محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٥٢ من سورة الحج في ١١٦ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٣٧ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٥٢ من سورة الحج

١١٦ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رّسُولٍ وَلاَ نَبِيّ إِلاّ إِذَا تَمَنّىَ أَلْقَى الشّيْطَانُ فِيَ أُمْنِيّتِهِ فَيَنسَخُ اللّهُ مَا يُلْقِي الشّيْطَانُ ثُمّ يُحْكِمُ اللّهُ آيَاتِهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
قيل : إن السبب الذي من أجله أنزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ، أن الشيطان كان ألقى على لسانه في بعض ما يتلوه مما أنزل الله عليه من القرآن ما لم ينزله الله عليه، فاشتدّ ذلك على رسول الله ﷺ واغتمّ به، فسلاّه الله مما به من ذلك بهذه الآيات. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا حجاج، عن أبي معشر، عن محمد بن كعب القُرَظيّ ومحمد بن قيس قالا : جلس رسول الله ﷺ في ناد من أندية قريش كثير أهله، فتمنى يومئذ أن لا يأتيه من الله شيء فينفروا عنه، فأنزل الله عليه : والنّجْمِ إذَا هَوَى ما ضَلّ صَاحِبُكُمْ وَما غَوَى فقرأها رسول الله ﷺ، حتى إذا بلغ : أفَرأيْتُمُ اللاّتَ والعُزّى وَمَناةَ الثالِثَةَ الأُخْرَى ألقى عليه الشيطان كلمتين :«تلك الغرانقة العُلَى، وإن شفاعتهنّ لتُرْجَى »، فتكلم بها. ثم مضى فقرأ السورة كلها. فسجد في آخر السورة، وسجد القوم جميعا معه، ورفع الوليد بن المغيرة ترابا إلى جبهته فسجد عليه، وكان شيخا كبيرا لا يقدر على السجود. فرضُوا بما تكلم به وقالوا : قد عرفنا أن الله يحيي ويميت وهو الذي يخلق ويرزق، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده، إذ جعلت لها نصيبا، فنحن معك قالا : فلما أمسى أتاه جبرائيل عليهما السلام فعرض عليه السورة فلما بلغ الكلمتين اللتين ألقى الشيطان عليه قال : ما جئتك بهاتين فقال رسول الله ﷺ :«افْتَرَيْتُ عَلى اللّهِ وقُلْتُ عَلى اللّهِ ما لَمْ يَقُلْ » فأوحى الله إليه : وَإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ، لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ. . . إلى قوله : ثُمّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرا. فما زال مغموما مهموما حتى نزلت عليه : وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيَ إلاّ إذَا تَمَنّى ألْقَى الشّيْطانُ فِي أُمْنِيّتهِ فَيَنْسَخُ اللّهُ ما يُلْقِي الشّيْطانُ ثُمّ يُحْكِمُ اللّهُ آياتِهِ وَاللّهُ عَليمٌ حَكِيمٌ. قال : فسمع من كان من المهاجرين بأرض الحبشة أن أهل مكة قد أسلموا كلهم، فرجعوا إلى عشائرهم وقالوا : هم أحبّ إلينا فوجدوا القوم قد ارتكسوا حين نسخ الله ما ألقى الشيطان.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن زياد المدنيّ، عن محمد بن كعب القُرظيّ قال : لما رأى رسول الله ﷺ تولّيَ قومه عنه، وشقّ عليه ما يرى من مباعدتهم ما جاءهم به من عند الله، تمنى في نفسه أن يأتيه من الله ما يقارب به بينه وبين قومه. وكان يسرّه، مع حبه وحرصه عليهم، أن يلين له بعض ما غلُظَ عليه من أمرهم، حين حدّث بذلك نفسه وتمنى وأحبه، فأنزل الله : والنّجْمِ إذَا هَوَى ما ضَلّ صَاحبُكُمْ وَما غَوَى فلما انتهى إلى قول الله : أفَرأيْتُمُ اللاّتَ والعُزّى وَمَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرَى ألقى الشيطان على لسانه، لما كان يحدّث به نفسه ويتمنى أن يأتي به قومه :«تلك الغرانيق العلَى، وإن شفاعتهن تُرْتَضى ». فلما سمعت قريش ذلك فرحوا وسرّهم، وأعجبهم ما ذكر به آلهتهم، فأصاخوا له، والمؤمنون مصدّقون نبيهم فيما جاءهم به عن ربهم، ولا يتهمونه على خط ولا وَهَم ولا زلل. فلما انتهى إلى السجدة منها وختم السورة، سجد فيها، فسجد المسلمون بسجود نبيهم، تصديقا لما جاء به واتباعا لأمره، وسجد من في المسجد من المشركين من قريش وغيرهم لما سمعوا من ذكر آلهتهم، فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر إلا سجد إلا الوليد بن المغيرة، فإنه كان شيخا كبيرا فلم يستطع، فأخذ بيده حفنة من البطحاء فسجد عليها. ثم تفرّق الناس من المسجد، وخرجت قريش وقد سرّهم ما سمعوا من ذكر آلهتهم، يقولون : قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر، وقد زعم فيما يتلو أنها الغرانيق العُلَي وأن شفاعتهنّ ترتضى وبلغت السجدة من بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله ﷺ، وقيل : أسلمت قريش. فنهضت منهم رجال، وتخلّف آخرون. وأتى جبرائيل النبيّ ﷺ، فقال : يا محمد ماذا صنعت ؟ لقد تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله، وقلت ما لم يُقَلْ لك فحزن رسول الله ﷺ عند ذلك، وخاف من الله خوفا كبيرا، فأنزل الله تبارك وتعالى عليه وكانَ بِهِ رَحِيما يعزّيه ويخفّض عليه الأمر ويخبره أنه لم يكن قبله رسول ولا نبيّ تمنى كما تمنى ولا أحبّ كما أحبّ إلا والشيطان قد ألقى في أمنيته كما ألقى على لسانه ﷺ، فنسخ الله ما ألقى الشيطان وأحكم آياته، أي فأنت كبعض الأنبياء والرسل فأنزل الله : وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نِبَيّ إلاّ إذَا تَمَنّى ألْقَى الشّيْطانُ فِي أُمِنيّتِهِ. . . الاَية. فأذهب الله عن نبيه الحزن، وأمنه من الذي كان يخاف، ونسخ ما ألقى الشيطان على لسانه من ذكر آلهتهم أَنهّا الغرانيق العُلَى وأن شفاعتهنّ ترتضى. يقول الله حين ذكر اللات والعُزّى ومناة الثالثة الأخرى، إلى قوله : وكَمْ منْ مَلَكٍ فِي السّمَوَاتِ لا تُغْنى شَفاعَتُهُمْ شَيْئا إلاّ مِنْ بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللّهِ لمَنْ يَشاءُ وَيَرْضَى، أي فكيف تنفع شفاعة آلهتكم عنده. فلما جاءه من الله ما نسخ ما كان الشيطان ألقى على لسان نبيه، قالت قريش : ندم محمد على ما كان من منزلة آلهتكم عند الله، فغير ذلك وجاء بغيره وكان ذلك الحرفان اللذان ألقى الشيطان على لسان رسوله قد وقعا في فم كل مشرك، فازدادوا شرّا إلى ما كانوا عليه.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا المعتمر، قال : سمعت داود، عن أبي العالية، قال : قالت قريش لرسول الله ﷺ : إنما جلساؤك عبد بني فلان ومولى بني فلان، فلو ذكرت آلهتنا بشيء جالسناك، فإنه يأتيك أشراف العرب فإذا رأوا جلساءك أشراف قومك كان أرغب لهم فيك قال : فألقى الشيطان في أمنيته، فنزلت هذه الاَية : أفَرأيْتُمُ اللاّتَ والعُزّى وَمَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرَى قال : فأجرى الشيطان على لسانه :«تلك الغرانيق العُلَى، وشفاعتهن ترجى، مثلهن لا يُنسى ». قال : فسجد النبيّ ﷺ حين قرأها، وسجد معه المسلمون والمشركون. فلما علم الذي أُجْرِي على لسانه، كبر ذلك عليه، فأنزل الله : وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نِبَيّ إلاّ إذَا تَمَنّى ألْقَى الشّيْطانُ فِي أُمْنِيّتِهِ. . . إلى قوله : وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا أبو الوليد، قال : حدثنا حماد بن سلمة، عن داود بن أبي هند، عن أبي العالية قال : قالت قريش : يا محمد إنما يجالسك الفقراء والمساكين وضعفاء الناس، فلو ذكرت آلهتنا بخير لجالسناك فإن الناس يأتونك من الآفاق فقرأ رسول الله ﷺ سورة النجم فلما انتهى على هذه الاَية : أفَرأيْتُمُ اللاّتَ والعُزّى وَمَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرَى فألقى الشيطان على لسانه :«وهي الغرانقة العلى، وشفاعتهن ترتجى ». فلما فرغ منها سجد رسول الله ﷺ والمسلمون والمشركون، إلا أبا أُحَيحة سعيد بن العاص، أخذ كفّا من تراب وسجد عليه وقال : قد آن لابن أبي كبشة أن يذكر آلهتنا بخير حتى بلغ الذين بالحبشة من أصحاب رسول الله ﷺ من المسلمين أن قريشا قد أسلمت، فاشتدّ على رسول الله ﷺ ما ألقى الشيطان على لسانه، فأنزل الله : وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نِبَيّ. . . إلى آخر الاَية.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبير، قال : لما نزلت هذه الاَية : أفَرأيْتُمُ اللاّتَ والعُزّى قرأها رسول الله ﷺ، فقال :«تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهنّ لترتجى ». فسجد رسول الله ﷺ. فقال المشركون : إنه لم يذكر آلهتكم قبل اليوم بخير فسجد المشركون معه، فأنزل الله : وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نِبَيّ إلاّ إذَا تَمَنّى ألْقَى الشّيْطانُ فِي أُمْنِيّتِهِ. . . إلى قوله : عَذَابَ يَوْمٍ عَقِيم.
حدثنا ابن المثنى، قال : ثني عبد الصمد، قال : حدثنا شعبة، قال : حدثنا أبو بشر، عن سعيد بن جُبير قال : لما نزلت : أفَرأيْتُمُ اللاّتَ والعُزّى، ثم ذكر نحوه.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نِبَيّ إلاّ إذَا تَمَنّى ألْقَى الشّيْطانُ فِي أُمْنِيّتِهِ إلى قوله : وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وذلك أن نبيّ الله ﷺ بينما هو يصلي، إذ نزلت عليه قصة آلهة العرب، فجعل يتلوها فسمعه المشركون فقالوا : إنا نسمعه يذكر آلهتنا بخير فدنَوا منه، فبينما هو يتلوها وهو يقول : أفَرأيْتُمُ اللاّتَ والعُزّى وَمَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرَى ألقى الشيطان :«إن تلك الغرانيق العلى، منها الشفاعة ترتجى ». فجعل يتلوها، فنزل جبرائيل عليه السلام فنسخها، ثم قال له : وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نِبَيّ إلاّ إذَا تَمَنّى ألْقَى الشّيْطانُ فِي أُمْنِيّتِهِ. . . إلى قوله : وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نِبَيَ. . . الاَية أن نبيّ الله ﷺ وهو بمكة، أنزل الله عليه في آلهة العرب، فجعل يتلو اللات والعزّى ويكثر ترديدها. فسمع أهل مكة نبيّ الله يذكر آلهتهم، ففرحوا بذلك، ودنوا يستمعون، فألقى الشيطان في تلاوة النبيّ ﷺ :«تلك الغرانيق العلى، منها الشفاعة ترتجى ». فقرأها النبيّ ﷺ كذلك، فأنزل الله عليه : وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ. . . إلى : وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أنه سئل عن قوله : وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيّ. . . الاَية، قال ابن شهاب : ثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث. أن رسول الله ﷺ وهو بمكة قرأ عليهم : والنّجْمِ إذَا هَوَى، فلما بلغ : أفَرأيْتُمُ اللاّتَ والعُزّى وَمَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرَى قال :«إن شفاعتهن ترتجَى ». وسها رسول الله ﷺ. فلقيه المشركون الذين في قلوبهم مرض، فسلموا عليه، وفرحوا بذلك، فقال لهم :
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
مكة والبصرة، فإنه قرأه: "مُعَجِّزِينَ" بتشديد الجيم بغير ألف، بمعنى أنهم عجزوا الناس وثبطوهم عن اتباع رسول الله ﷺ والإيمان بالقرآن.
*ذكر من قال ذلك كذلك من قراءته: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: "مُعَجِّزِينَ" قال: مبطِّئين يبطِّئون الناس عن اتباع النبيّ صلى الله عليه وسلم.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.
والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء، متقاربتا المعنى; وذلك أن من عجز عن آيات الله، فقد عاجز الله، ومن معاجزة الله التعجيز عن آيات الله، والعمل بمعاصيه وخلاف أمره، وكان من صفة القوم الذين أنزل الله هذه الآيات فيهم أنهم كانوا يبطِّئون الناس عن الإيمان بالله، واتباع رسوله، ويغالبون رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحسبون أنهم يعجزونه ويغلبونه، وقد ضمن الله له نصره عليهم، فكان ذلك معاجزتهم الله. فإذ كان ذلك كذلك، فبأي القراءتين قرأ القارئ فمصيب الصواب في ذلك.
وأما المعاجزة فإنها المفاعلة من العجز، ومعناه: مغالبة اثنين، أحدهما صاحبه أيهما يعجزه فيغلبه الآخر ويقهره.
وأما التعجيز: فإنه التضعيف وهو التفعيل من العجز. وقوله: (أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) يقول: هؤلاء الذين هذه صفتهم هم سكان جهنم يوم القيامة وأهلها الذين هم أهلها.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢)﴾
قيل: إن السبب الذي من أجله أنزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن الشيطان كان ألقي على لسانه في بعض ما يتلوه مما أنزل الله عليه من القرآن ما لم ينزله الله عليه، فاشتدّ ذلك على رسول الله ﷺ واغتمَّ به، فسلاه الله مما به من ذلك بهذه الآيات.
*ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن أبي معشر، عن محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس قالا جلس رسول الله ﷺ في ناد من أندية قريش كثير أهله، فتمنى يومئذ أن لا يأتيه من الله شيء فينفروا عنه، فأنزل الله عليه: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى) فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا بلغ: (أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأخْرَى) ألقى عليه الشيطان كلمتين: تلك الغرانقة العلى، وإن شفاعتهنّ لترجى، فتكلم بها. ثم مضى فقرأ السورة كلها. فسجد في آخر السورة، وسجد القوم جميعا معه، ورفع الوليد بن المغيرة ترابا إلى جبهته فسجد عليه، وكان شيخا كبيرا لا يقدر على السجود. فرضوا بما تكلم به وقالوا: قد عرفنا أن الله يحيي ويميت، وهو الذي يخلق ويرزق، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده، إذ جعلت لها نصيبا، فنحن معك، قالا فلما أمسى أتاه جبرائيل عليه السلام، فعرض عليه السورة; فلما بلغ الكلمتين اللتين ألقى الشيطان عليه قال: ما جئتك بهاتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: افْتَرَيْتُ عَلى الله، وَقُلْتُ عَلى الله ما لَمْ يَقُلْ، فأوحى الله إليه: (وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ)... إلى قوله: (ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا). فما زال مغموما مهموما حتى نزلت عليه: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ). قال: فسمع من كان من المهاجرين بأرض الحبشة أن أهل مكة قد أسلموا كلهم، فرجعوا إلى عشائرهم وقالوا: هم أحبّ إلينا، فوجدوا القوم قد ارتكسوا حين نسخ الله ما ألقى الشيطان.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن زياد المدني، عن محمد بن كعب القرظي قال: لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم
تولي قَومه عنه، وشقّ عليه ما يرى من مباعدتهم ما جاءهم به من عند الله، تمنى في نفسه أن يأتيه من الله ما يقارب به بينه وبين قومه. وكان يسرّه، مع حبه وحرصه عليهم، أن يلين له بعض ما غلظ عليه من أمرهم، حين حدّث بذلك نفسه، وتمنى وأحبه، فأنزل الله: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى) فلما انتهى إلى قول الله: (أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأخْرَى) ألقى الشيطان على لسانه، لما كان يحدّث به نفسه ويتمنى أن يأتي به قومه، تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن ترتضى، فلما سمعت قريش ذلك فرحوا وسرّهم، وأعجبهم ما ذكر به آلهتهم، فأصاخوا له، والمؤمنون مصدقون نبيهم فيما جاءهم به عن ربهم، ولا يتهمونه على خطأ ولا وهم ولا زلل؛ فلما انتهى إلى السجدة منها وختم السورة سجد فيها، فسجد المسلمون بسجود نبيهم تصديقا لما جاء به واتباعا لأمره، وسجد من في المسجد من المشركين، من قريش وغيرهم لما سمعوا من ذكر آلهتهم، فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر إلا سجد إلا الوليد بن المغيرة، فإنه كان شيخا كبيرا فلم يستطع، فأخذ بيده حفنة من البطحاء فسجد عليها. ثم تفرّق الناس من المسجد، وخرجت قريش وقد سرّهم ما سمعوا من ذكر آلهتهم، يقولون: قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر، وقد زعم فيما يتلو أنها الغرانيق العلى، وأن شفاعتهنّ ترتضى، وبلغت السجدة من بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: أسلمت قريش. فنهضت منهم رجال، وتخلَّف آخرون. وأتى جبرائيل النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد ماذا صنعت؟ لقد تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله، وقلت ما لم يُقل لك، فحزن رسول الله ﷺ عند ذلك، وخاف من الله خوفا كبيرا فأنزل الله تبارك وتعالى عليه (وكانَ بِهِ رَحِيما) يعزّيه ويخفض عليه الأمر، ويخبره أنه لم يكن قبله رسول ولا نبيّ تمنى كما تمنى ولا حبّ كما أحبّ إلا والشيطان قد ألقى في أمنيته، كما ألقى على لسانه صلى الله عليه وسلم، فنسخ الله ما ألقى الشيطان وأحكم آياته، أي فأنت كبعض الأنبياء والرسل، فأنزل الله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ)... الآية، فأذهب الله عن نبيه الحزن، وأمنه من الذي كان يخاف، ونسخ ما ألقى الشيطان على لسانه من ذكر آلهتهم، أنها الغرانيق العلى، وأن شفاعتهنّ ترتضى. يقول الله حين ذكر اللات والعُزَّى ومناة الثالثة الأخرى، إلى قوله: (وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى)، أي فكيف تمنع شفاعة آلهتكم عنده؛ فلما جاءه من الله ما نسخ ما كان الشيطان ألقى على لسان نبيه، قالت قريش: ندم محمد على ما كان من منزلة آلهتكم عند الله، فغير ذلك وجاء بغيره، وكان ذلك الحرفان اللذان ألقى الشيطان على لسان رسوله قد وقعا في فم كل مشرك، فازدادوا شرّا إلى ما كانوا عليه.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر، قال: سمعت داود، عن أبي العالية، قال: قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما جلساؤك عبد بني فلان ومولى بني فلان، فلو ذكرت آلهتنا بشيء جالسناك، فإنه يأتيك أشراف العرب فإذا رأوا جلساءك أشراف قومك كان أرغب لهم فيك، قال: فألقى الشيطان في أمنيته، فنزلت هذه الآية: (أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأخْرَى) قال: فأجرى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى، وشفاعتهن ترجى، مثلهن لا يُنسى؛ قال: فسجد النبيّ حين قرأها، وسجد معه المسلمون والمشركون؛ فلما علم الذي أجرى على لسانه، كبر ذلك عليه، فأنزل الله (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ)... إلى قوله: (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن داود بن أبي هند، عن أبي العالية قال: قالت قريش: يا محمد إنما يجالسك الفقراء والمساكين وضعفاء الناس، فلو ذكرت آلهتنا بخير لجالسناك فإن الناس يأتونك من الآفاق، فقرأ رسول الله ﷺ سورة النجم; فلما انتهى على هذه الآية (أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأخْرَى) فألقى الشيطان على لسانه: وهي الغرانقة العلى، وشفاعتهن ترتجى؛ فلما فرغ منها سجد رسول الله ﷺ ووالمسلمون والمشركون، إلا أبا أحيحة سعيد بن العاص، أخذ كفا من تراب وسجد عليه; وقال: قد أن لابن أبي كبشة أن يذكر آلهتنا بخير حتى بلغ الذين بالحبشة من أصحاب رسول الله ﷺ من المسلمين أن قريشا قد أسلمت، فاشتدّ على رسول الله ﷺ ما ألقى الشيطان على لسانه، فأنزل الله (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ)... إلى آخر
الآية.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبير، قال: لما نزلت هذه الآية: (أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى) قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى. فسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال المشركون: أنه لم يذكر آلهتكم قبل اليوم بخير، فسجد المشركون معه، فأنزل الله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ)... إلى قوله: (عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ).
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنى عبد الصمد، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا أبو بشر، عن سعيد بن جُبير قال: لما نزلت: (أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى) ثم ذكر نحوه.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ) إلى قوله: (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) وذلك أن نبيّ الله ﷺ بينما هو يصلي، إذ نزلت عليه قصة آلهة العرب، فجعل يتلوها; فسمعه المشركون فقالوا: إنا نسمعه يذكر آلهتنا بخير، فدنوا منه، فبينما هو يتلوها وهو يقول: (أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأخْرَى) ألقى الشيطان: إن تلك الغرانيق العلى، منها الشفاعة ترتجى. فجعل يتلوها، فنزل جبرائيل عليه السلام فنسخها، ثم قال له: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ) إلى قوله: (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي)... الآية; أن نبيّ الله ﷺ وهو بمكة، أنزل الله عليه في آلهة العرب، فجعل يتلو اللات والعزّى ويكثر ترديدها. فسمع أهل مكة نبيّ الله يذكر آلهتهم، ففرحوا بذلك، ودنوا يستمعون، فألقى الشيطان في تلاوة النبيّ صلى الله عليه وسلم: تلك الغرانيق العلى، منها الشفاعة ترتجى، فقرأها النبيّ
صلى الله عليه وسلم كذلك، فأنزل الله عليه: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَى وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).
حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أنه سئل عن قوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ)... الآية، قال ابن شهاب: ثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، أن رسول الله ﷺ وهو بمكة قرأ عليهم: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى)، فلما بلغ (أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأخْرَى) قال: إن شفاعتهن ترتجى. وسها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلقيه المشركون الذين في قلوبهم مرض، فسلموا عليه، وفرحوا بذلك، فقال لهم: إنما ذلك من الشيطان. فأنزل الله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ)... حتى بلغ: (فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ).
فتأويل الكلام: ولم يرسل يا محمد من قبلك من رسول إلى أمة من الأمم، ولا نبيّ محدث ليس بمرسل، إلا إذا تمنى.
واختلف أهل التأويل في معنى قوله تمنى في هذا الموضع، وقد ذكرت قول جماعة ممن قال: ذلك التمني من النبيّ ﷺ ما حدثته نفسه من محبته، مقاربة قومه في ذكر آلهتهم ببعض ما يحبون، ومن قال ذلك محبة منه في بعض الأحوال أن لا تذكر بسوء.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: إذا قرأ وتلا أو حدّث.
*ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: (إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ) يقول: إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: (إِذَا تَمَنَّى) قال: إذا قال.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
قد ذكر كثير من المفسرين هاهنا قصة الغَرَانيق، وما كان من رجوع كثير من المهاجرة إلى أرض الحبشة، ظَنا منهم أن مشركي قريش قد أسلموا. ولكنها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح، والله أعلم.
قال ابن أبي حاتم : حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا شعبة، عن أبي بِشْر، عن سعيد بن جُبَيْر، قال : قرأ رسول الله ﷺ بمكة " النجم " فلما بلغ هذا الموضع :﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى. وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأخْرَى﴾ قال : فألقى الشيطان على لسانه :" تلك الغَرَانيق العلى. وإن شفاعتهن(١) ترتجى ". قالوا : ما ذكر آلهَتنا بخير قبل اليوم. فسجَدَ وسجدوا، فأنزل الله عز وجل هذه الآية :﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ] (٢)
رواه ابن جرير، عن بُنْدَار، عن غُنْدَر، عن شعبة، به نحوه(٣)، وهو مرسل، وقد رواه البزار في مسنده، عن يوسف بن حماد، عن أمية بن خالد، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس - فيما أحسب، الشك في الحديث - أن النبي ﷺ قرأ بمكة سورة " النجم "، (٤) حتى انتهى إلى :﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى﴾، وذكر بقيته. ثم قال البزار : لا يروى متصلا إلا بهذا الإسناد، تفرد بوصله أمية بن خالد، وهو ثقة مشهور. وإنما يُروى هذا من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس(٥).
ثم رواه ابن أبي حاتم، عن أبي العالية، وعن السدي، مرسلا. وكذا رواه ابن جرير، عن محمد بن كعب القرظي، ومحمد بن قيس، مرسلا أيضا(٦).
وقال قتادة : كان النبي ﷺ [ يصلي ](٧) عند المقام إذ نَعَس، فألقى الشيطان على لسانه " وإن شفاعتها لترتجى. وإنها لمع الغرانيق العلى "، فحفظها المشركون. وأجرى الشيطان أن نبي الله قد قرأها، فزَلَّت بها ألسنتهم، فأنزل الله :﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ [ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى ] (٨) الآية، فدَحَرَ الله الشيطان.
ثم قال ابن أبي حاتم : حدثنا موسى بن أبي موسى الكوفي، حدثنا محمد بن إسحاق المُسَيَّبِي، حدثنا محمد بن فُلَيْح، عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب قال : أنزلت سورة النجم، وكان المشركون يقولون : لو كان هذا الرجل يذكر آلهتنا بخير أقررناه وأصحابه، ولكنه لا يذكر من خالف دينه من اليهود والنصارى بمثل الذي يذكر آلهتنا من الشتم والشر. وكان رسول الله ﷺ قد اشتد عليه ما ناله وأصحابه من أذاهم وتكذيبهم، وأحزنه ضلالهم، فكان(٩) يتمنى هُداهم، فلما أنزل الله سورة " النجم " قال :﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى. وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأخْرَى. أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأنْثَى﴾ ألقى الشيطان عندها كلمات حين ذكر الله الطواغيت، فقال :" وإنهن لهن الغرانيق العلى. وإن شفاعتهن لهي التي ترتجى(١٠) ". وكان ذلك من سجع الشيطان وفتنته، فوقعت هاتان الكلمتان في قلب كل مشرك بمكة، وزلت بها ألسنتهم، وتباشروا بها، وقالوا : إن محمدا، قد رجع إلى دينه الأول، ودين قومه. فلما بلغ رسول الله ﷺ [ آخر النجم ](١١) سجد وسجد كل من حضره من مسلم أو مشرك. غير أن الوليد بن المغيرة كان رجلا كبيرا، فرفع على(١٢) كفه ترابا فسجد عليه. فعجب الفريقان كلاهما(١٣) من جماعتهم في السجود، لسجود رسول الله ﷺ، فأما المسلمون فعجبوا لسجود المشركين معهم على غير إيمان ولا يقين - ولم يكن المسلمون سمعوا الآية التي(١٤) ألقى الشيطان في مسامع المشركين - فاطمأنت أنفسهم لما ألقى الشيطانُ في أمنية رسول الله ﷺ، وحدثهم به الشيطان أن رسول الله ﷺ قد قرأها في السورة، فسجدوا لتعظيم آلهتهم. ففشت تلك الكلمة في الناس، وأظهرها الشيطان، حتى بلغت أرض الحبشة ومن بها من المسلمين، عثمان بن مظعون وأصحابه، وتحدثوا أن أهل مكة قد أسلموا كلهم، وصلوا مع رسول الله ﷺ، وبلغهم سجود الوليد بن المغيرة على التراب على كفه، وحُدِّثوا أن المسلمين قد أمنوا بمكة فأقبلوا سراعا وقد نسخ الله ما ألقى الشيطان، وأحكم الله آياته، وحفظه(١٥) من الفرية، وقال [ تعالى ](١٦) :﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾، فلما بين الله قضاءه، وبرأه من سجع الشيطان، انقلب المشركون بضلالهم(١٧) وعداوتهم المسلمين، واشتدوا عليهم. وهذا أيضًا مرسل.
وفي تفسير ابن جرير عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، نحوه(١٨). وقد رواه الإمام(١٩) أبو بكر البيهقي في كتابه " دلائل النبوة " فلم يَجُزْ به موسى بن عقبة، ساقه في مغازيه بنحوه، قال : وقد روينا عن ابن إسحاق هذه القصة.
قلت : وقد ذكرها محمد بن إسحاق في السيرة بنحو من هذا، وكلها مرسلات ومنقطعات، فالله أعلم. وقد ساقها البغوي في تفسيره مجموعة من كلام ابن عباس، ومحمد بن كعب القُرَظِيّ، وغيرهما بنحو من ذلك، ثم سأل هاهنا سؤالا كيف وقع مثل هذا مع العصمة المضمونة من الله لرسوله، صلوات الله وسلامه عليه ؟ ثم حكى أجوبة عن الناس، من ألطفها : أن الشيطان أوقع في مسامع المشركين ذلك، فتوهموا أنه صدر عن رسول الله ﷺ، وليس كذلك في نفس الأمر، بل إنما كان من صنيع الشيطان لا من رسول الرحمن ﷺ، والله أعلم(٢٠).
وهكذا تنوعت أجوبة المتكلمين عن هذا بتقدير صحته. وقد تعرض القاضي عياض، رحمه الله، في كتاب " الشفاء " لهذا، وأجاب بما حاصله(٢١).
وقوله :﴿إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾، هذا فيه تسلية له، صلوات الله وسلامه عليه(٢٢)، أي : لا يَهيدنّك ذلك، فقد أصاب مثل هذا من قبلك من المرسلين والأنبياء.
قال البخاري : قال ابن عباس :﴿فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه، فيبطل الله ما يلقي الشيطان ويحكم الله آياته.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس :﴿إِذَا تَمَنَّى [ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾، يقول : إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه.
وقال مجاهد :﴿إِذَا تَمَنَّى﴾ (٢٣) ] يعني : إذا قال.
ويقال :﴿أُمْنِيَّتِهِ﴾ : قراءته، ﴿إِلا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨]، يقولون ولا يكتبون.
قال البغوي : وأكثر المفسرين قالوا : معنى قوله :﴿تَمَنَّى﴾ أي : تلا وقرأ كتاب الله، ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ أي : في تلاوته، قال الشاعر في عثمان حين قتل :
تَمَنّى كتَابَ الله أوّل لَيْلةوآخرَها لاقَى حمَامَ المَقَادرِ(٢٤)
وقال الضحاك :﴿إِذَا تَمَنَّى﴾ : إذا تلا.
قال ابن جرير : هذا القول أشبه بتأويل الكلام.
وقوله :﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾، حقيقة النسخ لغة : الإزالة والرفع.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس : أي فيبطل الله - سبحانه وتعالى - ما ألقى الشيطان.
وقال الضحاك : نسخ جبريل بأمر الله ما ألقى الشيطان، وأحكم الله آياته.
وقوله :﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ(٢٥)، [ أي : بما يكون من الأمور والحوادث، لا تخفى عليه خافية ](٢٦)، ﴿حَكِيمٌ﴾ أي : في تقديره وخلقه وأمره، له الحكمة التامة والحجة البالغة ؛ ولهذا قال :﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أي : شك وشرك وكفر ونفاق، كالمشركين حين فرحوا بذلك، واعتقدوا أنه صحيح، وإنما كان من الشيطان.
قال ابن جريج :﴿لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ هم : المنافقون ﴿وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ : المشركون.
وقال مقاتل بن حيان : هم [ الكافرون ](٢٧) اليهود.
﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ أي : في ضلال ومخالفة وعناد بعيد، أي : من الحق والصواب.
١ - في ت، ف :"شفاعتهم"..
٢ - زيادة من ف، أ وفي ت :"الآية"..
٣ - تفسير الطبري (١٧/١٣٣)..
٤ - في ف، أ :"لا نعلمه"..
٥ - مسند البزار برقم (٢٢٦٣) "كشف الأستار"..
٦ - تفسير الطبري (١٧/١٣١)..
٧ - زيادة من أ..
٨ - زيادة من ف، أ..
٩ - في ف :"وكان"..
١٠ - في أ :"ترجى"..
١١ - زيادة من ف، أ..
١٢ - في ت، أ :"ملء"..
١٣ - في ت :"الفريقان منهما كلاهما"..
١٤ - في أ :"الذي"..
١٥ - في ت، أ :"وحفظه الله"..
١٦ - زيادة من ف، أ..
١٧ - في ف :"بضلالتهم"..
١٨ - تفسير الطبري (١٧/١٣٣)..
١٩ - في أ :"الحافظ"..
٢٠ - معالم التنزيل للبغوي (٥/٣٩٤)..
٢١ - كذا في جميع النسخ وكلام القاضي عياض في الشفاء (٢/١٠٧) أذكره مختصرا له، قال رحمه الله :"فاعلم، أكرمك الله أن لنا في الكلام على مشكل هذا الحديث مأخذين : أحدهما : في توهين أصله. والثانى : على تسليمه. أما المأخذ الأول : فيكفيك أن هذا حديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة ولا رواه ثقة بسند سليم متصل.. وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم. وصدق القاضي بكر بن العلاء المالكي حيث قال : لقد بلي الناس ببعض أهل الأهواء والتفسير، وتعلق بذلك الملحدون مع ضعف نقلته، واضطراب رواياته، وانقطاع إسناده، واختلاف كلماته، فقائل يقول : إنه في الصلاة، وآخر يقول : قالها في نادي قومه حين أنزلت عليه السورة، وآخر يقول : قالها وقد أصابته سنة، وآخر بقول : بل حدث نفسه فسها، وآخر يقول : إن الشيطان قالها على لسانه وإن النبي ﷺ لما عرضها على جبريل قال : ما هكذا أقرأتك، وآخر يقول : بل أعلمهم الشيطان أن النبي - ﷺ - قرأها فلما بلغ النبي ﷺ ذلك قال: "والله ما هكذا أنزلت". إلى غير ذلك من اختلاف الرواة. ومن حكيت هذه الحكاية عنه من المفسرين والتابعين لم يسندها أحد منهم ولا رفعها إلى صاحب، وأكثر الطرق عنهم فيها ضعيفة واهية. والمرفوع فيه حديث شعبة عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال : فيما أحسب - الشك في الحديث أن النبي - ﷺ - كان بمكة وذكر القصة. قال أبو بكر البزار : هذا لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ بإسناد متصل يجوز ذكره إلا هذا، ولم يسنده عن شعبة إلا أمية بن خالد، وغيره يرسله عن سعيد بن جبير، وإنما يعرف عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس. فقد بين لك أبو بكر، رحمه الله، أنه لا يعرف من طريق يجوز ذكره سوى هذا، وفيه من الضعف ما نبه عليه مع وقوع الشك فيه كما ذكرناه الذي لا يوثق به ولا حقيقة معه. أما حديث الكلبي فمما لا تجوز الرواية عنه ولا ذكره لقوة ضعفه وكذبه، كما أشار إليه البزار، رحمه الله. والذي منه في الصحيح : أن النبي ﷺ قرأ "والنجم" وهو بمكة فسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس هذا توهينه من طريق النقل. أما من جهة المعنى، فقد قامت الحجة وأجمعت الأمة على عصمته ﷺ، ونزاهته عن مثل هذه الرذيلة، إما من تمنيه أن ينزل عليه مثل هذا من مدح آلهة غير الله وهو كفر أو يتسور عليه الشيطان ويشبه عليه القرآن حتى يجعل فيه ما ليس منه ويعتقد النبي ﷺ أن من القرآن ما ليس منه حتى ينبهه جبريل - عليه السلام -، وذلك كله ممتنع في حقه صلى الله عليه وسلم. أو يقول ذلك النبي ﷺ من قبل نفسه عمدا وذلك كفر، أو سهوا وهو معصوم من هذا كله. ووجه ثان : هو استحالة هذه القصة نظرا وعرفا، وذلك أن هذا الكلام لو كان كما روى لكان بعيد الالتئام، متناقض الأقسام، ممتزج المدح بالذم، متخاذل التأليف والنظم، ولما كان النبي ﷺ ولا من بحضرته من المسلمين وصناديد المشركين ممن يخفى عليه ذلك. وهذا لا يخفى على أدنى متأمل فكيف بمن رجح حلمه، واتسع في باب البيان ومعرفة فصيح الكلام علمه!!ووجه ثالث : أنه قد علم من عادة المنافقين، ومعاندي المشركين، وضعفة القلوب، والجهلة من المسلمين، نفورهم لأول وهلة، وتخليط العدو على النبي ﷺ لأقل فتنة، وتعيرهم المسلمين والشماتة بهم الفينة بعد الفينة وارتداد من في قلبه مرض ممن أظهر الإسلام لأدنى شبهة... ولم يحك أحد في هذه القصة شيئا سوى هذه الرواية الضعيفة. ووجه رابع : ذكر الرواة لهذه القضية أن فيها نزلت " وإن كادوا ليفتنونك.. " الآيتين. وهاتان الآيتان تردان الخبر الذي رووه؛ لأن الله تعالى ذكر أنهم كادوا يفتنونه، حتى يفتري وأنه لولا أن ثبته لكاد يركن إليهم. فمضمون هذا ومفهومه : أن الله تعالى عصمه من أن يفتري، وثبته حتى لم يركن اليهم قليلا فكيف كثيرا وهم يروون في أخبارهم الواهية أنه زاد على الركون والافتراء بمدح آلهتهم وأنه قال ﷺ : افتريت على الله وقلت ما لم يقل وهذا ضد مفهوم الآية وهي تضعف الحديث لو صح، فكيف ولا صحة له، وهذا مثل قوله تعالى في الآية الأخرى :" ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء ". وأما المأخذ الثاني : فهو مبني على تسليم الحديث لو صح. وقد أعاذنا الله من صحته، ولكن على كل حال فقد أجاب عن ذلك أئمة المسلمين بأجوبة منها الغث والسمين. ثم ذكر الأجوبة على ذلك (٢/١١١ - ١١٤) وممن أنكرها الإمام ابن خزيمة وقال :"هذا من وضع الزنادقة" وهذا هو الصواب. للاستزادة : انظر : الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير ص - ٣١٤ لمحمد أبي شهبة، ونصب المجانيق لإبطال قصة الغرانيق لمحمد ناصر الدين الألباني..
٢٢ - في ف، أ :"عليه وسلامه"..
٢٣ - زيادة من ف، أ..
٢٤ - البيت في اللسان، مادة (منى) غير منسوب..
٢٥ - في ف، أ :"عليم حكيم"..
٢٦ - زيادة من ت.
.

٢٧ - زيادة من ت..

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
يخبر تعالى بحكمته البالغة، واختياره لعباده، وأن الله ما أرسل قبل محمد ﴿مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾ أي : قرأ قراءته، التي يذكر بها الناس، ويأمرهم وينهاهم، ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ أي : في قراءته، من طرقه ومكايده، ما هو مناقض لتلك القراءة، مع أن الله تعالى قد عصم الرسل بما يبلغون عن الله، وحفظ وحيه أن يشتبه، أو يختلط بغيره. ولكن هذا الإلقاء من الشيطان، غير مستقر ولا مستمر، وإنما هو عارض يعرض، ثم يزول، وللعوارض أحكام، ولهذا قال :﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ أي : يزيله ويذهبه ويبطله، ويبين أنه ليس من آياته، و ﴿يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ أي : يتقنها، ويحررها، ويحفظها، فتبقى خالصة من مخالطة إلقاء الشيطان، ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ أي : كامل القوة والاقتدار، فبكمال قوته، يحفظ وحيه، ويزيل ما تلقيه الشياطين، ﴿حَكِيمٌ﴾ يضع الأشياء مواضعها، فمن كمال حكمته، مكن الشياطين من الإلقاء المذكور، ليحصل ما ذكره بقوله :﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً﴾
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{٥٢ - ٥٧} ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِي الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾.
يخبر تعالى بحكمته البالغة، واختياره لعباده، وأن الله ما أرسل قبل محمد ﴿مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى﴾ أي: قرأ قراءته، التي يذكر بها الناس، ويأمرهم وينهاهم، ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ أي: في قراءته، من طرقه ومكايده، ما هو مناقض لتلك القراءة، مع أن الله تعالى قد عصم الرسل بما يبلغون عن الله، وحفظ وحيه أن يشتبه، أو يختلط بغيره. ولكن هذا الإلقاء من الشيطان، غير مستقر ولا مستمر، وإنما هو عارض يعرض، ثم يزول، وللعوارض أحكام، ولهذا قال: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ أي: يزيله ويذهبه ويبطله، ويبين أنه ليس من آياته، و ﴿يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ أي: يتقنها، ويحررها، ويحفظها، فتبقى خالصة من مخالطة إلقاء الشيطان، ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ أي: كامل القوة والاقتدار، فبكمال قوته، يحفظ وحيه، ويزيل ما تلقيه الشياطين، ﴿حَكِيمٌ﴾ يضع الأشياء مواضعها، فمن كمال حكمته، مكن الشياطين من الإلقاء المذكور، ليحصل ما ذكره بقوله: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً﴾ لطائفتين من الناس، لا يبالي الله بهم، وهم الذين ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أي: ضعف وعدم إيمان تام وتصديق جازم، فيؤثر في قلوبهم أدنى شبهة تطرأ عليها، فإذا سمعوا ما ألقاه الشيطان، داخلهم الريب والشك، فصار فتنة لهم.
﴿وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: الغليظة، التي لا يؤثر فيها زجر ولا تذكير، ولا تفهم عن الله وعن رسوله لقسوتها، فإذا سمعوا ما ألقاه الشيطان، جعلوه حجة لهم على باطلهم، وجادلوا به وشاقوا الله ورسوله، ولهذا قال: ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ أي: مشاقة لله، ومعاندة للحق، ومخالفة له، بعيد من الصواب، فما يلقيه الشيطان، يكون فتنة لهؤلاء الطائفتين، فيظهر به ما في قلوبهم، من الخبث الكامن فيها، وأما الطائفة الثالثة، فإنه يكون رحمة في حقها، وهم المذكورون بقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ لأن الله منحهم من العلم، ما به يعرفون الحق من الباطل، والرشد من الغي، فيميزون بين الأمرين، الحق المستقر، الذي يحكمه الله، والباطل العارض الذي ينسخه الله، بما على كل منهما من الشواهد، وليعلموا أن الله حكيم، يقيض بعض أنواع الابتلاء، ليظهر بذلك كمائن النفوس الخيرة والشريرة، ﴿فَيُؤْمِنُوا بِهِ﴾ بسبب ذلك، ويزداد إيمانهم عند دفع المعارض والشبه.
﴿فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: تخشع وتخضع، وتسلم لحكمته، وهذا من هدايته إياهم، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بسبب إيمانهم ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ علم بالحق، وعمل بمقتضاه، فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وهذا النوع من تثبيت الله لعبده.
وهذه الآيات، فيها بيان أن للرسول ﷺ أسوة بإخوانه المرسلين، لما وقع منه عند قراءته صلى الله عليه وسلم: ﴿والنجم﴾ فلما بلغ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى. وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأخْرَى﴾ ألقى الشيطان في قراءته: " تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن (١) لترتجى " فحصل بذلك للرسول حزن وللناس فتنة، كما ذكر الله، فأنزل الله هذه الآيات.
(١) كذا في ب، وفي أ: شفاعتهم.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١١٦ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان معاني القرآن — الفراء تفسير القرآن — الصنعاني غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني أحكام القرآن — إلكيا الهراسي جهود الإمام الغزالي في التفسير — أبو حامد الغزالي معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري أحكام القرآن — ابن الفرس تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام جهود القرافي في التفسير — القرافي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن — زكريا الأنصاري السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب أضواء البيان — محمد الأمين الشنقيطي تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
تَمَنَّى
قَرَأَ الآيَاتِ المُنْزَلَةَ عَلَيْهِمْ.
أَلْقَى الشَّيْطَانُ
وَضَعَ فِي قُلُوبِ أَوْلِيَائِهِ الوَسَاوِسَ، وَالشُّبَهَ صَدًّا عَنِ اتِّبَاعِ القِرَاءَةِ.
فِي أُمْنِيَّتِهِ
فِي قِرَاءَتِهِ.
فَيَنسَخُ اللَّهُ
فَيُبْطِلُ، وَيُزِيلُ.
يُحْكِمُ
يُثْبِتُ.

إعراب الآية ٥٢ من سورة الحج

من كتاب: إعراب القرآن

أن يكون يذكر فيها اسم الله عائدا على المساجد لا على غيرها لأن الضمير يليها، ويجوز أن يكون يعود على صوامع وما بعدها. ويكون المعنى: في وقت شرائعهم وإقامتهم الحدود والحقّ.

[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٤١ الى ٤٢]

الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ (٤٢)
الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ قال أبو إسحاق: الَّذِينَ في موضع نصب ردا على «من» يعني في «ولينصرنّ الله من ينصره»، وقال غيره: «الذين» في موضع خفض ردّا على قوله أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ، ويكون الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ لأربعة من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولم يمكّن في الأرض غيرهم من الذين قيل فيهم: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم. وبهذه الآية يحتجّ في إمامة أبي بكر وعمر وغيرها من الآي. قال أبو جعفر: وقد ذكرنا «١» ما في وَثَمُودُ من الصّرف وتركه.

[سورة الحج (٢٢) : آية ٤٥]

فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥)
وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ قال الضحاك: أي متروكة، وقرأ الجحدري وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ «٢» وإن المعنى واحد، وفي هذا أعظم الموعظة. وعظهم الله جلّ وعزّ بقوم قد أهلكوا وبقيت آثارهم يعرفونها. قال الأصمعي: سألت نافع بن أبي نعيم أتهمز البئر والذئب فقال: إذا كانت العرب تهمزها فأهمزها، وأكثر الروايات عن نافع بهمزهما إلّا ورشا فإنّ روايته عنه بغير همز فيهما، والأصل الهمز. قال أحمد بن يحيى: الذئب مشتقّ من تذاءبت الريح، إذا جاءت من وجوه كثيرة، وكذلك الذئب. قال أبو جعفر: فإذا حذفت الهمزة، وهي ساكنة لم يكن بعد السكون إلّا قلبها إلى ما أشبه ما قبلها. والفراء يذهب إلى أن «وبئر» معطوفة على عروضها، وأبو إسحاق يذهب إلى أنها معطوفة من «قرية» أي ومن بئر، ثم قال: «أخذتها وإلى المصير». قال أبو إسحاق: أي بالعذاب، ثم حذف لأن قبله ما يدلّ عليه وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ.

[سورة الحج (٢٢) : آية ٥٢]

وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢)
هذه آية مشكلة من جهتين: إحداهما أن قوما يرون أن الأنبياء فيهم مرسلون وغير
(١) مرّ في إعراب الآية ٧٣ من سورة الأعراف.
(٢) وهذه قراءة الحسن وجماعة أيضا، مخفّفة، انظر البحر المحيط ٦/ ٣٤٨، ومختصر ابن خالويه ٩٦.
مرسلين، صلوات الله عليهم أجمعين. وغيرهم يذهب إلى أنه لا يجوز أن يقال: نبيّ حتى يكون مرسلا. والدليل على صحة هذا قوله جلّ وعزّ: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ فأوجب للنبيّ الرسالة. وإنّ معنى نبيّ أنبأ عن الله جلّ وعزّ، ومعنى أنبأ عن الله جلّ وعزّ هو الإرسال بعينه. والجهة الأخرى التي فيها الإشكال الحديث المروي. قال أبو جعفر: وقد ذكرناه بإسناده وهو أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قرأ: «أفرأيتم اللات والعزّى فإنّ شفاعتهم ترتجى» «١» وسها كذا في رواية الزّهري، وفي رواية غيره «فإنهن الغرانيق العلى». قال أبو جعفر: وهذا يجب أن يوقف على معناه من جهة الدين لطعن من طعن فيه من الملحدين. فأول ذلك أنّ الحديث ليس بمتصل الإسناد، ولو اتّصل إسناده وصحّ لكان المعنى فيه صحيحا. فأما معنى «وسها» فإنّ معناه وأسقط. ويكون تقديره أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وتمّ الكلام، ثمّ أسقط والغرانيق العلى، يعني الملائكة فإن شفاعتهم، يعود الضمير على الملائكة. فأمّا من روى «فإنّهنّ الغرانيق العلى» ففي روايته أجوبة عنها أن يكون القول محذوفا كما تستعمل العرب في أشياء كثيرة، ويجوز أن يكون بغير حذف، ويكون توبيخا لأن قبله أفرأيتم فيكون هذا احتجاجا عليهم. فإن كان في الصلاة فقد كان الكلام مباحا في الصلاة، ويجوز أن يكون الضمير للملائكة كما يضمر ما يعرف معناه فينسخ الله جلّ وعزّ ذلك لما فيه من الصلاح. والذي فيه من الصلاح إزالة التمويه أن يموّه على قوم فيقال لهم: هذا الضمير للّات والعزّى، فأنزل الله جلّ وعزّ وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ وفي الآية قولان آخران: أحدهما أن يكون المعنى لمّا تلا أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى قال رجل ألقى الشيطان على لسانه: فإنهنّ الغرانيق العلى، والقول الآخر أنّ علي بن أبي طلحة روى عن ابن عباس في قوله الله جلّ وعزّ:
إِلَّا إِذا تَمَنَّى قال: إذا تحدّث ألقى الرداءة الشيطان في أمنيته، قال: في حديثه فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ قال: فيبطل الله ما يلقي الشيطان. وهذا من أحسن ما قيل في الآية وأعلاه وأجلّه. وقد قال أحمد بن محمد بن حنبل: بمصر صحيفة في التّفسير رواها عليّ بن أبي طلحة لو رحل فيها رجل إلى مصر قاصدا ما كان كثيرا.
والمعنى عليه أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إذا حدّث نفسه ألقى الشيطان في حديثه على جهة الحيلة، فيقول له: لو سألت الله جلّ وعزّ أن يغنّمك كذا ليتّسع المسلمون، ويعلم الله جلّ وعزّ الصّلاح في غير ذلك فيبطل ما يلقي الشيطان، كما قال ابن عباس وحكى الكسائي والفراء «٢» جميعا تمنّى إذا حدّث نفسه. وهذا هو المعروف في اللغة. وقد حكيا أيضا تمنّى إذا تلا، وروي ذلك عن الضحاك.
(١) انظر تفسير القرطبي ١٢/ ٨٠.
(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٢٩.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ٥٢ من سورة الحج

من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي

قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ الآية. [٥٢].
قال المفسرون: لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم تولى قومه عنه، وشق عليه ما رأى من مباعدتهم عما جاءهم به، تمنى في نفسه أن يأتيه من الله تعالى ما يقارب به بينه وبين قومه، وذلك لحرصه على إيمانهم. فجلس ذات يوم في ناد من أندية قريش كثير أهله، وأحب يومئذٍ أن لا يأتيه من الله تعالى شيء ينفرون عنه، وتمنى ذلك، فأنزل الله تعالى سورة ﴿وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾ فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ * وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ﴾ ألقى الشيطان على لسانه لما كان يحدث به نفسه ويتمناه: "تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى" فلما سمعت قريش ذلك فرحوا، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في قراءته فقرأ السورة كلها، وسجد في آخر السورة، فسجد المسلمون بسجوده وسجد جميع من في المسجد من المشركين، فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر إلا سجد إلا الوليد بن المغيرة وأبو أُحَيْحَة سعيد بن العاص، فإنهما أخذا حفنة من البطحاء ورفعاها إلى جبهتيهما وسجدا عليهما، لأنهما كانا شيخين كبيرين فلم يستطيعا السجود وتفرّقت قريش وقد سرّهم ما سمعوا، وقالوا: قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر، وقالوا: قد عرفنا أن الله يحيي ويميت ويخلق ويرزق ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده فإن جعل لها محمد نصيباً فنحن معه. فلما أمسى رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل عليه السلام فقال: "ماذا صنعت؟ تَلَوْتَ على الناس ما لم آتك به عن الله سبحانه، وقلت ما لم أقل لك". فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم حزناً شديداً وخاف من الله خوفاً كبيراً، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فقالت قريش: ندم محمد على ما ذكر من منزلة آلهتنا عند الله، فازدادوا شراً إلى ما كانوا عليه.
أخبرنا أبو بكر الحارثي، قال: أخبرنا أبو بكر [محمد] بن حيان قال: حدثنا أبو يحيى الرّازي، قال: حدثنا سهل العسكري، قال: أخبرنا يحيى، عن عثمان بن الأسود، عن سعيد بن جُبير، قال:
قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ * وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ﴾ فألقى الشيطان على لسانه "تلك الغَرَانِيقُ العُلَى و [إن] شفاعتهن ترتجى" ففرح المشركون بذلك وقالوا: قد ذكر آلهتنا. فجاء جبريل عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال اعرض عليَّ كلام الله. فلما عرض عليه قال: أما هذا فلم آتك به، هذا من الشيطان، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ﴾.

القراءات في الآية ٥٢ من سورة الحج

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

أُمْنِيَّتِهِ

(أُمْنِيَتِهِ) بتخفيف الياء

ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر

(أُمْنِيَّتِهِ) بتشديد الياء

ابن ذكوان عن ابن عامر الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة خلف عن حمزة حفص عن عاصم شعبة عن عاصم رويس عن يعقوب هشام عن ابن عامر قنبل عن ابن كثير قالون عن نافع ورش عن نافع إدريس عن خلف البزي عن ابن كثير روح عن يعقوب إسحاق عن خلف الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو

نَبِىٍّ إِلآَّ

(نَبِىٍّ إِلاَّ) بياء مشددة بعد الباء دون همزة مع السكت على الساكن قبل همزة (إِلا)

خلف عن حمزة

(نَبِىٍّ إِلاَّ) بياء مشددة بعد الباء دون همزة مع تحقيق همزة (إِلاَّ) دون نقل أو سكت

ابن جمّاز عن أبي جعفر إسحاق عن خلف ابن وردان عن أبي جعفر روح عن يعقوب إدريس عن خلف رويس عن يعقوب الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة خلف عن حمزة حفص عن عاصم شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر السوسي عن أبي عمرو الدوري عن أبي عمرو قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير

(نَبِىءٍ إِلاَّ) بياء ساكنة بعد الباء تمد 3 حركات مع تحقيق الهمزة في (إِلا) دون نقل أو سكت

قالون عن نافع

(نَبِىءٍ إِلاَّ) بياء ساكنة بعد الباء تمد 6 حركات وبنقل حركة همزة (إِلاَّ) إلى الساكن قبلها

ورش عن نافع
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ٥٢ من سورة الحج

٧ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٣٧ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

١٣ قولًا
١
عن محمد بن كعب القرظي -من طريق ابن إسحاق، عن يزيد بن زياد المدني-: أنزل الله -تبارك وتعالى- عليه -وكان به رحيمًا- يُعَزِّيه، ويُخفِّض عليه الأمر، ويخبره أنه لم يكن قبله رسول ولا نبي تمنى كما تمنى، ولا أحب كما أحب، إلا والشيطان قد ألقى في أمنيته كما ألقى على لسانه ﷺ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٦٠٤، وتقدم مطولًا في نزول الآية.
٢
تفسير قتادة بن دعامة: قوله: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته﴾: نفسه، يعني: إذا قرأ١
التخريج
  1. ١علقه يحيى بن سلام ١‏/‏٣٨٣.
٣
عن الحسين بن واقد -من طريق علي بن الحسن- في قوله: ﴿إذا تمنى﴾، قال: إذا أتاه١٢
التخريج
  1. ١ذكر محققه أنه هكذا في الأصل، وأن الصواب: «إذا تلا».
  2. ٢أخرجه إسحاق البستي في تفسيره ص٣٧٦.
٤
قال محمد بن السائب الكلبي: إذا حدَّث نفسه١
التخريج
  1. ١علَّقه يحيى بن سلام ١‏/‏٣٨٣.
٥
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى﴾ يعني: إذا حدَّث نفسه ﴿ألقى الشيطان في أمنيته﴾ يعني: في حديثه. مثل قوله: ﴿ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني﴾ [البقرة:١٧٨]، يقول: إلا ما يُحَدَّثوا عنها، يعني: التوراة١٢
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏١٣٢.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختُلِف في معنى قوله: ﴿تمنى﴾؛ فقال قوم: مِن الأُمنية، وذلك أن رسول الله ﷺ تمنى يومًا أن لا يأتيه من الله شيء ينفر عنه به قومُه، فألقى الشيطان على لسانه لِما كان قد تمناه. وقال آخرون: تمنّى: تلا وقرأ. ورجَّح ابنُ جرير (١٦/٦١٠) مستندًا إلى ظاهر الآية القولَ الثاني الذي قاله ابن عباس من طريق علي، ومجاهد، والضحاك، ومَن وافقهم، فقال: «وهذا القول أشبه بتأويل الكلام، بدلالة قوله: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ﴾ على ذلك؛ لأن الآيات التي أخبر الله -جلّ ثناؤه- أنه يُحْكِمها لا شكَّ أنها آيات تنزيله، فمعلومٌ أن الذي ألقى فيه الشيطان هو ما أخبر الله -تعالى ذِكْرُه- أنّه نسخ ذلك منه وأبطله، ثم أحكمه بنسخه ذلك منه». وكذا رجَّحه (٤/٤٣٨) ابنُ تيمية مستندًا إلى ظاهر القرآن، فقال: «وهو ظاهر القرآن، ومراد الآية قطعًا؛ لقوله بعد ذلك: ﴿فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض﴾، وهذا كله لا يكون في مجرد القلب إذا لم يتكلم به النبيُّ». وذكر ابنُ عطية (٦/٢٦٣) أنّ مَن قالوا بالقول الثاني تأولوا قوله: ﴿إلا أماني﴾ [البقرة:٧٨]، أي: إلا تلاوة. وذكر ابنُ كثير (١٠/٨٦) أن القول الثاني قول أكثر المفسرين.
٦
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- ﴿فينسخ الله ما يلقي الشيطان﴾: فيُبْطِل الله ما ألقى الشيطان١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٦١١.
٧
عن الضحاك بن مزاحم -من طريق عبيد- في قوله: ﴿فينسخ الله﴾: ينسخ جبريل بأمر الله ما ألقى الشيطانُ على لسان النبي ﷺ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٦١١ من طريق عبيد. وعزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
٨
عن محمد بن كعب القرظي -من طريق ابن إسحاق، عن يزيد بن زياد المدني-: أنزل الله -تبارك وتعالى- عليه- وكان به رحيمًا- يُعَزِّيه، ويُخفِّض عليه الأمر، ويخبره أنه لم يكن قبله رسول ولا نبي تمنى كما تمنى، ولا أحب كما أحب، إلا والشيطان قد ألقى في أمنيته كما ألقى على لسانه ﷺ، فنسخ الله ما ألقى الشيطان، وأحكم آياته، أي: فأنت كبعض الأنبياء والرسل. فأنزل الله: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته﴾ الآية. فأذهب الله عن نبيِّه الحزن، وأَمَّنه مِن الذي كان يخاف، ونسخ ما ألقى الشيطان على لسانه مِن ذكر آلهتهم أنها الغرانيق العلى، وأن شفاعتهن ترتضى. يقول الله حين ذكر اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، إلى قوله: ﴿وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى﴾ [النجم:٢٦]، أي: فكيف تنفع شفاعة آلهتكم عنده؟!١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٦٠٤، وتقدم مطولًا في نزول الآية.
٩
قال مقاتل بن سليمان: وذلك أنّ النبيَّ ﷺ كان يقرأ في الصلاة عند مقام إبراهيم ﷺ، فنعس، فقال: «﴿أفرأيتم اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى﴾، تلك الغرانيق العلى، عندها الشفاعة ترتجى». فلمّا سمع كُفّار مَكَّة أنّ لِآلهتهم شفاعةً فرِحوا، ثم رجع النبيُّ ﷺ فقال: ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى﴾ [النجم:١٩-٢٢]، فذلك قوله سبحانه: ﴿فينسخ الله ما يلقي الشيطان﴾ على لسان محمد ﷺ، ﴿ثم يحكم الله آياته﴾ مِن الباطل الذي يُلقي الشيطانُ على لسان محمد ﷺ، ﴿والله عليم حكيم﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏١٣٢.
١٠
عن مجاهد بن جبر، قال: النبي وحده الذي يُكَلَّم، ويُنزل عليه، ولا يُرسل١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم.
١١
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- ﴿اذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته﴾، يقول: إذا حدَّث ألقى الشيطانُ في حديثه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٦٠٩-٦١٠، وابن أبي حاتم -كما في تغليق التعليق ٤‏/‏٢٦٠-. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
١٢
عن مجاهد بن جبر، ﴿إذا تمنى﴾، قال: تكلم. ﴿في أمنيته﴾، قال: كلامه١
التخريج
  1. ١علَّقه يحيى بن سلام ١‏/‏٣٨٣ بلفظ: إذا قال، وهو كذلك في تفسير مجاهد ص٤٨٣ من طريق ابن أبي نجيح. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن أبي حاتم.
١٣
عن الضحاك بن مزاحم، في قوله: ﴿إذا تمنى﴾: يعني بالتمني: التلاوة والقراءة، ﴿ألقى الشيطان في أمنيته﴾ في تلاوة النبي ﷺ١
التخريج
  1. ١أخرج ابنُ جرير ١٦‏/‏٦١٠ أوله من طريق عبيد. وعزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.

آثار متعلقة بالآية

قول واحد
١
عن يونس بن عبيد، قال: كتب رجل إلى الحسن [البصري] يشكو الوسوسة، فكتب الحسنُ: أن ما استطاعت الأنبياء أن يمتنعوا من الوسوسة، وقد ذكر الله -جلَّ ذِكْرُه- قال: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته﴾، ولن تَضُرَّك الوسوسةُ ما لم تعمل بها١
التخريج
  1. ١أخرجه إسحاق البستي في تفسيره ص٣٧٦.

نزول الآية

٢٠ قولًا
١
عن ابن شهاب: حدَّثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث: أنّ رسول الله ﷺ وهو بمكة قرأ عليهم النجم، فلما بلغ: ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾ [النجم:١٩-٢٠] قال: «إنّ شفاعتهن تُرْتَجى». وسها رسول الله ﷺ، ففرح المشركون بذلك، فقال: «ألا إنّما كان ذلك مِن الشيطان». فأنزل الله: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا اذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته﴾ حتى بلغ: ﴿عذاب يوم عقيم﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٦٠٨-٦٠٩ مرسلًا. قال السيوطي: «مرسل، صحيح الإسناد».
٢
عن مجاهد بن جبر: أنّ رسول الله ﷺ قرأ النجم، فألقى الشيطانُ على فيه تلك الكلمات، فسجد المسلمون جميعًا، ثم نسخ الله ما ألقى الشيطان على فيه، وأحكم آياته١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وهو مرسل.
٣
عن الضحاك بن مزاحم -من طريق عبيد-: أنّ النبي ﷺ وهو بمكة أُنزِل عليه في آلهة العرب، فجعل يتلو: ﴿اللات والعزى﴾، ويكثر ترديدها، فسمعه أهلُ مكة يذكر آلهتهم، ففرحوا بذلك، ودنوا يستمعوا، فألقى الشيطان في تلاوته: «تلك الغرانيق العُلى، منها الشفاعة ترتجى». فقرأها النبيُّ ﷺ كذلك؛ فأنزل الله: ﴿وما أرسلنا من قبلك﴾ إلى قوله: ﴿حكيم﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٦٠٨ مرسلًا.
٤
عن عكرمة مولى ابن عباس، قال: قرأ رسول الله ﷺ ذات يوم: ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر وله الأنثى تلك اذا قسمة ضيزى﴾ [النجم: ١٩– ٢٢]. فألقى الشيطانُ على لسان رسول الله ﷺ: «تلك إذن في الغرانيق العُلى، تلك إذن شفاعة ترتجى». ففزع رسول الله ﷺ وجزع، ثم أوحى الله إليه: ﴿وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئا﴾ [النجم:٢٦]. ثم أوحى إليه، ففرَّج عنه: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ألا اذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته﴾ إلى قوله: ﴿حكيم﴾١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد مرسلًا.
٥
عن أبي صالح [باذام]، قال: قام رسول الله ﷺ، فقال المشركون: إن ذَكَر آلهتنا بخير ذكرنا آلهته بخير. فألقى في أمنيته: «﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾ [النجم:١٩-٢٠]، إنهن لفي الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى». قال: فأنزل الله: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا اذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته﴾ الآية. فقال ابن عباس: أمنيته أن يُسلِم قومُه١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد مرسلًا.
٦
عن محمد ابن شهاب الزهري -من طريق موسى بن عقبة- قال: لَمّا أُنزِلت سورة النجم، وكان المشركون يقولون: لو كان هذا الرجل يذكر آلهتنا بخير أقررناه وأصحابه، ولكن لا يذكر مَن خالف دينه من اليهود والنصارى بمثل الذي يذكر آلهتنا مِن الشتم والشَّرِّ. وكان رسول الله ﷺ قد اشْتَدَّ عليه ما ناله وأصحابَه مِن أذاهم وتكذيبهم، وأحزنه ضلالتهم، فكان يَتَمَنّى هداهم، فلمّا أنزل الله سورة النجم قال: ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾ [النجم:١٩-٢٠]. ألقى الشيطانُ عندها كلمات حين ذكر الطواغيت، فقال: «وإنّهُنَّ لَهُنَّ الغرانيق العُلى، وإنّ شفاعتهن لهي التي تُرْتَجى». وكان ذلك مِن سجع الشيطان وفتنته، فوَقَعَت هاتان الكلمتان في قلب كلِّ مشرك بمكة، وذَلَّتْ بها ألسنتهم، وتباشروا بها، وقالوا: إنّ محمدًا قد رجع إلى دينه الأول، ودين قومه. فلما بلغ رسولُ الله ﷺ آخرَ النجم سجد، وسجد كلُّ مَن حضر مِن مسلم أو مشرك، ففشت تلك الكلمةُ في الناس، وأظهرها الشيطان حتى بلغت أرض الحبشة. فأنزل الله: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي﴾ الآيات. فلما بيَّن الله قضاءَه وبرَّأه مِن سجع الشيطان انقلب المشركون بضلالتهم وعداوتهم للمسلمين، واشتدوا عليه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير ٥‏/‏٤٣٩- مرسلًا.
٧
عن موسى بن عقبة -ولم يذكر ابن شهاب-، مثله١
التخريج
  1. ١أخرجه البيهقي -كما في تفسير ابن كثير ٥‏/‏٤٤٠- مرسلًا. وعزاه السيوطي إلى البيهقي في الدلائل.
٨
عن عروة بن الزبير -من طريق أبي الأسود-، مثله سواء١
التخريج
  1. ١أخرجه الطبراني (٨٣١٦) مرسلًا.
٩
عن محمد بن كعب القرظي، ومحمد بن قيس -من طريق ابن جُرَيْج، عن أبي معشر- قالا: جلس رسول الله - ﷺ - في نادٍ مِن أندية قريش كثيرٍ أهلُه، فتمنّى يومئذ أن لا يأتيه مِن الله شيء فيَتَفَرَّقون عنه، فأنزل الله عليه: ﴿والنجم اذا هوى﴾. فقرأها رسول الله - ﷺ - حتى بلغ: ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠]. ألقى الشيطان كلمتين: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن ترتجى. فتكلَّم بها، ثم مضى فقرأ السورة كلها، ثم سجد في آخر السورة، وسجد القوم جميعًا معه، ورضوا بما تكلم به، فلمّا أمسىأتاه جبريل، فعرض عليه السورة، فلما بلغ الكلمتين اللتين ألقى الشيطان عليه قال: ما جئتك بهاتين الكلمتين. فقال رسول الله - ﷺ -: «افتريتُ على الله، وقلتُ ما لم يقل!!». فأوحى الله إليه: ﴿وإن كادوا ليفتنونك﴾ إلى قوله: ﴿نصيرا﴾ [الإسراء: ٧٣ - ٧٥]. فما زال مغمومًا مهمومًا مِن شأن الكلمتين حتى نزلت: ﴿وما أرسلنا من قبلك﴾ الآية. فسر عنه، وطابت نفسه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير في تاريخه ٢/ ٣٤٠ - ٣٤١، وفي تفسيره ١٦/ ٦٠٣ - ٦٠٤. وعزاه السيوطي إلى سعيد بن منصور. قال ابن كثير في تفسيره ٥/ ٤٤٢: «مرسلًا».
١٠
عن محمد بن كعب القرظي -من طريق ابن إسحاق، عن يزيد بن زياد المدني- قال: لَمّا رأى رسولُ الله ﷺ تَوَلِّيَ قومِه عنه، وشَقَّ عليه ما يرى مِن مُباعَدَتهم ما جاءهم به مِن عند الله؛ تَمَنّى في نفسه أن يأتيه مِن الله ما يُقارِب به بينه وبين قومه، وكان يَسُرُّه -مع حُبِّه وحِرصه عليهم- أن يلين له بعض ما غلظ عليه مِن أمرهم، حين حدَّث بذلك نفسه وتَمَنّى وأحبه، فأنزل الله: ﴿والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى﴾. فلما انتهى إلى قول الله: ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾ ألقى الشيطانُ على لسانه لِما كان يُحَدِّث به نفسَه، ويتمنى أن يأتي به قومه: «تلك الغرانِيق العُلى، وإنّ شفاعتهن تُرْتَضى». فلمّا سمعت قريشٌ ذلك فرِحوا وسَرَّهم، وأعجبهم ما ذكر به آلهتهم، فأصاخوا له، والمؤمنون مُصَدِّقون نبيَّهم فيما جاءهم به عن ربِّهم، ولا يَتَّهمونه على خطأ، ولا وهم، ولا زلل. فلمّا انتهى إلى السجدة منها وختم السورة سجد فيها، فسجد المسلمون بسجود نبيِّهم تصديقًا لِما جاء به، واتِّباعًا لأمره، وسجد مَن في المسجد مِن المشركين مِن قريش وغيرهم لِما سَمِعوا مِن ذكر آلهتهم، فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر إلا سجد، إلا الوليد بن المغيرة، فإنّه كان شيخًا كبيرًا، فلم يستطع، فأخذ بيده حَفْنَةً مِن البطحاء، فسجد عليها، ثم تَفَرَّق الناسُ مِن المسجد، وخرجت قريشٌ وقد سَرَّهم ما سمعوا مِن ذكر آلهتهم، يقولون: قد ذكر محمدٌ آلهتنا بأحسن الذِّكر، وقد زعم فيما يتلو أنّها الغرانيق العلى، وأن شفاعتهن ترتضى. وبلغت السجدةُ مَن بأرض الحبشة مِن أصحاب رسول الله ﷺ، وقيل: أسلمت قريش. فنهضت منهم رجال، وتَخَلَّف آخرون. وأتى جبرائيلُ النبيَّ ﷺ، فقال: يا محمد، ماذا صنعت؟! لقد تلوتَ على الناس ما لم آتِك به عن الله، وقلتَ ما لم يُقَل لك، فحزِن رسولُ الله ﷺ عند ذلك، وخاف مِن الله خوفًا كبيرًا؛ فأنزل الله -تبارك وتعالى- عليه -وكان به رحيمًا- يُعَزِّيه، ويُخفِّض عليه الأمر، ويخبره أنه لم يكن قبله رسول ولا نبيٌّ تَمَنّى كما تَمَنّى، ولا أحَبَّ كما أحَبَّ، إلا والشيطان قد ألقى في أمنيته كما ألقى على لسانه ﷺ، فنسخ الله ما ألقى الشيطان، وأحكم آياته، أي: فأنت كبعض الأنبياء والرسل. فأنزل الله: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته﴾ الآية. فأذهب الله عن نبيِّه الحزن، وأَمَّنه مِن الذي كان يخاف، ونسخ ما ألقى الشيطان على لسانه مِن ذكر آلهتهم أنّها الغرانيق العُلى، وأنّ شفاعتهن تُرْتَضى. يقول الله حين ذكر اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى إلى قوله: ﴿وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى﴾ [النجم:٢٦]، أي: فكيف تنفع شفاعة آلهتكم عنده؟! فلمّا جاءه مِن الله ما نسخ ما كان الشيطان ألقى على لسان نبيه؛ قالت قريش: ندِم محمدٌ على ما كان مِن منزلة آلهتكم عند الله، فغَيَّر ذلك، وجاء بغيره. وكان ذانك الحرفان اللذان ألقى الشيطان على لسان رسوله قد وقعا في فَمِ كُلِّ مشرك، فازدادوا شَرًّا إلى ما كانوا عليه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٦٠٤ مرسلًا.
١١
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قال: بينا نبيّ الله ﷺ يُصَلِّي عند المقام إذ نعس، فألقى الشيطانُ على لسانه كلمةً، فتَكَلَّم بها، وتعلَّقها بها المشركون عليه، فقال: ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾. فألقى الشيطانُ على لسانه ونعس: «وإنّ شفاعتهن لترتجى، وإنها لمع الغرانيق العلى». فحفظها المشركون، وأخبرهم الشيطانُ أنّ نبي الله ﷺ قد قرأها، فذَلَّتْ بها ألسنتهم؛ فأنزل الله: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي﴾ الآية. فدحر الله الشيطانَ، ولَقَّن نبيَّه حُجَّته١
التخريج
  1. ١أخرجه يحيى بن سلام ١‏/‏٣٨٤ مرسلًا. وعزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
١٢
عن قتادة بن دعامة -من طريق معمر-: أنّ النبي ﷺ كان يتمنى أن لا يعيب اللهُ آلهةَ المشركين، فألقى الشيطان في أمنيته، فقال: «إنّ الآلهة التي تُدعى إنّ شفاعتها لَتُرْتَجى، وإنّها لَلغَرانيق العُلى». فنسخ الله ذلك، وأحكم الله آياته: ﴿أفرأيتم اللات والعزى﴾ حتى بلغ: ﴿من سلطان﴾ [النجم:١٩-٢٣]١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏٤٠٩ (١٩٤٥)، وابن جرير ١٦‏/‏٦١٢ مرسلًا، واللفظ لابن جرير.
١٣
عن إسماعيل السُّدِّيّ، قال: خرج النبي ﷺ إلى المسجد ليصلي، فبينما هو يقرأ إذ قال: ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾ [النجم:١٩-٢٠]. فألقى الشيطانُ على لسانه، فقال: «تلك الغرانقة العلى، وإن شفاعتهن لترتجى». حتى إذا بلغ آخرَ السورة سجد، وسجد أصحابه، وسجد المشركون لذكر آلهتهم، فلمّا رفع رأسه حملوه، فاشْتَدُّوا به بين قُطْرَيْ مكة يقولون: نبيُّ بني عبد مناف. حتى إذا جاءه جبريلٌ عرض عليه، فقرأ ذَيْنِك الحرفين، فقال جبريل: معاذ الله أن أكون أقرأتُك هذا! فاشتد عليه؛ فأنزل الله وطَيَّب نفسه: ﴿وما أرسلنا من قبلك﴾ الآيات١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير ٥‏/‏٤٤٢-. قال ابن كثير: «مرسلًا».
١٤
في تفسير محمد بن السائب الكلبي: أنّ النبي عليه السلام كان يُصَلِّي عند البيت والمشركون جلوس، فقرأ: ﴿والنجم﴾، فحدَّث نفسه حتى إذا بلغ: ﴿أفرأيتم اللات والعزى (١٩) ومناة الثالثة الأخرى﴾ [النجم:١٩-٢٠] ألقى الشيطان على لسانه: «فإنها مع الغرانيق العلى، وإن شفاعتها هي المرتجى». فلمّا انصرف قالوا: قد ذكر محمدٌ آلهتنا. فقال النبيُّ: واللهِ، ما كذلك نزلت عَلَيَّ. فنزل عليه جبريل، فأخبره النبيُّ، فقال: واللهِ، ما هكذا علَّمْتُك، وما جئتُ بها هكذا. فأنزل الله -تبارك وتعالى-: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي﴾ إلى آخر الآية١٢
التخريج
  1. ١أورده يحيى بن سلام ١‏/‏٣٨٤. قال القاضي عياض في الشفا ٢‏/‏٢٩٢: «أما حديث الكلبي فمِمّا لا تجوز الرواية عنه، ولا ذكره؛ لقوة ضعفه وكذبه، كما أشار إليه البزار».
تعليقات المحققين
  1. ٢قال ابن عطية (٦/٢٦٣) مُعَلِّقًا: «وهذا الحديث الذي فيه هذه الغرانقة وقع في كتب التفسير ونحوها، ولم يُدخِله البخاري ولا مسلم، ولا ذكره -في علمي- مصنف مشهور، بل يقتضي مذهبُ أهل الحديث أنّ الشيطان ألقى، ولا يعينون هذا السبب ولا غيره، ولا خلاف أن إلقاء الشيطان إنما هو لألفاظ مسموعة بها وقعت الفتنة، ثم اختلف الناس في صورة هذا الإلقاء، فالذي في التفاسير -وهو مشهور القول- أنّ النبي ﷺ تكلم بتلك الألفاظ، وأنّ الشيطان أوهمه ووسوس في قلبه حتى خرجت تلك الألفاظ على لسانه، وروي: أنه نزل إليه جبريل بعد ذلك فدارسه سورة النجم، فلما قالها رسول الله ﷺ قال له جبريل: لم آتِك بهذا. فقال رسول الله ﷺ: «افتريت على الله، وقلتُ ما لم يقل لي». وجعل يتفجع ويغتم؛ فنزلت هذه الآية ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول﴾». وقال ابنُ كثير (١٠/٨٣-٨٤) معلِّقًا: «وقد ذكر كثير من المفسرين هاهنا قصة الغَرانيق، وما كان من رجوع كثير من المهاجرة إلى أرض الحبشة ظَنًّا منهم أن مشركي قريش قد أسلموا. ولكنها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح».
١٥
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- قال: إنّ رسول الله ﷺ قرأ: «﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾ [النجم:١٩-٢٠]، تلك الغَرانِيق العُلى، وإنّ شَفاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجى». ففرح المشركون بذلك، وقالوا: قد ذكر آلهتَنا. فجاءه جبريل، فقال: اقرأ عَلَيَّ ما جئتُك به. فقرأ: «﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾، تلك الغَرانِيق العُلى، وإنّ شَفاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجى». فقال: ما أتيتك بهذا، هذا من الشيطان. فأنزل الله: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا اذا تمنى﴾ إلى آخر الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه الطبراني في الكبير ١٢‏/‏٥٣ (١٢٤٥٠)، والضياء المقدسي في المختارة ١٠‏/‏٢٣٤-٢٣٥ (٢٤٧) واللفظ له. قال القاضي عياض في الشفا ٢‏/‏٢٨٩-٢٩١: «هذا حديث لم يخرجه أحد مِن أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل... وأكثر الطرق عنهم فيها ضعيفة واهية». وقال الزَّيلَعِيُّ في تخريج الكشاف ٢‏/‏٣٩٢: «فيه عدة مجاهيل عينًا وحالًا». وقال الهيثمي في المجمع ٧‏/‏١١٥ (١١٣٧٦): «رواه البزّار، والطبراني، ورجالهما رجال الصحيح، إلا أن الطبراني قال: لا أعلمه إلا عن ابن عباس، عن النبي ﷺ، وقد تقدم حديث مُرسَل في سورة الحج أطول من هذا، ولكنه ضعيف الإسناد». وقال الجرجاني في المختصر في أصول الحديث ص٩٦: «وقد أشبعنا القول في إبطاله في باب سجدة التلاوة». وقال ابن حجر في الفتح ٨‏/‏٤٣٩: «وكلها سوى طريق سعيد بن جبير إما ضعيف، وإلا منقطع، لكن كثرة الطرق تدل على أنّ للقصة أصلًا، وقد ذكرتُ أنّ ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح، وهي مراسيل يحتج بمثلها مَن يحتج بالمرسل، وكذا من لا يحتج به لاعتضاد بعضها ببعض». وقال السيوطي: «بسند رجاله ثقات». وقال سليمان بن عبد الله في تيسير العزيز الحميد ص٢٣٥: «وهي قصة مشهورة صحيحة، رُوِيت عن ابن عباس من طرق بعضها صحيح، ورويت عن جماعة من التابعين بأسانيد صحيحة». وقال الألوسي في تفسيره ٩‏/‏١٦٩: «وقد أنكر كثير من المحققين هذه القصة، فقال البيهقي: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل... وفي البحر: أنّ هذه القصة سئل عنها الإمام محمد بن إسحاق جامع السيرة النبوية، فقال: هذا من وضع الزنادقة. وصنف في ذلك كتابًا». وأنكر قصة الغرانيق الألباني في الضعيفة ١٠‏/‏٤٥٧، وفي جزء مفرد سماه: «نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق».
١٦
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي-: أنّ النبيَّ ﷺ بينما هو يُصَلِّي إذ نزلت عليه قصةُ آلهة العرب، فجعل يتلوها، فسمعه المشركون، فقالوا: إنّا نسمعه يذكر آلهتنا بخير. فدنوا منه، فبينما هو يتلوها وهو يقول: ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾ [النجم:١٩-٢٠]. ألقى الشيطان: إنّ تلك الغرانيق العُلى، منها الشفاعة تُرْتَجى. فعلق يتلوها، فنزل جبريلُ، فنسخها، ثم قال: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي﴾ إلى قوله: ﴿حكيم﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٦٠٧-٦٠٨، وابن مردويه -كما في تخريج الكشاف ٢‏/‏٣٩٤-. قال ابن العربي في أحكام القرآن ٣‏/‏٣٠٧ عن روايات الطبري في قصة الغرانيق: «كلها باطلة، لا أصل لها».
١٧
عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي عن أبي صالح، ومن طريق أبي بكر الهذلي وأيوب عن عكرمة، ومن طريق سليمان التيمي عمَّن حدثه عن ابن عباس- أنّ رسول الله ﷺ قرأ سورة النجم وهو بمكة، فأتى على هذه الآية: ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾ [النجم:١٩-٢٠]. فألقى الشيطان على لسانه: إنّهُنَّ الغرانيق العُلى. فأنزل الله: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن مردويه -كما في فتح الباري ٨‏/‏٤٣٩، وتخريج أحاديث الكشاف ٢‏/‏٣٩٤-. إسناده ضعيف جدًّا. ينظر: مقدمة الموسوعة. وقال النحاس في إعراب القرآن ٣‏/‏٧٣: «وهذا يجب أن يوقف على معناه من جهة الدين لطَعن مَن طعن فيه مِن الملحدين، فأول ذلك أنّ الحديث ليس بمتصل الإسناد، ولو اتّصل إسناده وصحّ لكان المعنى فيه صحيحًا». وقال ابن حزم في الفِصَل ٤‏/‏١٨: «الحديث الذي فيه:»وأنهن الغرانيق العلى«، كذب بحت موضوع؛ لأنه لم يصح قطُّ بطريق النقل، فلا معنى للاشتغال به».
١٨
عن أبي العالية الرِّياحِيِّ -من طريق المعتمر عن داود- قال: قال المشركون لرسول الله ﷺ: لو ذكرتَ آلهتنا في قولك قعدنا معك؛ فإنّه ليس معك إلا أراذل الناس وضعفاؤهم، فكانوا اذا رأونا عندك تحدث الناس بذلك فأتوك. فقام يصلي، فقرأ: ﴿والنجم﴾ حتى بلغ: ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾ [النجم:١٩-٢٠] «تلك الغرانيق العلى، وشفاعتهن ترتجى، ومثلهن لا ينسى». فلمّا فرغ مِن ختم السورة سجد، وسجد المسلمون والمشركون، وبلغ الحبشةَ أنّ الناس قد أسلموا، فشقَّ ذلك على النبي ﷺ؛ فأنزل الله: ﴿وما أرسلنا من قبلك﴾ إلى قوله: ﴿عذاب يوم عقيم﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٦٠٦، وابن أبي حاتم-كما في تفسير ابن كثير ٥‏/‏٤٣٩، مرسلًا. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
١٩
عن أبي العالية الرياحي -من طريق حماد بن سلمة، عن داود- قال: نزلت سورة النجم بمكة، فقالت قريش: يا محمد، إنّه يُجالِسُك الفقراء والمساكين، ويأتيك الناس من أقطار الأرض، فإن ذكرت آلهتنا بخير جالسناك. فقرأ رسولُ الله ﷺ سورة النجم، فلمّا أتى على هذه الآية: ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾ [النجم:١٩-٢٠] ألقى الشيطانُ على لسانه: «وهي الغَرانيق العُلى؛ شفاعتهن تُرْتَجى». فلما فرغ من السورة سجد وسجد المسلمون والمشركون، إلا أبا أُحَيْحَة سعيد بن العاص، فإنّه أخذ كَفًّا مِن تراب، فسجد عليها، وقال: قد آن لابن أبي كبشة أن يذكر آلهتنا بخير. فبلغ ذلك المسلمين الذين كانوا بالحبشة أنّ قريشًا قد أسلمت، فأرادوا أن يُقبِلوا، واشتدَّ على رسول الله ﷺ وعلى أصحابه ما ألقى الشيطان على لسانه؛ فأنزل الله: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه يحيى بن سلام ١‏/‏٣٨٤، وابن جرير ١٦‏/‏٦٠٦-٦٠٧، وابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير ٥‏/‏٤٣٩- مرسلًا. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٢٠
عن سعيد بن جبير -من طريق أبي بشر- قال: قرأ رسول الله ﷺ بمكة النجم، فلما بلغ هذا الموضع: ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾ [النجم:١٩-٢٠] ألقى الشيطانُ على لسانه: «تلك الغَرانيق العُلى، وإن شفاعتهن لترتجى». قالوا: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم. فسجد، وسجدوا، ثم جاءه جبريل بعد ذلك، فقال: اعرض عَلَيَّ ما جئتُك به. فلما بلغ: «تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى» قال له جبريل: لم آتِك بهذا، هذا مِن الشيطان. فأنزل الله: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٦٠٧، وابن المنذر -كما في فتح الباري ٨‏/‏٤٣٩-، وابن أبي حاتم -كما في فتح الباري ٨‏/‏٤٣٩، وتفسير ابن كثير ٥‏/‏٤٣٩- مرسلًا.

قراءات

٣ أقوال
١
عن عمرو بن دينار، قال: كان ابنُ عباس يقرأ: (ومَآ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ ولا نَبِيٍّ ولا مُحَدَّثٍ)١٢
التخريج
  1. ١أخرجه سفيان بن عيينة في أواخر جامعه -كما في فتح الباري لابن حجر ٧‏/‏٥١-، وعبد بن حميد -كما في تغليق التعليق ٤‏/‏٦٥-. وعلَّقه البخاري ٥‏/‏١٢ (٣٦٨٩) باب مناقب عمر بن الخطاب. وعزاه السيوطي إلى ابن الأنباري في المصاحف. والقراءة شاذة، وتروى أيضًا عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف. انظر: الجامع لأحكام القرآن ١٥‏/‏٤٢٣.
تعليقات المحققين
  1. ٢انتقد ابنُ تيمية (٤/٤٣٥-٤٣٦) هذه القراءة مستندًا لعدم تواترها وصحتها، فقال: «هذه القراءة ليست متواترة، ولا معلومة الصحة، ولا يجوز الاحتجاج بها في أصول الدين، وإن كانت صحيحة المعنى، فالمعنى: أنّ المُحَدَّث كان فيمن كان قبلنا، وكانوا يحتاجون إليه، وكان ينسخ ما يلقيه الشيطان إليه كذلك، وأمة محمد ﷺ لا تحتاج إلى غير محمد ﷺ، ولهذا كانت الأمم قبلَنا لا يكفيهم نبيٌّ واحد، بل يحيلهم هذا النبيُّ في بعض الأمور على النبي الآخر، وكانوا يحتاجون إلى عدد من الأنبياء، ويحتاجون إلى المُحَدَّث، وأمة محمد أغناهم الله بمحمد ﷺ [عن] غيره من الأنبياء والرسل؛ فكيف لا يغنيهم عن المحدث، ولهذا قال ﷺ: «إنه كان في الأمم قبلكم مُحَدَّثون، فإن يكن في أمتي أحد فعمر». فعلق ذلك بـ»إن«ولم يجزم به لأنه علم استغناء أمته عن مُحَدَّث كما استغنت عن غيره مِن الأنبياء سواء كان فيها مُحَدَّث أو لا، أو كان ذلك لكمالها برسولها الذي هو أكمل الرسل وأجملهم، وهؤلاء كبعض في أمته عن الأمم قبلهم». وقال أيضًا: «هذه القراءة إذا ثبت أنها قراءة فلا يعرف لفظ بقية سائر الكلام معها كيف كان، فإنها بتقدير صحتها إما من الحروف السبعة، وإما مما نسخت تلاوته، وعلى التقديريين فيجوز أن يكون نظم سائر الآية كان على وجهٍ لا يدل على عصمة المُحَدَّث، بل فيها نسخ ما يلقيه في أمنية النبي والرسول دون المحدث، وإن ثبت أنّ الله تعالى كان ينسخ ما يلقي الشيطان في قلوب المحدثين قبلنا فلا يقتضي أن ذلك بوحي يأتيه؛ ليكون ذلك بعرضه ذلك على نبوات الأنبياء، فإن خالف ذلك كان مردودًا».
٢
عن عمرو بن دينار، قال: كان ابن عباس يقرأ: (ومَآ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ ولا نَبِيٍّ مُّحَدَّثٍ)١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي داود في المصاحف (ت: محب الدين واعظ) ١‏/‏٣٤٧. والقراءة شاذة.
٣
عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، قال: إنّ فيما أنزل الله: (ومَآ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ ولا نَبِيٍّ ولا مُحَدَّثٍ). فنُسِخَت: (مُحَدَّثٍ). والمُحَدَّثون: صاحب يس، ولقمان، ومؤمن آل فرعون، وصاحب موسى١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
التفسير بالمأثور لسورة الحج كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٥٢ من سورة الحج

٦ وقفات في هذه الآية

  • قال: "إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته" ليس معنى"تمنىٰ" من الأماني؛ بل معناه إذا قرأ القرآن ألقى الشيطان الوساوس في قراءته.

    — عبدالمحسن المطيري

  • (من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى) أي : قرأ وتلا سميت التلاوة تمني لأن التالي أذا مر بآية رحمة تمناها ؛ وإذا مر بآية عذاب تمنى النجاة.

    — عقيل الشمري

  • آية (52) : * هناك آية أتتبع تفسيرها ولم أجد جواباً شافياً لها (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52) الحج) عندما تتبعت تفسيرها في السيرة وجدتها مرتبطة بآية أخرى (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى) إلى قوله تعالى (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى) يقول المفسرون أن الشيطان ألقى كلمتين على الرسول صلى الله عليه وسلم كما قال الشيطان "تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهم لترتجى"، هل يمكن تبيين الصحيح من الخطأ. ؟ قسم يذهب إلى أن تمنى يعني قرأ. بهذا المعنى تكون إذا قرأ الرسول أو النبي شيئاً من الآيات ألقى الشيطان الشُبه والتخيلات فيما قرأ على أوليائه يجادلوا بالباطل، على أولياء الشيطان، على جنوده الأبالسة شياطين من الإنس أو من الجن أعوانه، فيلقي في نفوسهم أسئلة حتى يجادلوا الرسول. مثال: لما نزلت الآية (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (98) الأنبياء) قالوا عيسى عُبد من دون الله، إذن هو حصب جهنم، الملائكة عُبدوا، آلهتنا مثلهم، هذا إلقاء الشيطان في الأمنية في القراءة يُلقي الشُبَه في نفوس أوليائه حتى يجادلوا النبي. عندما يسمع قراءة الرسول يسمع هؤلاء فالشيطان يلقي أسئلة في القراءة حتى يجادلوا الرسول. *كيف نفهم (فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ)؟ يعني بما يبينه وبين الله تعالى هذا وراءها في قوله (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (101) الأنبياء) . *هو نسخ أمنية الشيطان في نفوس الذين يسمعون النبي؟ ما ألقاه من الشُبه نسخه. لما نزلت في سورة يس (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاء اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (47)) يقولون الله هو أعطانا الرزق وربنا شاء أن لا يطعمهم فكيف تأمرنا نحن بإطعامهم؟ ربنا الذي رزقنا وأعطانا الرزق وهو الذي لم يطعمهم أفتأمرنا أن نخالف إرادة الله؟! هذا من إلقاء الشيطان حتى يجادلوه (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أوليائهم لِيُجَادِلُوكُمْ (121) الأنعام). قالوا هذا المعنى يعني إذا قرأ النبي الشيطان يلقي في أتباعه وأوليائه أسئلة حتى يجادلوه بها وربنا سبحانه وتعالى ينسخ ما يلقي الشيطان. ويقولون من معاني (تمنى) ألقى في خاطر النبي اليأس من هداهم عسى أن يُقصِّر، يثبطه، يضجّره من قومه ثم ربنا سبحانه وتعالى يقشع ويزول هذا الخاطر *هل الشيطان يوسوس للأنبياء؟ (أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) ص). يقولون لما شق عليه إعراض قومه تمنى أو تشهّى أن لا ينزل عليهم شيئ ينفّرهم . *(إلا إذا تمنى) هنا بمعنى تشهّى؟ هي جملة معاني لكن كلها ليست كما ذُكر في الرواية المكذوبة تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهم لترتجى، هذا مكذوب طبعاً. واضح جداً أنه إذا كانت بمعنى القرآءة عندما يقرأ الرسول الشياطين يلقون شُبهاً على أتباعهم حتى يجادلوا الرسول ، الرواية غير حقيقية أصلاً. *هنالك نقطة لم أفهمها جيداً وأريد مثالاً حتى يتضح المقال. ذكرت فيما ذكرت أن (تمنى) بمعنى تشهى، أريد مثالاً حتى نبين المعنى، (ألقى الشيطان في أمنيته) يعني ألقى الشيطان في تشهيه أما ماذا؟ فينسخ ربنا تشهي النبي أم ماذا؟ هذا أحد المعاني، قد يتمنى مثلاً أن ربنا سبحانه وتعالى لا يعيب الآلهة ولا يسبهم سباً كثيراً جداً حتى يؤمنوا. نضرب مثلاً سيدنا يونس عندما ترك قومه، (وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ (87) الأنبياء) ذهب مغاضباً قومه. *هناك من يفهم أنه مغاضباً لله سبحانه وتعالى بدليل (فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ) ؟ نقدر يعني نضيّق عليه. (وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ (16) الفجر) يعني ضيق عليه رزقه. يونس قالوا إذا كان هؤلاء لا يؤمنون فلأذهب إلى غيرهم يؤمنون في الأمر سعة، ظن أن لن يضيق الله عليه، هؤلاء لم يؤمنوا، هكذا اجتهاد يونس لكن هذا خلاف حكمة الله لذلك الله سبحانه وتعالى جعل الحوت يلتقمه ثم أرجعه في العراء وهو سقيم. فإذن قد يعني النبي يجتهد خلاف الأولى على غير مراد الله سبحانه وتعالى فربنا سبحانه وتعالى ينسخ هذا الأمر ويثبت إرادته ويعلِّمه أو يوجهه فقد يحصل أن النبي يتشهى شيئاً فهو إنسان.

    — فاضل السامرائي

  • (إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ) الأمنية تحتمل معانِ منها : 1-الأمنية هنا بمعناها المعروف، وهو أن النبي يتمنى أن يؤمن الناس جميعاً، ويتبعوه إلى الدين الحق، ولكن الشيطان يلقي في نفوس الناس الشهوات والشبهات والعقبات والعراقيل ، فيصدهم عن ذكر الله تعالى . 2- أن الأمنية بمعنى (قرأ) فيلقي الشيطان شبهاته بأن هذا سحر وكهانة وشعر، فيصد الناس عن الإيمان والتصديق به، لكن الله يحكم آياته وينسخ أقوال الشيطان .(في المطبوع 16/9876)

    — محمد متولي الشعراوي

  • برنامج لمسات بيانية سورة الحج أية 52

    — فاضل السامرائي

  • قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ. .) الآية. الرسولُ: إنسانٌ أوحي إليه بشرع وأمرَ بتبليغه. والنبيُّ: إنسانٌ أوحي إليه بشرعٍ وإن لم يؤمر بتبليغه، فهو أعمُّ من الرسول.

    — كتاب فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن

فتاوى متعلقة بالآية ٥٢ من سورة الحج

فتوى واحدة تتعلق بهذه الآية

ترجمات معاني الآية ٥٢ من سورة الحج

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(52) And We did not send before you any messenger or prophet except that when he spoke [or recited], Satan threw into it [some misunderstanding]. But Allāh abolishes that which Satan throws in; then Allāh makes precise His verses.[933] And Allāh is Knowing and Wise.
[933]- Clarifying those issues which were misunderstood to remove any doubt.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال