مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي
عن الكتاب
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ﴾ «من » لابتداء الغاية ﴿مِن رَّسُولٍ﴾ «من » زائدة لتأكيد النفي ﴿وَلاَ نَبِيّ﴾ هذا دليل بين على ثبوت التغاير بين الرسول والنبي بخلاف ما يقول البعض إنهما واحد. وسئل النبي ﷺ عن الأنبياء فقال " مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً " فقيل : فكم الرسل منهم ؟ فقال :" ثلثمائة وثلاثة عشر " والفرق بينهما أن الرسول من جمع إلى المعجزة الكتاب المنزل عليه، والنبي من لم ينزل عليه كتاب وإنما أمر أن يدعو إلى شريعة من قبله. وقيل : الرسول واضع شرع والنبي حافظ شرع غيره ﴿إِلاَّ إِذَا تمنى﴾ قرأ، قال
تمنى كتاب الله أول ليلة. . . تمنى داود الزبور على رسل
﴿أَلْقَى الشيطان فِى أُمْنِيَّتِهِ﴾ تلاوته. قالوا : إنه عليه السلام كان في نادي قومه يقرأ «والنجم » فلما بلغ قوله ﴿ومناة الثلاثة الأخرى﴾ [النجم: ٢٠] جرى على لسانه «تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى » ولم يفطن له حتى أدركته العصمة فتنبه عليه. وقيل : نبهه جبريل عليه السلام فأخبرهم أن ذلك كان من الشيطان. وهذا القول غير مرضي لأنه لا يخلوا إما أن يتكلم النبي عليه السلام بها عمداً وإنه لا يجوز لأنه كفر ولأنه بعث طاعناً للأصنام لا مادحاً لها، أو أجرى الشيطان ذلك على لسان النبي عليه السلام جبراً بحيث لا يقدر على الامتناع منه وهو ممتنع لأن الشيطان لا يقدر على ذلك في حق غيره لقوله تعالى :﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان﴾ [الإسراء: ٦٥] ففي حقه أولى، أو جرى ذلك على لسانه سهواً وغفلة وهو مردود أيضاً لأنه لا يجوز مثل هذه الغفلة عليه في حال تبليغ الوحي ولو جاز ذلك لبطل الاعتماد على قوله، ولأنه تعالى قال في صفة المنزل عليه
﴿لاَّ يَأْتِيهِ الباطل مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢] وقال :﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون﴾ [الحجر: ٩] فلما بطلت هذه الوجوه لم يبق إلا وجه واحدٍ وهو أنه عليه السلام سكت عند قوله ﴿ومناة الثالثة الأخرى﴾ فتكلم الشيطان بهذه الكلمات متصلاً بقراءة النبي ﷺ فوقع عند بعضهم أنه عليه السلام هو الذي تكلم بها، فيكون هذا إلقاء في قراءة النبي عليه السلام وكان الشيطان يتكلم في زمن النبي عليه السلام ويسمع كلامه، فقد رُوي أنه نادى يوم أحد ألا إن محمداً قد قتل وقال يوم بدر :﴿لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليوم مِنَ الناس وَإِنّي جَارٌ لَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨]
﴿فَيَنسَخُ الله مَا يُلْقِي الشيطان﴾ أي يذهب به ويبطله ويخبر أنه من الشيطان ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ الله ءاياته﴾ أي يثبتها ويحفظها من لحوق الزيادة من الشيطان ﴿والله عَلِيمٌ﴾ بما أوحى إلى نبيه وبقصد الشيطان ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يدعه حتى يكشفه ويزيله. ثم ذكر أن ذلك ليفتن الله تعالى به قوماً بقوله.
تمنى كتاب الله أول ليلة. . . تمنى داود الزبور على رسل
﴿أَلْقَى الشيطان فِى أُمْنِيَّتِهِ﴾ تلاوته. قالوا : إنه عليه السلام كان في نادي قومه يقرأ «والنجم » فلما بلغ قوله ﴿ومناة الثلاثة الأخرى﴾ [النجم: ٢٠] جرى على لسانه «تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى » ولم يفطن له حتى أدركته العصمة فتنبه عليه. وقيل : نبهه جبريل عليه السلام فأخبرهم أن ذلك كان من الشيطان. وهذا القول غير مرضي لأنه لا يخلوا إما أن يتكلم النبي عليه السلام بها عمداً وإنه لا يجوز لأنه كفر ولأنه بعث طاعناً للأصنام لا مادحاً لها، أو أجرى الشيطان ذلك على لسان النبي عليه السلام جبراً بحيث لا يقدر على الامتناع منه وهو ممتنع لأن الشيطان لا يقدر على ذلك في حق غيره لقوله تعالى :﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان﴾ [الإسراء: ٦٥] ففي حقه أولى، أو جرى ذلك على لسانه سهواً وغفلة وهو مردود أيضاً لأنه لا يجوز مثل هذه الغفلة عليه في حال تبليغ الوحي ولو جاز ذلك لبطل الاعتماد على قوله، ولأنه تعالى قال في صفة المنزل عليه
﴿لاَّ يَأْتِيهِ الباطل مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢] وقال :﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون﴾ [الحجر: ٩] فلما بطلت هذه الوجوه لم يبق إلا وجه واحدٍ وهو أنه عليه السلام سكت عند قوله ﴿ومناة الثالثة الأخرى﴾ فتكلم الشيطان بهذه الكلمات متصلاً بقراءة النبي ﷺ فوقع عند بعضهم أنه عليه السلام هو الذي تكلم بها، فيكون هذا إلقاء في قراءة النبي عليه السلام وكان الشيطان يتكلم في زمن النبي عليه السلام ويسمع كلامه، فقد رُوي أنه نادى يوم أحد ألا إن محمداً قد قتل وقال يوم بدر :﴿لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليوم مِنَ الناس وَإِنّي جَارٌ لَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨]
﴿فَيَنسَخُ الله مَا يُلْقِي الشيطان﴾ أي يذهب به ويبطله ويخبر أنه من الشيطان ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ الله ءاياته﴾ أي يثبتها ويحفظها من لحوق الزيادة من الشيطان ﴿والله عَلِيمٌ﴾ بما أوحى إلى نبيه وبقصد الشيطان ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يدعه حتى يكشفه ويزيله. ثم ذكر أن ذلك ليفتن الله تعالى به قوماً بقوله.