جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رّسُولٍ وَلاَ نَبِيّ إِلاّ إِذَا تَمَنّىَ أَلْقَى الشّيْطَانُ فِيَ أُمْنِيّتِهِ فَيَنسَخُ اللّهُ مَا يُلْقِي الشّيْطَانُ ثُمّ يُحْكِمُ اللّهُ آيَاتِهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
قيل : إن السبب الذي من أجله أنزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ، أن الشيطان كان ألقى على لسانه في بعض ما يتلوه مما أنزل الله عليه من القرآن ما لم ينزله الله عليه، فاشتدّ ذلك على رسول الله ﷺ واغتمّ به، فسلاّه الله مما به من ذلك بهذه الآيات. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا حجاج، عن أبي معشر، عن محمد بن كعب القُرَظيّ ومحمد بن قيس قالا : جلس رسول الله ﷺ في ناد من أندية قريش كثير أهله، فتمنى يومئذ أن لا يأتيه من الله شيء فينفروا عنه، فأنزل الله عليه : والنّجْمِ إذَا هَوَى ما ضَلّ صَاحِبُكُمْ وَما غَوَى فقرأها رسول الله ﷺ، حتى إذا بلغ : أفَرأيْتُمُ اللاّتَ والعُزّى وَمَناةَ الثالِثَةَ الأُخْرَى ألقى عليه الشيطان كلمتين :«تلك الغرانقة العُلَى، وإن شفاعتهنّ لتُرْجَى »، فتكلم بها. ثم مضى فقرأ السورة كلها. فسجد في آخر السورة، وسجد القوم جميعا معه، ورفع الوليد بن المغيرة ترابا إلى جبهته فسجد عليه، وكان شيخا كبيرا لا يقدر على السجود. فرضُوا بما تكلم به وقالوا : قد عرفنا أن الله يحيي ويميت وهو الذي يخلق ويرزق، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده، إذ جعلت لها نصيبا، فنحن معك قالا : فلما أمسى أتاه جبرائيل عليهما السلام فعرض عليه السورة فلما بلغ الكلمتين اللتين ألقى الشيطان عليه قال : ما جئتك بهاتين فقال رسول الله ﷺ :«افْتَرَيْتُ عَلى اللّهِ وقُلْتُ عَلى اللّهِ ما لَمْ يَقُلْ » فأوحى الله إليه : وَإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ، لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ. . . إلى قوله : ثُمّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرا. فما زال مغموما مهموما حتى نزلت عليه : وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيَ إلاّ إذَا تَمَنّى ألْقَى الشّيْطانُ فِي أُمْنِيّتهِ فَيَنْسَخُ اللّهُ ما يُلْقِي الشّيْطانُ ثُمّ يُحْكِمُ اللّهُ آياتِهِ وَاللّهُ عَليمٌ حَكِيمٌ. قال : فسمع من كان من المهاجرين بأرض الحبشة أن أهل مكة قد أسلموا كلهم، فرجعوا إلى عشائرهم وقالوا : هم أحبّ إلينا فوجدوا القوم قد ارتكسوا حين نسخ الله ما ألقى الشيطان.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن زياد المدنيّ، عن محمد بن كعب القُرظيّ قال : لما رأى رسول الله ﷺ تولّيَ قومه عنه، وشقّ عليه ما يرى من مباعدتهم ما جاءهم به من عند الله، تمنى في نفسه أن يأتيه من الله ما يقارب به بينه وبين قومه. وكان يسرّه، مع حبه وحرصه عليهم، أن يلين له بعض ما غلُظَ عليه من أمرهم، حين حدّث بذلك نفسه وتمنى وأحبه، فأنزل الله : والنّجْمِ إذَا هَوَى ما ضَلّ صَاحبُكُمْ وَما غَوَى فلما انتهى إلى قول الله : أفَرأيْتُمُ اللاّتَ والعُزّى وَمَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرَى ألقى الشيطان على لسانه، لما كان يحدّث به نفسه ويتمنى أن يأتي به قومه :«تلك الغرانيق العلَى، وإن شفاعتهن تُرْتَضى ». فلما سمعت قريش ذلك فرحوا وسرّهم، وأعجبهم ما ذكر به آلهتهم، فأصاخوا له، والمؤمنون مصدّقون نبيهم فيما جاءهم به عن ربهم، ولا يتهمونه على خط ولا وَهَم ولا زلل. فلما انتهى إلى السجدة منها وختم السورة، سجد فيها، فسجد المسلمون بسجود نبيهم، تصديقا لما جاء به واتباعا لأمره، وسجد من في المسجد من المشركين من قريش وغيرهم لما سمعوا من ذكر آلهتهم، فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر إلا سجد إلا الوليد بن المغيرة، فإنه كان شيخا كبيرا فلم يستطع، فأخذ بيده حفنة من البطحاء فسجد عليها. ثم تفرّق الناس من المسجد، وخرجت قريش وقد سرّهم ما سمعوا من ذكر آلهتهم، يقولون : قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر، وقد زعم فيما يتلو أنها الغرانيق العُلَي وأن شفاعتهنّ ترتضى وبلغت السجدة من بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله ﷺ، وقيل : أسلمت قريش. فنهضت منهم رجال، وتخلّف آخرون. وأتى جبرائيل النبيّ ﷺ، فقال : يا محمد ماذا صنعت ؟ لقد تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله، وقلت ما لم يُقَلْ لك فحزن رسول الله ﷺ عند ذلك، وخاف من الله خوفا كبيرا، فأنزل الله تبارك وتعالى عليه وكانَ بِهِ رَحِيما يعزّيه ويخفّض عليه الأمر ويخبره أنه لم يكن قبله رسول ولا نبيّ تمنى كما تمنى ولا أحبّ كما أحبّ إلا والشيطان قد ألقى في أمنيته كما ألقى على لسانه ﷺ، فنسخ الله ما ألقى الشيطان وأحكم آياته، أي فأنت كبعض الأنبياء والرسل فأنزل الله : وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نِبَيّ إلاّ إذَا تَمَنّى ألْقَى الشّيْطانُ فِي أُمِنيّتِهِ. . . الاَية. فأذهب الله عن نبيه الحزن، وأمنه من الذي كان يخاف، ونسخ ما ألقى الشيطان على لسانه من ذكر آلهتهم أَنهّا الغرانيق العُلَى وأن شفاعتهنّ ترتضى. يقول الله حين ذكر اللات والعُزّى ومناة الثالثة الأخرى، إلى قوله : وكَمْ منْ مَلَكٍ فِي السّمَوَاتِ لا تُغْنى شَفاعَتُهُمْ شَيْئا إلاّ مِنْ بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللّهِ لمَنْ يَشاءُ وَيَرْضَى، أي فكيف تنفع شفاعة آلهتكم عنده. فلما جاءه من الله ما نسخ ما كان الشيطان ألقى على لسان نبيه، قالت قريش : ندم محمد على ما كان من منزلة آلهتكم عند الله، فغير ذلك وجاء بغيره وكان ذلك الحرفان اللذان ألقى الشيطان على لسان رسوله قد وقعا في فم كل مشرك، فازدادوا شرّا إلى ما كانوا عليه.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا المعتمر، قال : سمعت داود، عن أبي العالية، قال : قالت قريش لرسول الله ﷺ : إنما جلساؤك عبد بني فلان ومولى بني فلان، فلو ذكرت آلهتنا بشيء جالسناك، فإنه يأتيك أشراف العرب فإذا رأوا جلساءك أشراف قومك كان أرغب لهم فيك قال : فألقى الشيطان في أمنيته، فنزلت هذه الاَية : أفَرأيْتُمُ اللاّتَ والعُزّى وَمَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرَى قال : فأجرى الشيطان على لسانه :«تلك الغرانيق العُلَى، وشفاعتهن ترجى، مثلهن لا يُنسى ». قال : فسجد النبيّ ﷺ حين قرأها، وسجد معه المسلمون والمشركون. فلما علم الذي أُجْرِي على لسانه، كبر ذلك عليه، فأنزل الله : وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نِبَيّ إلاّ إذَا تَمَنّى ألْقَى الشّيْطانُ فِي أُمْنِيّتِهِ. . . إلى قوله : وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا أبو الوليد، قال : حدثنا حماد بن سلمة، عن داود بن أبي هند، عن أبي العالية قال : قالت قريش : يا محمد إنما يجالسك الفقراء والمساكين وضعفاء الناس، فلو ذكرت آلهتنا بخير لجالسناك فإن الناس يأتونك من الآفاق فقرأ رسول الله ﷺ سورة النجم فلما انتهى على هذه الاَية : أفَرأيْتُمُ اللاّتَ والعُزّى وَمَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرَى فألقى الشيطان على لسانه :«وهي الغرانقة العلى، وشفاعتهن ترتجى ». فلما فرغ منها سجد رسول الله ﷺ والمسلمون والمشركون، إلا أبا أُحَيحة سعيد بن العاص، أخذ كفّا من تراب وسجد عليه وقال : قد آن لابن أبي كبشة أن يذكر آلهتنا بخير حتى بلغ الذين بالحبشة من أصحاب رسول الله ﷺ من المسلمين أن قريشا قد أسلمت، فاشتدّ على رسول الله ﷺ ما ألقى الشيطان على لسانه، فأنزل الله : وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نِبَيّ. . . إلى آخر الاَية.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبير، قال : لما نزلت هذه الاَية : أفَرأيْتُمُ اللاّتَ والعُزّى قرأها رسول الله ﷺ، فقال :«تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهنّ لترتجى ». فسجد رسول الله ﷺ. فقال المشركون : إنه لم يذكر آلهتكم قبل اليوم بخير فسجد المشركون معه، فأنزل الله : وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نِبَيّ إلاّ إذَا تَمَنّى ألْقَى الشّيْطانُ فِي أُمْنِيّتِهِ. . . إلى قوله : عَذَابَ يَوْمٍ عَقِيم.
حدثنا ابن المثنى، قال : ثني عبد الصمد، قال : حدثنا شعبة، قال : حدثنا أبو بشر، عن سعيد بن جُبير قال : لما نزلت : أفَرأيْتُمُ اللاّتَ والعُزّى، ثم ذكر نحوه.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نِبَيّ إلاّ إذَا تَمَنّى ألْقَى الشّيْطانُ فِي أُمْنِيّتِهِ إلى قوله : وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وذلك أن نبيّ الله ﷺ بينما هو يصلي، إذ نزلت عليه قصة آلهة العرب، فجعل يتلوها فسمعه المشركون فقالوا : إنا نسمعه يذكر آلهتنا بخير فدنَوا منه، فبينما هو يتلوها وهو يقول : أفَرأيْتُمُ اللاّتَ والعُزّى وَمَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرَى ألقى الشيطان :«إن تلك الغرانيق العلى، منها الشفاعة ترتجى ». فجعل يتلوها، فنزل جبرائيل عليه السلام فنسخها، ثم قال له : وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نِبَيّ إلاّ إذَا تَمَنّى ألْقَى الشّيْطانُ فِي أُمْنِيّتِهِ. . . إلى قوله : وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نِبَيَ. . . الاَية أن نبيّ الله ﷺ وهو بمكة، أنزل الله عليه في آلهة العرب، فجعل يتلو اللات والعزّى ويكثر ترديدها. فسمع أهل مكة نبيّ الله يذكر آلهتهم، ففرحوا بذلك، ودنوا يستمعون، فألقى الشيطان في تلاوة النبيّ ﷺ :«تلك الغرانيق العلى، منها الشفاعة ترتجى ». فقرأها النبيّ ﷺ كذلك، فأنزل الله عليه : وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ. . . إلى : وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أنه سئل عن قوله : وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيّ. . . الاَية، قال ابن شهاب : ثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث. أن رسول الله ﷺ وهو بمكة قرأ عليهم : والنّجْمِ إذَا هَوَى، فلما بلغ : أفَرأيْتُمُ اللاّتَ والعُزّى وَمَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرَى قال :«إن شفاعتهن ترتجَى ». وسها رسول الله ﷺ. فلقيه المشركون الذين في قلوبهم مرض، فسلموا عليه، وفرحوا بذلك، فقال لهم :
قيل : إن السبب الذي من أجله أنزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ، أن الشيطان كان ألقى على لسانه في بعض ما يتلوه مما أنزل الله عليه من القرآن ما لم ينزله الله عليه، فاشتدّ ذلك على رسول الله ﷺ واغتمّ به، فسلاّه الله مما به من ذلك بهذه الآيات. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا حجاج، عن أبي معشر، عن محمد بن كعب القُرَظيّ ومحمد بن قيس قالا : جلس رسول الله ﷺ في ناد من أندية قريش كثير أهله، فتمنى يومئذ أن لا يأتيه من الله شيء فينفروا عنه، فأنزل الله عليه : والنّجْمِ إذَا هَوَى ما ضَلّ صَاحِبُكُمْ وَما غَوَى فقرأها رسول الله ﷺ، حتى إذا بلغ : أفَرأيْتُمُ اللاّتَ والعُزّى وَمَناةَ الثالِثَةَ الأُخْرَى ألقى عليه الشيطان كلمتين :«تلك الغرانقة العُلَى، وإن شفاعتهنّ لتُرْجَى »، فتكلم بها. ثم مضى فقرأ السورة كلها. فسجد في آخر السورة، وسجد القوم جميعا معه، ورفع الوليد بن المغيرة ترابا إلى جبهته فسجد عليه، وكان شيخا كبيرا لا يقدر على السجود. فرضُوا بما تكلم به وقالوا : قد عرفنا أن الله يحيي ويميت وهو الذي يخلق ويرزق، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده، إذ جعلت لها نصيبا، فنحن معك قالا : فلما أمسى أتاه جبرائيل عليهما السلام فعرض عليه السورة فلما بلغ الكلمتين اللتين ألقى الشيطان عليه قال : ما جئتك بهاتين فقال رسول الله ﷺ :«افْتَرَيْتُ عَلى اللّهِ وقُلْتُ عَلى اللّهِ ما لَمْ يَقُلْ » فأوحى الله إليه : وَإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ، لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ. . . إلى قوله : ثُمّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرا. فما زال مغموما مهموما حتى نزلت عليه : وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيَ إلاّ إذَا تَمَنّى ألْقَى الشّيْطانُ فِي أُمْنِيّتهِ فَيَنْسَخُ اللّهُ ما يُلْقِي الشّيْطانُ ثُمّ يُحْكِمُ اللّهُ آياتِهِ وَاللّهُ عَليمٌ حَكِيمٌ. قال : فسمع من كان من المهاجرين بأرض الحبشة أن أهل مكة قد أسلموا كلهم، فرجعوا إلى عشائرهم وقالوا : هم أحبّ إلينا فوجدوا القوم قد ارتكسوا حين نسخ الله ما ألقى الشيطان.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن زياد المدنيّ، عن محمد بن كعب القُرظيّ قال : لما رأى رسول الله ﷺ تولّيَ قومه عنه، وشقّ عليه ما يرى من مباعدتهم ما جاءهم به من عند الله، تمنى في نفسه أن يأتيه من الله ما يقارب به بينه وبين قومه. وكان يسرّه، مع حبه وحرصه عليهم، أن يلين له بعض ما غلُظَ عليه من أمرهم، حين حدّث بذلك نفسه وتمنى وأحبه، فأنزل الله : والنّجْمِ إذَا هَوَى ما ضَلّ صَاحبُكُمْ وَما غَوَى فلما انتهى إلى قول الله : أفَرأيْتُمُ اللاّتَ والعُزّى وَمَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرَى ألقى الشيطان على لسانه، لما كان يحدّث به نفسه ويتمنى أن يأتي به قومه :«تلك الغرانيق العلَى، وإن شفاعتهن تُرْتَضى ». فلما سمعت قريش ذلك فرحوا وسرّهم، وأعجبهم ما ذكر به آلهتهم، فأصاخوا له، والمؤمنون مصدّقون نبيهم فيما جاءهم به عن ربهم، ولا يتهمونه على خط ولا وَهَم ولا زلل. فلما انتهى إلى السجدة منها وختم السورة، سجد فيها، فسجد المسلمون بسجود نبيهم، تصديقا لما جاء به واتباعا لأمره، وسجد من في المسجد من المشركين من قريش وغيرهم لما سمعوا من ذكر آلهتهم، فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر إلا سجد إلا الوليد بن المغيرة، فإنه كان شيخا كبيرا فلم يستطع، فأخذ بيده حفنة من البطحاء فسجد عليها. ثم تفرّق الناس من المسجد، وخرجت قريش وقد سرّهم ما سمعوا من ذكر آلهتهم، يقولون : قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر، وقد زعم فيما يتلو أنها الغرانيق العُلَي وأن شفاعتهنّ ترتضى وبلغت السجدة من بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله ﷺ، وقيل : أسلمت قريش. فنهضت منهم رجال، وتخلّف آخرون. وأتى جبرائيل النبيّ ﷺ، فقال : يا محمد ماذا صنعت ؟ لقد تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله، وقلت ما لم يُقَلْ لك فحزن رسول الله ﷺ عند ذلك، وخاف من الله خوفا كبيرا، فأنزل الله تبارك وتعالى عليه وكانَ بِهِ رَحِيما يعزّيه ويخفّض عليه الأمر ويخبره أنه لم يكن قبله رسول ولا نبيّ تمنى كما تمنى ولا أحبّ كما أحبّ إلا والشيطان قد ألقى في أمنيته كما ألقى على لسانه ﷺ، فنسخ الله ما ألقى الشيطان وأحكم آياته، أي فأنت كبعض الأنبياء والرسل فأنزل الله : وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نِبَيّ إلاّ إذَا تَمَنّى ألْقَى الشّيْطانُ فِي أُمِنيّتِهِ. . . الاَية. فأذهب الله عن نبيه الحزن، وأمنه من الذي كان يخاف، ونسخ ما ألقى الشيطان على لسانه من ذكر آلهتهم أَنهّا الغرانيق العُلَى وأن شفاعتهنّ ترتضى. يقول الله حين ذكر اللات والعُزّى ومناة الثالثة الأخرى، إلى قوله : وكَمْ منْ مَلَكٍ فِي السّمَوَاتِ لا تُغْنى شَفاعَتُهُمْ شَيْئا إلاّ مِنْ بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللّهِ لمَنْ يَشاءُ وَيَرْضَى، أي فكيف تنفع شفاعة آلهتكم عنده. فلما جاءه من الله ما نسخ ما كان الشيطان ألقى على لسان نبيه، قالت قريش : ندم محمد على ما كان من منزلة آلهتكم عند الله، فغير ذلك وجاء بغيره وكان ذلك الحرفان اللذان ألقى الشيطان على لسان رسوله قد وقعا في فم كل مشرك، فازدادوا شرّا إلى ما كانوا عليه.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا المعتمر، قال : سمعت داود، عن أبي العالية، قال : قالت قريش لرسول الله ﷺ : إنما جلساؤك عبد بني فلان ومولى بني فلان، فلو ذكرت آلهتنا بشيء جالسناك، فإنه يأتيك أشراف العرب فإذا رأوا جلساءك أشراف قومك كان أرغب لهم فيك قال : فألقى الشيطان في أمنيته، فنزلت هذه الاَية : أفَرأيْتُمُ اللاّتَ والعُزّى وَمَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرَى قال : فأجرى الشيطان على لسانه :«تلك الغرانيق العُلَى، وشفاعتهن ترجى، مثلهن لا يُنسى ». قال : فسجد النبيّ ﷺ حين قرأها، وسجد معه المسلمون والمشركون. فلما علم الذي أُجْرِي على لسانه، كبر ذلك عليه، فأنزل الله : وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نِبَيّ إلاّ إذَا تَمَنّى ألْقَى الشّيْطانُ فِي أُمْنِيّتِهِ. . . إلى قوله : وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا أبو الوليد، قال : حدثنا حماد بن سلمة، عن داود بن أبي هند، عن أبي العالية قال : قالت قريش : يا محمد إنما يجالسك الفقراء والمساكين وضعفاء الناس، فلو ذكرت آلهتنا بخير لجالسناك فإن الناس يأتونك من الآفاق فقرأ رسول الله ﷺ سورة النجم فلما انتهى على هذه الاَية : أفَرأيْتُمُ اللاّتَ والعُزّى وَمَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرَى فألقى الشيطان على لسانه :«وهي الغرانقة العلى، وشفاعتهن ترتجى ». فلما فرغ منها سجد رسول الله ﷺ والمسلمون والمشركون، إلا أبا أُحَيحة سعيد بن العاص، أخذ كفّا من تراب وسجد عليه وقال : قد آن لابن أبي كبشة أن يذكر آلهتنا بخير حتى بلغ الذين بالحبشة من أصحاب رسول الله ﷺ من المسلمين أن قريشا قد أسلمت، فاشتدّ على رسول الله ﷺ ما ألقى الشيطان على لسانه، فأنزل الله : وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نِبَيّ. . . إلى آخر الاَية.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبير، قال : لما نزلت هذه الاَية : أفَرأيْتُمُ اللاّتَ والعُزّى قرأها رسول الله ﷺ، فقال :«تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهنّ لترتجى ». فسجد رسول الله ﷺ. فقال المشركون : إنه لم يذكر آلهتكم قبل اليوم بخير فسجد المشركون معه، فأنزل الله : وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نِبَيّ إلاّ إذَا تَمَنّى ألْقَى الشّيْطانُ فِي أُمْنِيّتِهِ. . . إلى قوله : عَذَابَ يَوْمٍ عَقِيم.
حدثنا ابن المثنى، قال : ثني عبد الصمد، قال : حدثنا شعبة، قال : حدثنا أبو بشر، عن سعيد بن جُبير قال : لما نزلت : أفَرأيْتُمُ اللاّتَ والعُزّى، ثم ذكر نحوه.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نِبَيّ إلاّ إذَا تَمَنّى ألْقَى الشّيْطانُ فِي أُمْنِيّتِهِ إلى قوله : وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وذلك أن نبيّ الله ﷺ بينما هو يصلي، إذ نزلت عليه قصة آلهة العرب، فجعل يتلوها فسمعه المشركون فقالوا : إنا نسمعه يذكر آلهتنا بخير فدنَوا منه، فبينما هو يتلوها وهو يقول : أفَرأيْتُمُ اللاّتَ والعُزّى وَمَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرَى ألقى الشيطان :«إن تلك الغرانيق العلى، منها الشفاعة ترتجى ». فجعل يتلوها، فنزل جبرائيل عليه السلام فنسخها، ثم قال له : وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نِبَيّ إلاّ إذَا تَمَنّى ألْقَى الشّيْطانُ فِي أُمْنِيّتِهِ. . . إلى قوله : وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نِبَيَ. . . الاَية أن نبيّ الله ﷺ وهو بمكة، أنزل الله عليه في آلهة العرب، فجعل يتلو اللات والعزّى ويكثر ترديدها. فسمع أهل مكة نبيّ الله يذكر آلهتهم، ففرحوا بذلك، ودنوا يستمعون، فألقى الشيطان في تلاوة النبيّ ﷺ :«تلك الغرانيق العلى، منها الشفاعة ترتجى ». فقرأها النبيّ ﷺ كذلك، فأنزل الله عليه : وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ. . . إلى : وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أنه سئل عن قوله : وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيّ. . . الاَية، قال ابن شهاب : ثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث. أن رسول الله ﷺ وهو بمكة قرأ عليهم : والنّجْمِ إذَا هَوَى، فلما بلغ : أفَرأيْتُمُ اللاّتَ والعُزّى وَمَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرَى قال :«إن شفاعتهن ترتجَى ». وسها رسول الله ﷺ. فلقيه المشركون الذين في قلوبهم مرض، فسلموا عليه، وفرحوا بذلك، فقال لهم :