محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٤٠ من سورة طه في ١١٤ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٤٥ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٤٠ من سورة طه

١١٤ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿إِذْ تَمْشِيَ أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلّكُمْ عَلَىَ مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَىَ أُمّكَ كَيْ تَقَرّ عَيْنُها وَلاَ تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجّيْنَاكَ مِنَ الْغَمّ وَفَتَنّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِيَ أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمّ جِئْتَ عَلَىَ قَدَرٍ يَمُوسَىَ﴾.
اختلف أهل التأويل في تأويل قوله " وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي " فقال بعضهم : معناه : ولتغذى وتربى على محبتي وإرادتي. ذكر من قال ذلك :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قَتادة، في قوله : " ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي " قال : هو غذاؤه، ولتُغذى على عيني.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله " وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي " قال : جعله في بيت الملك ينعم ويترف غذاؤه عندهم غذاء الملك، فتلك الصنعة.
وقال آخرون : بل معنى ذلك : وأنت بعيني في أحوالك كلها. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج " وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي " قال : أنت بعيني إذ جعلتك أمك في التابوت، ثم في البحر، و إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ. وقرأ ابن نهيك :«وَلِتَصْنَعَ » بفتح التاء. وتأوّله كما :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يحيى بن واضح، قال : حدثنا عبد المؤمن، قال : سمعت أبا نهيك يقرأ «وَلِتَصْنَعَ عَلى عَيْنِي » فسألته عن ذلك، فقال : ولتعمل على عيني.
قال أبو جعفر : والقراءة التي لا أستجيز القراءة بغيرها وَلِتُصْنَعَ بضم التاء، لإجماع الحجة من القرّاء عليها. وإذا كان ذلك كذلك، فأولى التأويلين به، التأويل الذي تأوّله قَتادَة، وهو : وَألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبّةً مِنّي ولتغذى على عيني، ألقيت عليك المحبة مني. وعنى بقوله : عَلى عَيْنِي بمرأى مني ومحبة وإرادة.
وقوله : " إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أدُلّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ " يقول تعالى ذكره : حين تمشي أختك تتبعك حتى وجدتك، ثم تأتي من يطلب المراضع لك، فتقول : هل أدلكم على من يكلفه ؟ وحذف من الكلام ما ذكرت بعد قوله " إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ " استغناء بدلالة الكلام عليه. وإنما قالت أخت موسى ذلك لهم لِما :
حدثنا موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، قال : لما ألقته أمه في اليم قالَتْ لأخته قُصّيهِ فلما التقطه آل فرعون، وأرادوا له المرضعات، فلم يأخذ من أحد من النساء، وجعل النساء يطلبن ذلك لينزلن عند فرعون في الرضاع، فأبى أن يأخذ، فقالت أخته : " هَلْ أدُلّكُمْ عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ ؟ " فأخذوها وقالوا : بل قد عرفِت هذا الغُلام، فدلّينا على أهله، قالت : ما أعرفه، ولكن إنما قلت هم للملك ناصحون.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : قالت، يعني أمّ موسى لأخته : قصّيه فانظري ماذا يفعلون به، فخرجت في ذلك فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ وقد احتاج إلى الرضاع والتمس الثدي، وجمعوا له المراضع حين ألقى الله محبتهم عليه، فلا يؤتى بامرأة، فيقبل ثديها، فيرمضهم ذلك، فيؤتى بمرضع بعد مرضع، فلا يقبل شيئا منهم، فقالت لهم أخته حين رأت من وجدهم به وحرصهم عليه " هَلْ أدُلّكُمْ عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لكُم وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ " أي لمنزلته عندكم وحرصكم على مسرّة الملك، وعنى بقوله : " هَلْ أدُلّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ " هل أدلكم على من يضمه إليه فيحفظه ويرضعه ويربيه. وقيل : معنى " وكَفّلَها زَكَرِيّا " ضمها.
وقوله : " فَرَجَعْناكَ إلى أُمّكَ كَيْ تَقَرّ عَيْنُها وَلا تَحْزَن " يقول تعالى ذكره : فرددناك إلى أمك بعد ما صرت في أيدي آل فرعون، كيما تقرّ عينها بسلامتك ونجاتك من القتل والغرق في اليم، وكيلا تحزن عليك من الخوف من فرعون عليك أن يقتلك، كما :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : لما قالت أخت موسى لهم ما قالت، قالوا : هات، فأتت أمه فأخبرتها، فانطلقت معها حتى أتتهم، فناولوها إياه فلما وضعته في حجرها أخذ ثديها، وسرّوا بذلك منه، وردّه الله إلى أمه كي تقرّ عينها، ولا تحزن، فبلغ لطف الله لها وله، أن ردّ عليها ولدها وعطف عليها نفع فرعون وأهل بيته مع الأمنة من القتل الذي يتخوف على غيره، فكأنهم كانوا من أهل بيت فرعون في الأمان والسعة، فكان على فرش فرعون وسرره.
وقوله : " وَقَتَلْتَ نَفْسا " يعني جلّ ثناؤه بذلك : قتله القبطي الذي قتله حين استغاثه عليه الإسرائيلي، فوكزه موسى. وقوله : " فَنَجّيْناكَ مِنَ الغَمّ " يقول تعالى ذكره : فنجيناك من غمك بقتلك النفس التي قتلت، إذ أرادوا أن يقتلوك بها فخلصناك منهم، حتى هربت إلى أهل مدين، فلم يصلوا إلى قتلك وقودك. وكان قتله إياه فيما ذُكر خطأ، كما :
حدثني واصل بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن فضيل، عن أبيه، عن سالم، عن عبد الله بن عمر، قال : سمعت رسول الله ﷺ يقول :«إنّمَا قَتَلَ مُوسَى الّذِي قَتَلَ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ خَطأ، فقال اللّهُ لَهُ : وَقَتَلْتَ نَفْسا فَنَجَيّنْاكَ مِنَ الغَمّ وَفَتَنّاكَ فُتُونا ».
حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، ومحمد بن عمرو، قالا : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد " فَنَجّيْناك مِنَ الغَمّ " قال : من قتل النفس.
حدثنا بِشْر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة " فَنَجّيْناكَ مِنَ الغَمّ " النفس التي قتل.
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله " وَفَتَنّاكَ فُتُونا " فقال بعضهم : ابتليناك ابتلاء واختبرناك اختبارا. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : " وَفَتَنّاكَ فُتُونا " يقول : اختبرناك اختبارا.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، " وَفَتَنّاكَ فُتُونا " قال : ابتليت بلاء.
حدثني العباس بن الوليد الأملي، قال : حدثنا يزيد بن هارون، قال : أخبرنا أصبغ بن زيد الجهني، قال : أخبرنا القاسم بن أيوب، قال : ثني سعيد بن جبير، قال : سألت عبد الله بن عباس، عن قول الله لموسى " وَفَتَنّاكَ فُتُونا " فسألته على الفتون ما هي ؟ فقال لي : استأنف النهار يا بن جبير، فإن لها حديثا طويلاً، قال : فلما أصبحت غدوت على ابن عباس لأنتجز منه ما وعدني، قال : فقال ابن عباس : تذاكر فرعون وجلساؤه ما وعد الله إبراهيم أن يجعل في ذرّيته أنبياء وملوكا، فقال بعضهم : إن بني إسرائيل ينتظرون ذلك وما يشكون، ولقد كانوا يظنون أنه يوسف بن يعقوب فلما هلك قالوا : ليس هكذا كان الله وعد إبراهيم، فقال فرعون : فكيف ترون ؟ قال : فأتمروا بينهم، وأجمعوا أمرهم على أن يبعث رجالاً معهم الشفار يطوفون في بني إسرائيل، فلا يجدون مولودا ذكرا إلا ذبحوه فلما رأوا أن الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم، وأن الصغار يذبحون قالوا : يوشك أن تفنوا بني إسرائيل، فتصيرون إلى أن تباشروا من الأعمال والخدمة التي كانوا يكفونكم، فاقتلوا عاما كلّ مولود ذكر، فيقلّ أبناؤهم، ودعوا عاما لا تقتلوا منهم أحدا، فتشبّ الصغار مكان من يموت من الكبار، فإنهم لن يكثروا بمن تستحيون منهم، فتخافون مكاثرتهم إياكم، ولن يقلوا بمن تقتلون، فأجمعوا أمرهم على ذلك.
فحملت أمّ موسى بهارون في العام المقبل الذي لا يذبح فيه الغلمان، فولدته علانية آمنة، حتى إذا كان العام المقبل حملت بموسى، فوقع في قلبها الهمّ والحزن، وذلك من الفتون يا ابن جبير، مما دخل عليه في بطن أمه مما يراد به، فأوحى الله إليها ألاّ تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إنّا رَادّوهُ إلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ، وأمرها إذا ولدته أن تجعله في تابوت ثم تلقيه في اليم فلما ولدته فعلت ما أمرت به، حتى إذا توارى عنها ابنها أتاها إبليس، فقالت في نفسها : ما صنعت بابني لو ذبح عندي، فواريته وكفنته كان أحبّ إليّ من أن ألقيه بيدي إلى حيتان البحر ودوابه، فانطلق به الماء حتى أوفى به عند فرضة مستقى جواري آل فرعون، فرأينه فأخذنه، فهممن أن يفتحن الباب، فقال بعضهنّ لبعض : إن في هذا مالاً، وإنا إن فتحناه لم تصدّقنا امرأة فرعون بما وجدنا فيه، فحملنه كهيئته لم يحرّكن منه شيئا، حتى دفعنه إليها فلما فتحته رأت فيه الغلام، فأُلقي عليه منها محبة لم يُلق مثلها منها على أحد من الناس وأصْبَحَ فُؤَادُ أُمّ مُوسَى فارِغا من كلّ شيء إلا من ذكر موسى.
فلما سمع الذبّاحون بأمره أقبلوا إلى امرأة فرعون بشفارهم يريدون أن يذبحوه، وذلك من الفتون يا ابن جُبير فقالت للذباحين : انصرفوا عني، فإن هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل، فآتي فرعون فأستوهبه إياه، فإن وهبه لي كنتم قد أحسنتم وأجملتم، وإن أمر بذبحه لم ألمكم. فلما أتت به فرعون قالت : قرّةُ عَينٍ لِي وَلَكَ قال فرعون : يكون لك، وأما أنا فلا حاجة لي فيه. فقال : والذي يحلف به لو أقرّ فرعون أن يكون له قرّة عين كما أقرّت به، لهداه الله به كما هدى به امرأته، ولكن الله حرمه ذلك. فأرسلت إلى من حولها من كلّ أنثى لها لبن، لتختار له ظِئرا، فجعل كلما أخذته امرأة منهم لترضعه لم يقبل ثديها، حتى أشفقت امرأة فرعون أن يمتنع من اللبن فيموت، فحزنها ذلك، فأمرت به فأخرج إلى السوق مجمع الناس ترجو أن تصيب له ظئرا يأخذ منها، فلم يقبل من أحد.
وأصبحت أمّ موسى، فقالت لأخته : قُصّيه واطلبيه، هل تسمعين له ذكرا، أحيّ ابني، أو قد أكلته دوابّ البحر وحيتانه ؟ ونسيت الذي كان الله وعدها، فبصرت به أخته عن جنب وهم لا يشعرون، فقالت من الفرح حين أعياهم الظؤورات : أنا أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون، فأخذوها وقالوا : وما يدريك ما نصحهم له ؟ هل يعرفونه ؟ حتى شكوا في ذلك، وذلك من الفتون يا ابن جُبير فقالت : نصحهم له وشفقتهم عليه، رغبتهم في ظؤورة الملك، ورجاء منفعته، فتركوها فانطلقت إلى أمها فأخبرتها الخبر، فجاءت فلما وضعته في حجرها نزا إلى ثديها حتى امتلأ جنباه، فانطلق البُشَراء إلى امرأة فرعون يبشرونها أن قد وجدنا لابنك ظئرا، فأرسلت إليها، فأتيت بها وبه فلما رأت ما يصنع بها قالت : امكثي عندي حتى ترضعي ابني هذا فإني لم أحبّ حبه شيئا قطّ قال : فقالت : لا أستطيع أن أدع بيتي وولدي، فيضيع، فإن طابت نفسك أن تعطينيه، فأذهب به إلى بيتي فيكون معي لا آلوه خيرا فعلت، وإلا فإني غير تاركة بيتي وولدي وذكرت أمّ موسى ما كان الله وعدها، فتعاسرت على امرأة فرعون، وأيقنت أن الله تبارك وتعالى منجز وعده، فرجعت بابنها إلى بيتها من يومها، فأنبته الله نباتا حسنا،
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
معك (وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى) يقول تعالى ذكره: ولقد تطولنا عليك يا موسى قبل هذه المرة مرّة أخرى، وذلك حين أوحينا إلى أمك، إذ ولدتك في العام الذي كان فرعون يقتل كل مولود ذكر من قومك ما أوحينا إليها; ثم فسَّر تعالى ذكره ما أوحى إلى أمه، فقال: هو أن اقذفيه في التابوت، فأن في موضع نصب ردًّا على "ما" التي في قوله (ما يُوحَى)، وترجمة عنها.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي (٣٩)﴾
يقول تعالى ذكره: ولقد مننا عليك يا موسى مرّة أخرى حين أوحينا إلى أمك، أن اقذفي ابنك موسى حين ولدتك في التابوت (فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ) يعني باليم: النيل (فليلقه اليم بالساحل) يقول: فاقذفيه في اليم، يلقه اليم بالساحل، وهو جزاء أخرج مخرج الأمر، كأن اليم هو المأمور، كما قال جلّ ثناؤه: (اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ) يعني: اتبعوا سبيلنا نحمل عنكم خطاياكم، ففعلت ذلك أمه به فألقاه اليم بمَشرّعة آل فرعون.
كما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: لما ولدت موسى أمه أرضعته، حتى إذا أمر فرعون بقتل الولدان من سنته تلك عمدت إليه، فصنعت به ما أمرها الله تعالى، جعلته في تابوت صغير، ومهدت له فيه، ثم عمدت إلى النيل فقذفته فيه، وأصبح فرعون في مجلس له كان يجلسه على شفير النيل كلّ غداة، فبينا هو جالس، إذ مرّ النيل بالتابوت فقذف به وآسية ابنة مُزَاحم امرأته جالسة إلى جنبه، فقال: إن هذا لشيء في البحر، فأتوني به، فخرج إليه أعوانه حتى جاءوا به، ففتح التابوت فإذا فيه صبيّ في مهده، فألقى الله عليه محبته، وعطف عليه نفسه. وعنى جلّ ثناؤه بقوله (يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ) فرعون هو العدوّ، كان لله ولموسى.
حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله (فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ) وهو البحر، وهو النيل.
واختلف أهل التأويل في معنى المحبة التي قال الله جلّ ثناؤه (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي) فقال بعضهم: عنى بذلك أنه حببه إلى عباده.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني الحسين بن عليّ الصدائي والعباس بن محمد الدوري، قالا ثنا حسين الجعفي عن موسى بن قبس الحضرمي، عن سلمة بن كهيل، في قول الله (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي) قال عباس: حببتك إلى عبادي، وقال الصُّدَاني: حببتك إلى خلقي.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أي حسنت خلقك.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني إبراهيم بن مهدي، عن رجل، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، قوله (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي) قال: حسنا وملاحة.
قال أبو جعفر: والذي هو أولى بالصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله ألقى محبته على موسى، كما قال جلّ ثناؤه (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي) فحببه إلى آسية امرأة فرعون، حتى تبنَّته وغذّته وربَّته، وإلى فرعون، حتى كفّ عنه عاديته وشرّه، وقد قيل: إنما قيل: وألقيت عليك محبة مني، لأنه حببه إلى كل من رآه. ومعنى (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي) حببتك إليهم، يقول الرجل لآخر إذا أحبه: ألقيت عليك رحمتي: أي محبتي.
"٣٩"
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (٣٩) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (٤٠)﴾
اختلف أهل التأويل في تأويل قوله (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) فقال بعضهم:
معناه: ولتغذى وتربى على محبتي وإرادتي.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: هو غذاؤه، ولتغذى على عيني.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) قال: جعله في بيت الملك ينعم ويترف غذاؤه عندهم غذاء الملك، فتلك الصنعة.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وأنت بعيني في أحوالك كلها.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) قال: أنت بعيني إذ جعلتك أمك في التابوت، ثم في البحر، و (إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ). وقرأ ابن نهيك (وَلِتَصْنَعَ) بفتح التاء.
وتأوّله كما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد المؤمن، قال: سمعت أبا نهيك يقرأ (وَلِتَصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) فسألته عن ذلك، فقال: ولتعمل على عيني.
قال أبو جعفر: والقراءة التي لا أستجيز القراءة بغيرها (وَلِتُصْنَعَ) بضم التاء، لإجماع الحجة من القرّاء عليها.
وإذا كان ذلك كذلك، فأولى التأويلين به، التأويل الذي تأوله قَتادَة، وهو (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي) ولتغذى على عيني، ألقيت عليك المحبة مني، وعني بقوله (عَلى عَيْنِي) بمرأى مني ومحبة وإرادة.
وقوله (إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ) يقول تعالى ذكره: حين تمشي أختك تتبعك حتى وجدتك، ثم تأتي من يطلب المراضع لك، فتقول: هل أدلكم على من يكفله؟ وحذف من الكلام ما ذكرت بعد قوله (إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ) استغناء بدلالة الكلام عليه.
وإنما قالت أخت موسى ذلك لهم لِما حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال: لما ألقته أمه في اليم (قَالَتْ لأخْتِهِ قُصِّيهِ) فلما التقطه آل فرعون، وأرادوا له المرضعات، فلم يأخذ من أحد من
النساء، وجعل النساء يطلبن ذلك لينزلن عند فرعون في الرضاع، فأبى أن يأخذ، فقالت أخته: (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ) ؟ فأخذوها وقالوا: بل قد عرفت هذا الغلام، فدلينا على أهله، قالت: ما أعرفه، ولكن إنما قلت هم للملك ناصحون.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: قالت، يعني أم موسى لأخته: قصيه فانظري ماذا يفعلون به، فخرجت في ذلك (فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) وقد احتاج إلى الرضاع والتمس الثدي، وجمعوا له المراضع حين ألقى الله محبتهم عليه، فلا يؤتى بامرأة، فيقبل ثديها، فيرمضهم ذلك، فيؤتى بمرضع بعد مرضع، فلا يقبل شيئا منهم، فقالت لهم أخته حين رأت من وجدهم به وحرصهم عليه (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ) أي لمنزلته عندكم وحرصكم على مسرّة الملك، وعنى بقوله: (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ) هل أدلكم على من يضمه إليه فيحفظه ويرضعه ويربيه، وقيل: معنى (وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا) ضمها.
وقوله (فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ) يقول تعالى ذكره: فرددناك إلى أمك بعد ما صرت في أيدي آل فرعون، كيما تقرّ عينها بسلامتك ونجاتك من القتل والغرق في اليم، وكيلا تحزن عليك من الخوف من فرعون عليك أن يقتلك.
كما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: لما قالت أخت موسى لهم ما قالت، قالوا: هات، فأتت أمه فأخبرتها، فانطلقت معها حتى أتتهم، فناولوها إياه، فلما وضعته في حجرها أخذ ثديها، وسرّوا بذلك منه، وردّه الله إلى أمه كي تقرّ عينها، ولا تحزن، فبلغ لطف الله لها وله، أن ردّ عليها ولدها وعطف عليها نفع فرعون وأهل بيته مع الأمنة من القتل الذي يتخوف على غيره، فكأنهم كانوا من أهل بيت فرعون في الأمان والسعة، فكان على فرش فرعون وسرره.
وقوله (وَقَتَلْتَ نَفْسًا) يعني جلّ ثناؤه بذلك: قتله القبطي الذي قتله حين استغاثه عليه الإسرائيلي، فوكزه موسى. وقوله (فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ) يقول تعالى ذكره: فنجيناك من غمك بقتلك النفس التي قتلت، إذ أرادوا أن يقتلوك
بها فخلصناك منهم، حتى هربت إلى أهل مدين، فلم يصلوا إلى قتلك وقودك.
وكان قتله إياه فيما ذُكر خطأ، كما حدثني واصل بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن فضيل، عن أبيه، عن سالم، عن عبد الله بن عمر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنَّما قَتَلَ مُوسَى الَّذي قَتَلَ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ خَطَأ، فقال الله له (وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا) ".
حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، ومحمد بن عمرو، قالا ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ) قال: من قتل النفس.
حدثنا بِشْر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ) النفس التي قتل.
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله (وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا) فقال بعضهم: ابتليناك ابتلاء واختبرناك اختبارا.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية عن عليّ، عن ابن عباس، قوله (وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا) يقول: اختبرناك اختبارا.
حدثني محمّد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، (وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا) قال: ابتليت بلاء.
حدثني العباس بن الوليد الآملي، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا أصبغ بن زيد الجهني، قال: أخبرنا القاسم بن أيوب، قال: ثني سعيد بن جبير، قال: سألت عبد الله بن عباس، عن قول الله لموسى (وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا) فسألته على الفتون ما هي؟ فقال لي: استأنف النهار يا بن جبير، فإن لها حديثا طويلا قال: فلما أصبحت غدوت على ابن عباس لأنتجز منه ما وعدني، قال: فقال ابن عباس: تذاكر فرعون وجلساؤه ما وعد الله إبراهيم أن يجعل في ذرّيته أنبياء وملوكا، فقال بعضهم: إن بني إسرائيل ينتظرون ذلك وما يشكون، ولقد كانوا يظنون أنه يوسف بن يعقوب; فلما هلك قالوا: ليس هكذا كان الله وعد إبراهيم، فقال فرعون: فكيف ترون؟ قال: فأتمروا بينهم، وأجمعوا أمرهم على
أن يبعث رجالا معهم الشفار يطوفون في بني إسرائيل، فلا يجدون مولودًا ذكرًا إلا ذبحوه; فلما رأوا أن الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم، وأن الصغار يذبحون، قالوا: يوشك أن تفنوا بني إسرائيل، فتصيرون إلى أن تباشروا من الأعمال والخدمة التي كانوا يكفونكم، فاقتلوا عاما كلّ مولود ذكر، فيقل أبناؤهم، ودعوا عاما لا تقتلوا منهم أحدا، فتشبّ الصغار مكان من يموت من الكبار، فإنهم لن يكثروا بمن تستحيون منهم، فتخافون مكاثرتهم إياكم، ولن يقلوا بمن تقتلون، فأجمعوا أمرهم على ذلك.
فحملت أمّ موسى بهارون في العام المقبل الذي لا يذبح فيه الغلمان، فولدته علانية آمنة، حتى إذا كان العام المقبل حملت بموسى، فوقع في قلبها الهمّ والحزن، وذلك من الفتون يا ابن جبير، مما دخل عليه في بطن أمه مما يراد به، فأوحى الله إليها (وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) وأمرها إذا ولدته أن تجعله في تابوت ثم تلقيه في اليم، فلما ولدته فعلت ما أمرت به، حتى إذا توارى عنها ابنها أتاها إبليس، فقالت في نفسها: ما صنعت بابني لو ذبح عندي، فواريته وكفنته كان أحب إلي من أن ألقيه بيدي إلى حيتان البحر ودوابه، فانطلق به الماء حتى أوفى به عند فرضة مستقى جواري آل فرعون، فرأينه فأخذنه، فهممن أن يفتحن الباب، فقال بعضهن لبعض: إن في هذا مالا وإنا إن فتحناه لم تصدّقنا امرأة فرعون بما وجدنا فيه، فحملنه كهيئته لم يحرّكن منه شيئا، حتى دفعنه إليها; فلما فتحته رأت فيه الغلام، فألقي عليه منها محبة لم يلق مثلها منها على أحد من الناس (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا) من كلّ شيء إلا من ذكر موسى، فلما سمع الذباحون بأمره أقبلوا إلى امرأة فرعون بشفارهم، يريدون أن يذبحوه، وذلك من الفتون يا ابن جُبير، فقالت للذباحين: انصرفوا عني، فإن هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل، فآتي فرعون فأستوهبه إياه، فإن وهبه لي كنتم قد أحسنتم وأجملتم، وإن أمر بذبحه لم ألمكم، فلما أتت به فرعون قالت (قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ) قال فرعون: يكون لك، وأما أنا فلا حاجة لي فيه، فقال: والذي يحلف به لو أقرّ فرعون أن يكون له قرة عين كما أقرت به، لهداه الله به كما هدى به امرأته، ولكن الله حرمه ذلك، فأرسلت إلى من حولها من كلّ أنثى لها لبن، لتختار له ظئرا، فجعل كلما أخذته امرأة منهم لترضعه لم يقبل ثديها، حتى
أشفقت امرأة فرعون أن يمتنع من اللبن فيموت، فحزنها ذلك، فأمرت به فأخرج إلى السوق مجمع الناس ترجو أن تصيب له ظئرا يأخذ منها، فلم يقبل من أحد، وأصبحت أمّ موسى، فقالت لأخته: قصيه واطلبيه، هل تسمعين له ذكرا، أحي ابني، أو قد أكلته دواب البحر وحيتانه؟ ونسيت الذي كان الله وعدها، فبصرت به أخته عن جنب وهم لا يشعرون، فقالت من الفرح حين أعياهم الظؤورات: أنا أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون، فأخذوها وقالوا: وما يدريك ما نصحهم له، هل يعرفونه حتى شكوا في ذلك، وذلك من الفتون يا ابن جُبير، فقالت: نصحهم له وشفقتهم عليه، رغبتهم في ظؤورة الملك، ورجاء منفعته، فتركوها، فانطلقت إلى أمها فأخبرتها الخبر، فجاءت، فلما وضعته في حجرها نزا إلى ثديها حتى امتلأ جنباه، فانطلق البُشراء إلى امرأة فرعون يبشرونها أن قد وجدنا لابنك ظئرا، فأرسلت إليها، فأتيت بها وبه، فلما رأت ما يصنع بها قالت: امكثي عندي حتى ترضعي ابني هذا فإني لم أحبّ حبه شيئا قطّ، قال: فقالت: لا أستطيع أن أدع بيتي وولدي، فيضيع، فإن طابت نفسك أن تعطينيه، فأذهب به إلى بيتي فيكون معي لا آلوه خيرا فعلت، وإلا فإني غير تاركة بيتي وولدي، وذكرت أمّ موسى ما كان الله وعدها، فتعاسرت على امرأة فرعون، وأيقنت أن الله تبارك وتعالى منجز وعده، فرجعت بابنها إلى بيتها من يومها، فأنبته الله نباتا حسنا، وحفظه لما قضى فيه، فلم يزل بنو إسرائيل وهم مجتمعون في ناحية المدينة يمتنعون به من الظلم والسخرة التي كانت فيهم.
فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لأمّ موسى: أزيريني ابني فوعدتها يوما تزيرها إياه فيه، فقالت لخواصها وظؤورتها وقهارمتها: لا يبقين أحد منكم إلا استقبل ابني بهدية وكرامة ليرى ذلك، وأنا باعثة أمينة تحصي كل ما يصنع كلّ إنسان منكم، فلم تزل الهدية والكرامة والتحف تستقبله من حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل على امرأة فرعون، فلما دخل عليها نحلته وأكرمته، وفرحت به، وأعجبها ما رأت من حُسن أثرها عليه، وقالت: انطلقن به إلى فرعون، فلينحله، وليكرمه، فلما دخلوا به عليه جعلته في حجره، فتناول موسى لحية فرعون حتى مدّها، فقال عدوّ من أعداء الله: ألا ترى ما وعد الله إبراهيم أنه سيصرعك ويعلوك، فأرسل إلى الذباحين ليذبحوه وذلك من الفتون يا بن جُبَير، بعد كلّ بلاء ابتلي به وأريد به، فجاءت امرأة فرعون تسعى إلى فرعون، فقالت: ما بدا لك في هذا الصبيّ الذي قد وهبته لي؟ قال: ألا ترين يزعم أنه سيصرعني ويعلوني، فقالت: اجعل بيني وبينك أمرا تعرف فيه الحق، ائت بجمرتين ولؤلؤتين، فقرّبهنّ إليه، فإن بطش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين علمت أنه يعقل، وإن تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين، فاعلم أن أحدا لا يؤثر الجمرتين على اللؤلؤتين وهو يعقل، فقرّب ذلك إليه، فتناول الجمرتين، فنزعوهما منه مخافة أن تحرقا يده، فقالت المرأة: ألا ترى؟ فصرفه الله عنه بعد ما قد همّ به، وكان الله بالغا فيه أمره.
فلما بلغ أشدّه، وكان من الرجال، لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل معه بظلم ولا سخرة، حتى امتنعوا كلّ امتناع، فبينما هو يمشي ذات يوم في ناحية المدينة، إذ هو برجلين يقتتلان، أحدهما من بني إسرائيل، والآخر من آل فرعون، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني، فغضب موسى واشتدّ غضبه، لأنه تناوله وهو يعلم منزلة موسى من بني إسرائيل، وحفظه لهم، ولا يعلم الناس إلا أنما ذلك من قِبَل الرضاعة غير أمّ موسى، إلا أن يكون الله أطلع موسى من ذلك على ما لم يطلع عليه غيره; فوكز موسى الفرعوني فقتله، وليس يراهما أحد إلا الله والإسرائيلي، فقال موسى حين قتل الرجل: (هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ) ثُمَّ قَالَ (رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ) الأخبار، فأتى فرعون، فقيل له: إن بني إسرائيل قد قتلوا رجلا من آل فرعون، فخُذ لنا بحقنا ولا ترخص لهم في ذلك، فقال: ابغوني قاتله ومن يشهد عليه، لأنه لا يستقيم أن يقضي بغير بيِّنة ولا ثبت، فطلبوا له ذلك; فبينما هم يطوفون لا يجدون ثَبَتا، إذ مرّ موسى من الغد، فرأى ذلك الإسرائيلي يقاتل فرعونيا، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني، فصادف موسى وقد ندم على ما كان منه بالأمس وكره الذي رأى، فغضب موسى، فمدّ يده وهو يريد أن يبطش بالفرعوني، قال للإسرائيلي لما فعل بالأمس واليوم (إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ) فنظر الإسرائيلي موسى بعد ما قال، فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس الذي قتل فيه
الفرعوني، فخاف أن يكون بعد ما قال له (إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ) أن يكون إياه أراد، ولم يكن أراده، وإنما أراد الفرعوني، فخاف الإسرائيلي، فحاجز الفرعوني فقال (يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ) وإنما قال ذلك مخافة أن يكون إياه أراد موسى ليقتله، فتتاركا; فانطلق الفرعوني إلى قومه، فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي من الخبر حين يقول: أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسًا بالأمس؟ فأرسل فرعون الذباحين، فسلك موسى الطريق الأعظم، فطلبوه وهم لا يخافون أن يفوتهم. وجاء رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة، فاختصر طريقًا قريبًا حتى سبقهم إلى موسى، فأخبره الخبر، وذلك من الفتون يا بن جُبير.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: (فُتُونًا) قال: بلاء، إلقاؤه في التابوت، ثم في البحر، ثم التقاط آل فرعون إياه، ثم خروجه خائفا.
قال محمد بن عمرو، وقال أبو عاصم: خائفا، أو جائعا "شكّ أبو عاصم"، وقال الحارث: خائفا يترقب، ولم يشك.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله وقال: (خائفا يترقب)، ولم يشك.
حدثنا بِشْر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله (وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا) يقول: ابتليناك بلاء.
حُدِثت عن الحسين، قال: سمعت أبا مُعاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله (وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا) هو البلاء على إثر البلاء.
وقال آخرون: معنى ذلك: أخلصناك.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا) أخلصناك إخلاصا.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن يعلى بن مسلم، قال: سمعت سعيد بن جُبير، يفسِّر هذا الحرف (وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا) قال: أخلصناك إخلاصا.
قال أبو جعفر: وقد بيَّنا فيما مضى من كتابنا هذا معنى الفتنة، وأنها الابتلاء والاختبار بالأدلة المُغنية عن الإعادة في هذا الموضع.
وقوله (فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ) وهذا الكلام قد حذف منه بعض ما به تمامه اكتفاء بدلالة ما ذكر عما حذف. ومعنى الكلام: وفتناك فتونا، فخرجت خائفا إلى أهل مدين، فلبثت سنين فيهم.
وقوله (ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى) يقول جلّ ثناؤه: ثم جئت للوقت الذي أردنا إرسالك إلى فرعون رسولا ولمقداره.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله (ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى) يقول: لقد جئت لميقات يا موسى.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن مجاهد، قال (عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى) قال: موعد.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قال: علي ذي موعد.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: (عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى) قال: قدر الرسالة والنبوّة، والعرب تقول: جاء فلان على قدر: إذا جاء لميقات الحاجة إليه; ومنه قول الشاعر:
نالَ الخِلافَةَ أوْ كانَتْ لَهُ قَدَراكَمَا أَتى رَبَّهُ مُوسَى عَلى قَدَرِ (١)
(١) هذا البيت لجرير، من قصيدة عدة تسعة وعشرون بيتا في ديوانه (طبعة الصاوي بالقاهرة ٢٧٤ - ٢٧٦) والرواية فيه: " نال الخلافة " كرواية المؤلف، وفي بعض كتب الشواهد: " جاء الخلافة ". وفي هامش الديوان: ويروى: " عز الخلافة " البيت. ومحل الشاهد في البيت، قوله: " على قدر " فإن معناه: القضاء الموافق. قال في (اللسان: قدر) : يقال: قدر الإله كذا تقديرا؛ وإذا وافق الشيء الشيء قلت: جاء قدره، وقال ابن سيده: القدر والقدر (بسكون الدال وتحريكها) : القضاء والحكم، وهو ما يقدره الله عز وجل من القضاء، ويحكم به من الأمور.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
وقوله :﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ وذلك أنه لما استقر عند آل فرعون، عرضوا عليه المراضع، فأباها، قال الله عز وجل :﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ فجات أخته وقالت(١) ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ [القصص: ١٢]. تعني(٢) هل أدلكم على من ترضعه(٣) لكم بالأجرة ؟ فذهبت به وهم معها إلى أمه، فعرضت عليه ثديها، فقبله، ففرحوا بذلك فرحًا شديدًا، واستأجروها على إرضاعه فنالها بسببه سعادة ورفعة وراحة في الدنيا وفي الآخرة(٤) أغنم وأجزل ؛ ولهذا جاء في الحديث :" مثل الصانع الذي يحتسب(٥) في صنعته الخير، كمثل أم موسى، ترضع ولدها وتأخذ أجرها " (٦).
وقال تعالى هاهنا :﴿فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ﴾ أي : عليك، ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ يعني : القبطي، ﴿فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ﴾ وهو ما حصل له بسبب عزم آل فرعون على قتله(٧) ففر منهم هاربًا، حتى ورد ماء مدين، وقال له ذلك الرجل الصالح :﴿لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢٥].
وقوله :﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ قال الإمام أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، رحمه الله، في كتاب التفسير من سننه، قوله :﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ :
حديث الفتون
حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا أصبغ بن زيد، حدثنا القاسم بن أبي أيوب، أخبرني سعيد بن جبير، قال : سألت عبد الله بن عباس عن قول الله، عز وجل، لموسى، عليه السلام :﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ فسألته عن الفتون ما هو ؟ فقال : استأنف النهار يا بن جبير، فإن لها حديثًا طويلا. فلما أصبحت غدوت إلى(٨) ابن عباس لأنتجز منه ما وعدني من حديث الفتون، فقال : تذاكر فرعون وجلساؤه ما كان الله وعد إبراهيم، عليه السلام(٩) أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكًا، فقال بعضهم : إن بني إسرائيل ينتظرون ذلك، ما(١٠) يشكون فيه وكانوا يظنون أنه يوسف بن يعقوب، فلما هلك قالوا : ليس هكذا كان وعد إبراهيم، فقال فرعون : فكيف ترون ؟ فائتمروا وأجمعوا أمرهم على أن يبعث رجالا معهم الشفار، يطوفون في بني إسرائيل، فلا يجدون مولودًا ذكرًا إلا ذبحوه. ففعلوا ذلك، فلما رأوا أن الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم، والصغار يذبحون، قالوا : يوشك أن تفنوا بني إسرائيل، فتصيروا إلى أن تباشروا من الأعمال والخدمة التي(١١) كانوا يكفونكم، فاقتلوا عامًا كل مولود ذكر، فيقل أبناؤهم(١٢) ودعوا عامًا فلا تقتلوا منهم أحدًا، فيشب الصغار مكان من يموت من الكبار ؛ فإنهم لن يكثروا(١٣) بمن تستحيون منهم فتخافوا مكاثرتهم إياكم، ولم يفنوا بمن تقتلون وتحتاجون إليهم، فأجمعوا أمرهم على ذلك.
فحملت أم موسى بهارون في العام الذي لا يذبح فيه الغلمان، فولدته علانية آمنة. فلما كان من قابل حملت بموسى، عليه السلام، فوقع في قلبها الهَمّ والحزن، وذلك من الفتون - يا بن جبير - ما دخل عليه في بطن أمه، مما يراد به، فأوحى الله [ جل ذكره ](١٤) إليها أن ﴿لا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] فأمرها إذا ولدت أن تجعله في تابوت ثم تلقيه(١٥) في اليم. فلما ولدت فعلت ذلك، فلما توارى عنها ابنُها أتاها الشيطان، فقالت في نفسها : ما فعلت با بني، لو ذبح عندي فواريته وكفنته، كان أحب إليّ من أن ألقيه إلى دواب البحر وحيتانه.
فانتهى الماء به حتى أوفى به عند فُرْضَة مستقى جواري امرأة فرعون، فلما رأينه أخذنه فهممن أن يفتحن التابوت، فقال بعضهن(١٦) إن في هذا مالا وإنا إن فتحناه لم تصدقنا امرأة الملك بما وجدناه فيه، فحملنه كهيئته لم يخرجن منه شيئًا حتى رفعنه(١٧) إليها. فلما فتحته رأت فيه غلامًا، فألقى عليه منها(١٨) محبة لم يلق منها على أحد قط. وأصبح فؤاد أم موسى فارغًا من ذكر كل شيء، إلا من ذكر موسى.
فلما سمع الذباحون بأمره، أقبلوا بشفارهم إلى امرأة فرعون ليذبحوه، وذلك من الفتون يا بن جبير، فقالت لهم : أقروه، فإن هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل حتى آتى فرعون فأستوهبه منه، فإن وهبه لي كنتم قد أحسنتم وأجملتم، وإن أمر بذبحه لم ألمكم.
فأتت فرعون فقالت :﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ [القصص: ٩] فقال فرعون : يكون لك، فأما لي فلا حاجة لي فيه. فقال رسول الله ﷺ :" والذي يُحْلَف به لو أقر فرعون أن يكون قرة عين له(١٩) كما أقرت امرأته، لهداه الله كما هداها، ولكن(٢٠) حرمه ذلك ". فأرسلت إلى من حولها، إلى كل امرأة لها لبن لتختار له ظئرًا، فجعل كلما أخذته امرأة منهن لترضعه لم يقبل على ثديها حتى أشفقت امرأة فرعون أن يمتنع من اللبن فيموت، فأحزنها ذلك، فأمرت به فأخرج إلى السوق ومجمع الناس، ترجو أن تجد له ظئرًا تأخذه منها، فلم يقبل، وأصبحت أم موسى والهًا، فقالت لأخته : قصي أثره واطلبيه، هل تسمعين له ذكرًا، أحيّ ابني أم قد أكلته الدواب ؟ ونسيت ما كان الله وعدها فيه، فبصرت به أخته عن جنب وهم لا يشعرون - والجُنُب : أن يسمو بصر الإنسان إلى شيء بعيد(٢١) وهو إلى جنبه(٢٢) وهو لا يشعر به - فقالت من الفرح حين أعياهم الظُّؤُرات : أنا أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون. فأخذوها فقالوا : ما يدريك ؟ ما نصحهم له ؟ هل يعرفونه(٢٣) ؟ حتى شكوا في ذلك، وذلك من الفتون يا بن جبير. فقالت : نصحهم(٢٤) له وشفقتهم عليه رغبتهم في ظؤرة الملك، ورجاء منفعة الملك. فأرسلوها فانطلقت إلى أمها(٢٥) فأخبرتها الخبر. فجاءت أمه، فلما وضعته في حجرها نزا إلى ثديها فمصَّه، حتى امتلأ جنباه ريًا، وانطلق البشراء إلى امرأة فرعون يبشرونها أن قد وجدنا لابنك ظئرًا. فأرسلت إليها. فأتت بها وبه فلما رأت ما يصنع بها قالت : امكثي ترضعي ابني هذا، فإني لم أحب شيئًا حبه قط. قالت أم موسى : لا أستطيع أن أدع بيتي وولدي فيضيع، فإن طابت نفسك أن تعطينيه فأذهب به إلى بيتي، فيكون معي لا آلوه خيرًا [ فعلت، وإلا ](٢٦) فإني غير تاركة بيتي وولدي. وذكرت أم موسى ما كان الله وعدها فيه، فتعاسرت على امرأة فرعون، وأيقنت أن الله منجز وعده(٢٧) فرجعت به إلى بيتها من يومها، [ وأنبته ](٢٨) الله نباتا حسنا وحفظه(٢٩) لما قد قضى فيه.
فلم يزل بنو إسرائيل، وهم في ناحية القرية، ممتنعين من السخرة والظلم ما كان فيهم، فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لأم موسى : أتريني(٣٠) ابني ؟ فَوَعَدَتْها يومًا(٣١) تريها إياه فيه، وقالت امرأة فرعون لخزانها وظُؤُرها وقهارمتها : لا يبقين أحد منكم إلا استقبل ابني اليوم بهدية وكرامة لأرى ذلك(٣٢) وأنا باعثة أمينا يحصي(٣٣) ما يصنع كل إنسان منكم، فلم تزل الهدايا والنحل والكرامة(٣٤) تستقبله من حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل على امرأة فرعون، فلما دخل عليها نحلته(٣٥) وأكرمته، وفرحت به ونحلت أمه لحسن أثرها عليه، ثم قالت : لآتين به فرعون فَلَيَنْحَلَنَّهُ(٣٦) وليكرمنه، فلما دخلت به عليه جعله في حجره، فتناول موسى لحية فرعون يمدها(٣٧) إلى الأرض، فقال الغواة من أعداء الله لفرعون : ألا ترى ما وعد الله إبراهيم نبيه، إنه زعم أن يرثك ويعلوك ويصرعك، فأرسل إلى الذباحين ليذبحوه. وذلك من الفتون يا بن جبير بعد كل بلاء ابتلي به، وأريد به(٣٨).
فجاءت امرأة فرعون فقالت(٣٩) ما بدا لك في هذا الغلام الذي وهبته لي ؟ فقال(٤٠) ألا ترينه يزعم أنه يصرعني ويعلوني ! فقالت : اجعل بيني وبينك أمرًا يعرف فيه الحق، ائت بجمرتين ولؤلؤتين، فَقَرِّبْهُنَّ إليه، فإن بطش باللؤلؤتين(٤١) واجتنب الجمرتين فاعرف(٤٢) أنه يعقل، وإن تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين، علمت أن أحدا لا يؤثر الجمرتين على اللؤلؤتين وهو يعقل. فقرب إليه فتناول الجمرتين، فانتزعهما منه مخافة أن يحرقا يده، فقالت المرأة : ألا ترى ؟ فصرفه الله عنه بعد ما كان قد همّ به، وكان الله بالغا فيه أمره.
فلما بلغ أشده وكان من الرجال، لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل معه بظلم ولا سخرة، حتى امتنعوا كل الامتناع، فبينما موسى، عليه السلام، يمشي في ناحية المدينة، إذا(٤٣) هو برجلين يقتتلان، أحدهما فرعوني والآخر إسرائيلي، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني، فغضب موسى غضبًا شديدًا ؛ لأنه تناوله وهو يعلم منزلته(٤٤) من بني إسرائيل وحفظه لهم، لا يعلم الناس إلا أنما ذلك من الرضاع، إلا أم موسى، إلا أن يكون الله [ سبحانه ](٤٥) أطلع موسى من ذلك على ما لم يطلع عليه غيره. فوكز(٤٦) موسى الفرعوني فقتله، وليس يراهما أحد إلا الله عز وجل والإسرائيلي، فقال موسى حين قتل الرجل :﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٥]. ثم قَالَ ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: ١٦] فأصبح في المدينة خائفًا يترقب الأخبار، فأتى فرعون، فقيل له : إن بني إسرائيل قتلوا رجلا من آل فرعون فخذ لنا بحقنا(٤٧) ولا ترخص لهم. فقال : ابغوني قاتله، ومن يشهد عليه، فإن الملك وإن كان صَغْوه مع قومه لا يستقيم له أن يقيد بغير بينة ولا ثبت، فاطلبوا لي علم ذلك آخذ لكم بحقكم. فبينما هم يطوفون ولا(٤٨) يجدون ثبتًا، إذا بموسى(٤٩) من الغد قد رأى ذلك الإسرائيلي يقاتل رجلا من آل فرعون آخر. فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني، فصادف موسى قد ندم على ما كان منه وكره الذي رأى، فغضب الإسرائيلي وهو يريد أن يبطش بالفرعوني، فقال : للإسرائيلي لما فعل بالأمس واليوم :﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ فنظر الإسرائيلي إلى موسى بعد ما قال له ما قال، فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس الذي قتل فيه الفرعوني فخاف أن يكون بعد ما قال له :﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٨] أن يكون إياه أراد، ولم يكن أراده، وإنما أراد الفرعوني. فخاف الإسرائيلي وقال :﴿يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ [القصص: ١٩] وإنما قاله(٥٠) مخافة أن يكون إياه أراد موسى ليقتله، فتتاركا، وانطلق الفرعوني فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي من الخبر حين يقول :﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ فأرسل فرعون الذباحين ليقتلوا موسى، فأخذ رسل فرعون في الطريق الأعظم يمشون على هينتهم يطلبون موسى، وهم لا يخافون أن يفوتهم، فجاء رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة، فاختصر طريقا حتى سبقهم إلى موسى، فأخبره(٥١) وذلك من الفتون يا بن جبير.
فخرج موسى متوجهًا نحو مدين، لم يلق بلاء قبل ذلك، وليس له بالطريق علم إلا حسن ظنه بربه عز وجل، فإنه قال :{ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ وَلَمَّا وَرَدَ مَاء
١ في ف، أ: "فقالت"..
٢ في ف، أ: "يعني"..
٣ في ف: "يرضعه"..
٤ في أ: "الأخرى"..
٥ في ف، أ: "يحسب"..
٦ روى أبو داود في المراسيل برقم (٣٣٢) من طريق جبير بن نفير نحوه ولفظه "مثل الذين يغزون من أمتي ويأخذون الجعل ويتقوون على عدوهم به مثل أم موسى ترضع ولدها وتأخذ أجرها"..
٧ في ف: "آل فرعون ليقتلوه" وفي أ: "ليقتله".
.

٨ في ف، أ: "على"..
٩ في ف، أ: "صلى الله عليه وسلم"..
١٠ في ف: "ما كانوا"..
١١ في أ: "الذي"..
١٢ في أ: "بناتهم"..
١٣ في أ: "يكبروا"..
١٤ زيادة من ف، أ..
١٥ في ف، أ: "وتلقيه"..
١٦ في أ: "بعضهم"..
١٧ في ف، أ: "دفعنه"..
١٨ في ف، أ: "عليها منه".
.

١٩ في ف، أ: "أن يكون له قرة عين"..
٢٠ في أ: "ولكن الله حرمه"..
٢١ في ف، أ: "الشيء البعيد"..
٢٢ في ف، أ: "ناحية"..
٢٣ في ف، أ: "تعرفونه"..
٢٤ في ف، أ: "نصيحتهم"..
٢٥ في ف، أ: "أمه"..
٢٦ زيادة من ف، أ، والطبري..
٢٧ في ف، أ: "موعوده"..
٢٨ في ف: "فأنبته"..
٢٩ في أ: "حفظ".
٣٠ في أ: "تريني"..
٣١ في أ: "يوما أن"..
٣٢ في أ: "ذلك فيه"..
٣٣ في ف: "يحصي كل"..
٣٤ في ف: "والكرامة والنحل"..
٣٥ في أ: "بجلته"..
٣٦ في أ: "فليبجلنه"..
٣٧ في ف، أ: "فمدها"..
٣٨ في ف، أ: "به فتونا"..
٣٩ في أ: "فجاءت امرأة فرعون تسعى إلى فرعون فقالت"..
٤٠ في ف: "فقالت"..
٤١ في ف: "باللؤلؤ"..
٤٢ في أ: "فعرفت"..
٤٣ في ف: "إذا"..
٤٤ في ف: "منزله"..
٤٥ زيادة من أ..
٤٦ في ف، أ: "فوكزه"..
٤٧ في ف، أ: "بحقك"..
٤٨ في ف: "لا"..
٤٩ في ف: "موسى".
.

٥٠ في ف، أ: "قال له"..
٥١ في ف، أ: "فأخبره الخبر"..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
مِنْهُمْ مِنَ الْمَعْصِيَةِ وَإِسَاءَتِهِمْ حَتَّى كَانَ يَوْمَئِذٍ فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ وَسَمَّاهُمْ كَمَا سَمَّاهُمْ (١) فَاسِقِينَ، فَحَرَّمَهَا عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ، يُصْبِحُونَ كُلَّ يَوْمٍ فَيَسِيرُونَ، لَيْسَ لَهُمْ قَرَارٌ، ثُمَّ ظَلَّلَ عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ فِي التِّيهِ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى، وَجَعَلَ لَهُمْ ثِيَابًا لَا تَبْلَى وَلَا تَتَّسِخُ، وَجَعَلَ بَيْنَ ظَهْرَانِيهِمْ (٢) حَجَرًا مُرَبَّعًا، وَأَمَرَ مُوسَى فَضَرَبَهُ بِعَصَاهُ. فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا، فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ ثَلَاثُ (٣) أَعْيُنٍ، وَأَعْلَمَ كُلَّ سِبْط عَيْنَهُمُ (٤) الَّتِي يَشْرَبُونَ مِنْهَا، فَلَا يَرْتَحِلُونَ مِنْ مَنْقَلَة إِلَّا وَجَدُوا ذَلِكَ الْحَجَرَ مَعَهُمْ بِالْمَكَانِ الَّذِي كَانَ فِيهِ بِالْأَمْسِ.
رَفَعَ ابْنُ عَبَّاسٍ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وصَدَّقَ ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ مُعَاوِيَةَ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يُحَدِّثُ (٥) هَذَا الْحَدِيثَ، فَأَنْكَرُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ الْفِرْعَوْنِيُّ الَّذِي أَفْشَى عَلَى مُوسَى أَمْرَ الْقَتِيلِ الَّذِي قَتَلَ، فَقَالَ: كَيْفَ يُفْشي عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ عَلِمَ بِهِ وَلَا ظَهَرَ عَلَيْهِ إِلَّا الْإِسْرَائِيلِيُّ الَّذِي حَضَرَ ذَلِكَ؟. فَغَضِبَ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَأَخَذَ بِيَدِ مُعَاوِيَةَ فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ الزُّهْرِيِّ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ، هَلْ تَذْكُرُ يَوْمَ حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَتِيلِ مُوسَى الَّذِي قَتَلَ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ؟ الْإِسْرَائِيلِيُّ الَّذِي أَفْشَى عَلَيْهِ أَمِ الْفِرْعَوْنِيُّ؟ قَالَ: إِنَّمَا أَفْشَى عَلَيْهِ الْفِرْعَوْنِيُّ، بِمَا سَمِعَ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيِّ الَّذِي شَهِدَ عَلَى ذَلِكَ وَحَضَرَهُ.
هَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ النَّسَائِيُّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى، وَأَخْرَجَهُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرَيْهِمَا (٦) كُلُّهُمْ مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ بِهِ (٧) وَهُوَ مَوْقُوفٌ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَيْسَ فِيهِ مَرْفُوعٌ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُ، وَكَأَنَّهُ تَلَقَّاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (٨) مِمَّا أُبِيحَ نَقْلُهُ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ أَوْ غَيْرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَمِعْتُ شَيْخَنَا الْحَافِظَ أَبَا الْحَجَّاجِ الْمِزِّيَّ يَقُولُ ذَلِكَ أَيْضًا.
﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (٤٠) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١) اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (٤٢) اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾
يَقُولُ تَعَالَى مُخَاطِبًا لِمُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ: إِنَّهُ لَبِثَ مُقِيمًا فِي أَهْلِ "مَدْيَنَ" فَارًّا مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ، يَرْعَى عَلَى صِهْرِهِ، حَتَّى انْتَهَتِ الْمُدَّةُ وَانْقَضَى الْأَجَلُ، ثُمَّ جَاءَ مُوَافِقًا لَقَدَرِ اللَّهِ وَإِرَادَتِهِ مِنْ غَيْرِ مِيعَادٍ، وَالْأَمْرُ كُلُّهُ لِلَّهِ (٩) تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَهُوَ الْمُسَيَّرُ عِبَادَهُ وَخَلْقَهُ فِيمَا يَشَاءُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا [مُوسَى]﴾ (١٠) قَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ عَلَى مَوْعِدٍ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾ قَالَ: عَلَى قدر
(١) في ف، أ: "كما سماهم موسى".
(٢) في ف: "أظهرهم".
(٣) في ف: "ثلاثة".
(٤) في أ: "منهم".
(٥) في أ: "حدث".
(٦) في أ: "في تفسيرهما".
(٧) سنن النسائي الكبرى برقم (١١٣٢٦) وتفسير الطبري (١٦/١٢٥).
(٨) في ف، أ: "عنهما".
(٩) في ف: "له".
(١٠) زيادة من ف، أ.
الرِّسَالَةِ وَالنُّبُوَّةِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ أَيِ: اصْطَفَيْتُكَ وَاجْتَبَيْتُكَ رَسُولا لِنَفْسِي، أَيْ: كَمَا أُرِيدُ وَأَشَاءُ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ عِنْدَ تَفْسِيرِهَا: حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابن سِيرين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الْتَقَى آدَمُ وَمُوسَى، فَقَالَ مُوسَى: أَنْتَ الَّذِي أَشْقَيْتَ النَّاسَ وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ؟ فَقَالَ آدَمُ: وَأَنْتَ الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَاصْطَفَاكَ لِنَفْسِهِ، وَأَنْزَلَ عَلَيْكَ التَّوْرَاةَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فوجدتَه قَدْ كَتَبَ عَليّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي؟ قَالَ: نَعَمْ. فحَجّ آدَمُ مُوسَى" أَخْرَجَاهُ (١).
﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي﴾ أَيْ: بحُجَجي وَبَرَاهِينِي وَمُعْجِزَاتِي، ﴿وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾ قال علي ابن أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَا تُبْطئا.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَا تَضْعُفا.
وَالْمُرَادُ أَنَّهُمَا لَا يَفْتُرَانِ فِي ذِكْرِ اللَّهِ، بَلْ يَذْكُرَانِ اللَّهَ فِي حَالِ مُوَاجَهَةِ فِرْعَوْنَ، لِيَكُونَ ذكرُ اللَّهِ عَوْنًا لَهُمَا عَلَيْهِ، وَقُوَّةً لَهُمَا وَسُلْطَانًا كَاسِرًا لَهُ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "إِنَّ عَبْدِي كُلَّ عَبْدِي لَلَّذِي (٢) يَذْكُرُنِي وَهُوَ مُنَاجِز قِرْنه". (٣)
﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ أَيْ: تَمَرَّدَ وَعَتَا وتَجَهْرم عَلَى اللَّهِ وَعَصَاهُ،
﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ هَذِهِ الْآيَةُ فِيهَا عِبْرَةٌ عَظِيمَةٌ، وَهُوَ أَنَّ فِرْعَوْنَ فِي غَايَةِ الْعُتُوِّ وَالِاسْتِكْبَارِ، وَمُوسَى صَفْوَةُ اللَّهِ مِنْ خَلْقِهِ إِذْ ذَاكَ، وَمَعَ هَذَا أُمِرَ أَلَّا يُخَاطِبَ فِرْعَوْنَ إِلَّا بِالْمُلَاطَفَةِ وَاللِّينِ، كَمَا قَالَ يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ : يَا مَنْ يَتَحَبَّبُ إِلَى مَنْ يُعَادِيهِ فَكَيْفَ بِمَنْ يَتَوَلَّاهُ وَيُنَادِيهِ؟
وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبه: قُولَا لَهُ: إِنِّي إِلَى الْعَفْوِ وَالْمَغْفِرَةِ أقربُ مِنِّي إِلَى الْغَضَبِ وَالْعُقُوبَةِ.
وَعَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَقَالَ (٤) عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ أعْذرا إِلَيْهِ، قُولَا لَهُ: إِنَّ لَكَ رَبًّا وَلَكَ مَعَادًا، وَإِنَّ بَيْنَ يَدَيْكَ جَنَّةً وَنَارًا.
وَقَالَ بقيَّة، عَنْ عَلِيِّ بْنِ هَارُونَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحم، عَنِ النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَة، عَنْ عَلِيٍّ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ قَالَ: كَنِّه.
وَكَذَا رُوِيَ عَنْ سُفْيَانَ الثوري: كَنّه بأبي مُرَّة.
(١) صحيح البخاري برقم (٤٧٣٦).
(٢) في أ: "الذي".
(٣) رواه الترمذي في السنن برقم (٣٥٨٠) من حديث عمارة بن زعكرة رضي الله عنه. وقال الترمذي "هذا حديث غريب ولا نعرفه إلا من هذا الوجه، وليس إسناده بالقوى".
(٤) في أ: "وعن".

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
فجاءت أخت موسى، فقالت لهم :﴿هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون﴾
﴿فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ وهو القبطي لما دخل المدينة وقت غفلة من أهلها، وجد رجلين يقتتلان، واحد من شيعة موسى، والآخر من عدوه قبطي ﴿فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه﴾ فدعا الله وسأله المغفرة، فغفر له، ثم فر هاربا لما سمع أن الملأ طلبوه، يريدون قتله.
فنجاه الله من الغم من عقوبة الذنب، ومن القتل، ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ أي : اختبرناك، وبلوناك، فوجدناك مستقيما في أحوالك أو نقلناك في أحوالك، وأطوارك، حتى وصلت إلى ما وصلت إليه، ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ حين فر هاربا من فرعون وملئه، حين أرادوا قتله، فتوجه إلى مدين، ووصل إليها، وتزوج هناك، ومكث عشر سنين، أو ثمان سنين، ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾ أي : جئت مجيئا قد مضى به القدر، وعلمه الله وأراده في هذا الوقت وهذا الزمان وهذا المكان، ليس مجيئك اتفاقا من غير قصد ولا تدبير منا، وهذا يدل على كمال اعتناء الله بكليمه موسى عليه السلام، ولهذا قال :﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
﴿إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى * أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي * إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى * وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾.
﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ فكل من رآه أحبه ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ ولتتربى على نظري وفي حفظي وكلاءتي، وأي نظر وكفالة أجلّ وأكمل، من ولاية البر الرحيم، القادر على إيصال مصالح عبده، ودفع المضار عنه؟! فلا ينتقل من حالة إلى حالة، إلا والله تعالى هو الذي دبّر ذلك لمصلحة موسى، ومن حسن تدبيره، أن موسى لما وقع في يد عدوه، قلقت أمه قلقا شديدا، وأصبح فؤادها فارغا، وكادت تخبر به، لولا أن الله ثبتها وربط على قلبها، ففي هذه الحالة، حرم الله على موسى المراضع، فلا يقبل ثدي امرأة قط، ليكون مآله إلى أمه فترضعه، ويكون عندها، مطمئنة ساكنة، قريرة العين، فجعلوا يعرضون عليه المراضع، فلا يقبل ثديا.
فجاءت أخت موسى، فقالت لهم: ﴿هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون﴾
﴿فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ وهو القبطي لما دخل المدينة وقت غفلة من أهلها، وجد رجلين يقتتلان، واحد من شيعة موسى، والآخر من عدوه قبطي ﴿فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه﴾ فدعا الله وسأله المغفرة، فغفر له، ثم فر هاربا لما سمع أن الملأ طلبوه، يريدون قتله.
فنجاه الله من الغم من عقوبة الذنب، ومن القتل، ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ أي: اختبرناك، وبلوناك، فوجدناك مستقيما في أحوالك أو نقلناك في أحوالك، وأطوارك، حتى وصلت إلى ما وصلت إليه، ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ حين فر هاربا من فرعون وملئه، حين أرادوا قتله، فتوجه إلى مدين، ووصل إليها، وتزوج هناك، ومكث عشر سنين، أو ثمان سنين، -[٥٠٦]- ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾ أي: جئت مجيئا قد مضى به القدر، وعلمه الله وأراده في هذا الوقت وهذا الزمان وهذا المكان، ليس مجيئك اتفاقا من غير قصد ولا تدبير منا، وهذا يدل على كمال اعتناء الله بكليمه موسى عليه السلام، ولهذا قال: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ أي: أجريت عليك صنائعي ونعمي، وحسن عوائدي، وتربيتي، لتكون لنفسي حبيبا مختصا، وتبلغ في ذلك مبلغا لا يناله أحد من الخلق، إلا النادر منهم، وإذا كان الحبيب إذا أراد اصطناع حبيبه من المخلوقين، وأراد أن يبلغ من الكمال المطلوب له ما يبلغ، يبذل غاية جهده، ويسعى نهاية ما يمكنه في إيصاله لذلك، فما ظنك بصنائع الرب القادر الكريم، وما تحسبه يفعل بمن أراده لنفسه، واصطفاه من خلقه؟ "
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١١٤ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير يحيى بن سلام — يحيى بن سلام معاني القرآن — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة تفسير القرآن — الصنعاني غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري تفسير النسائي — النسائي تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي جهود ابن عبد البر في التفسير — ابن عبد البر تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن — زكريا الأنصاري فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب أضواء البيان — محمد الأمين الشنقيطي تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير سفيان الثوري — عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
يَكْفُلُهُ
يُرَبِّيهِ، وَيُرْضِعُهُ.
تَقَرَّ عَيْنُهَا
تَطِيبُ نَفْسُهَا.
وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا
ابْتَلَيْنَاكَ ابْتِلَاءً.
عَلَى قَدَرٍ
عَلَى وَفْقِ الوَقْتِ المُقَدَّرِ لِإرْسَالِكَ.

إعراب الآية ٤٠ من سورة طه

من كتاب: إعراب القرآن

هارون أخي وزيرا لي، ويجوز أن يكون هارون بدلا من وزير لأن المعرفة تبدل من النكرة، ويجوز الرفع.

[سورة طه (٢٠) : الآيات ٣١ الى ٣٢]

اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢)
على الدعاء، وعن الحسن وابن أبي إسحاق أنهما قرءا اشْدُدْ «١» بفتح الهمزة وضم الدال الأولى وإسكان الثانية وَأَشْرِكْهُ «٢» بضم الهمزة وإسكان الكاف يجعلان الفعلين في موضع جزم جوابا لقوله: اجعل لي وزيرا من أهلي. وهذه القراءة شاذّة بعيدة لأن جواب مثل هذا إنما ينجزم بمعنى الشرط والمجازاة فيكون المعنى: إن تجعل لي وزيرا من أهلي أشدد به أزري وأشركه في أمري. وأمره النبوة والرسالة، وليس هذا إليه صلّى الله عليه وسلّم فيخبر به، وإنما يسأل الله جلّ وعزّ أن يشركه معه في النبوة. وعن ابن عباس «أشدد به أزري» أي قوّني، وعنه أي ظهري. قال أبو جعفر: وهو مشتقّ من الإزار، لأنه يشدّ به. وقد يقال للظهر: أزر لما فيه من القوة. وآزره قواه وليس وزير من هذا، إنّما هو مشتقّ من الوزر، وهو الجبل.

[سورة طه (٢٠) : الآيات ٣٣ الى ٣٥]

كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً (٣٥)
كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً نعت لمصدر أي تسبيحا كثيرا ويجوز أن يكون نعتا لوقت، والإدغام حسن، وكذا وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً مدغم، وكذا إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً لأن الحرفين من كلمتين «بصيرا» أي عليما بما يصلحنا.

[سورة طه (٢٠) : آية ٣٩]

أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي (٣٩)
أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ الضمير للتابوت فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ أمر. قال الفراء «٣» : وفيه معنى المجازاة أي اقذفيه يلقه اليم. وكذا عنده اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ [العنكبوت: ١٢]. وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي أي على علمي بك. والإدغام جائز ليس في حسن الأول لبعد حروف الحلق.

[سورة طه (٢٠) : آية ٤٠]

إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى (٤٠)
ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى في الوقت الذي أراد الله جل وعزّ أن يرسله.
(١) انظر معاني الفراء ٣/ ١٧٨، والبحر المحيط ٦/ ٢٢٥. [.....]
(٢) انظر معاني الفراء ٣/ ١٧٨.
(٣) انظر معاني الفراء ٢/ ١٧٩.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

القراءات في الآية ٤٠ من سورة طه

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

أُمِّكَ كَىْ

إدغام الكاف في الكاف إدغاماً كبيراً

السوسي عن أبي عمرو

إظهار الكاف الأولى مفتوحة

الدوري عن أبي عمرو حفص عن عاصم شعبة عن عاصم خلف عن حمزة خلاد عن حمزة ابن ذكوان عن ابن عامر أبو الحارث عن الكسائي هشام عن ابن عامر الدوري عن الكسائي ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر قنبل عن ابن كثير إدريس عن خلف قالون عن نافع روح عن يعقوب ورش عن نافع إسحاق عن خلف رويس عن يعقوب البزي عن ابن كثير

إِذْ تَمْشِى أُخْتُكَ

إدغام الذال في التاء وقصر المنفصل

السوسي عن أبي عمرو الدوري عن أبي عمرو

إدغام الذال في التاء ومد المنفصل 3 حركات

الدوري عن أبي عمرو

إدغام الذال في التاء ومد المنفصل 4 حركات

إدريس عن خلف إسحاق عن خلف أبو الحارث عن الكسائي الدوري عن الكسائي هشام عن ابن عامر

إدغام الذال في التاء ومد المنفصل 6 حركات

خلاد عن حمزة خلف عن حمزة

إظهار الذال وقصر المنفصل

ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر البزي عن ابن كثير روح عن يعقوب قالون عن نافع رويس عن يعقوب قنبل عن ابن كثير

إظهار الذال ومد المنفصل 3 حركات

قالون عن نافع

إظهار الذال ومد المنفصل 4 أو 5 حركات

حفص عن عاصم شعبة عن عاصم

إظهار الذال ومد المنفصل 4 حركات

ابن ذكوان عن ابن عامر

إظهار الذال ومد المنفصل 6 حركات

ورش عن نافع

عَيْنِى إِذْ

(عَيْنِى) بإسكان ياء الإضافة ومدها 4 أو 5 حركات

حفص عن عاصم شعبة عن عاصم

(عَينِى) بإسكان ياء الإضافة ومدها 4 حركات

الدوري عن الكسائي هشام عن ابن عامر أبو الحارث عن الكسائي إدريس عن خلف ابن ذكوان عن ابن عامر إسحاق عن خلف

(عَيْنِى) بإسكان ياء الإضافة ومدها 6 حركات

خلاد عن حمزة خلف عن حمزة

(عَيْنِى) بإسكان ياء الإضافة ومدها حركتين

رويس عن يعقوب البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير روح عن يعقوب

(عَيْنِىَ) بفتح ياء الإضافة

قالون عن نافع السوسي عن أبي عمرو ابن وردان عن أبي جعفر ورش عن نافع الدوري عن أبي عمرو ابن جمّاز عن أبي جعفر

فَلَبِثْتَ

(فَلَبِتَّ) إدغام الثاء في التاء

الدوري عن الكسائي خلف عن حمزة ابن ذكوان عن ابن عامر خلاد عن حمزة هشام عن ابن عامر ابن جمّاز عن أبي جعفر أبو الحارث عن الكسائي ابن وردان عن أبي جعفر الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو

(فَلَبِثْتَ) إظهار الثاء الساكنة

إدريس عن خلف إسحاق عن خلف روح عن يعقوب رويس عن يعقوب حفص عن عاصم شعبة عن عاصم قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير ورش عن نافع قالون عن نافع
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

عدّ الآي — ترقيم الآية عند مذاهب العدّ

كيف رقّمت مذاهب العدّ الستة هذه الآية

عَدُّ هذه الآية في مذاهبِ العدِّ الستَّة

سورة طه، الآيةُ ٤٠ في العدِّ الكوفيّ

رقمُ الآية في كلِّ عدّ

٤٠ المدَنيَّان والمكِّيّ والكوفيّ المرجِع
٣٧–٣٨ البصريّ
٤٠–٤٣ الدِمَشقيّ

مواضعُ الخلافِ في هذه الآية

في أثنائها ﴿ تحزن

يَعُدُّه رأسَ آية

الدِمَشقيّ

لا يَعُدُّه رأسَ آية

المدَنيّ الأوَّل المدَنيّ الأخير المكِّيّ الكوفيّ البصريّ

﴿تحزن﴾ في أثناءِ هذه الآية: يَعُدُّه الدِمَشقيّ رأسَ آية، فتكونُ عندَه آيتَين، ولا يَعُدُّه المدَنيَّان والمكِّيّ والكوفيّ والبصريّ، فهي عندَه آيةٌ واحدة.

مصادرُ التوثيق "نفائس البيان — شرح الفرائد الحسان" (ص 44-45) "الفرائد الحسان في عدّ آي القرآن" (ص 44)
في أثنائها ﴿ فتونا

يَعُدُّه رأسَ آية

البصريّ الدِمَشقيّ

لا يَعُدُّه رأسَ آية

المدَنيّ الأوَّل المدَنيّ الأخير المكِّيّ الكوفيّ

﴿فتونا﴾ في أثناءِ هذه الآية: يَعُدُّه البصريّ والدِمَشقيّ رأسَ آية، فتكونُ عندَه آيتَين، ولا يَعُدُّه المدَنيَّان والمكِّيّ والكوفيّ، فهي عندَه آيةٌ واحدة.

مصادرُ التوثيق "نفائس البيان — شرح الفرائد الحسان" (ص 45) "الفرائد الحسان في عدّ آي القرآن" (ص 45)
في أثنائها ﴿ مدين

يَعُدُّه رأسَ آية

الدِمَشقيّ

لا يَعُدُّه رأسَ آية

المدَنيّ الأوَّل المدَنيّ الأخير المكِّيّ الكوفيّ البصريّ

﴿مدين﴾ في أثناءِ هذه الآية: يَعُدُّه الدِمَشقيّ رأسَ آية، فتكونُ عندَه آيتَين، ولا يَعُدُّه المدَنيَّان والمكِّيّ والكوفيّ والبصريّ، فهي عندَه آيةٌ واحدة.

مصادرُ التوثيق "نفائس البيان — شرح الفرائد الحسان" (ص 44-45) "الفرائد الحسان في عدّ آي القرآن" (ص 44)
ما مذاهبُ العدِّ الستَّة؟

مذاهبُ العدِّ الستَّةُ أوجُهٌ مرويَّةٌ في عدِّ آي القرآن الكريم عن أهلِ المدينةِ ومكَّةَ والكوفةِ والبصرةِ والشام، والخلافُ بينها إنَّما هو في مواضعِ الفواصلِ ورؤوسِ الآي، لا في شيءٍ من حروفِ القرآن ولا كلماتِه.

القراءاتُ التي تأخُذُ بكلِّ عدّ

  • الكوفيّ: عاصم (شعبة وحفص) وحمزة (خلف وخلّاد) والكسائي (أبو الحارث والدوري الكسائي) وخلف العاشر (إسحاق وإدريس)
  • المدَنيّ الأخير: نافع (قالون وورش)
  • المدَنيّ الأوَّل: أبو جعفر (عيسى بن وردان وابن جمّاز)
  • المكِّيّ: ابن كثير (البزي وقنبل)
  • البصريّ: أبو عمرو (الدوري والسوسي) ويعقوب (رويس وروح)
  • الدِمَشقيّ: ابن عامر (هشام وابن ذكوان)

والرقمُ المعتمَدُ في الموسوعة هو رقمُ العدِّ الكوفيّ؛ وهو عدُّ مصحفِ المدينةِ النبويَّةِ برواية حَفصٍ عن عاصم.

الموضوعات القرآنية للآية ٤٠ من سورة طه

١١ موضوعًا تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٤٥ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

٤٢ قولًا
١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فلبثت سنين﴾ يعني: عشر سنين، ﴿في أهل مدين﴾ حين كان مع شعيب عليهما السلام١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏٢٧.
٢
قال يحيى بن سلّام: قوله: ﴿فلبثت سنين في أهل مدين﴾ عشرين سنة؛ أقام عشرًا ثَمَّ آخر الأجلين، ثم أقام بعد ذلك عشرًا١
التخريج
  1. ١تفسير يحيى بن سلّام ١‏/‏٢٦٠.
٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- في قوله: ﴿ثم جئت على قدر﴾، قال: لميقات١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٧١.
٤
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجِيح- في قوله: ﴿ثم جئت على قدر﴾، قال: على موعد١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٧٢. وعلقه يحيى بن سلّام ١‏/‏٢٦٠، والبخاري ٤‏/‏١٧٦٤. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
٥
عن قتادة بن دعامة -من طريق معمر- في قوله: ﴿ثم جئت على قدر يا موسى﴾، قال: على قدر الرسالة والنبوة١٢
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏١٧، وابن جرير ١٦‏/‏٧٢. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
تعليقات المحققين
  1. ٢لم يذكر ابنُ جرير (١٦/٧١-٧٢) غير قول قتادة، ومجاهد، وقول ابن عباس.
٦
قال محمد بن كعب القرظي: جئت على القدر الذي قدَّرتُ أنك تجيء١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٦‏/‏٢٤٤، وتفسير البغوي ٥‏/‏٢٧٤.
٧
قال محمد بن السائب الكلبي: وافق الكلام عند الشجرة١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٦‏/‏٢٤٥.
٨
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ثم جئت على قدر﴾ يعني: ميقات، ﴿يا موسى﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏٢٧.
٩
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فنجيناك من الغم﴾، يعني: مِن القتل، وكان مغمومًا مخافة أن يُقْتَل مكان القتيل١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏٢٧.
١٠
قال سفيان الثوري، في قوله: ﴿فنجيناك من الغم﴾: القَتْل١
التخريج
  1. ١تفسير الثوري ص١٩٤.
١١
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العوفي- في قوله: ﴿وفتناك فتونا﴾، قال: ابتليناك ابتلاءً١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٦٤. وعزاه السيوطي إلى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
١٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد- ﴿وفتناك فتونا﴾: ابتليناك بلاءً بعد بلاء١
التخريج
  1. ١أخرجه الحربي في غريب الحديث ٣‏/‏٩٣٣.
١٣
عن عبد الله بن عباس، في قوله: ﴿وفتناك فتونا﴾، قال: ابتليناك ببلاء نعمة١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
١٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿وفتناك فتونا﴾، قال: اختبرناك اختبارًا١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٦٣. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم.
تعليقات المحققين
  1. ٢علّق ابنُ عطية (٦/٩٥-٩٦) على قول ابن عباس، فقال: «وعلى هذا التأويل لا يُراد إلا ما اخْتُبرَ به موسى بعد بلوغه وتكليفه، وما كان قبل ذلك فلا يدخل في اختبار موسى».
١٥
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- أنّه قال: ألا تسألني عن آيةٍ فيها مائةُ آية؟ قال: قلتُ: ما هي؟ قال: قوله تعالى: ﴿وفتناك فتونا﴾. قال: كلُّ شيء أُوتِي مِن خير أو شر كان فتنة. ثم ذكر حين حَمَلَتْ به أُمُّه، وحين وضعته، وحين التقطه آل فرعون، حتى بلغ ما بلغ، ثم قال: ألا ترى قوله: ﴿ونبلوكم بالشر والخير فتنة﴾ [الأنبياء:٣٥]؟١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله ١‏/‏٤٦٧-٤٦٨.
١٦
عن سعيد بن جبير -من طريق يعلى بن مسلم- يُفَسِّر هذا الحرف: ﴿وفتناك فتونا﴾، قال: أخلصناك إخلاصًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٧١.
١٧
عن مجاهد بن جبر، في قوله: ﴿وفتناك فتونا﴾، قال: أخلصناك إخلاصًا١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
١٨
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجِيح- في قوله: ﴿وفتناك فتونا﴾، قال: بلاء؛ إلقاؤه في التابوت، ثم في اليم، ثم التقاط آل فرعون إيّاه، ثم خروجه خائفًا يَتَرَقَّب١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٧٠. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
١٩
عن الضَّحّاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد- في قوله: ﴿وفتناك فتونا﴾، قال: هو البلاء على إثْرِ البلاء١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٧٠.
٢٠
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قوله: ﴿وفتناك فتونا﴾، قال: ابتليناك بلاء١
التخريج
  1. ١أخرجه يحيى بن سلّام في تفسيره ١‏/‏٢٦٠، وابن جرير ١٦‏/‏٧٠، وإبراهيم الحربي في غريب الحديث ٣‏/‏٩٣٣ من طريق سنان.
٢١
قال إسماعيل السُّدِّي: ﴿وفتناك فتونا﴾، يعني: ابتليناك ابتلاء على إثر ابتلاء١
التخريج
  1. ١علقه يحيى بن سلّام ١‏/‏٢٦٠.
٢٢
قال محمد بن السائب الكلبي: هو البلاء في إثر البلاء١
التخريج
  1. ١علقه يحيى بن سلّام ١‏/‏٢٦٠.
٢٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وفتناك فتونا﴾، يعني: ابتليناك ببلاءٍ على إثْر بلاء، يعني بالبلاء: النِّقَم منذ يوم وُلِد إلى أن بعثه الله عز وجل رسولًا١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏٢٧. وفي تفسير الثعلبي ٦‏/‏٢٤٤، وتفسير البغوي ٥‏/‏٢٧٣ بلفظ: ابتليناك ابتلاء. عن مقاتل دون تعيينه.
٢٤
قال وهب بن مُنَبِّه: لبِث عند شعيب عليه السلام ثمانيًا وعشرين سنة؛ عشر سنين منها مهر ابنته صفيرا بنت شعيب، وثمان عشرة سنة أقام عنده حتى وُلِدَ له١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٦‏/‏٢٤٤، وتفسير البغوي ٥‏/‏٢٧٣.
٢٥
عن قتادة بن دعامة، في قوله: ﴿فلبثت سنين في أهل مدين﴾، قال: عشر سنين١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏١٧. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
٢٦
عن إسماعيل السُّدِّي -من طريق أسباط- قال: لَمّا ألقته أمه في اليمِّ، وقالت لأخته: قُصِّيهِ. فلما التقطه آل فرعون، وأرادوا له المرضعات، فلم يأخذ مِن أحد من النساء، وجعل النساء يطلبن ذلك لينزِلن عند فرعون في الرضاع، فأبى أن يأخذ، فقالت أخته: ﴿هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون﴾ [القصص:١٢]. فأخذوها، وقالوا: بل قد عرفتِ هذا الغلامَ، فدُلِّينا على أهله. قالت: ما أعرفه، ولكن إنما قلت: هم للملك ناصحون١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٦١، وابن أبي حاتم ٩‏/‏٢٩٤٩، ٢٩٥٠ (١٦٧٣٣، ١٦٧٣٦).
٢٧
قال محمد بن السائب الكلبي: فقالوا: نعم١
التخريج
  1. ١علقه يحيى بن سلّام ١‏/‏٢٥٩.
٢٨
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إذ تمشي أختك﴾ مريمُ ﴿فتقول﴾ لآل فرعون: ﴿هل أدلكم على من يكفله﴾ يعني: على مَن يَضُمُّه ويُرضِعُه لكم؟ فقالوا: نعم. فذهبت أختُه، فجاءت بالأمِّ، فقبِل ثديها، فذلك قوله سبحانه: ﴿فرجعناك إلى أمك﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏٢٧.
٢٩
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قال: قالت -يعني: أم موسى لأخته-: قصيه، فانظري ماذا يفعلون به. فخرجت في ذلك، ﴿فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون﴾ [القصص:١١]، وقد احتاج إلى الرَّضاع، والتَمَسَ الثَّدْيَ، وجمعوا له المراضعَ حين ألقى اللهُ محبتهم عليه، فلا يُؤْتى بامرأة فيقبل ثديها، فيُرْمِضُهم١ ذلك، فيؤتى بمرضع بعد مرضع، فلا يقبل شيئًا منهن، فقالت لهم أخته حين رأت مِن وجدهم به وحرصهم عليه: ﴿هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون﴾ [القصص:١٢]. أي: لمنزلته عندكم، وحرصكم على مَسَرَّةِ المَلِك٢
التخريج
  1. ١أي: يوجعهم. تاج العروس (رمض).
  2. ٢أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٦١، وابن أبي حاتم ٩‏/‏٢٩٤٩، ٢٩٥٠ (١٦٧٣٤، ١٦٧٣٧).
٣٠
قال يحيى ين سلّام: قوله: ﴿إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله﴾: على مَن يَضُمُّه١
التخريج
  1. ١تفسير يحيى بن سلّام ١‏/‏٢٥٩.
٣١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فرجعناك إلى أمك﴾، يعني: ﴿كي تقر عينها ولا تحزن﴾ عليك١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏٢٧.
٣٢
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قال: لَمّا قالت أختُ موسى لهم ما قالتْ قالوا: هاتِي. فأتت أمَّه، فأخبرتها، فانطلقت معها حتى أتتهم، فناولوها إيّاه، فلمّا وضعته في حِجرها أخذ ثديها، وسُرُّوا بذلك منه، وردَّه اللهُ إلى أُمِّه كي تَقَرَّ عينُها ولا تحزن، فبلغ لطفُ الله لها وله أن ردَّ عليها ولدَها، وعطف عليها نَفْعَ فرعونَ وأهل بيته، مع الأمَنَةِ مِن القتل الذي يُتَخَوَّف على غيره، فكأنهم كانوا مِن أهل بيت فرعون في الأمان والسَّعَة، فكان على فُرُش فرعون وسُرُرِه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٦٢، وابن أبي حاتم ٩‏/‏٢٩٥٠ (١٦٧٣٨٦).
٣٣
قال يحيى بن سلّام: فجاءت بأُمِّه، فقبِل ثديَها. وقال في سورة ﴿طسم﴾ القصص [١٢-١٣]: ﴿وحرمنا عليه المراضع من قبل﴾، فكان كلما جِيء به إلى امرأة لم يقبل ثديَها، ﴿فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون (١٢) فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن﴾. وقال في هذه الآية: ﴿فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن﴾١
التخريج
  1. ١تفسير يحيى بن سلّام ١‏/‏٢٥٩.
٣٤
عن ابن عمر: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «إنّما قتلَ موسى الذي قتلَ مِن آلِ فرعون خطأً، يقول الله: ﴿وقتلت نفسا فنجيناك من الغم﴾»١
التخريج
  1. ١أخرجه مسلم ٤‏/‏٢٢٢٩ (٢٩٠٥)، وابن جرير ١٦‏/‏٦٣.
٣٥
قال عبد الله بن عباس: قتل قِبْطِيًّا كافِرًا١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٦‏/‏٢٤٤.
٣٦
قال كعب الأحبار: كان إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٦‏/‏٢٤٤، وتفسير البغوي ٥‏/‏٢٧٣.
٣٧
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وقتلت﴾ حين بلغ أشُدَّه ثماني عشرة سنة ﴿نفسا﴾ بمصر١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏٢٧.
٣٨
قال يحيى ين سلّام: ﴿وقتلت نفسا﴾، يعني: القبطيَّ الذي كان قتلُه خطأً، ولم يكن يحل له ضربُه ولا قتلُه١
التخريج
  1. ١تفسير يحيى بن سلّام ١‏/‏٢٥٩.
٣٩
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجِيح- في قوله: ﴿فنجيناك من الغم﴾، قال: مِن قَتْلِ النفس١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٦٣. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
٤٠
قال الحسن البصري، في قوله: ﴿فنجيناك من الغم﴾: مِن النَّفْس التي قَتَلْتَ١
التخريج
  1. ١علقه يحيى بن سلّام ١‏/‏٢٦٠.
٤١
قال الحسن البصري: مِن الخوف، فلم يصل إليك القومُ، وغفرنا لك ذلك الذنب١
التخريج
  1. ١علقه يحيى بن سلّام ١‏/‏٢٦٠.
٤٢
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿فنجيناك من الغم﴾: النفس التي قَتَلَ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٦٣. وعلَّقه يحيى بن سلّام ١‏/‏٢٦٠.

آثار متعلقة بالآية

قول واحد
١
عن إبراهيم النخعي -من طريق مغيرة- قال: كانوا يكرهون أن يتأولوا شيئًا من القرآن عندما يعرض مِن أحاديث الدنيا. قيل لهشيم: نحو قوله: ﴿جئت على قدر يا موسى﴾؟ قال: نعم١
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن منصور في سننه (ت: سعد آل حميد) ٩٧‏/‏٣١٨ (٩٢).

آثار في سياق القصة (حديث الفتون)

قولانِ
١
عن سعيد بن جبير، قال: سألتُ عبد الله بن عباس عن قول الله تعالى: ﴿وفتناك فتونا﴾، في حديث يبلغ به النبيَّ ﷺ...١
التخريج
  1. ١أخرجه الحاكم ٢‏/‏٢٥٨ (٢٩٢٩). ويظهر أن سياقه نحو الحديث التالي. قال الحاكم: «هذا حديث، صحيح الإسناد، ولم يخرجاه»، وقال ابن حجر في إتحاف المهرة ٧‏/‏٢٠٢ (٧٦٣٥) معقبًا على رواية الحاكم: «كذا أخرجه من حديث محمد بن مسلمة، وهو واهٍ. وقد رواه ابن مردويه في تفسير طه من طريق عن يزيد بن هارون صحيحة، وساقه مطولًا».
٢
عن سعيد بن جبير، قال: سألتُ عبد الله بن عباس عن قول الله تعالى لموسى عليه السلام: ﴿وفتناك فتونا﴾، فسألت عن الفتون ما هو؟ فقال: استأنف النهارَ، يا ابن جبير؛ فإنّ لها حديثًا طويلًا. فلمّا أصبحتُ غَدَوْتُ على ابن عباس لأتَنَجَّز ما وعدني مِن حديث الفتون، فقال: تذاكر فرعونُ وجلساؤه ما كان اللهُ وعَدَ إبراهيم مِن أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكًا؛ فقال بعضهم: إنّ بني إسرائيل ينتظرون ذلك ما يَشُكُّون فيه، ولقد كانوا يظنون أنّه يوسف بن يعقوب، فلمّا هلك قالوا: ليس هذا كان وعدُ اللهِ إبراهيمَ. قال فرعون: فكيف ترون؟ فائْتَمَرُوا وأجمعوا أمرهم على أن يبعث رجالًا معهم الشِّفار١، يطوفون في بني إسرائيل، فلا يجدون مولودًا إلا ذبحوه، ففعلوا، فلمّا رأوا أنّ الكبار يموتون بآجالهم، وأنّ الصغار يُذْبَحون؛ قالوا: يُوشِك أن يفنى بنو إسرائيل؛ فتصيروا أن تُباشِروا الأعمال والخِدْمَة التي كانوا يَكْفُونَكم، فاقتلوا عامًا كل مولود ذكر، فتَقِلُّ أبناؤهم، ودعوا عامًا لا تقتلوا منهم أحدًا، فيَشِبُّ الصِّغارُ مكان مَن يموت مِن الكبار؛ فإنهم لن يكثروا فتخافون مكاثرتهم إيّاكم، ولن يفنوا بمن تقتلون فتحتاجون إليهم. فأجمعوا أمرهم على ذلك، فحملت أمُّ موسى بهارون في العام الذي لا يُذبَح فيه الغلمان، فوَلَدَتْ علانِيَةً آمِنَةً، حتى إذا كان في قابِلٍ حملت بموسى، فوقع في قلبها الهمُّ والحُزن -فذلك مِن الفتون، يا ابن جبير؛ ما دخل عليه في بطن أمه ما يُراد به-، فأوحى الله إليها أن: ﴿لا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين﴾ [القصص:٧]. وأَمَرَها إذا ولَدَتْه أن تجعله في تابوت، ثم تُلقيه في اليمِّ، فلما ولَدْت فَعَلَتْ ما أُمِرَت به، حتى إذا توارى عنها ابنُها أتاها الشيطان، وقالت في نفسها: ما فعلتُ بابني؟! لو ذُبِح عندي فوارَيْتُه وكَفَّنتُه كان أحبَّ إلَيَّ مِن أن ألقيه إلى دوابِّ البحر وحيتانه. فانطلق به الماءُ حتى أوْفى به عند فُرْضَة٢ مُسْتَقى جواري امرأة فرعون، فرَأَيْنَه، فأخَذْنَه، فهَمَمْنَ أن يَفْتَحْنَ الباب، فقال بعضُهُنَّ لبعض: إنّ في هذا لَمالًا، وإنّا إن فتحناه لم تُصَدِّقنا امرأةُ الملك بما وجدنا فيه. فحَمَلْنه بهيئته، لم يُحَرِّكْنَ منه شيئًا حتى دَفَعْنَه إليها، فلمّا فتحته رأت فيه الغلامَ، فألقي عليها محبةٌ لم تلْقَ منها على أحد مِن البشر قطُّ، ﴿وأصبح فؤاد أم موسى فارغا﴾ [القصص:١٠] مِن ذِكْرِ كلِّ شيء إلا مِن ذكر موسى. فلمّا سمع الذبّاحون بأمره أقبلوا إلى امرأة فرعون بشِفارِهم، يريدون أن يذبحوه -وذلك مِن الفتون، يا ابن جبير-. فقالت للذبّاحين: آمروني، فإنّ هذا الواحدُ لا يزيد في بني إسرائيل، فإني آتي فرعون فأسْتَوْهِبُه إيّاه، فإن وهبه لي فقد أحسنتم وأجملتم، وإن أمر بذبحه لم ألُمْكُم. فلمّا أتت به فرعونَ قالت: ﴿قرة عين لي ولك لا تقتلوه﴾ [القصص:٩]. قال فرعون: يكون لكِ، وأما لي فلا حاجة لي فيه. قال رسول الله ﷺ: «والذي يحلف به، لو أقرَّ فرعون بأن يكون قُرَّة عين له كما قالت امرأتُه لهداه الله به كما هدى به امرأته، ولكن الله عز وجل حرمه ذلك». فأرسلت إلى مَن حولها مِن كل امرأة لها لبنٌ لِتختار له ظِئْرًا٣، فكلَّما أخذته امرأةٌ مِنهُنَّ لترضعه لم يقبل ثديها، حتى أشفقت امرأةُ فرعون أن يمتنع مِن اللبن فيموت، فأحزنها ذلك، فأمرت به، فأُخْرِج إلى السوق ومجمع الناس، ترجو أن تجد له ظِئْرًا يأخذ منها، فلم يفعل. وأصبحتْ أمُّ موسى والِهًا، فقالت لأخته: قُصِّي أثره، واطلبيه، هل تسمعين له ذِكْرًا؟ أحيٌّ أم قد أكلته الدوابُّ؟ ونَسِيَتِ الذي كان وعَدَ اللهُ. فبصرت به أختُه عن جنب وهم لا يشعرون -والجنب: أن يَسْمُوَ بصرُ الإنسانِ إلى شيء بعيد وهو إلى جنبه، وهو لا يشعر به-، فقالت مِن الفرح حين أعياهم الظُّئُورات: أنا أدلُّكم على أهل بيتٍ يكفلونه لكم وهم له ناصحون. فأخذوها، فقالوا: وما يدريك ما نصحهم له؟ هل يعرفونه؟! حتى شكُّوا في ذلك -وذلك من الفتون، يا ابن جبير-، فقالت: نصحهم له وشفقتهم عليه رغبتهم في صِهر الملك رجاءَ منفعته. فتركوها، فانطلقت إلى أمه، فأخبرتها الخبر، فجاءت، فلما وضعته في حِجرها نزا إلى ثديها، فمصَّه حتى امتلأ جنباه ريًّا، وانطلق البشراء إلى امرأة فرعون يُبَشِّرونها: إنّا قد وجدنا لابنك ظِئْرًا. فأرسلت إليها، فأُتِيَت بها وبه، فلمّا رأت ما يصنع بها قالت لها: امكثي عندي، أرضعي ابني هذا؛ فإني لم أُحِبَّ حُبَّه شيئًا قط. قالت: لا أستطيع أن أدع بيتي وولدي فيضيع، فإن طابت نفسُك أن تعطينيه فأذهب به إلى بيتي فيكون معي لا آلوه خيرًا فعلتُ، وإلا فإني غيرُ تاركةٍ بيتي وولدي. فذكرت أمُّ موسى ما كان الله عز وجل وعَدَها، فتعاسرت على امرأة فرعون لذلك، وأيقنت أن الله عز وجل مُنجِزٌ وعدَه، فرجعت بابنها من يومها، فأنبته الله نباتًا حسنًا، وحفظه لِما قد قضى فيه، فلم يزل بنو إسرائيل وهم يجتمعون في ناحية القرية يمتنعون به مِن الظُّلم والسُّخْرَةِ٤ منذ كان فيهم. فلمّا ترعرع قالت امرأةُ فرعون لأم موسى: أزيريني ابني. فوعدتها يومًا تزورها فيه به، فقالت لخُزّانِها وظُئُورِها وقَهارِمَتِها٥: لا يبقى منكم اليوم واحد إلا استقبل ابني بهدية وكرامةٍ أرى ذلك فيه، وأنا باعثةٌ أمينًا يُحْصِي ما صنع كلُّ إنسان منكم. فلم تزل الهدايا والنِحَل والكرامة تستقبله مِن حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل عليها، فلما دخل عليها أكرمته ونَحَلته، وفرحت به وأعجبها، ونَحَلَتْ أمه لحسن أثرها عليه، ثم قالت: لأنطلِقَنَّ به إلى فرعون فلَيُنْحِلَنَّه وليُكْرِمَنَّه. فلما دخلت به عليه، وجعلته في حجره، فتناول موسى لحية فرعون، فمدَّها إلى الأرض، فقالت له الغواةُ مِن أعداء الله: ألا ترى إلى ما وعد الله إبراهيم! إنّه يَرِثُك ويصرعك ويعلوك. فأرسل إلى الذباحين ليذبحوه -وذلك مِن الفتون يا بن جبير، يَعُدُّ كلَّ بلاء ابتلي به وأريد به فتونًا-، فجاءت امرأةُ فرعون تسعى إلى فرعون، فقالت: ما بدا لك في هذا الصبي الذي وهبته لي؟ قال: ألا ترينه يزعم أنه سيصرعني ويعلوني! ؟ قالت له: اجعل بيني وبينك أمرًا تعرف فيه الحق؛ ائت بجمرتين ولؤلؤتين، فقَرِّبْهُنَّ إليه، فإن بطش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين علمتَ أنه يعقل، وإن هو تناول الجمرتين ولم يُرِد اللؤلؤتين فاعلم أنّ [أحدًا] لا يؤثر الجمرتين على اللؤلؤتين وهو يعقل! فقُرِّب ذلك إليه، فتناول الجمرتين، فانتزعوهما منه مخافة أن يحرقا بدنه، فقالت المرأة: ألا ترى؟! وصرفه الله عنه بعد أن كان همَّ به، وكان اللهُ بالغَ أمره فيه. فلمّا بلغ أشده وكان من الرجال لم يكن أحد مِن آل فرعون يخلص إلى أحد مِن بني إسرائيل معه بظُلْم ولا بسُخْرَة، حتى امتنعوا كل الامتناع، فبينما هو يمشي في ناحية المدينة إذا هو برجلين يقتتلان؛ أحدهما من بني إسرائيل، والآخر من آل فرعون، فاستغاثه الإسرائيليُّ على الفرعوني، فغضب موسى، واشتد غضبه؛ لأنه تناوله وهو يعلم منزلة موسى مِن بني إسرائيل وحفظه لهم -لا يعلم إلا أنّ ذلك مِن الرضاع من أم موسى، إلا أن يكون اللهُ تعالى أطلع موسى مِن ذلك على ما لم يُطْلِع غيره عليه-، فوكز موسى الفرعونيَّ، فقتله، وليس يراهما أحدٌ إلا الله والإسرائيليُّ. فقال موسى حين قتل الرجل: ﴿هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين﴾ [القصص:١٥]. ثم قال: ﴿ربي إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له﴾ [القصص:١٦]. وأصبح في المدينة خائفًا يترقب الأخبار، فأتى فرعونُ، فقيل له: إنّ بني إسرائيل قتلوا رجلًا مِن آل فرعون، فخُذ لنا بحَقِّنا، ولا ترخص لهم. فقال: ائتوني قاتلَه ومَن شهد عليه؛ فإن الملك -وإن كان صَفْوُه مع قومه- لا يستقيم له أن يقِيدَ بغير بيِّنة ولا ثبت، فاطلبوا علمَ ذلك آخذْ لكم بحقِّكم. فبينما هم يطوفون فلا يجدون بيِّنة ولا ثبتًا، إذا موسى من الغد قد رأى ذلك الإسرائيليَّ يقاتل فرعونيًّا آخر، فاستغاثه الإسرائيليُّ على الفرعوني، فصادف موسى قد ندِم على ما كان، وكَرِه الذي رأى، فغضب من الإسرائيلي، وهو يريد أن يبطش بالفرعوني، فقال للإسرائيلي لما فعل بالأمس واليوم وقال: ﴿إنك لغوي مبين﴾ [القصص:١٨]. فنظر الإسرائيليُّ إلى موسى حين قال له ما قال، فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس، فخاف بعدما قال له: ﴿إنك لغوي مبين﴾، أن يكون إياه أراد -وإنما أراد الفرعوني-، فقال: ﴿يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس﴾ [القصص:١٩]. وإنما قال ذلك مخافة أن يكون إيّاه أراد موسى ليقتله، فتَتاركا، فانطلق الفرعونيُّ إلى قومه، فأخبرهم بما سمع مِن الإسرائيلي حين يقول: ﴿أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس﴾. فأرسل فرعونُ الذبّاحين ليقتلوا موسى، فأخذ رُسُلُ فرعون في الطريق الأعظم يمشون على هيئتهم يطلبون موسى، وهم لا يخافون أن يفوتهم، وجاء رجل مِن شيعة موسى مِن أقصى المدينة، فاختصر طريقًا قريبًا حتى سبقهم إلى موسى، فأخبره الخبر -وذلك من الفتون، يا ابن جبير-. فخرج موسى مُتَوَجِّهًا نحو مَدْين، لم يلق بلاءً مثل ذلك، وليس له بالطريق عِلْمٌ إلا حُسْنُ ظنِّه بربه، فإنه قال: ﴿عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان﴾ [القصص:٢٢-٢٣] يعني: حابِسَتَيْ غنمَهما. ﴿قال: ما خطبكما﴾ مُعْتَزِلَتَيْن لا تسقِيانِ مع الناس؟ قالتا: ليست لنا قُوَّة نُزاحِم القوم، وإنما ننتظر فضول حِياضِهم. فسقى لهما؛ فجعل يغرِف في الدلو ماءً كثيرًا حتى كانتا أول الرعاة فراغًا، فانصرفتا إلى أبيهما بغنمهما، وانصرف موسى إلى شجرة فاسْتَظَلَّ بها، وقال: ﴿رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير﴾ [القصص:٢٤]. فاستنكر أبو الجاريتين سرعة صدورهما بغنمهما حُفَّلًا٦ بِطانًا٧، وقال: إن لكما اليوم لَشأنًا. فحدَّثتاهُ بما صنع موسى، فأمر إحداهما أن تدعوه له، فأتته فدعته، فلما كلَّمه قال: ﴿لا تخف نجوت من القوم الظالمين﴾ [القصص:٢٥]، ليس لفرعون ولا لقومه علينا سلطانًا، ولسنا في مملكته. قالت ابنتُه: ﴿يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين﴾ [القصص:٢٦]. فحملته الغيرة أن قال: وما يدريك ما قُوَّتُه وما أمانته؟ قالت: أمّا قوته فما رأيتُ منه حين سقى لنا، لم أر رجلًا قطُّ أقوى في ذلك السقي منه حين سقى لنا، وأما أمانته فإنّه نظر حين أقبلت إليه وشخصت له، فلمّا علم أني امرأة صوَّب رأسه ولم يرفعه، ولم ينظر إلَيَّ حين أقبلت إليه، حتى بلَّغتُه رسالتك، فقال لي: امشي خلفي، وانعتي لي الطريق. فلم يقل هذا إلا وهو أمين. فسُرِّي عن أبيها، وصدَّقها، وظَنَّ به الذي قالت، فقال: هل لك ﴿أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك﴾ [القصص:٢٧]. ففعل، فكانت على موسى ثماني حجج واجبة، وكانت سنتان عِدَةً منه، فقضى اللهُ عِدَتَه، فأتمها عشرًا. -قال سعيد: فسألني رجلٌ مِن أهل النصرانية مِن علمائهم: هل تدري أيَّ الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا. وأنا يومئذ لا أعلم، فلقيت ابنَ عباس، فذكرت له الذي قال النصرانيُّ، فقال: أما كنت تعلم أنّ ثمانيًا واجبة لم يكن موسى لينتقص منها شيئًا، وتعلم أنّ الله تعالى كان قاضيًا عن موسى عِدَته التي وعد؟ فإنّه قضى عشرًا. فأخبرت النصراني، فقال: الذي أخبرك بهذا هو أعلم منك. قلت: أجلْ، وأولى!-. سار موسى بأهله، ورأى مِن أمر النار ما قصَّ اللهُ عليك في القرآن وأمرِ العصا ويدِه، فشكا إلى ربِّه ما يتخوَّف مِن آل فرعون في القتيل، وعُقدة لسانه؛ فإنه كان في لسانه عقدة تمنعه مِن كثير من الكلام، فسأل ربَّه أن يعينه بأخيه هارون، ليكون له رِدْءًا، ويتكلم عنه بكثير مما لا يُفْصِح به، فآتاه الله سُؤْلَه، فحَلَّ عُقْدَةً من لسانه، وأوحى إلى هارون، وأمَرَهُ أن يلقى موسى، فاندفع موسى بالعصا، ولَقِي هارون، فانطلقا جميعًا إلى فرعون، فأقاما ببابه حينًا لا يُؤذَن لهما، ثم أذن لهما بعدَ حِجاب شديد، فقالا: ﴿إنا رسولا ربك﴾. فقال: ومَن ربكما، يا موسى. فأخبراه بالذي قصَّ الله في القرآن، قال: فما تريدان؟ وذَكَّره بالقتيل، فاعتذر بما قد سمعتَ، قال: أريد أن تؤمن بالله، وترسل معي بني إسرائيل. فأبى عليه ذلك، وقال: ائْتِ بآيةٍ إن كنت مِن الصادقين. فألقى بعصاه، فتحولت حيَّة عظيمة فاغرةً فاها مُسْرِعةً إلى فرعون، فلما رأى فرعونُ أنّها قاصِدةٌ إليه خافها؛ فاقتحم عن سريره، واستغاث بموسى أن يَكُفَّها عنه، ففعل، وأخرج يده مِن جيبه بيضاء من غير سوء، يعني: من غير برص، ثم أعادها إلى كُمِّه، فصارت إلى لونها الأول، فاستشار الملأَ فيما رأى، فقالوا له: هذان ساحران، يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما، ويذهبا بطريقتكم المثلى. يعنون: مُلْكَهم الذي هم فيه والعيش، فأبَوْا على موسى أن يعطوه شيئًا مما طلب، وقالوا له: اجمع لهم السحرةَ، فإنهم بأرضنا كثير حتى تغلب بسحرِهم سحرَهما. ﴿فأرسل فرعون في المدائن حاشرين﴾ [الشعراء:٥٤]، فحُشِر له كل ساحر مُتعالِم، فلما أتَوْا فرعونَ قالوا: بِمَ يعملُ هذا الساحر؟ قالوا: يعمل بالحيات والحبال. قال: فلا، واللهِ، ما في الأرض قومٌ يعملون بالحيّات والحِبال والعُصِيِّ بالسحر ما نعمل به! فما أجرُنا إن غلبناه؟ قال لهم: أنتم أقاربي وخاصتي، وأنا صانعٌ بكم كلَّ شيء أحببتم. فتواعدوا ليوم الزينة، وأن يحشر الناس ضحى. -قال سعيد: فحدثني ابنُ عباس أن يوم الزينة اليومُ الذي أظهر الله فيه موسى على فرعون والسحرة، وهو يوم عاشوراء-. فلمّا اجتمعوا في صعيد واحد قال الناسُ بعضُهم لبعض: اذهبوا بنا فلنحضُر هذا الأمر، ونتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين. يعنون بذلك: موسى وهارون استهزاءً بهما، فقالوا: يا موسى -لقدرتهم بسحرهم-، ﴿إما أن تلقي، وإما أن نكون نحن الملقين. قال: ألقوا﴾ [الأعراف:١١٥-١١٦]. ﴿فألقوا حبالهم وعصيهم، وقالوا: بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون﴾ [الشعراء:٤٤]. فرأى موسى من سحرهم ما أوجس منه خيفة، فأوحى الله إليه: أن ألق عصاك. فلمّا ألقاها صارت ثعبانًا عظيمًا فاغِرةً فاها، فجعل العصا بدعوة موسى تَلْتَبِس بالحبال، حتى صارت جَزَرًا إلى الثعبان، تدخل فيه حتى ما أبقت عصًا ولا حبلًا إلا ابتلعته، فلما عَرَف السحرةُ ذلك قالوا: لو كان هذا سحرًا لم تبتلع مِن سحرنا كل هذا! ولكن هذا مِن أمر الله عز وجل؛ فآمنّا بالله، وبما جاء به موسى، ونتوب إلى الله مما كنا فيه. فكسر اللهُ ظهرَ فرعون في ذلك الموطنِ وأشياعَه، فظهر الحقُ وبطل ما كانوا يعملون، فغلبوا هنالك، وانقلبوا صاغرين، وامرأة فرعون بارِزة مُتَبَذِّلَةٌ٨، تدعو الله بالنصر لموسى على فرعون، فمَن رآها من آل فرعون ظنَّ أنها تَبَذَّلَتْ شفقةً على فرعون وأشياعه، وإنما كان حزنها وهمُّها لموسى. فلمّا طال مكث موسى لمواعِدِ فرعون الكاذبة كلما جاء بآية وعَد عندها أن يرسل معه بني إسرائيل، فإذا كشف ذلك عنه نكث عهده، واختلف وعده، حتى أمر موسى بقومه، فخرج بهم ليلًا، فلما أصبح فرعون ورأى أنهم قد مَضَوْا بعث في المدائن حاشرين، فتبعهم جنودٌ عظيمة كثيرة، وأوحى الله إلى البحر: إذا ضربك عبدي موسى فانفرِق له اثني عشر فرقًا، حتى يجوز موسى ومن معه، ثم التَقِ بعدُ على مَن بقي مِن قوم فرعون وأشياعه. فنسي موسى أن يضرب بعصاه، فدفع إلى البحر وله قَصِيفٌ٩، مخافة أن يضربه موسى بعصاه وهو غافل فيصير عاصيًا، فلما تراءى الجمعان وتقاربا قال أصحاب موسى: إنا لمدركون، فافعل ما أمرك به ربُّك؛ فإنك لم تُكْذَب ولم تَكْذِب. قال: وعدني ربي إذا انتهيتُ إلى البحرِ أن ينفرق لي حتى أجوز. ثم ذكر بعد ذلك العصا، فضرب البحرَ حين دنا أوائلُ جند فرعون مِن أواخر جند موسى، فانفرق البحرُ كما أمره الله وكما وعد موسى، فلما جاز أصحابُ موسى كلُّهم ودخل أصحابُ فرعون كلهم التقى البحرُ عليهم كما أمره الله عز وجل، فما جاوز البحر. قال أصحاب موسى: إنا لمدركون؛ إنا نخاف أن لا يكون فرعونُ غرق، ولا نؤمن بهلاكه! فدعا ربَّه، فأخرجه له ببدنه من البحر حتى استيقنوا. ثم مرُّوا بعد ذلك على قومٍ ﴿يعكفون على أصنام لهم، قالوا: يا موسى اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة. قال: إنكم قوم تجهلون، إن هؤلاء مُتَبَّرٌ ما هم فيه، وباطل ما كانوا يعملون﴾ [الأعراف:١٣٨]، قد رأيتم من العِبَر ما يكفيكم، وسمعتم به. فمضى حتى أنزلهم منزلًا، ثم قال لهم: أطيعوا هارون، فإنِّي قد استخلفتُه عليكم، وإني ذاهبٌ إلى ربي. وأجَّلَهم ثلاثين يومًا أن يرجع إليهم فيها. فلما أتى ربَّه، وأراد أن يكلمه في ثلاثين يومًا قد صامهن ليلهن ونهارهن، كرِه أن يُكَلِّم ربه وريحُ فمِه ريحُ فمِ الصائم، فتناول موسى مِن نبات الأرض شيئًا فمضغه، فقال له ربُّه حين أتاه: لم أفطرت؟ وهو أعلم بالذي كان، قال: يا ربِّ، إنِّي كرهتُ أن أُكَلِّمك إلا فمي طيب الريح. قال: وما علمتَ -يا موسى- أنّ ريح فم الصائم أطيبُ عندي من ريح المسك! ارجع حتى تصوم عشرة أيام ثم ائتني. ففعل موسى الذي أمره الله به، فلما رأى قوم موسى أنه لم يأتهم للأجل ساءهم ذلك، وقد كان هارون خطبهم، وقال لهم: إنّكم خرجتم من مصر وعندكم ودائعُ لقوم فرعون وعَوارِي، ولكم فيهم مثلُ ذلك، وأنا أرى أن تحتسبوا ما كان لكم عندهم، ولا أُحِلّ لكم وديعةً استودعتموها أو عارية، ولسنا نرى أداءَ شيء من ذلك إليهم ولا مُمْسِكِيه. فحفر حفرةً، وأمر كلَّ قوم عندهم شيء مِن ذلك من متاع أو حلية بأن يدفنوه في الحفيرة، ثم أوقد عليه النار، فأحرقه، وقال: لا يكون لنا ولا لهم. وكان السامريُّ رجلًا مِن قومٍ يعبدون البقر، ليس من بني إسرائيل، بل جارٌ لهم، فاحتمل مع بني إسرائيل حين احتملوا، فقضى له أن رأى أثر الفرس، فقبض منه قبضة، فمرَّ بهارون، فقال له هارون: يا سامريُّ، ألا تلقي ما في يديك؟ وهو قابِضٌ عليه لا يراه أحدٌ طوال ذلك، فقال: هذه قبضةٌ مِن أثر الرسول الذي جاوز بكم البحر، فلا ألقيها لشيء إلا أن تدعوَ الله إذا ألقيتُها أن يكون ما أريد. قال: فألقاها، ودعا له هارون، قال: أريد أن يكون عِجْلًا. فاجتمع ما كان في الحفيرة مِن متاع؛ نحاس أو حديد أو حلي، فصار عِجلًا أجوف، ليس فيه روح، له خوار. -فقال ابن عباس: واللهِ، ما كان له صوت، ولكن الريح كانت تدخل في دُبُرِه، وتخرج مِن فِيهِ، فكان ذلك الصوت من ذلك-. فتفرَّق بنو إسرائيل فِرَقًا؛ فقالت فِرْقَةٌ: يا سامريُّ، ما هذا؛ فإنّك أنت أعلمُ به؟ فقال: هذا ربُّكم، ولكن موسى أخطأ الطريق. فقالوا: لا نكذب بهذا حتى يرجع إلينا موسى؛ فإن يك ربَّنا لم يكن ضَيَّعنا وعجزنا حين رأيناه، وإن لم يكن ربَّنا فإننا نتبع قول موسى. وقال فرقة: هذا مِن عمل الشيطان، وليس ربَّنا، ولا نُصَدِّق به ولا نؤمن. وأشرب فرقة في قلوبهم التصديق بما قال السامريُّ في العِجل، وأعلنوا التكذيب، فقال لهم هارون: ﴿يا قومِ، إنما فتنتم به، وإن ربكم الرحمن﴾ [طه:٩٠]، وليس هكذا. قالوا: فما بالُ موسى وعدنا ثلاثين ليلة، ثم أخلفنا، فهذه أربعون ليلة. فقال سفهاؤهم: أخطأ ربَّه، فهو يطلبه ويتبعه. فلما كلَّم الله موسى، وقال ما قال له، وأخبره بما لقي قومه من بعده، فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفًا، فقال لهم ما سمعتم في القرآن، وألقى الألواح، وأخذ برأس أخيه يجره إليه من الغضب، غير أنه عَذَرَ أخاه، واستغفر ربه، ثم انصرف إلى السامريِّ، فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: قبضت قبضة من أثر الرسول، وفَطِنتُ وعُمِّيَتْ عليكم، فقذفتها، وكذلك سولت لي نفسي. قال: ﴿فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس﴾ إلى قوله: ﴿في اليم نسفا﴾. ولو كان إلهًا لم يخلص إلى ذلك! فاستيقن بنو إسرائيل بالفتنة، واغتبط الذين كان رأيُهم رأيَ هارون، فقالوا: يا موسى، سل ربك أن يفتح لنا بابَ توبة نعملها، وتُكَفِّر عنا ما عملنا. فاختار موسى من قومه سبعين رجلًا لذلك، لا يألو لخير؛ خيار بني إسرائيل، ومَن لم يُشْرِك في العِجْل، فانطلق بهم ليسأل ربَّهم التوبة، فرجفت الأرضُ بهم، فاستحيا موسى عليه السلام مِن قومه ووفده حين فعل بهم ذلك، فقال: ﴿رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا﴾ الآية [الأعراف:١٥٥]. ومنهم مَن قدِ اطَّلع اللهُ منه على ما أشرب قلبه العِجل والإيمان به؛ فلذلك رجفت بهم الأرض، فقال: ﴿رحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون﴾ إلى قوله: ﴿والإنجيل﴾ [الأعراف:١٥٦]. فقال: ربِّ، سألتُك التوبةَ لقومي، فقلتَ: إنّ رحمتك كتبتها لقومٍ غير قومي! فليتك أخَّرتني حتى أخرج في أُمَّة ذلك الرجل المرحومة. قال الله عز وجل: فإنّ توبتهم أن يقتل كلُّ رجل منهم كُلَّ مَن لَقِيَ مِن والد أو ولد، فيقتله بالسيف، ولا يُبالِي مِن قبل ذلك الموطن. فتاب أولئك الذين كان خَفِي على موسى وهارون ما اطَّلع الله عليه مِن ذنوبهم، فاعترفوا بها، وفعلوا ما أُمِروا به، فغفر اللهُ للقاتل والمقتول. ثم سار بهم موسى متوجهًا نحو الأرض المقدسة، فأخذ الألواح بعد ما سكت عنه الغضب، وأمرهم بالذي أمره الله أن يبلغهم مِن الوظائف، فثَقُلَت عليهم، وأبَوْا أن يُقِرُّوا بها، حتى نَتَقَ الله عليهم الجبل كأنه ظُلَّة، ودنا منهم حتى خافوا أن يقع عليهم، فأخذوا الكتاب بأيمانهم وهم مُصْغُون ينظرون الأرض، والكتاب الذي أخذوه بأيديهم، وهم ينظرون إلى الجبل مخافةَ أن يقع عليهم. ثم مَضَوْا حتى أتَوُا الأرضَ المقدسة، فوجدوا فيها مدينةَ جبّارين؛ خَلْقُهمُ خلقٌ مُنكَر، وذكروا مِن ثمارهم أمرًا عجيبًا مِن عِظَمِها! فقالوا: يا موسى، إنّ فيها قوم جبارين لا طاقة لنا اليوم بهم، ولا ندخلها ما داموا فيها، فإن يخرجوا منها فإنا داخلون. قال رجلان من الجبارين آمنا بموسى فخرجا إليه، فقالا: نحن أعلم بقومنا، إن كنتم تخافون ما رأيتم مِن أجسامهم وعددهم، فإنهم ليس لهم قلوب، ولا مَنَعَة عندهم، فادخلوا عليهم الباب، فإذا دخلتموه فإنكم غالبون. -ويقول أناس: إنهما من قوم موسى، وزعم سعيد: أنّهما مِن الجبارين آمنا بموسى، يقول: ﴿من الذين يخافون أنعم الله عليهما﴾ [المائدة:٣٣]، وإنما يعني بذلك: الذين يخافهم بنو إسرائيل-. فقالوا: ﴿يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون﴾ [المائدة:٢٤]. فأغضبوا موسى، فدعا عليهم، فسماهم: فاسقين، ولم يدعُ عليهم قبل ذلك؛ لِما رأى فيهم مِن المعصية وإساءتهم حتى كان يومئذ، فدعا عليهم، فاستجاب الله له، وسماهم كما سماهم موسى: فاسقين، فحرمها عليهم أربعين يتيهون في الأرض، يُصْبِحون كل يوم فيسيرون ليس لهم قرار. ثم ظَلَّل عليهم في التِّيه بالغمام، وأنزل عليهم المنَّ والسلوى، وجعل لهم ثيابًا لا تبلى ولا تَتَّسِخ، وجعل بين ظهرانيهم حجرًا مُرَبَّعًا، وأمر موسى فضربه بعصاه، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا، في كل ناحية ثلاث عيون، وأَعْلَم كُلَّ سِبْطٍ عينَهم التي يشربون منها، لا يرتحلون من مَنقَلَة١٠ إلا وجدوا ذلك الحجر منهم بالمكان الذي كان منهم بالمنزل الأول. رفع ابنُ عباس هذا الحديث عن النبي ﷺ، وصدق ذلك عندي أنّ معاوية بن أبي سفيان سمع من ابن عباس هذا الحديث، فأنكر عليه أن يكون الفرعونيُّ هو الذي أفشى على موسى أمر القتيل، وقال: إنما أفشى عليه الإسرائيليُّ. فأخذ ابنُ عباس بيده، فانطلق إلى سعد بن مالك الزُّهري، فقال: أرأيتَ يوم حدَّثنا النبيُّ ﷺ عن قتيل موسى من آل فرعون، مَن أفشى عليه الإسرائيليُّ أو الفرعونيُّ؟ قال: أفشى عليه الفرعونيُّ بما سمع مِن الإسرائيلي الذي شهد ذلك وحضره١١
التخريج
  1. ١الشِّفار: جمع شَفْرة، وهي السِّكِّين العريضَة. النهاية واللسان (شفر).
  2. ٢فُرْضَة النهر: ثُلْمَتُه التي منها يُستقى. اللسان (فرض).
  3. ٣الظِئْر: المُرْضِعَة غيرَ ولدِها. النهاية (ظئر).
  4. ٤السُّخْرَة: التكليف والحَمْل على الفِعْل بغير أُجْرَة. النهاية (سخر).
  5. ٥قهارمتها: جمع القَهْرمان –بفتح القاف وضمها-وهو من أُمَناءِ الملك وخاصَّتِه، والقَهْرَمان أيضًا: الوكيل والحافظ والقائم بالأمور. النهاية (قهرم).
  6. ٦حُفَّلًا: جمع حافِل، أي: ممتلئة الضروع. النهاية (حفل).
  7. ٧بَطانًا: ممتلئة البطون. النهاية (بطن).
  8. ٨التَّبَذُّل: ترك التزيُّن والتَّهيُّئ بالهيئة الحسَنة الجميلة على جهة التَّواضُع. النهاية (بذل).
  9. ٩قَصِيفٌ: صوتٌ هائِلٌ يشبه صوت الرعْد. النهاية (قصف).
  10. ١٠المَنقَلَة: المرحلة من مراحل السفر. لسان العرب (نقل).
  11. ١١أخرجه النسائي في الكبرى ١٠‏/‏١٧٢-١٨٣ (١١٢٦٣)، وأبو يعلى ٥‏/‏١٠-٢٩ (٢٦١٨)، وابن جرير ١٦‏/‏٦٤-٦٩، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٥٥٦ (٨٩١٨)، ٥‏/‏١٥٦٧-١٥٦٨ (٨٩٨٦)، ٥‏/‏١٦١٠ (٨٥١٥)، ٨‏/‏٢٧٥٢ (١٥٥٤٨)، ٩‏/‏٢٩٤٢ (١٦٦٨٧)، ٩‏/‏٢٩٤٣ (١٦٦٨٩)، ٩‏/‏٢٩٤٤ (١٦٦٩٨)، ٩‏/‏٢٩٥٠ (١٦٧٣٥)، ٩‏/‏٢٩٥٤ (١٦٧٦٥)، ٩‏/‏٢٩٥٨ (١٦٧٨٨)، ٩‏/‏٢٩٦٤ (١٦٨٢٥)، ٩‏/‏٢٩٦٧ (١٦٨٤٩). وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه. قال الهيثمي في المجمع ٧‏/‏٥٦-٦٦ (١١١٦٦): «رجاله رجال الصحيح، غير أصبغ بن زيد والقاسم بن أبي أيوب، وهما ثقتان». وقال ابن كثير في البداية والنهاية ٢‏/‏١٩٦: «والأشبه -والله أعلم- أنه موقوف، وكونه مرفوعًا فيه نظر، وغالبه مُتَلَقًّى مِن الإسرائيليات، وفيه شيء يسير مُصَرَّح برفعه في أثناء الكلام، وفي بعض ما فيه نظر ونكارة، والأغلب أنه من كلام كعب الأحبار، وقد سمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول ذلك».
التفسير بالمأثور لسورة طه كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٤٠ من سورة طه

٦٢ وقفةً في هذه الآية

  • (إذ تمشي أختك!)(وقالت لأخته!) لن تجد كأختك رقة وعذوبة حين تبحث عنك،، هنيئا لمن له أخت،،

    — وليد العاصمي

  • لما كان صغيرا قالت أخته(هل أدلكم) ولما كبر قال (واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي) دور أخته سبق دور أخيه .

    — عقيل الشمري

  • لعائلة موسى دور مبارك : أمه (أوحينا إلى أمك) أخته (تمشي أختك) أخوه (وزيرا من أهلي هارون أخي) عائلة الإنسان مصدر أمان .

    — عقيل الشمري

  • "إذ تمشي أختك" وأنت أيضا لا تنس أختك.. لا تنس مشيها من أجلك.. وسعيها لتلبية استغاثاتك الطفولية لا تكن مجرد ذكرى في خزانة ذكرياتها.

    — علي الفيفي

  • ( إذ تمشي أُختك ) ... هذه هي الأخت وكريمُ مشيها، تسعى لدلالة القوم على أمِّها .

    — احمد المغيري

  • (فرددناه إلى أمه كي تقر عينها!) بعودتك،، تقر عين أمك،، فلا تتأخر عليها .

    — وليد العاصمي

  • [فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن] الله لطيف بعباده ، مهما قدر الظروف القاسية على عباده لا بد وان يجبر كسر فؤادهم .

    — مها العنزي

  • (فرددناه إلى أمه كي تقر عينها) حتى عين الأم (كريمة) على الله . لا أحد يرحم الأمهات مثل (الله) .

    — عقيل الشمري

  • [ فنجيناك من الغم ] كم خالط قلبك هم وحزن أطبق على نفسك إطباقا فإذا بيد تمسح عن روحك كل عوالق الألم وتبدلها انشراحا فلربك منن عظيمة .

    — مها العنزي

  • (وفتناك فتوناً) هذا من مراحل صنع الله له ، (لا تحكم من خلال الظواهر) .

    — عقيل الشمري

  • "وقتلت نفسا فنجيناك من الغم" يتجاوز الله للصالحين عن قتل النفوس .. ونحن نحاسبهم على الأنفاس .

    — علي الفيفي

  • "وفتنّاك فتونا" الذي لم تصقله البلايا .. لن تغمره العطايا .

    — علي الفيفي

و٥٠ وقفةً أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

ترجمات معاني الآية ٤٠ من سورة طه

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(40) [And We favored you] when your sister went and said, 'Shall I direct you to someone who will be responsible for him?' So We restored you to your mother that she might be content and not grieve. And you killed someone,[836] but We saved you from retaliation and tried you with a [severe] trial. And you remained [some] years among the people of Madyan. Then you came [here] at the decreed time, O Moses.
[836]- The Copt who died after being struck by Moses.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال