تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني
عن الكتاب
وقوله تعالى :( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ) وقرأ ابن عباس :" ولا محدث " قال الشيخ الإمام -رضي الله عنه- أخبرنا بهذا أبو علي الشافعي قال : أخبرنا أبو الحسن بن [ فراس ] (١) قال : أخبرنا أبو محمد بن عبد الله بن يزيد المقرىء، عن جده محمد، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس أنه قرأ هكذا.
فقوله :" ولا محدث " يعني : ملهم، كأن الله حدثه في قلبه، ومن المعروف أن النبي ﷺ قال :«قد كان في الأمم السابقة محدثون، فإن يكن في أمتي منهم أحد، فهو عمر »(٢).
وأما الكلام في الرسول والنبي، فقال بعضهم : هما سواء، وفرق بعضهم بينهما فقال : الرسول هو الذي يأتيه جبريل -عليه السلام- بالوحي، والنبي هو الذي يأتيه الوحي في المنام، أو يلهم إلهاما، ومنهم من قال : الرسول الذي له شريعة يحفظها، والنبي هو الذي بعث على شريعة غيره فيحفظها، وقد قالوا : كل رسول نبي، وليس كل نبي برسول.
وقوله :( إلا إذا تمنى ) الأكثرون على أن معناه : إذا قرأ :( ألقى الشيطان في أمنيته ) أي : في قراءته، قال الشاعر في عثمان :
أي : تلا، وقال بعضهم : تمنى هو حديث النفس، والقصة في الآية : هو ما روي عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وسعيد بن جبير، والزهري، والضحاك، وغيرهم أن النبي ﷺ قرأ سورة " والنجم " في صلاته، وعنده المسلمون والمشركون، ويقال : قرأ في الصلاة، فلما بلغ قوله تعالى :( أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى )(٣) ألقى الشيطان على لسانه :«تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى » ومر في السورة حتى سجد في آخرها، ففرح المشركون وسروا، وقالوا : قد ذكر آلهتنا بخير، ولا نريد إلا هذا، وسجدوا معه. قال ابن مسعود : ولم يسجد الوليد بن المغيرة، ورفع ترابا إلى جبهته، وقال : سجدت -وكان شيخا كبيرا- قال : فجاء جبريل -عليه السلام- وقال : اقرأ علي سورة " والنجم " فقرأ، وألقى الشيطان على لسانه هكذا، فقال : هذا لم آت به، وأخرجه من قراءته، فحزن رسول الله ﷺ حزنا شديدا، فأنزل الله تعالى هذه الآية عليه :( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ) (٤).
فإن قال قائل : كيف يجوز هذا على النبي ﷺ، وقد كان معصوما من الغلط في أصل الدين ؟ وقال الله تعالى :( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ) (٥)، وقال الله تعالى :( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ) (٦) أي : إبليس ؟
والجواب عنه : اختلفوا في الجواب عن هذا، قال بعضهم : إن هذا ألقاه بعض المنافقين في قراءته، وكان المنافق هو القارىء فظن المشركون أن الرسول ﷺ قرأ، وسمى ذلك المنافق شيطانا ؛ لأن كل كافر متمرد بمنزلة الشيطان، وهذا جواب ضعيف.
ومنهم من قال : إن الرسول لم يقرأ، ولكن الشيطان ذكر هذا بين قراءة النبي ﷺ، وسمع المشركون ذلك، وظنوا أن الرسول ﷺ قرأ، وهذا اختيار الأزهري وغيره.
وقال بعضهم : إن الرسول ﷺ أغفأ إغفأة ونعس، فجرى على لسانه هذا، ولم يكن به خبر بإلقاء الشيطان، وهذا قول قتادة، وأما الأكثرون من السلف ذهبوا إلى أن هذا شيء جرى على لسان الرسول ﷺ بإلقاء الشيطان من غير أن يعتقد، وذلك محنة وفتنة من الله ( وعادة ) (٧)، والله تعالى يمتحن عباده بما شاء، ويفتنهم بما يريد، وليس عليه اعتراض لأحد وقالوا : إن هذا وإن كان غلطا عظيما، فالغلط يجوز على الأنبياء، إلا أنهم لا يقرون عليه.
وعن بعضهم : أن شيطانا يقال له : الأبيض عمل هذا العمل، وفي بعض الروايات : أنه تصور بصورة جبريل، وأدخل في قراءته هذا، والله أعلم(٨).
وقوله :( فينسخ الله ما يلقي الشيطان ) أي : يزيل الله ما يلقي الشيطان.
وقوله :( ثم يحكم الله آياته ) أي : يثبت الله آياته.
وقوله :( والله عليم حكيم ) ظاهر المعنى.
فقوله :" ولا محدث " يعني : ملهم، كأن الله حدثه في قلبه، ومن المعروف أن النبي ﷺ قال :«قد كان في الأمم السابقة محدثون، فإن يكن في أمتي منهم أحد، فهو عمر »(٢).
وأما الكلام في الرسول والنبي، فقال بعضهم : هما سواء، وفرق بعضهم بينهما فقال : الرسول هو الذي يأتيه جبريل -عليه السلام- بالوحي، والنبي هو الذي يأتيه الوحي في المنام، أو يلهم إلهاما، ومنهم من قال : الرسول الذي له شريعة يحفظها، والنبي هو الذي بعث على شريعة غيره فيحفظها، وقد قالوا : كل رسول نبي، وليس كل نبي برسول.
وقوله :( إلا إذا تمنى ) الأكثرون على أن معناه : إذا قرأ :( ألقى الشيطان في أمنيته ) أي : في قراءته، قال الشاعر في عثمان :
| تمنى كتاب الله أول ليلة | وآخرها لاقى حمام المقادر |
فإن قال قائل : كيف يجوز هذا على النبي ﷺ، وقد كان معصوما من الغلط في أصل الدين ؟ وقال الله تعالى :( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ) (٥)، وقال الله تعالى :( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ) (٦) أي : إبليس ؟
والجواب عنه : اختلفوا في الجواب عن هذا، قال بعضهم : إن هذا ألقاه بعض المنافقين في قراءته، وكان المنافق هو القارىء فظن المشركون أن الرسول ﷺ قرأ، وسمى ذلك المنافق شيطانا ؛ لأن كل كافر متمرد بمنزلة الشيطان، وهذا جواب ضعيف.
ومنهم من قال : إن الرسول لم يقرأ، ولكن الشيطان ذكر هذا بين قراءة النبي ﷺ، وسمع المشركون ذلك، وظنوا أن الرسول ﷺ قرأ، وهذا اختيار الأزهري وغيره.
وقال بعضهم : إن الرسول ﷺ أغفأ إغفأة ونعس، فجرى على لسانه هذا، ولم يكن به خبر بإلقاء الشيطان، وهذا قول قتادة، وأما الأكثرون من السلف ذهبوا إلى أن هذا شيء جرى على لسان الرسول ﷺ بإلقاء الشيطان من غير أن يعتقد، وذلك محنة وفتنة من الله ( وعادة ) (٧)، والله تعالى يمتحن عباده بما شاء، ويفتنهم بما يريد، وليس عليه اعتراض لأحد وقالوا : إن هذا وإن كان غلطا عظيما، فالغلط يجوز على الأنبياء، إلا أنهم لا يقرون عليه.
وعن بعضهم : أن شيطانا يقال له : الأبيض عمل هذا العمل، وفي بعض الروايات : أنه تصور بصورة جبريل، وأدخل في قراءته هذا، والله أعلم(٨).
وقوله :( فينسخ الله ما يلقي الشيطان ) أي : يزيل الله ما يلقي الشيطان.
وقوله :( ثم يحكم الله آياته ) أي : يثبت الله آياته.
وقوله :( والله عليم حكيم ) ظاهر المعنى.
١ - في "الأصل وك": فارس، وهو خطأ، وقد سبق التنبيه عليه..
٢ - رواه البخاري (٧/٥٢ رقم ٢٦٩٨) من حديث أبي هريرة مرفوعا، ورواه مسلم (١٥/٢٣٦-٢٣٧ رقم ٢٣٩٨)، والترمذي (٥/٥٨١ رقم ٢٦٩٣) وقال: صحيح، وأحمد (٦/٥٥) جميعهم من حديث عائشة مرفوعا..
٣ - النجم: ١٩-٢٠..
٤ - انظر تخريج هذه القصة في تخريج الكشاف للزيلعي (٢/٣٩١-٣٩٥)، ونصب المجانيق للألباني، ودلائل التحقيق لعلي بن حسن بن عبد الحميد. قال ابن خزيمة: هذا من وضع الزنادقة، وصنف فيه كتابا، وقال البيهقي: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل، ثم أخذ يتكلم في أن رواة هذه القصة مطعون فيهم. وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٣/٢٢٩): قد ذكر كثير من المفسرين ههنا قصة الغرانيق... ولكنها من طرق كلها مرسلة ولم أرها مسندة من وجه صحيح، والله أعلم..
٥ - الحجر: ٤٢..
٦ - فصلت: ٤٢..
٧ - كذا؟.
٨ - قلت: بل القصة باطلة وموضوعة كما نص على ذلك الأئمة الجهابذة من أهل النقد، فلا حاجة لنا في التكلف في الرد على مثل هذا الزيف، والله المستعان..
٢ - رواه البخاري (٧/٥٢ رقم ٢٦٩٨) من حديث أبي هريرة مرفوعا، ورواه مسلم (١٥/٢٣٦-٢٣٧ رقم ٢٣٩٨)، والترمذي (٥/٥٨١ رقم ٢٦٩٣) وقال: صحيح، وأحمد (٦/٥٥) جميعهم من حديث عائشة مرفوعا..
٣ - النجم: ١٩-٢٠..
٤ - انظر تخريج هذه القصة في تخريج الكشاف للزيلعي (٢/٣٩١-٣٩٥)، ونصب المجانيق للألباني، ودلائل التحقيق لعلي بن حسن بن عبد الحميد. قال ابن خزيمة: هذا من وضع الزنادقة، وصنف فيه كتابا، وقال البيهقي: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل، ثم أخذ يتكلم في أن رواة هذه القصة مطعون فيهم. وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٣/٢٢٩): قد ذكر كثير من المفسرين ههنا قصة الغرانيق... ولكنها من طرق كلها مرسلة ولم أرها مسندة من وجه صحيح، والله أعلم..
٥ - الحجر: ٤٢..
٦ - فصلت: ٤٢..
٧ - كذا؟.
٨ - قلت: بل القصة باطلة وموضوعة كما نص على ذلك الأئمة الجهابذة من أهل النقد، فلا حاجة لنا في التكلف في الرد على مثل هذا الزيف، والله المستعان..