهل الإسلام معارضتها بالخروج معها عن التي هي أحسن، ثم نسخ هذا بَعْدُ بآية القتال والجزية». وانتَقَدَ ابنُ جرير (١٨‏/‏٤٢١) القول بالنسخ؛ لعدم ورود دليل به، فقال: «لا معنى لقول مَن قال: نزلت هذه الآية قبل الأمر بالقتال. وزعم أنها منسوخة؛ لأنه لا خبر بذلك يقطع العذر، ولا دلالة على صحته من فطرة عقل». ونحا ابنُ تيمية (٥‏/‏١١٠-١١٢) منحى ابن جرير في اختياره قول مجاهد، وانتقاده القولَ بالنسخ

اختُلِف في المشار إليه ببقوله: ﴿أفمَن﴾ على قولين: الأول: محمد ﷺ. الثاني: المؤمنون. واختُلِف في المراد بالشاهد على أقوال: الأول: أنّه القرآن. الثاني: القرآن ونظمه وإعجازه. الثالث: محمد ﷺ. الرابع: لسان محمد ﷺ. الخامس: جبريل عليه السلام. السادس: مَلَكٌ يحفظه. السابع: الإنجيل. نقله ابن عطية (٤‏/‏٥٥٣). وكذا نقل ابنُ عطية (٤‏/‏٥٥٢) اختلافًا في البيِّنة على قولين: الأول: أنّه القرآن؛ أي: على جليَّة بسبب القرآن. الثاني: أنّه محمد ﷺ، أي: على جليَّة بسبب محمد ﷺ. وقد ذكر كذلك أنّ قوله: ﴿يتلوه﴾ يحتمل معنيين: الأول: بمعنى: يقرأه. الثاني: بمعنى يتبعه. وأن هذين المعنيين يتصرفان بحسب الخلاف في الشاهد. ثم وجَّه (٤‏/‏٥٥٣) الأقوال وكيف يتركب بعضها على بعض، فقال: «ولنرتب الآن اطِّراد كل قول وما يحتمل. فإذا قلنا: إنّ قوله: ﴿أفمن﴾ يُراد به: المؤمنون، فإن جعلت بعد ذلك البينة محمدًا ﷺ صحَّ أن يترتب الشاهد: الإنجيل، ويكون ﴿يتلوه﴾ بمعنى: يقرؤه؛ لأنّ الإنجيل يقرأ شأن محمد ﷺ. وأن يترتب: جبريل عليه السلام، ويكون ﴿يتلوه﴾ بمعنى: يتبعه، أي: في تبليغ الشرع والمعونة فيه. وأن يترتب: الملَك، ويكون الضمير في ﴿منه﴾ عائدًا على البينة التي قدَّرناها: محمدًا ﷺ. وأن يترتب: القرآن، ويكون ﴿يتلوه﴾ بمعنى: يتبعه، ويعود الضمير في ﴿منه﴾ على الربِّ. وإن جعلنا البيِّنة: القرآن على أنّ ﴿أفمن﴾ هم المؤمنون صح أن يترتب الشاهد: محمد ﷺ، وصح أن يترتب: الإنجيل، وصح أن يترتب: جبريل والملَك، ويكون ﴿يتلوه﴾ بمعنى: يقرؤه، وصح أن يترتب الشاهد: الإعجاز، ويكون ﴿يتلوه﴾ بمعنى: يتبعه، ويعود الضمير في ﴿منه﴾ على القرآن. وإذا جعلنا ﴿أفمن﴾ للنبي ﷺ كانت البيِّنة القرآن، وترتب الشاهد: لسان محمد ﷺ، وترتب: الإنجيل، وترتب: جبريل والملَك، وترتب: علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، وترتب: الإعجاز، ويُتأوَّل ﴿يتلوه﴾ بحسب الشاهد كما قلنا». وذكر ابنُ تيمية (٣‏/‏٥٢٦) أنّ كلَّ مَن فسر ﴿يتلوه﴾ بمعنى: يقرؤه؛ جعل الضمير فيه عائدًا على القراءة، وجعل الشاهد غير القرءان. وقد حكى ابنُ جرير (١٢‏/‏٣٥٣- ٣٦١) الخلاف في الشاهد، ورجَّح مستندًا إلى السياق، والدلالة العقلية أنّ الشاهد: جبريل، وأن التلاوة بمعنى: القراءة، فقال: «وأولى هذه الأقوال التي ذكرناها بالصواب في تأويل قوله: ﴿ويتلوه شاهد منه﴾ قولُ مَن قال: هو جبريل. لدلالة قوله: ﴿ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة﴾ على صحة ذلك، وذلك أن نبيَّ الله ﷺ لم يتلُ قبل القرآن كتاب موسى، فيكون ذلك دليلًا على صحة قول مَن قال: عنى به لسان محمد ﷺ، أو: محمد نفسه، أو عليّ. ولا يُعلَمُ أنّ أحدًا كان تلا ذلك قبل القرآن أو جاء به مِمَّن ذكر أهل التأويل أنه عنى بقوله: ﴿ويتلوه شاهد منه﴾ غيرُ جبريل عليه السلام». ثم أورد اعتراضًا خُلاصته: أنّ القراءة برفع ﴿كتاب﴾، وعلى القول الذي رجَّحَه يتعين نصبها؛ لأنّ المعنى: ومن قبل القرآن يتلو جبريل كتابَ موسى. وأجاب عن هذا الاعتراض بقوله: «إنّ القراء في الأمصار قد أجمعت على قراءة ذلك بالرفع فلم يكن لأحد خلافها، ولو كانت القراءة جاءت في ذلك بالنصب كانت قراءة صحيحةً ومعنى صحيحًا... ووجه رفعهم هذا أنهم ابتدءوا الخبر عن مجيء كتاب موسى قبل كتابنا المنزل على محمد، فرفعوه بـ﴿ومن قبله﴾، والقراءة كذلك، والمعنى الذي ذكرت من معنى تلاوة جبريل ذلك قبل القرآن، وأنّ المراد من معناه ذلك، وإن كان الخبر مستأنفًا على ما وصفتُ اكتفاء بدلالة الكلام على معناه». ورجَّح ابنُ عطية (٤‏/‏٥٥٤-٥٥٥) مستندًا إلى السياق «أن يكون ﴿أفمن﴾ للمؤمنين، أو لهم وللنبي ﷺ معهم؛ إذ قد تقدم ذكر ﴿الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار﴾، فعقَّب ذكرَهم بذكر غيرهم. والبينة: القرآن وما تضمَّن. والشاهد: محمد ﷺ، أو جبريل إذا دخل النبي في قوله: ﴿أفمن﴾، أو الإنجيل. والضمير في ﴿يتلوه﴾ للبينة، وفي ﴿منه﴾ للرب تعالى. والضمير في ﴿قبله﴾ للبينة». ثُمَّ حكم بكون بقية الأقوال التي ذكرها محتملة. ووجَّه ابنُ تيمية (٣‏/‏٥١٦-٥٢٣) قول مَن فسَّره بالنبي ﷺ بأن مرادهم التمثيل لا التخصيص، لأنّ محمدًا ﷺ هو أول من كان على بينة من ربه. ورجَّح (٣‏/‏٥١٢) مستندًا إلى القرآن، واللغة، والسياق، والدلالة العقلية أنّ المشار إليه بقوله: ﴿أفمَن﴾ يعم النبيَّ ﷺ والمؤمنين، وذكر بعض الآيات الدالة على كونهم على بينة. وعلل ذلك بما يلي: أولًا: لفظ «من» في ﴿أفمن﴾ أبلغ صيغ العموم؛ لا سيما إذا كانت شرطًا أو استفهامًا، وإذا كان العلماء يحكمون في كثير من المواطن بعموم الخطاب الذي لفظه للنبي ﷺ وشموله للجميع كقوله: ﴿فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك﴾ [يونس:٩٤]، و﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ [الزمر:٦٥] فكيف تُجعَلُ الصيغة العامة له وللمؤمنين مختصة به؟! ثانيًا: أنّه تعالى قد ذكر بعد ذلك قوله: ﴿أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده﴾، وذكر بعد هذا: ﴿مثل الفريقين﴾، وقد تقدم قبل هذا ذكر الفريقين، وقوله: ﴿أولئك يؤمنون به﴾ إشارة إلى جماعة ولم يُقَدِّم قبل هذا ما يصلح أن يكون مشارا إليه إلا «مَن»، والضمير يعود تارة إلى لفظ «من»، وتارة إلى معناها، كقوله: ﴿ومنهم من يستمع إليك﴾ [الأنعام:٢٥، محمد:١٦]، ﴿ومنهم من يستمعون إليك﴾ [يونس:٤٢]، وأمّا الإشارة إلى معناها فهو أظهر من الضمير. ثالثًا: أنّ قوله: ﴿أولئك يؤمنون به﴾ دليل على أنّ الذي على بينة من ربِّه كثيرون لا واحد. ورجَّح ابنُ تيمية (٣‏/‏٥١٢- ٥٢٨) كذلك مستندًا إلى النظائر، والدلالة العقلية أنّ المراد بالبينة: الإيمان، وبالشاهد: القرآن وأنّ ﴿يتلوه﴾ بمعنى: يتبعه، وأن المعنى: أن المؤمن على بينة من ربه بإيمانه وهداه، يتبعه شاهد من الله وهو القرآن بمثل ما هو عليه من بينة الإيمان. وكان من مستندات ترجيحه: أولًا: أنّ الإيمان هو المقصود؛ لأنّه إنما يراد بإنزال القرآن: الإيمان وزيادته، ولهذا كان الإيمان بدون القرآن ينفع صاحبه ويدخل به الجنة، والقرآن بلا إيمان لا ينفع صاحبه في الآخرة. ثانيًا: أنّ المعنى الذي رجحه يناظره قوله تعالى في آية النور [٣٥]: ﴿نور على نور﴾، وذلك نور الإيمان ونور القرآن حين يجتمعان. ثالثًا: أنّ هذا المعنى يؤيده آيات كثيرة من مثل قوله تعالى: ﴿وكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ [هود:١٢٠]، وقوله: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النحل:١٠٢]. رابعًا: أنّ الضمير في الآية في قوله تعالى: ﴿ومن قبله﴾ يعود إلى الشاهد، وهو القرآن، كقوله تعالى: ﴿قُلْ أرَأَيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف:١٠]، وقيل: يعود إلى الرسول ﷺ. وهما متلازمان. خامسًا: أنّ الضمير في قوله: ﴿أولئك يؤمنون به﴾ عائد على القرآن، ودليله قوله تعالى: ﴿فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك﴾، وهذا هو القرآن بلا ريب. وقيل: إنّه الخبر المذكور، وهو أنّه من يكفر به من الأحزاب، وهذا أيضًا هو القرآن، فعُلِمَ أنّ المراد هو الإيمان بالقرآن والكفر به باتفاقهم. وانتقد ابنُ عطية (٤‏/‏٥٥٣) مستندًا إلى اللغة القول بأنّ ﴿أفمن﴾ للنبي ﷺ وما يترتب عليه بأنّه: «يضعفه قوله: ﴿أولئك﴾؛ فإنّا إذا جعلنا قوله: ﴿أفمن﴾ للنبي ﷺ وحدَه لم نجد في الآية مذكورين يُشار إليهم بذلك، ونحتاج في الآية إلى تَجَوُّز وتشبيه بقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء﴾ [الطلاق:١]، وهو شبه ليس بالقوي». وانتقد ابنُ تيمية (٤‏/‏٥١٣) مستندًا إلى الدلالة العقلية، وأحوال النُّزول، ودلالة الآية القولَ بأنّ الشاهد: جبريل عليه السلام، أو لسان محمد ﷺ، أو علي بن أبي طالب، فقال: «لأنّ كون شاهد الإنسان منه لا يقتضي أن يكون الشاهد صادقًا، فإنّه مثل شهادة الإنسان لنفسه، بخلاف ما إذا كان الشاهد مِن الله؛ فإنّ الله يكون هو الشاهد، وهذا كما قيل في قوله: ﴿قُلْ كَفى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ ومَن عِندَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ [الرعد:٤٣]: إنّه علي. فهذا ضعيف؛ لأنّ شهادة قريب له قد اتبعه على دينه ولم يهتدِ إلا به لا تكون برهانًا للصدق، ولا حُجَّة على الكفر، بخلاف شهادة مَن عنده علم الكتاب الأول؛ فإنّ هؤلاء شهادتهم برهان ورحمة... ومَن قال: إنّه جبريل، فجبريل لم يقل شيئًا مِن تلقاء نفسه، بل هو الذي بلَّغ القرآن عن الله، وجبريل يشهد أنّ القرآن منزل من الله، وأنه حق، كما قال: ﴿لَّكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِما أنزَلَ إليكَ أنزَلَهُ بِعِلْمِهِ والمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ وكَفى بِاللّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء:١٦٦]. والذي قال هو جبريل قال: ﴿يتلوه﴾ أي: يقرؤه، كما قال: ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة:١٨]، أي: إذا قرأه جبريل فاتِّبع ما قرأه، وقال: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم:٥]. ومن قال: الشاهد: لسانه، وجعل الضمير المذكور عائدًا على القرآن، ولم يذكر لأنّه جعل البينة هي القرآن، ولو كانت البينة هي القرآن لما احتاج إلى ذلك وقد قال: ﴿على بينة من ربه﴾ فقد ذكر أنّ القرآن من الله، وقد علم أنّه نزل به جبريل على محمد، وكلاهما بلغه وقرأه، فقوله: ﴿ويَتْلُوهُ﴾ جبريل أو محمد تكرير لا فائدة فيه، ولهذا لم يذكر مثل ذلك في القرآن. وأيضًا فكونه على القرآن لم نجد لذلك نظيرًا في القرآن؛ فإن القرآن كلام الله، وأحد لا يكون عليه، وإذا كان المراد على الإيمان بالقرآن والعمل به فهذا الذي ذكرناه: إن البينة هي الإيمان بما جاء به الرسول، وهو إخباره أنّه رسول الله، وأنّ الله أنزل القرآن عليه، ولَمّا أنزلت هذه السورة وهي مكية لم يكن قد نزل من القرآن قبلها إلا بعضه، وكان المأمور به حينئذ هو الإيمان بما نزل منه، فمَن آمن حينئذٍ بذلك ومات على ذلك كان مِن أهل الجنة، وأيضًا فتسمية جبريل شاهدًا لا نظير له في القرآن، وكذلك تسمية لسان الرسول شاهدًا، وتسمية علي شاهدًا، لا يوجد مثل ذلك في الكتاب والسنة... ومَن قال: إنّ الشاهد لسان محمد، فهو إنما أراد بهذا القول التلاوة، أي: أنّ لسان محمد يقرأ القرآن، وهو شاهد منه، أي: من نفسه؛ فإن لسانه جزء منه، وهذا القول ونحوه ضعيف. والله أعلم. هذا إن ثبت ذلك عمَّن نقل عنه، فإنّ هذا وضده ينقلان عن علي بن أبي طالب، وذلك أن طائفة من جهال الشيعة ظنُّوا أنّ عليًّا هو الشاهد منه، أي: من النبي ﷺ، كما قال له: «أنت مِنِّي، وأنا منك». وهذا قاله لغيره أيضًا، فقد ثبت في الصحيحين أنّه قال: «الأشعريون هم مِنِّي، وأنا منهم». وقال عن جُلَيْبِيب: «هذا مني، وأنا منه». وكل مؤمن هو مِن النبي ﷺ كما قال الخليل: ﴿فمن تبعني فإنه مني﴾ [إبراهيم:٣٦]. وقال: ﴿ومن لم يطعمه فإنه مني﴾ [البقرة:٢٤٩]. ورووا هذا القول عن عليٍّ نفسه، وروي عنه بإسناد أجود منه أنّه قال: كذب مَن قال هذا. قال ابن أبي حاتم: ذكر عن حسين بن زيد الطحان، ثنا إسحاق بن منصور، ثنا سفيان، عن الأعمش، عن المنهال، عن عباد بن عبد الله، قال: قال علي: ما مِن قريش أحد إلا نزلت فيه آية قيل فما أنزل فيك؟ قال: ﴿ويتلوه شاهد منه﴾. وهذا كَذِب على عليٍّ قطعًا. وإن ثبت النقل عن عبّاد هذا فإنّ له منكرات عنه، كقوله: أنا الصديق الأكبر، أسلمتُ قبل الناس بسبع سنين. وقد رووا عن عليٍّ ما يُعارِض ذلك، قال ابن أبي حاتم: ثنا أبي، ثنا عمرو بن علي الباهلي، ثنا محمد بن شواص، ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن عروة، عن محمد بن علي -يعني: ابن الحنفية- قال: قلت لأبي: يا أبة، ﴿ويتلوه شاهد منه﴾، إنّ الناس يقولون: إنّك أنت هو. قال: وددت لو أني أنا هو، ولكنه لسانه. قال ابن أبي حاتم: وروي عن الحسن وقتادة نحو ذلك. قلت: وقد تقدم عن الحسين ابنه أنّ الشاهد منه: هو محمد ﷺ. وإنّما تكلم علماء أهل البيت في أنّه محمد ﷺ ردًّا على مَن قال مِن الجهلة: إنه علي. فإنّ هذه السورة نزلت بمكة وعليٌّ كان إذ ذاك صغيرًا لم يبلغ، وكان مِمَّن اتبع الرسول، ولو كان ابن رسول الله ليس ابن عمه لم تكن شهادته تنفع، لا عند المسلمين ولا عند الكفار، بل مثل هذه الشهادة فيها تهمة القرابة، ولهذا كان أكثر العلماء على أنّ شهادة الوالد وشهادة الولد لوالده لا تقبل، فكيف يجعل مثل هذا حجة لنبوة محمد ﷺ مُؤَكِّدًا لها؟!»