عن ابن عمر، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا أراد سفرًا أقْرَع بين نسائه ثلاثًا، فمَن أصابته القُرْعَة خرج بها معه، فلمّا غزا بني المُصْطَلِق أقرَعَ بينهنَّ، فأصابت عائشةَ وأمَّ سلمة، فخرج بهما معه، فلمّا كانوا في بعض الطريق مال رحل أمِّ سلمة، فأناخوا بعيرَها لِيُصْلِحوا رحلها، وكانت عائشة تريد قضاء حاجة، فلمّا أبركوا إبلهم قالت عائشة: فقلت في نفسي: إلى ما يصلح رحل أم سلمة أقضي حاجتي. قالت: فنزلت مِن الهَوْدَج، ولم يعلموا بنزولي، فأتيت جَوْبَةً، فانقطعت قلادتي، فاحتبست في جمعها ونِظامها، وبعث القومُ إبلهم، ومضوا، وظنوا أنِّي في الهودج، فخرجت ولم أرَ أحدًا، فاتبعتهم حتى أعييت، فقلت في نفسي: إنّ القوم سيفقدوني، فيرجعون في طلبي. فقُمتُ على بعض الطريق، فمر بي صفوان بن المُعَطِّل، وكان سأل النبيَّ ﷺ أن يجعله على السّاقَةِ، فجعله، وكان إذا رحل الناسُ قام يُصَلِّي، ثُمَّ اتَّبَعَهُم، فما سقط منهم مِن شيء حمله حتى يأتي به أصحابَه، قالت عائشة: فلمّا مَرَّ بي ظَنَّ أني رجل، فقال: يا نَوْمانُ، قُمْ؛ فإنّ الناس قد مضوا. فقلت: إني لست رجلًا، أنا عائشة. قال: إنّا لله وإنا اليه راجعون. ثم أناخ بعيرَه، فعقل يديه، ثم ولّى عَنِّي، فقال: يا أُمَّه، قومي فاركبي، فإذا ركبتُ فآذِنيني. قالت: فركبتُ، فجاء حتى حَلَّ العِقال، ثم بعث جمله، فأخذ بخِطام الجمل. قال ابن عمر: فما كلَّمها كلامًا حتى أتى بها رسولَ الله ﷺ، فقال عبد الله بن أبي بن سلول المنافق: فَجَرَ بِها، وربِّ الكعبة. وأعانه على ذلك حسّان بن ثابت، ومِسْطَح بن أثاثة، وحَمْنَةُ، وشاع ذلك في العسكر، فبلغ ذلك النبيَّ ﷺ، فكان في قلب النبي ﷺ مما قالوا حتى رجعوا إلى المدينة، وأشاع عبدُ الله بن أُبَيٍّ هذا الحديثَ في المدينة، واشْتَدَّ ذلك على رسول الله ﷺ. قالت عائشةُ: فدخلتْ ذاتَ يومٍ أمُّ مِسْطَح، فرأتني وأنا أريد المذهب، فحملت معي السَّطْلَ وفيه ماءٌ، فوقع السطل منها، فقالت: تَعِس مِسْطَح. قالت لها عائشة: سبحان الله! تَسُبِّين رجلًا مِن أهل بدر، وهو ابنُكِ؟ قالت لها أم مسطح: إنّه سال بكِ السَّيْلُ وأنتِ لا تدرين! وأخبَرَتْها بالخبر. قالت: فلمّا أخبرتني أخذتني الحُمّى، فتَقَلَّص ما كان، ولم أجد المذهب. قالت عائشة: وقد كنت أرى مِن النبي ﷺ قبل ذلك جفوةً، ولم أدرِ مِن أيِّ شيء هو، فلما حدثتني أمُّ مِسْطَحٍ علمتُ أنّ جفوةَ رسول الله ﷺ كانت لِما أخبرتني أمُّ مسطح، فقلتُ للنبيِّ ﷺ: أتأذن لي أن أذهب إلى أهلي؟ قال: «اذهبي». فخرجت عائشةُ حتى أتت أباها، فقال لها: ما لكِ؟ قلت: أخرجني رسول الله ﷺ مِن بيته. قال لها أبو بكر: فأخرجك رسول الله ﷺ من بيته وآويك أنا؟! واللهِ، لا آويك حتى يأمر رسول الله ﷺ. فأمره رسولُ الله ﷺ أن يؤويها، فقال لها أبو بكر: واللهِ، ما قيل لنا هذا في الجاهلية قط، فكيف وقد أعزَّنا اللهُ بالإسلام؟ فبَكَتْ عائشةُ، وأمُّها أمُّ رَومان، وأبو بكر، وعبد الرحمن، وبكى معهم أهل الدار، وبلغ ذلك النبيَّ ﷺ، فصعد المنبر، فحَمِد الله، وأثنى عليه، فقال: «أيها الناسُ، مَن يعذرني مِمَّن يؤذيني؟». فقام إليه سعد بن معاذ، فسَلَّ سيفَه، وقال: يا رسول الله، أنا أعذرك منه، إن يكن مِن الأوسِ أتيتُك برأسه، وإن يكن مِن الخزرج أمرتَنا بأمرك فيه. فقام سعدُ بن عبادة، فقال: كذبتَ، واللهِ، ما تقدر على قتله، إنّما طلبتنا بذُحُولٍ كانت بيننا وبينكم في الجاهلية. فقال هذا: قال الأوس. وقال هذا: قال الخزرج. فاضطربوا بالنِّعال والحجارة، وتلاطموا، فقام أسيد بن حُضَير، فقال: فيمَ الكلام؟ هذا رسول الله يأمرنا بأمره، فينفُذُ عن رغم أنف مَن رغِم. ونزل جبريلُ وهو على المنبر، فلمّا سُرِّي عنه تلا عليهم ما نزل به جبريل: ﴿وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا﴾ [الحجرات:٩] إلى آخر الآيات. فصاح الناس: رضينا بما أنزل الله. وقام بعضُهم إلى بعض، فتلازموا، وتصايحوا، فنزل النبيُّ ﷺ عن المنبر، وانتظر الوحيُ في عائشة، فبعث النبيُّ ﷺ إلى علي بن أبي طالب، وأسامة بن زيد، وبريرة، وكان إذا أراد أن يستشير في أمر أهله لم يَعْدُ عَلِيًّا، وأسامةَ بعد موت أبيه زيد. فقال لعلي: «ما تقول في عائشة؟ فقد أهمني ما قال الناس». قال: يا رسول الله، قد قال الناس، وقد حلَّ لك طلاقُها. وقال لأسامة: «ما تقول أنت؟». قال: سبحان الله! ما يَحِلُّ لنا أن نتكلم بهذا، سبحانك هذا بهتان عظيم. فقال لبريرة: «ما تقولين، يا بريرة؟». قالت: واللهِ، يا رسول الله، ما علِمْتُ على أهلِكَ إلا خيرًا، إلا أنها امرأة نَؤُوم، تنام حتى تجيءَ الدّاجِنُ فتأكل عجينها، وإن كان شيءٌ مِن هذا ليخبرنك اللهُ. فخرج ﷺ حتى أتى منزلَ أبي بكر، فدخل عليها، فقال لها: «يا عائشة، إن كنتِ فعلتِ هذا الأمرَ فقولي لي حتى أستغفرَ اللهَ لكِ». فقالت: واللهِ، لا أستغفر الله منه أبدًا، إن كنتُ قد فعلتُه فلا غَفَرَ الله لي، وما أجد مَثَلي ومَثَلُكم إلا مَثَلَ أبي يوسف -وذهب اسم يعقوب مِن الأسف-، قال: ﴿انما أشكوا بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون﴾ [يوسف:٨٦]. فبينا رسول الله ﷺ يُكَلِّمها إذ نزل جبريلُ بالوحي، فأخذتِ النبيَّ ﷺ نعسةٌ، فسُرِّي وهو يتبسم، فقال: «يا عائشةُ، إنّ الله قد أنزل عذركِ». فقالت: بحمد الله، لا بحمدك. فتلا عليها سورةَ النور إلى الموضع الذي انتهى خبرُها وعذرُها وبراءتُها، فقال رسول الله ﷺ: «قُومي إلى البيت». فقامت، وخرج رسول الله ﷺ إلى المسجد، فدعا أبا عبيدة بن الجراح، فجمع الناس، ثم تلا عليهم ما أنزل الله من البراءة لعائشة، وبعث إلى عبد الله بن أُبَيٍّ، فجيء به، فضربه النبيُّ ﷺ حَدَّيْن، وبعث إلى حسان ومسطح وحمنة، فضُرِبوا ضربًا وجيعًا، ووَجَأَ في رقابهم. قال ابن عمر: إنّما ضرب رسولُ الله ﷺ عبد الله بن أُبَيٍّ حَدَّيْن؛ لأنّه مَن قذف أزواج النبي ﷺ فعليه حَدّان. فبعث أبو بكر إلى مِسْطَح: لا وصَلْتُك بدرهمٍ أبدًا، ولا عطفتُ عليك بخير أبدًا. ثم طرده أبو بكر، وأخرجه من منزله، فنزل القرآن: ﴿ولا يأتل أولوا الفضل منكم﴾ إلى آخر الآية. فقال أبو بكر: أما إذ نزل القرآن يأمرني فيك لأُضاعِفَنَّ لك. وكانت امرأة عبد الله بن أُبَيٍّ مُنافقة معه؛ فنزل القرآن: ﴿الخبيثات﴾ يعني: امرأة عبد الله ﴿للخبيثين﴾ يعني: عبد الله، ﴿والخبيثون للخبيثات﴾ يعني: عبد الله وامرأته، ﴿والطيبات﴾ يعني: عائشة وأزواج النبي ﷺ ﴿للطيبين﴾ يعني: النبي ﷺ
اختُلف في فاعل «زكّى» على قولين: الأول: أن يكون هو الله تعالى. الثاني: أن يكون الإنسان وعليه تقع ﴿مَن﴾. ووجَّه ابنُ عطية (٨/٦٢٩) القول الأول بقوله: «كأنه تعالى قال: قد أفلحت الفرقة أو الطائفة التي زَكّاها الله تعالى، و﴿مَن﴾ تقع على جمع أو أفراد». ووجَّه القول الثاني بقوله: «كأنه تعالى قال: قد أفلح مَن زكّى نفسه، أي: اكتسب الزكاء الذي قد خَلَقه الله تعالى له». ثم ذكر حديث سعيد بن أبي هلال السابق، ثم علَّق عليه بقوله: «وهذا الحديث يُقوِّي أنّ المُزكِّي هو الله تعالى». وذكر ابنُ تيمية (٧/٢٤) معنى الاحتمال الأول، فقال: «وقيل: قد أفلحتْ نفسٌ زَكّاها الله، وقد خابتْ نفس دسّاها الله. وهذا قول الفراء والزّجّاج، وكذلك ذكره الوالبي عن ابن عباس». ثم انتقده -مستندًا إلى اللغة، والدلالة العقلية- قائلًا: «وهو منقطع، وليس هو مراد من الآية، بل المراد بها الأول[يقصد القول بأن فاعل زكى هو الإنسان] قطعًا لفظًا ومعنى. أما اللفظ فقوله: ﴿مَن زَكّاها﴾ اسم موصول، ولا بُدّ فيه مِن عائد على ﴿مَن﴾، فإذا قيل: قد أفلح الشخص الذي زَكّاها. كان ضمير الشخص في ﴿زَكّاها﴾ يعود على ﴿مَن﴾، وهذا وجه الكلام الذي لا ريب في صحته، كما يقال: قد أفلح مَن اتقى الله، وقد أفلح مَن أطاع ربه، وقد أفلح مَن خاف منه. وأمّا إذا كان المعنى: قد أفلح مَن زَكّاه الله. لم يبق في الجملة ضمير يعود على ﴿مَن﴾، فإنّ الضمير على هذا يعود على الله، وليس هو ﴿مَن﴾، وضمير المفعول يعود على النفس المتقدّمة، فلا يعود على ﴿مَن﴾ لا ضمير الفاعل ولا المفعول، فتخلو الصلة من عائد، وهذا لا يجوز. نعم، لو قيل: قد أفلح مَن زَكّى الله نفسه، أو مَن زَكّاها الله له، ونحو ذلك صحّ الكلام، وخفاء هذا على مَن قال به مِن النحاة عجب. وهو لم يقل: قد أفلحتْ نفس زَكّاها. فإنه هنا كانت تكون زَكّاها صفة لنفس لا صلة، بل قال: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾، فالجملة صلة لـ﴿مَن﴾ لا صفة لها. ولا قال أيضًا: قد أفلحتْ النفس التي زَكّاها. فإنه لو قيل ذلك وجعل في ﴿زكاها﴾ ضمير يعود على اسم الله صحّ. فإذا تكلّفوا وقالوا: التقدير ﴿قد أفلح مَن زَكّاها﴾ هي النفس التي زَكّاها. وقالوا: في زَكّى ضمير المفعول يعود على ﴿مَن﴾، وهي تصلح للمذكر والمؤنث، والواحد والعدد، فالضمير عائد على معناها المؤنث، وتأنيثها غير حقيقي، ولهذا قيل: ﴿قد أفلح﴾، ولم يقل: قد أفلحتْ، قيل لهم: هذا مع أنه خروج مِن اللغة الفصيحة فإنما يصح إذا دل الكلام على ذلك في مثل: ﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صالِحًا﴾ [الأحزاب:٣١]، فإنّ قوله: ﴿منكن﴾ دلَّ على أنّ المراد: النساء، فقيل:»تعمل«، وكذا قوله: ﴿ومِنهُمْ مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ﴾ [يونس:٤٢] ونحو ذلك، وأمّا هنا فليس في لفظ ﴿مَن﴾ وما بعدها ما يدل على أنّ المراد به النفس المؤنثة، فإنه لم يقل: قد أفلحتْ، ولا قال: قد أفلح من النفوس مَن زَكّاها، وقد تقدّمها قوله: ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ [الشمس:٧-٨]، ثم قال: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾، فتقدّم ما يصح عود ضمير المؤنث إليه، ولم يتقدّم دليل على عوده إلى غير ذلك، فلا يجوز أن يُراد بالكلام ما ليس فيه دليل على إرادته؛ فإنّ مثل هذا مما يصان كلام الله عنه، فلو قُدِّر احتمال عود ضمير ﴿زكاها﴾ إلى»نفس«وإلى ﴿مَن﴾ مع أنّ لفظ ﴿من﴾ لا دليل يوجب عوده عليه لكان إعادته إلى المؤنث أولى من إعادته إلى ما يحتمل التذكير والتأنيث، وهو في التذكير أظهر لعدم دلالته على التأنيث، فإنّ الكلام إذا احتمل معنيين وجب حمله على أظهرهما، ومَن تكلّف غير ذلك فقد خرج عن كلام العرب المعروف، والقرآن مُنَزّه عن ذلك، والعدول عما يدُلُّ عليه ظاهر الكلام إلى ما لا يدل عليه بلا دليل لا يجوز ألبتة، فكيف إذا كان نصًّا من جهة المعنى؟! فقد أخبر الله أنه يلهم التقوى والفجور، ولبسط هذا موضع آخر. والمقصود هنا أمر الناس بتزكية أنفسهم، والتحذير من تدسيتها، كقوله: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾، فلو قُدِّر أنّ المعنى: قد أفلح مَن زَكّى الله نفسه لم يكن فيه أمر لهم ولا نهي؛ ولا ترغيب ولا ترهيب. والقرآن إذا أمر أو نهى لا يذكر مجرد القدر، فلا يقول: مَن جعله الله مؤمنًا. بل يقول: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١]، ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعلى:١٤]، إذ ذكر مجرد القدر في هذا يناقض المقصود، ولا يليق هذا بأضعف الناس عقلًا؛ فكيف بكلام الله؟! ألا ترى أنه في مقام الأمر والنهي والترغيب والترهيب يذكر ما يناسبه من الوعد والوعيد، والمدح والذم، وإنما يذكر القدر عند بيان نعمه عليهم: إمّا بما ليس من أفعالهم، وإما بإنعامه بالإيمان والعمل الصالح، ويذكره في سياق قدرته ومشيئته، وأمّا في معرض الأمر فلا يذكره إلا عند النِّعم. كقوله: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ ورَحْمَتُهُ ما زَكى﴾ الآية [النور:٢١]، فهذا مناسب. وقوله: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعلى:١٤]، وهذه الآية من جنس الثانية لا الأولى». ورجَّح ابنُ القيم (٣/٣١٠) -مستندًا إلى النظائر، ودلالة العقل- الاحتمال الثاني، فقال: «هذا القول هو الصحيح، وهو نظير قوله: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعلى:١٤]، وهو سبحانه إذا ذكر الفلاح علّقه بفعل المفلح، كقوله: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١] إلى آخر الآيات». ثم ذكر حُجّة أصحاب الاحتمال الأول، فقال: «قال أرباب هذا القول: قد أقسم الله بهذه الأشياء التي ذكرها لأنها تدل على وحدانيته، وعلى فلاح من طهّره، وخسارة مَن خذله، حتى لا يظن أحد أنه هو الذي يتولى تطهير نفسه وإهلاكها بالمعصية من غير قدرٍ سابق، وقضاء متقدم. قالوا: وهذا أبلغ في التوحيد الذي سيقت له هذه السورة، قالوا: ويدل عليه قوله: ﴿فَأَلْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾، قالوا: ويشهد له حديث نافع، عن ابن عمر، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة أنها قالت: انتبهت نفسي ليلة، فوجدتُ رسول الله وهو يقول: «ربِّ، أعطِ نفسي تقواها، وزَكِّها أنت خير مَن زَكّاها، أنت وليّها ومولاها». قالوا: فهذا الدعاء هو تأويل الآية، بدليل الحديث الآخر: أنّ النبي كان إذا قرأ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ وقف، ثم قال: «اللهم، آتِ نفسي تقواها، أنت وليّها ومولاها، وزَكِّها أنت خير مَن زَكّاها». قالوا: وفي هذا ما يبيّن أنّ الأمر كلّه له سبحانه، فإنه هو خالق النفس ومُلهِمها الفجور والتقوى، وهو مُزكِّيها ومُدسِّيها، فليس للعبد في الأمر شيء، ولا هو مالك من أمر نفسه شيئًا». ثم انتقدهم قائلًا: «هذا القول وإن كان جائزًا في العربية، حاملًا للضمير المنصوب على معنى ﴿مَن﴾ وإن كان لفظها مذكرًا، كما في قوله: ﴿ومِنهُمْ مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ﴾ [يونس:٤٢] جمع الضمير وإن كان لفظ ﴿من﴾ مفردًا حملًا على نظمها، فهذا إنما يحسن حيث لا يقع لبس في مفسر الضمائر، وههنا قد تقدم لفظ ﴿من﴾، والضمير المرفوع في ﴿زَكّاها﴾ يستحقه لفظًا ومعنًى، فهو أولى به، ثم يعود الضمير المنصوب على النفس التي هي أولى به لفظًا ومعنًى، فهذا هو النظم الطبيعي الذي يقتضيه سياق الكلام ووضعه، وأمّا عود الضمير الذي يلي ﴿من﴾ على الموصول السابق، وهو قوله: ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾، وإخلاء جاره الملاصق له وهو ﴿من﴾، ثم عود الضمير المنصوب وهو مؤنث على ﴿من﴾ ولفظه مذكر دون النفس المؤنثة؛ فهذا يجوز لو لم يكن للكلام محمل غيره أحسن منه، فأمّا إذا كان سياق الكلام ونظمه يقتضي خلافه، ولم تدع الضرورة إليه؛ فالحمل عليه ممتنع. قالوا: والقول الذي ذكرناه أرجح من جهة المعنى لوجوه: أحدها: أن فيه إشارة إلى ما تقدّم مِن تعليق الفلاح على فعل العبد واختياره كما هي طريقة القرآن. الثاني: أنّ فيه زيادة فائدة، وهي إثبات فعل العبد وكسبه وما يثاب وما يعاقب عليه، وفي قوله: ﴿فَأَلْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ إثبات القضاء والقدر السابق، فتضمّنت الآيتان هذين الأصلين العظيمين، وهما كثيرًا ما يقترنان في القرآن؛ كقوله: ﴿إنَّهُ تَذْكِرَةٌ فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ وما يَذْكُرُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [المدثر:٥٤-٥٦]، وقوله: ﴿لِمَن شاءَ مِنكُمْ أنْ يَسْتَقِيمَ وما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٨-٢٩] فتضمّنت الآيتان الرد على القدرية والجبرية. الثالث: أنّ قولنا يستلزم قولكم دون العكس، فإنّ العبد إذا زَكّى نفسه ودسّاها فإنما يزُكِّيها بعد تزكية الله لها بتوفيقه وإعانته، وإنما يُدسِّيها بعد تدسية الله لها بخذلانه والتخلية بينه وبين نفسه، بخلاف ما إذا كان المعنى على القدر السابق المحض لم يبق للكسب وفعل العبد ههنا ذكر ألبتة»
اختُلِف في قوله: ﴿ذلك ليعلم أني لم اخنه بالغيب﴾ على قولين: الأول: أنّه مِن قول يوسف. واختُلِف القائلون بهذا القول على وجهين: الوجه الأول: أنّ هذه المقالة مِن يوسف هي مُتَّصِلة بقوله للرسول: ﴿إن ربي بكيدهن عليم﴾، وفي الكلام تقديم وتأخير وهو قول ابن جريج. وعلَّق عليه ابنُ عطية (٥/١٠٤) بقوله: «فالإشارة بقوله: ﴿ذلك﴾ -على هذا التأويل- هي إلى بقائه في السجن، والتماسه البراءة، أي: هذا ليعلم سيدي أنِّي لم أخنه. الوجه الثاني: أنّ يوسف قال هذه المقالة حين قالت امرأة العزيز كلامها، إلى قولها: ﴿وإنه لمن الصادقين﴾، وهو قول ابن عباس. ولم يذكر ابنُ جرير غيرَ هذا القولَ، واستشهد له باللغة، والنظائر، وأقوال السلف، فقال:»واتَّصَلَ قوله: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ بقول امرأة العزيز: ﴿أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ المعَرِّفَة السّامِعِين لمعناه، كاتِّصال قول الله تعالى: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ بقول المرأة: ﴿وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً﴾ [النمل:٣٤]، وذلك أنّ قوله: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ خَبَرُ مبتدإٍ. وكذلك قول فرعون لأصحابه في سورة الأعراف: ﴿فَماذا تَأْمُرُونِ﴾، وهو مُتَّصِلٌ بقول المَلَأِ: ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكُمْ مِن أرْضِكُمْ﴾ [الأعراف:١١٠]"". وعلَّق ابنُ عطية على هذا القول بقوله: «فالإشارة -على هذا- إلى إقرارها، وصنع الله تعالى فيه». وانتقده مستندًا للسياق، فقال: «وهذا يضعف؛ لأنّه يقتضي حضورُه مع النسوة عند الملك، وبعد هذا يقول الملك: ﴿ائتوني به﴾». ثم بَيَّن أنه على هذا القول يجيء قوله: ﴿وأن الله لا يهدي كيد الخائنين﴾ «بتقدير: وليعلم أنّ الله لا يهدي كيد الخائنين». الثاني: أنّه مِن قول المرأة، ذكره ابنُ عطية (٥/١٠٤)، وعلَّق عليه بقوله (٥/١٠٥): «أي: قولي هذا وإقراري ليعلم يوسف أنِّي لم أخنه في غيبته بأن أكذب عليه أو أرميه بذنب هو بريء منه، والتقدير على هذا التأويل: توبتي وإقراري ليعلم أنِّي لم أخنه، وأنّ الله لا يهدي كيد الخائنين». واختُلِف في قوله: ﴿وما أبرئ نفسي... ﴾، هل هي من كلام يوسف أم من كلام المرأة، حسب التي قبلها، وذكر ابنُ عطية (٥/١٠٥) أنّ مَن قال إنها من كلام يوسف روى في ذلك: عن أنس بن مالك أنّ رسول الله ﷺ قال: لما قال يوسف: أني لم أخنه بالغيب. قال له جبريل: ولا حين هممت وحللت سراويلك. ومَن قال بأنّه مِن قول المرأة وجَّه كلامَها إلى الاعتذار عن وقوعها فيما يقع فيه البشر من الشهوات، كأنها قالت: وما هذا ببِدْعٍ، ولا ذلك نكير على البشر فأُبرِّئ أنا منه نفسي، والنفوس أمارات بالسوء مائلة إليه. وانتقد ابنُ تيمية (٤/٤٥-٥٢بتصرف) قولَ مَن قال بأنّ الآيتين مِن قول يوسف، وهو قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والضحاك، والسدي، وغيرهم، فقال: «وهو قول في غاية الفساد، ولا دليل عليه، بل الأدلة تدُلُّ على نقيضه». ورجَّح القولَ بأنّه مِن قول المرأة مستندًا إلى السياق، والدلالة العقلية، وذلك:١- أنّ حال يوسف الظاهر مِن القرآن أنّه صاحب نفس زكية عفيفة لم تستجب للإغراء الشديد، فكيف يقول: ﴿وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء﴾ وهو يعلم أنّ نفسه بريئة زكية غير أمارة. ٢- أنّ قوله: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ إذا كان معناه على ما زعموه أن يوسف أراد أن يعلم العزيز أني لم أخنه في امرأته على قول أكثرهم؛ أو ليعلم الملك أو ليعلم الله لم يكن هنا ما يشار إليه، فإنه لم يتقدم مِن يوسف كلام يشير به إليه، ولا تقدم أيضًا ذكرَ عفافه واعتصامه؛ فإن الذي ذكره النسوة قولهن: ﴿ما علمنا عليه من سوء﴾. وقول امرأة العزيز: ﴿أنا راودته عن نفسه﴾. وهذا فيه بيان كذبها فيما قالته أوَّلًا، ليس فيه نفس فعله الذي فعله هو. فقول القائل: إنّ قوله: ﴿ذلك﴾ من قول يوسف، مع أنّه لم يتقدم منه هنا قول ولا عمل؛ لا يَصِحُّ بحال. ٣- أنّ المعنى على هذا التقدير -لو كان هنا ما يشار إليه مِن قول يوسف أو عمله-: إنّ عِفَّتي عن الفاحشة كان ليعلم العزيزُ أنِّي لم أخنه، ويوسف عليه السلام إنّما تركها خوفًا مِن الله ورجاء لثوابه؛ لا لأجل مجرد علم مخلوق. قال الله تعالى: ﴿ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين﴾. فأخبر أنّه رأى برهان ربه، وأنّه مِن عباده المخلصين. ومَن ترك المحرمات ليعلم المخلوق بذلك لم يكن هذا لأجل برهان من ربه، ولم يكن بذلك مخلصًا، فهذا الذي أضافوه إلى يوسف إذا فعله آحادُ الناس لم يكن له ثواب من الله؛ بل يكون ثوابه على مَن عمل لأجله. ٤- أنّ الناس عادتهم في مثل هذا يعرفون بما عملوه مَن لذلك عنده قدر، وهذا يناسب لو كان العزيز غيورًا، وللعِفَّة عنده جزاء كثير، والعزيز قد ظهرت عنه مِن قلة الغيرة وتمكين امرأته مِن حبس يوسف مع الظالمين مع ظهور براءته ما يقتضي أنّ مثل هذا ينبغي في عادة الطباع أن يقابل على ذلك بمواقعة أهله، فإنّ النفس الأمارة تقول في مثل هذا: هذا لم يعرف قدر إحساني إليه وصوني لأهله؛ بل سلَّطها ومكَّنها. فكثير من النفوس لو لم يكن في نفسها الفاحشة إذا رأت مَن حاله هذا تفعل الفاحشة؛ إما نكاية فيه ومجازاة له على ظلمه، وإمّا إهمالًا له لعدم غيرته وظهور دياثته، ولا يصبر في مثل هذا المقام عن الفاحشة إلا من يعمل لله خائفًا منه، وراجيًا لثوابه، لا من يريد تعريف الخلق بعمله. ٥- أنّ الخيانة ضد الأمانة، وهما من جنس الصدق والكذب، ولهذا يقال: الصادق الأمين، ويقال: الكاذب الخائن. وهذا حال امرأة العزيز، فإنها لو كذبت على يوسف في مغيبه وقالت: راودني. لكانت كاذبة وخائنة، فلما اعترفت بأنها هي المراودة كانت صادقة في هذا الخبر أمينة فيه، ولهذا قالت: ﴿وإنه لمن الصادقين﴾. فأخبرت بأنه صادق في تبرئته نفسه دونها. فأما فعل الفاحشة فليس من باب الخيانة والأمانة، ولكن هو من باب الظلم والسوء والفحشاء كما وصفها الله بذلك في قوله تعالى عن يوسف: ﴿معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون﴾. ولم يقل هنا: الخائنين، ثم قال تعالى: ﴿كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين﴾. ولم يقل: لنصرف عنه الخيانة. ٦- أنّ النفوس منقسمة إلى مرحومة وأمارة كما قال القرآن: ﴿إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي﴾. وقد علِمنا قطعًا أنّ نفس امرأة العزيز من النفوس الأمارة بالسوء، وأمّا نفس يوسف عليه السلام فإن لم تكن من النفوس المرحومة عن أن تكون أمّارة فما في الأنفس مرحوم؛ فإنّ مَن تدَّبر قصة يوسف علم أن الذي رُحم به وصرف عنه من السوء والفحشاء من أعظم ما يكون، ولولا ذلك لما ذكره الله في القرآن وجعله عبرة، وما من أحد من الصالحين الكبار والصغار إلا ونفسه إذا ابتليت بمثل هذه الدواعي أبعد عن أن تكون مرحومة من نفس يوسف. وعلى هذا التقدير: فإن لم تكن نفس يوسف مرحومة فما في النفوس مرحومة، فإذًا كل النفوس أمارة بالسوء، وهو خلاف ما في القرآن. ٧-أن هذا الكلام فيه -مع الاعتراف بالذنب- الاعتذار بذكر سببه، فإنّ قولها: ﴿أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين﴾ فيه اعتراف بالذنب، وقولها: ﴿وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء﴾ إشارة تطابق لقولها: ﴿أنا راودته﴾، أي: أنا مُقِرَّة بالذنب ما أنا مبرئة لنفسي، ثم بينت السبب فقالت: ﴿إن النفس لأمارة بالسوء﴾ فنفسي من هذا الباب، فلا ينكر صدور هذا منِّي، ثم ذكرت ما يقتضي طلب المغفرة والرحمة، فقالت: ﴿إن ربي غفور رحيم﴾. فإن قيل: فهذا كلام مَن يُقِرُّ بأن الزنا ذنب، وأن الله قد يغفر لصاحبه. قيل: نعم، والقرآن قد دل على ذلك حيث قال زوجها: ﴿واستغفري لذنبك﴾. وهذا دليل أنهم كانوا يرون ذلك ذنبًا ويستغفرون منه وإن كانوا مع ذلك مشركين؛ إذ الفواحش مما اتَّفق اهل الأرض على استقباحها. ٨-أنّ الله لم يذكر عن نبيٍّ ذنبًا إلا ذكر توبته منه، ويوسف لم يذكر القرآن أنه فعل مع المرأة ما يتوب منه، وما نقل عن وقوعه في بعض مقدمات الذنب كحل السراويل ونحوها فهذا ليس مما ينقل عن النبي، بل عن أهل الكتاب، وقولهم في الأنبياء معروف، فلو لم يكن معنا ما يرد نقلهم لم نصدقهم فيما لم نعلم صدقهم فيه، فكيف نصدقهم فيما قد دل القرآن على خلافه. والقرآن قد أخبر عن يوسف مِن الاستعصام والتقوى والصبر في هذه القضية ما لم يذكر عن أحد نظيره، فلو كان يوسف قد أذنب لَكان إما مصرًّا وإما تائبًا، والإصرار ممتنع، فتعيَّن أن يكون تائبًا، واللهُ لم يذكر عنه توبة في هذا ولا استغفارًا كما ذكر عن غيره من الأنبياء؛ فدلَّ ذلك على أن قوله: ﴿إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي﴾ إنما يناسب حال امرأة العزيز لا يناسب حال يوسف. وانتقد ابنُ القيم (٢/٦٤-٦٥بتصرف) القول بأنه من قول يوسف، ورجَّح أنّه من قول امرأة العزيز مستندًا إلى اللغة، والسياق، وذلك:١- أنّه متصل بكلام المرأة السابق، وهو قولها: ﴿الآن حصحص الحق أنا راودته﴾، ومن جعله من قوله فإنه يحتاج إلى إضمار قول لا دليل عليه في اللفظ بوجه، والقول في مثل هذا لا يُحْذَف لئلا يوقع في اللبس، فإن غايته أن يحتمل الأمرين، فالكلام الأول أولى به قطعًا. ٢- أنّ يوسف لم يكن حاضرًا وقت مقالتها هذه، بل كان في السجن، والسياق صريح في ذلك فإنّه لما أرسل الملك إليه يدعوه قال للرسول: ﴿ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن﴾. ٣- أنّ الضمائر كلها في نسق واحد، وذلك قول النسوة: ﴿ما علمنا عليه من سوء﴾، وقول امرأة العزيز: ﴿أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين﴾، فهذه خمسة ضمائر بين بارز ومستتر، ثم اتصل بها قوله: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾، فهذا هو المذكور أولًا بعينه، فلا شيء يفصل الكلام عن نظمه ويضمر فيه قولٌ لا دليل عليه. وبنحوه قال ابنُ كثير (٨/٥٠-٥١)
عن سعيد بن جبير، قال: سألتُ عبد الله بن عباس عن قول الله تعالى لموسى عليه السلام: ﴿وفتناك فتونا﴾، فسألت عن الفتون ما هو؟ فقال: استأنف النهارَ، يا ابن جبير؛ فإنّ لها حديثًا طويلًا. فلمّا أصبحتُ غَدَوْتُ على ابن عباس لأتَنَجَّز ما وعدني مِن حديث الفتون، فقال: تذاكر فرعونُ وجلساؤه ما كان اللهُ وعَدَ إبراهيم مِن أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكًا؛ فقال بعضهم: إنّ بني إسرائيل ينتظرون ذلك ما يَشُكُّون فيه، ولقد كانوا يظنون أنّه يوسف بن يعقوب، فلمّا هلك قالوا: ليس هذا كان وعدُ اللهِ إبراهيمَ. قال فرعون: فكيف ترون؟ فائْتَمَرُوا وأجمعوا أمرهم على أن يبعث رجالًا معهم الشِّفار، يطوفون في بني إسرائيل، فلا يجدون مولودًا إلا ذبحوه، ففعلوا، فلمّا رأوا أنّ الكبار يموتون بآجالهم، وأنّ الصغار يُذْبَحون؛ قالوا: يُوشِك أن يفنى بنو إسرائيل؛ فتصيروا أن تُباشِروا الأعمال والخِدْمَة التي كانوا يَكْفُونَكم، فاقتلوا عامًا كل مولود ذكر، فتَقِلُّ أبناؤهم، ودعوا عامًا لا تقتلوا منهم أحدًا، فيَشِبُّ الصِّغارُ مكان مَن يموت مِن الكبار؛ فإنهم لن يكثروا فتخافون مكاثرتهم إيّاكم، ولن يفنوا بمن تقتلون فتحتاجون إليهم. فأجمعوا أمرهم على ذلك، فحملت أمُّ موسى بهارون في العام الذي لا يُذبَح فيه الغلمان، فوَلَدَتْ علانِيَةً آمِنَةً، حتى إذا كان في قابِلٍ حملت بموسى، فوقع في قلبها الهمُّ والحُزن -فذلك مِن الفتون، يا ابن جبير؛ ما دخل عليه في بطن أمه ما يُراد به-، فأوحى الله إليها أن: ﴿لا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين﴾ [القصص:٧]. وأَمَرَها إذا ولَدَتْه أن تجعله في تابوت، ثم تُلقيه في اليمِّ، فلما ولَدْت فَعَلَتْ ما أُمِرَت به، حتى إذا توارى عنها ابنُها أتاها الشيطان، وقالت في نفسها: ما فعلتُ بابني؟! لو ذُبِح عندي فوارَيْتُه وكَفَّنتُه كان أحبَّ إلَيَّ مِن أن ألقيه إلى دوابِّ البحر وحيتانه. فانطلق به الماءُ حتى أوْفى به عند فُرْضَة مُسْتَقى جواري امرأة فرعون، فرَأَيْنَه، فأخَذْنَه، فهَمَمْنَ أن يَفْتَحْنَ الباب، فقال بعضُهُنَّ لبعض: إنّ في هذا لَمالًا، وإنّا إن فتحناه لم تُصَدِّقنا امرأةُ الملك بما وجدنا فيه. فحَمَلْنه بهيئته، لم يُحَرِّكْنَ منه شيئًا حتى دَفَعْنَه إليها، فلمّا فتحته رأت فيه الغلامَ، فألقي عليها محبةٌ لم تلْقَ منها على أحد مِن البشر قطُّ، ﴿وأصبح فؤاد أم موسى فارغا﴾ [القصص:١٠] مِن ذِكْرِ كلِّ شيء إلا مِن ذكر موسى. فلمّا سمع الذبّاحون بأمره أقبلوا إلى امرأة فرعون بشِفارِهم، يريدون أن يذبحوه -وذلك مِن الفتون، يا ابن جبير-. فقالت للذبّاحين: آمروني، فإنّ هذا الواحدُ لا يزيد في بني إسرائيل، فإني آتي فرعون فأسْتَوْهِبُه إيّاه، فإن وهبه لي فقد أحسنتم وأجملتم، وإن أمر بذبحه لم ألُمْكُم. فلمّا أتت به فرعونَ قالت: ﴿قرة عين لي ولك لا تقتلوه﴾ [القصص:٩]. قال فرعون: يكون لكِ، وأما لي فلا حاجة لي فيه. قال رسول الله ﷺ: «والذي يحلف به، لو أقرَّ فرعون بأن يكون قُرَّة عين له كما قالت امرأتُه لهداه الله به كما هدى به امرأته، ولكن الله عز وجل حرمه ذلك». فأرسلت إلى مَن حولها مِن كل امرأة لها لبنٌ لِتختار له ظِئْرًا، فكلَّما أخذته امرأةٌ مِنهُنَّ لترضعه لم يقبل ثديها، حتى أشفقت امرأةُ فرعون أن يمتنع مِن اللبن فيموت، فأحزنها ذلك، فأمرت به، فأُخْرِج إلى السوق ومجمع الناس، ترجو أن تجد له ظِئْرًا يأخذ منها، فلم يفعل. وأصبحتْ أمُّ موسى والِهًا، فقالت لأخته: قُصِّي أثره، واطلبيه، هل تسمعين له ذِكْرًا؟ أحيٌّ أم قد أكلته الدوابُّ؟ ونَسِيَتِ الذي كان وعَدَ اللهُ. فبصرت به أختُه عن جنب وهم لا يشعرون -والجنب: أن يَسْمُوَ بصرُ الإنسانِ إلى شيء بعيد وهو إلى جنبه، وهو لا يشعر به-، فقالت مِن الفرح حين أعياهم الظُّئُورات: أنا أدلُّكم على أهل بيتٍ يكفلونه لكم وهم له ناصحون. فأخذوها، فقالوا: وما يدريك ما نصحهم له؟ هل يعرفونه؟! حتى شكُّوا في ذلك -وذلك من الفتون، يا ابن جبير-، فقالت: نصحهم له وشفقتهم عليه رغبتهم في صِهر الملك رجاءَ منفعته. فتركوها، فانطلقت إلى أمه، فأخبرتها الخبر، فجاءت، فلما وضعته في حِجرها نزا إلى ثديها، فمصَّه حتى امتلأ جنباه ريًّا، وانطلق البشراء إلى امرأة فرعون يُبَشِّرونها: إنّا قد وجدنا لابنك ظِئْرًا. فأرسلت إليها، فأُتِيَت بها وبه، فلمّا رأت ما يصنع بها قالت لها: امكثي عندي، أرضعي ابني هذا؛ فإني لم أُحِبَّ حُبَّه شيئًا قط. قالت: لا أستطيع أن أدع بيتي وولدي فيضيع، فإن طابت نفسُك أن تعطينيه فأذهب به إلى بيتي فيكون معي لا آلوه خيرًا فعلتُ، وإلا فإني غيرُ تاركةٍ بيتي وولدي. فذكرت أمُّ موسى ما كان الله عز وجل وعَدَها، فتعاسرت على امرأة فرعون لذلك، وأيقنت أن الله عز وجل مُنجِزٌ وعدَه، فرجعت بابنها من يومها، فأنبته الله نباتًا حسنًا، وحفظه لِما قد قضى فيه، فلم يزل بنو إسرائيل وهم يجتمعون في ناحية القرية يمتنعون به مِن الظُّلم والسُّخْرَةِ منذ كان فيهم. فلمّا ترعرع قالت امرأةُ فرعون لأم موسى: أزيريني ابني. فوعدتها يومًا تزورها فيه به، فقالت لخُزّانِها وظُئُورِها وقَهارِمَتِها: لا يبقى منكم اليوم واحد إلا استقبل ابني بهدية وكرامةٍ أرى ذلك فيه، وأنا باعثةٌ أمينًا يُحْصِي ما صنع كلُّ إنسان منكم. فلم تزل الهدايا والنِحَل والكرامة تستقبله مِن حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل عليها، فلما دخل عليها أكرمته ونَحَلته، وفرحت به وأعجبها، ونَحَلَتْ أمه لحسن أثرها عليه، ثم قالت: لأنطلِقَنَّ به إلى فرعون فلَيُنْحِلَنَّه وليُكْرِمَنَّه. فلما دخلت به عليه، وجعلته في حجره، فتناول موسى لحية فرعون، فمدَّها إلى الأرض، فقالت له الغواةُ مِن أعداء الله: ألا ترى إلى ما وعد الله إبراهيم! إنّه يَرِثُك ويصرعك ويعلوك. فأرسل إلى الذباحين ليذبحوه -وذلك مِن الفتون يا بن جبير، يَعُدُّ كلَّ بلاء ابتلي به وأريد به فتونًا-، فجاءت امرأةُ فرعون تسعى إلى فرعون، فقالت: ما بدا لك في هذا الصبي الذي وهبته لي؟ قال: ألا ترينه يزعم أنه سيصرعني ويعلوني! ؟ قالت له: اجعل بيني وبينك أمرًا تعرف فيه الحق؛ ائت بجمرتين ولؤلؤتين، فقَرِّبْهُنَّ إليه، فإن بطش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين علمتَ أنه يعقل، وإن هو تناول الجمرتين ولم يُرِد اللؤلؤتين فاعلم أنّ [أحدًا] لا يؤثر الجمرتين على اللؤلؤتين وهو يعقل! فقُرِّب ذلك إليه، فتناول الجمرتين، فانتزعوهما منه مخافة أن يحرقا بدنه، فقالت المرأة: ألا ترى؟! وصرفه الله عنه بعد أن كان همَّ به، وكان اللهُ بالغَ أمره فيه. فلمّا بلغ أشده وكان من الرجال لم يكن أحد مِن آل فرعون يخلص إلى أحد مِن بني إسرائيل معه بظُلْم ولا بسُخْرَة، حتى امتنعوا كل الامتناع، فبينما هو يمشي في ناحية المدينة إذا هو برجلين يقتتلان؛ أحدهما من بني إسرائيل، والآخر من آل فرعون، فاستغاثه الإسرائيليُّ على الفرعوني، فغضب موسى، واشتد غضبه؛ لأنه تناوله وهو يعلم منزلة موسى مِن بني إسرائيل وحفظه لهم -لا يعلم إلا أنّ ذلك مِن الرضاع من أم موسى، إلا أن يكون اللهُ تعالى أطلع موسى مِن ذلك على ما لم يُطْلِع غيره عليه-، فوكز موسى الفرعونيَّ، فقتله، وليس يراهما أحدٌ إلا الله والإسرائيليُّ. فقال موسى حين قتل الرجل: ﴿هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين﴾ [القصص:١٥]. ثم قال: ﴿ربي إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له﴾ [القصص:١٦]. وأصبح في المدينة خائفًا يترقب الأخبار، فأتى فرعونُ، فقيل له: إنّ بني إسرائيل قتلوا رجلًا مِن آل فرعون، فخُذ لنا بحَقِّنا، ولا ترخص لهم. فقال: ائتوني قاتلَه ومَن شهد عليه؛ فإن الملك -وإن كان صَفْوُه مع قومه- لا يستقيم له أن يقِيدَ بغير بيِّنة ولا ثبت، فاطلبوا علمَ ذلك آخذْ لكم بحقِّكم. فبينما هم يطوفون فلا يجدون بيِّنة ولا ثبتًا، إذا موسى من الغد قد رأى ذلك الإسرائيليَّ يقاتل فرعونيًّا آخر، فاستغاثه الإسرائيليُّ على الفرعوني، فصادف موسى قد ندِم على ما كان، وكَرِه الذي رأى، فغضب من الإسرائيلي، وهو يريد أن يبطش بالفرعوني، فقال للإسرائيلي لما فعل بالأمس واليوم وقال: ﴿إنك لغوي مبين﴾ [القصص:١٨]. فنظر الإسرائيليُّ إلى موسى حين قال له ما قال، فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس، فخاف بعدما قال له: ﴿إنك لغوي مبين﴾، أن يكون إياه أراد -وإنما أراد الفرعوني-، فقال: ﴿يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس﴾ [القصص:١٩]. وإنما قال ذلك مخافة أن يكون إيّاه أراد موسى ليقتله، فتَتاركا، فانطلق الفرعونيُّ إلى قومه، فأخبرهم بما سمع مِن الإسرائيلي حين يقول: ﴿أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس﴾. فأرسل فرعونُ الذبّاحين ليقتلوا موسى، فأخذ رُسُلُ فرعون في الطريق الأعظم يمشون على هيئتهم يطلبون موسى، وهم لا يخافون أن يفوتهم، وجاء رجل مِن شيعة موسى مِن أقصى المدينة، فاختصر طريقًا قريبًا حتى سبقهم إلى موسى، فأخبره الخبر -وذلك من الفتون، يا ابن جبير-. فخرج موسى مُتَوَجِّهًا نحو مَدْين، لم يلق بلاءً مثل ذلك، وليس له بالطريق عِلْمٌ إلا حُسْنُ ظنِّه بربه، فإنه قال: ﴿عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان﴾ [القصص:٢٢-٢٣] يعني: حابِسَتَيْ غنمَهما. ﴿قال: ما خطبكما﴾ مُعْتَزِلَتَيْن لا تسقِيانِ مع الناس؟ قالتا: ليست لنا قُوَّة نُزاحِم القوم، وإنما ننتظر فضول حِياضِهم. فسقى لهما؛ فجعل يغرِف في الدلو ماءً كثيرًا حتى كانتا أول الرعاة فراغًا، فانصرفتا إلى أبيهما بغنمهما، وانصرف موسى إلى شجرة فاسْتَظَلَّ بها، وقال: ﴿رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير﴾ [القصص:٢٤]. فاستنكر أبو الجاريتين سرعة صدورهما بغنمهما حُفَّلًا بِطانًا، وقال: إن لكما اليوم لَشأنًا. فحدَّثتاهُ بما صنع موسى، فأمر إحداهما أن تدعوه له، فأتته فدعته، فلما كلَّمه قال: ﴿لا تخف نجوت من القوم الظالمين﴾ [القصص:٢٥]، ليس لفرعون ولا لقومه علينا سلطانًا، ولسنا في مملكته. قالت ابنتُه: ﴿يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين﴾ [القصص:٢٦]. فحملته الغيرة أن قال: وما يدريك ما قُوَّتُه وما أمانته؟ قالت: أمّا قوته فما رأيتُ منه حين سقى لنا، لم أر رجلًا قطُّ أقوى في ذلك السقي منه حين سقى لنا، وأما أمانته فإنّه نظر حين أقبلت إليه وشخصت له، فلمّا علم أني امرأة صوَّب رأسه ولم يرفعه، ولم ينظر إلَيَّ حين أقبلت إليه، حتى بلَّغتُه رسالتك، فقال لي: امشي خلفي، وانعتي لي الطريق. فلم يقل هذا إلا وهو أمين. فسُرِّي عن أبيها، وصدَّقها، وظَنَّ به الذي قالت، فقال: هل لك ﴿أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك﴾ [القصص:٢٧]. ففعل، فكانت على موسى ثماني حجج واجبة، وكانت سنتان عِدَةً منه، فقضى اللهُ عِدَتَه، فأتمها عشرًا. -قال سعيد: فسألني رجلٌ مِن أهل النصرانية مِن علمائهم: هل تدري أيَّ الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا. وأنا يومئذ لا أعلم، فلقيت ابنَ عباس، فذكرت له الذي قال النصرانيُّ، فقال: أما كنت تعلم أنّ ثمانيًا واجبة لم يكن موسى لينتقص منها شيئًا، وتعلم أنّ الله تعالى كان قاضيًا عن موسى عِدَته التي وعد؟ فإنّه قضى عشرًا. فأخبرت النصراني، فقال: الذي أخبرك بهذا هو أعلم منك. قلت: أجلْ، وأولى!-. سار موسى بأهله، ورأى مِن أمر النار ما قصَّ اللهُ عليك في القرآن وأمرِ العصا ويدِه، فشكا إلى ربِّه ما يتخوَّف مِن آل فرعون في القتيل، وعُقدة لسانه؛ فإنه كان في لسانه عقدة تمنعه مِن كثير من الكلام، فسأل ربَّه أن يعينه بأخيه هارون، ليكون له رِدْءًا، ويتكلم عنه بكثير مما لا يُفْصِح به، فآتاه الله سُؤْلَه، فحَلَّ عُقْدَةً من لسانه، وأوحى إلى هارون، وأمَرَهُ أن يلقى موسى، فاندفع موسى بالعصا، ولَقِي هارون، فانطلقا جميعًا إلى فرعون، فأقاما ببابه حينًا لا يُؤذَن لهما، ثم أذن لهما بعدَ حِجاب شديد، فقالا: ﴿إنا رسولا ربك﴾. فقال: ومَن ربكما، يا موسى. فأخبراه بالذي قصَّ الله في القرآن، قال: فما تريدان؟ وذَكَّره بالقتيل، فاعتذر بما قد سمعتَ، قال: أريد أن تؤمن بالله، وترسل معي بني إسرائيل. فأبى عليه ذلك، وقال: ائْتِ بآيةٍ إن كنت مِن الصادقين. فألقى بعصاه، فتحولت حيَّة عظيمة فاغرةً فاها مُسْرِعةً إلى فرعون، فلما رأى فرعونُ أنّها قاصِدةٌ إليه خافها؛ فاقتحم عن سريره، واستغاث بموسى أن يَكُفَّها عنه، ففعل، وأخرج يده مِن جيبه بيضاء من غير سوء، يعني: من غير برص، ثم أعادها إلى كُمِّه، فصارت إلى لونها الأول، فاستشار الملأَ فيما رأى، فقالوا له: هذان ساحران، يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما، ويذهبا بطريقتكم المثلى. يعنون: مُلْكَهم الذي هم فيه والعيش، فأبَوْا على موسى أن يعطوه شيئًا مما طلب، وقالوا له: اجمع لهم السحرةَ، فإنهم بأرضنا كثير حتى تغلب بسحرِهم سحرَهما. ﴿فأرسل فرعون في المدائن حاشرين﴾ [الشعراء:٥٤]، فحُشِر له كل ساحر مُتعالِم، فلما أتَوْا فرعونَ قالوا: بِمَ يعملُ هذا الساحر؟ قالوا: يعمل بالحيات والحبال. قال: فلا، واللهِ، ما في الأرض قومٌ يعملون بالحيّات والحِبال والعُصِيِّ بالسحر ما نعمل به! فما أجرُنا إن غلبناه؟ قال لهم: أنتم أقاربي وخاصتي، وأنا صانعٌ بكم كلَّ شيء أحببتم. فتواعدوا ليوم الزينة، وأن يحشر الناس ضحى. -قال سعيد: فحدثني ابنُ عباس أن يوم الزينة اليومُ الذي أظهر الله فيه موسى على فرعون والسحرة، وهو يوم عاشوراء-. فلمّا اجتمعوا في صعيد واحد قال الناسُ بعضُهم لبعض: اذهبوا بنا فلنحضُر هذا الأمر، ونتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين. يعنون بذلك: موسى وهارون استهزاءً بهما، فقالوا: يا موسى -لقدرتهم بسحرهم-، ﴿إما أن تلقي، وإما أن نكون نحن الملقين. قال: ألقوا﴾ [الأعراف:١١٥-١١٦]. ﴿فألقوا حبالهم وعصيهم، وقالوا: بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون﴾ [الشعراء:٤٤]. فرأى موسى من سحرهم ما أوجس منه خيفة، فأوحى الله إليه: أن ألق عصاك. فلمّا ألقاها صارت ثعبانًا عظيمًا فاغِرةً فاها، فجعل العصا بدعوة موسى تَلْتَبِس بالحبال، حتى صارت جَزَرًا إلى الثعبان، تدخل فيه حتى ما أبقت عصًا ولا حبلًا إلا ابتلعته، فلما عَرَف السحرةُ ذلك قالوا: لو كان هذا سحرًا لم تبتلع مِن سحرنا كل هذا! ولكن هذا مِن أمر الله عز وجل؛ فآمنّا بالله، وبما جاء به موسى، ونتوب إلى الله مما كنا فيه. فكسر اللهُ ظهرَ فرعون في ذلك الموطنِ وأشياعَه، فظهر الحقُ وبطل ما كانوا يعملون، فغلبوا هنالك، وانقلبوا صاغرين، وامرأة فرعون بارِزة مُتَبَذِّلَةٌ، تدعو الله بالنصر لموسى على فرعون، فمَن رآها من آل فرعون ظنَّ أنها تَبَذَّلَتْ شفقةً على فرعون وأشياعه، وإنما كان حزنها وهمُّها لموسى. فلمّا طال مكث موسى لمواعِدِ فرعون الكاذبة كلما جاء بآية وعَد عندها أن يرسل معه بني إسرائيل، فإذا كشف ذلك عنه نكث عهده، واختلف وعده، حتى أمر موسى بقومه، فخرج بهم ليلًا، فلما أصبح فرعون ورأى أنهم قد مَضَوْا بعث في المدائن حاشرين، فتبعهم جنودٌ عظيمة كثيرة، وأوحى الله إلى البحر: إذا ضربك عبدي موسى فانفرِق له اثني عشر فرقًا، حتى يجوز موسى ومن معه، ثم التَقِ بعدُ على مَن بقي مِن قوم فرعون وأشياعه. فنسي موسى أن يضرب بعصاه، فدفع إلى البحر وله قَصِيفٌ، مخافة أن يضربه موسى بعصاه وهو غافل فيصير عاصيًا، فلما تراءى الجمعان وتقاربا قال أصحاب موسى: إنا لمدركون، فافعل ما أمرك به ربُّك؛ فإنك لم تُكْذَب ولم تَكْذِب. قال: وعدني ربي إذا انتهيتُ إلى البحرِ أن ينفرق لي حتى أجوز. ثم ذكر بعد ذلك العصا، فضرب البحرَ حين دنا أوائلُ جند فرعون مِن أواخر جند موسى، فانفرق البحرُ كما أمره الله وكما وعد موسى، فلما جاز أصحابُ موسى كلُّهم ودخل أصحابُ فرعون كلهم التقى البحرُ عليهم كما أمره الله عز وجل، فما جاوز البحر. قال أصحاب موسى: إنا لمدركون؛ إنا نخاف أن لا يكون فرعونُ غرق، ولا نؤمن بهلاكه! فدعا ربَّه، فأخرجه له ببدنه من البحر حتى استيقنوا. ثم مرُّوا بعد ذلك على قومٍ ﴿يعكفون على أصنام لهم، قالوا: يا موسى اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة. قال: إنكم قوم تجهلون، إن هؤلاء مُتَبَّرٌ ما هم فيه، وباطل ما كانوا يعملون﴾ [الأعراف:١٣٨]، قد رأيتم من العِبَر ما يكفيكم، وسمعتم به. فمضى حتى أنزلهم منزلًا، ثم قال لهم: أطيعوا هارون، فإنِّي قد استخلفتُه عليكم، وإني ذاهبٌ إلى ربي. وأجَّلَهم ثلاثين يومًا أن يرجع إليهم فيها. فلما أتى ربَّه، وأراد أن يكلمه في ثلاثين يومًا قد صامهن ليلهن ونهارهن، كرِه أن يُكَلِّم ربه وريحُ فمِه ريحُ فمِ الصائم، فتناول موسى مِن نبات الأرض شيئًا فمضغه، فقال له ربُّه حين أتاه: لم أفطرت؟ وهو أعلم بالذي كان، قال: يا ربِّ، إنِّي كرهتُ أن أُكَلِّمك إلا فمي طيب الريح. قال: وما علمتَ -يا موسى- أنّ ريح فم الصائم أطيبُ عندي من ريح المسك! ارجع حتى تصوم عشرة أيام ثم ائتني. ففعل موسى الذي أمره الله به، فلما رأى قوم موسى أنه لم يأتهم للأجل ساءهم ذلك، وقد كان هارون خطبهم، وقال لهم: إنّكم خرجتم من مصر وعندكم ودائعُ لقوم فرعون وعَوارِي، ولكم فيهم مثلُ ذلك، وأنا أرى أن تحتسبوا ما كان لكم عندهم، ولا أُحِلّ لكم وديعةً استودعتموها أو عارية، ولسنا نرى أداءَ شيء من ذلك إليهم ولا مُمْسِكِيه. فحفر حفرةً، وأمر كلَّ قوم عندهم شيء مِن ذلك من متاع أو حلية بأن يدفنوه في الحفيرة، ثم أوقد عليه النار، فأحرقه، وقال: لا يكون لنا ولا لهم. وكان السامريُّ رجلًا مِن قومٍ يعبدون البقر، ليس من بني إسرائيل، بل جارٌ لهم، فاحتمل مع بني إسرائيل حين احتملوا، فقضى له أن رأى أثر الفرس، فقبض منه قبضة، فمرَّ بهارون، فقال له هارون: يا سامريُّ، ألا تلقي ما في يديك؟ وهو قابِضٌ عليه لا يراه أحدٌ طوال ذلك، فقال: هذه قبضةٌ مِن أثر الرسول الذي جاوز بكم البحر، فلا ألقيها لشيء إلا أن تدعوَ الله إذا ألقيتُها أن يكون ما أريد. قال: فألقاها، ودعا له هارون، قال: أريد أن يكون عِجْلًا. فاجتمع ما كان في الحفيرة مِن متاع؛ نحاس أو حديد أو حلي، فصار عِجلًا أجوف، ليس فيه روح، له خوار. -فقال ابن عباس: واللهِ، ما كان له صوت، ولكن الريح كانت تدخل في دُبُرِه، وتخرج مِن فِيهِ، فكان ذلك الصوت من ذلك-. فتفرَّق بنو إسرائيل فِرَقًا؛ فقالت فِرْقَةٌ: يا سامريُّ، ما هذا؛ فإنّك أنت أعلمُ به؟ فقال: هذا ربُّكم، ولكن موسى أخطأ الطريق. فقالوا: لا نكذب بهذا حتى يرجع إلينا موسى؛ فإن يك ربَّنا لم يكن ضَيَّعنا وعجزنا حين رأيناه، وإن لم يكن ربَّنا فإننا نتبع قول موسى. وقال فرقة: هذا مِن عمل الشيطان، وليس ربَّنا، ولا نُصَدِّق به ولا نؤمن. وأشرب فرقة في قلوبهم التصديق بما قال السامريُّ في العِجل، وأعلنوا التكذيب، فقال لهم هارون: ﴿يا قومِ، إنما فتنتم به، وإن ربكم الرحمن﴾ [طه:٩٠]، وليس هكذا. قالوا: فما بالُ موسى وعدنا ثلاثين ليلة، ثم أخلفنا، فهذه أربعون ليلة. فقال سفهاؤهم: أخطأ ربَّه، فهو يطلبه ويتبعه. فلما كلَّم الله موسى، وقال ما قال له، وأخبره بما لقي قومه من بعده، فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفًا، فقال لهم ما سمعتم في القرآن، وألقى الألواح، وأخذ برأس أخيه يجره إليه من الغضب، غير أنه عَذَرَ أخاه، واستغفر ربه، ثم انصرف إلى السامريِّ، فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: قبضت قبضة من أثر الرسول، وفَطِنتُ وعُمِّيَتْ عليكم، فقذفتها، وكذلك سولت لي نفسي. قال: ﴿فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس﴾ إلى قوله: ﴿في اليم نسفا﴾. ولو كان إلهًا لم يخلص إلى ذلك! فاستيقن بنو إسرائيل بالفتنة، واغتبط الذين كان رأيُهم رأيَ هارون، فقالوا: يا موسى، سل ربك أن يفتح لنا بابَ توبة نعملها، وتُكَفِّر عنا ما عملنا. فاختار موسى من قومه سبعين رجلًا لذلك، لا يألو لخير؛ خيار بني إسرائيل، ومَن لم يُشْرِك في العِجْل، فانطلق بهم ليسأل ربَّهم التوبة، فرجفت الأرضُ بهم، فاستحيا موسى عليه السلام مِن قومه ووفده حين فعل بهم ذلك، فقال: ﴿رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا﴾ الآية [الأعراف:١٥٥]. ومنهم مَن قدِ اطَّلع اللهُ منه على ما أشرب قلبه العِجل والإيمان به؛ فلذلك رجفت بهم الأرض، فقال: ﴿رحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون﴾ إلى قوله: ﴿والإنجيل﴾ [الأعراف:١٥٦]. فقال: ربِّ، سألتُك التوبةَ لقومي، فقلتَ: إنّ رحمتك كتبتها لقومٍ غير قومي! فليتك أخَّرتني حتى أخرج في أُمَّة ذلك الرجل المرحومة. قال الله عز وجل: فإنّ توبتهم أن يقتل كلُّ رجل منهم كُلَّ مَن لَقِيَ مِن والد أو ولد، فيقتله بالسيف، ولا يُبالِي مِن قبل ذلك الموطن. فتاب أولئك الذين كان خَفِي على موسى وهارون ما اطَّلع الله عليه مِن ذنوبهم، فاعترفوا بها، وفعلوا ما أُمِروا به، فغفر اللهُ للقاتل والمقتول. ثم سار بهم موسى متوجهًا نحو الأرض المقدسة، فأخذ الألواح بعد ما سكت عنه الغضب، وأمرهم بالذي أمره الله أن يبلغهم مِن الوظائف، فثَقُلَت عليهم، وأبَوْا أن يُقِرُّوا بها، حتى نَتَقَ الله عليهم الجبل كأنه ظُلَّة، ودنا منهم حتى خافوا أن يقع عليهم، فأخذوا الكتاب بأيمانهم وهم مُصْغُون ينظرون الأرض، والكتاب الذي أخذوه بأيديهم، وهم ينظرون إلى الجبل مخافةَ أن يقع عليهم. ثم مَضَوْا حتى أتَوُا الأرضَ المقدسة، فوجدوا فيها مدينةَ جبّارين؛ خَلْقُهمُ خلقٌ مُنكَر، وذكروا مِن ثمارهم أمرًا عجيبًا مِن عِظَمِها! فقالوا: يا موسى، إنّ فيها قوم جبارين لا طاقة لنا اليوم بهم، ولا ندخلها ما داموا فيها، فإن يخرجوا منها فإنا داخلون. قال رجلان من الجبارين آمنا بموسى فخرجا إليه، فقالا: نحن أعلم بقومنا، إن كنتم تخافون ما رأيتم مِن أجسامهم وعددهم، فإنهم ليس لهم قلوب، ولا مَنَعَة عندهم، فادخلوا عليهم الباب، فإذا دخلتموه فإنكم غالبون. -ويقول أناس: إنهما من قوم موسى، وزعم سعيد: أنّهما مِن الجبارين آمنا بموسى، يقول: ﴿من الذين يخافون أنعم الله عليهما﴾ [المائدة:٣٣]، وإنما يعني بذلك: الذين يخافهم بنو إسرائيل-. فقالوا: ﴿يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون﴾ [المائدة:٢٤]. فأغضبوا موسى، فدعا عليهم، فسماهم: فاسقين، ولم يدعُ عليهم قبل ذلك؛ لِما رأى فيهم مِن المعصية وإساءتهم حتى كان يومئذ، فدعا عليهم، فاستجاب الله له، وسماهم كما سماهم موسى: فاسقين، فحرمها عليهم أربعين يتيهون في الأرض، يُصْبِحون كل يوم فيسيرون ليس لهم قرار. ثم ظَلَّل عليهم في التِّيه بالغمام، وأنزل عليهم المنَّ والسلوى، وجعل لهم ثيابًا لا تبلى ولا تَتَّسِخ، وجعل بين ظهرانيهم حجرًا مُرَبَّعًا، وأمر موسى فضربه بعصاه، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا، في كل ناحية ثلاث عيون، وأَعْلَم كُلَّ سِبْطٍ عينَهم التي يشربون منها، لا يرتحلون من مَنقَلَة إلا وجدوا ذلك الحجر منهم بالمكان الذي كان منهم بالمنزل الأول. رفع ابنُ عباس هذا الحديث عن النبي ﷺ، وصدق ذلك عندي أنّ معاوية بن أبي سفيان سمع من ابن عباس هذا الحديث، فأنكر عليه أن يكون الفرعونيُّ هو الذي أفشى على موسى أمر القتيل، وقال: إنما أفشى عليه الإسرائيليُّ. فأخذ ابنُ عباس بيده، فانطلق إلى سعد بن مالك الزُّهري، فقال: أرأيتَ يوم حدَّثنا النبيُّ ﷺ عن قتيل موسى من آل فرعون، مَن أفشى عليه الإسرائيليُّ أو الفرعونيُّ؟ قال: أفشى عليه الفرعونيُّ بما سمع مِن الإسرائيلي الذي شهد ذلك وحضره