وجّه ابنُ عطية (٦‏/‏٨٤) هذه القراءة، فقال: «وقرأ ابن كثير والحسن وعاصم: (أكادُ أخْفِيها) بفتح الهمزة، بمعنى: أظهرها، أي: أنها من صحة وقوعها وتيقن كونها تكاد تظهر، لكن تنحجب إلى الأجل المعلوم، والعرب تقول: أخفيت الشيء، بمعنى: أظهرته». وانتقدها ابن جرير (١٦‏/‏٣٧) مستندًا لمخالفتها قراءة الحجة المستفيضةَ، فقال: «والذي ذُكِر عن سعيد بن جبير من قراءة ذلك بفتح الألف قراءةٌ لا أستجيز القراءة بها؛ لخلافها قراءة الحُجَّة التي لا يجوز خلافُها فيما جاءت به نقلًا مستفيضًا»

علَّقَ ابن كثير (١‏/‏٥٢٢) على هذه الآثار بقوله: «ذهب كثير من السلف إلى أنهما كانا مَلَكَين من السماء، وأنهما أنزلا إلى الأرض، فكان من أمرهما ما كان، وقد ورد في ذلك حديث مرفوع رواه الإمام أحمد في مسنده، وعلى هذا فيكون الجمع بين هذا وبين ما ثبت من الدلائل على عصمة الملائكة أنّ هذين سبق في علم الله لهما هذا، فيكون تخصيصًا لهما، فلا تعارض حينئذ، كما سبق في علمه من أمر إبليس ما سبق، وفي قولٍ: إنه كان من الملائكة؛ لقوله تعالى: ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ أبى﴾ [طه:١١٦]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك. مع أن شأن هاروت وماروت -على ما ذكر- أخف مما وقع من إبليس -لعنه الله-. وقد حكاه القرطبي عن علي، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وكعب الأحبار، والسدي، والكلبي». وعلَّقَ ابن عطية (١‏/‏٣٠٢) -بعد أن اختصر الكلام عن هاروت وماروت- بقوله: «وهذا القصص يزيد في بعض الروايات، وينقص في بعض، ولا يُقْطَع منه بشيء؛ فلذلك اختصرته». وعلَّقَ ابن كثير (١‏/‏٥٣٢) قائلًا: «وقد روي في قصة هاروت وماروت عن جماعة من التابعين، كمجاهد، والسدي، والحسن، وقتادة، وأبي العالِية، والزهري، والربيع بن أنس، ومقاتل بن حيان وغيرهم، وقصها خلق من المفسرين من المتقدمين والمتأخرين، وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل؛ إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب فيها، فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراده الله تعالى، والله أعلم بحقيقة الحال»

اختُلِف في هذا الرجل على أقوال: الأول: رجل من بني إسرائيل يدعى: بلعم. والثاني: رجل من اليمن. والثالث: كان من الكنعانيين. والرابع: هو أمية بن أبي الصلت. ورجَّح ابنُ جرير (١٠‏/‏٥٧٤-٥٧٥) جواز صحة بعض تلك الأقوال، وعدم القطع بصحة أحدها دون الآخر لعدم الدليل على ذلك، فقال: «وجائز أن يكون الذي آتاه الله الآيات: بلعم. وجائز أن يكون: أمية... فالصواب أن يُقال فيه ما قال الله، ويُقَرُّ بظاهر التنزيل على ما جاء به الوحي من الله». ورجَّح ابنُ كثير (٦‏/‏٤٥٠) القول الأول، فقال: «وأمّا المشهور في سبب نزول هذه الآية الكريمة فإنّما هو رجل من المتقدمين في زمن بني إسرائيل». وعلَّق ابنُ كثير على قول عبد الله ابن عمرو بقوله: «وقد روي من غير وجه، عنه وهو صحيح إليه». ثم وجَّهه بقوله: «وكأنّه إنما أراد أنّ أمية بن أبي الصلت يشبهه، فإنه كان قد اتصل إليه علم كثير من علم الشرائع المتقدمة، ولكنه لم ينتفع بعلمه، فإنّه أدرك زمانَ رسول الله ﷺ، وبَلَغَتْه أعلامُه وآياتُه ومعجزاتُه، وظهرت لكل مَن له بصيرة، ومع هذا اجتمع به ولم يَتَّبِعْه، وصار إلى موالاة المشركين ومناصرتهم وامتداحهم، ورثى أهل بدر من المشركين بمرثاة بليغة -قبحه الله تعالى-، وقد جاء في بعض الأحاديث: أنه ممن آمن لسانه، ولم يؤمن قلبه. فإنّ له أشعارًا ربّانِيَّةً، وحِكَمًا، وفصاحة، ولكنه لم يشرح الله صدره للإسلام». وقد قال بقول ابن عمرو الزهريُّ، وقتادةُ، وسعيدُ بن جبير، وابنُ السائب

سورة النمل — الآية ٦٦

تفسير الحسن البصري: ﴿بل ادارك علمهم في الآخرة﴾ على الاستفهام، تبعًا للاستفهام الأول، أي: لم يبلغ علمُهم في الآخرة، ولو ادارك علمهم في الآخرة، أي: لو بلغ علمهم أن الآخرة كائنة لآمنوا بها في الدنيا كما آمن بها المؤمنون

علَّق ابنُ كثير (٣‏/‏١١٩-١٢٠) على قول يحيى، فقال: «وفي معنى هذا القول الحديث الذي رواه البيهقي... عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «من دخل البيت دخل في حسنة، وخرج من سيئة، وخرج مغفورًا له». ثم قال: تفرد به عبد الله بن المؤمل، وليس بقوي»

علَّق ابنُ كثير (٩‏/‏١٥٧) على هذا القول بقوله: «وأمّا إن جعل الضمير في قوله: ﴿بينهم﴾ عائدًا إلى المؤمنين والكافرين، كما قال عبد الله بن عمرو: إنّه يفرق بين أهل الهدى والضلالة به. فهو كقوله تعالى: ﴿ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون﴾ [الروم:١٤]، وقال: ﴿يومئذ يصدعون﴾ [الروم:٤٣]»

أشار ابنُ عطية (٦‏/‏١٨٠-١٨١) إلى بعض ما جاء في هذا القول، وانتقده، فقال: «ورُوي أن الملِك بنى بنيانًا، واطلع منه على النار، فرأى إبراهيمَ ﷺ ومعه ناس، فعجِب، وسأل: هل طُرِح معه أحد؟ فقيل له: لا. فناداه، فقال: مَن أولئك؟ فقال: هم ملائكة ربي. والمرويُّ في هذا كثير غير صحيح»

ذكر ابنُ كثير (١١‏/‏٣٨٤) الاختلاف الوارد في نزول الآية، وفيمن عني بها، ثم قال معلّقًا: «وعلى كل تقدير سواء كانت هذه الآيات قد نزلت في أبي بن خلف، أو في العاص بن وائل، أو فيهما، فهي عامة في كل مَن أنكر البعث. والألف واللام في قوله: ﴿أولم ير الإنسان﴾ للجنس، يعم كل منكر للبعث»

علَّق ابنُ كثير (١٣‏/‏٤١٣) على هذا الحديث بقوله: «هذا السياق ليس فيه ذكر الحُديبية، فإن كان ذلك محفوظًا كما تقدم [يعني: الأثر السابق] فيحتمل أنه أُنزل قبل الفتح إخبارًا عما بعده، كما في قوله تعالى في سورة المزمل -وهي مكية، من أوائل ما نزل-: ﴿وآخرون يقاتلون في سبيل الله﴾ الآية. فهي بشارة بما يستقبل، وهكذا هذه»

ذكر ابنُ كثير (١٤‏/‏٢٠٦-٢٠٧) أنّ هذا القول قول الجمهور، ثم ذكر قولًا آخر بأن قوله: ﴿إنا هديناه السبيل﴾ يعني: خروجه من الرَّحِم. ونسبه لمجاهد، وأبي صالح، والضَّحّاك، والسُّدِّيّ. وعلَّق عليه بقوله: «وهذا قول غريب». ورجَّح الأول، فقال: «والصحيح المشهور الأول». ولم يذكر مستندًا