تفسير القرآن العظيم — ابن كثير
عن الكتاب
وقوله :﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ وذلك أنه لما استقر عند آل فرعون، عرضوا عليه المراضع، فأباها، قال الله عز وجل :﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ فجات أخته وقالت(١) ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ [القصص: ١٢]. تعني(٢) هل أدلكم على من ترضعه(٣) لكم بالأجرة ؟ فذهبت به وهم معها إلى أمه، فعرضت عليه ثديها، فقبله، ففرحوا بذلك فرحًا شديدًا، واستأجروها على إرضاعه فنالها بسببه سعادة ورفعة وراحة في الدنيا وفي الآخرة(٤) أغنم وأجزل ؛ ولهذا جاء في الحديث :" مثل الصانع الذي يحتسب(٥) في صنعته الخير، كمثل أم موسى، ترضع ولدها وتأخذ أجرها " (٦).
وقال تعالى هاهنا :﴿فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ﴾ أي : عليك، ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ يعني : القبطي، ﴿فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ﴾ وهو ما حصل له بسبب عزم آل فرعون على قتله(٧) ففر منهم هاربًا، حتى ورد ماء مدين، وقال له ذلك الرجل الصالح :﴿لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢٥].
وقوله :﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ قال الإمام أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، رحمه الله، في كتاب التفسير من سننه، قوله :﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ :
حديث الفتون
حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا أصبغ بن زيد، حدثنا القاسم بن أبي أيوب، أخبرني سعيد بن جبير، قال : سألت عبد الله بن عباس عن قول الله، عز وجل، لموسى، عليه السلام :﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ فسألته عن الفتون ما هو ؟ فقال : استأنف النهار يا بن جبير، فإن لها حديثًا طويلا. فلما أصبحت غدوت إلى(٨) ابن عباس لأنتجز منه ما وعدني من حديث الفتون، فقال : تذاكر فرعون وجلساؤه ما كان الله وعد إبراهيم، عليه السلام(٩) أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكًا، فقال بعضهم : إن بني إسرائيل ينتظرون ذلك، ما(١٠) يشكون فيه وكانوا يظنون أنه يوسف بن يعقوب، فلما هلك قالوا : ليس هكذا كان وعد إبراهيم، فقال فرعون : فكيف ترون ؟ فائتمروا وأجمعوا أمرهم على أن يبعث رجالا معهم الشفار، يطوفون في بني إسرائيل، فلا يجدون مولودًا ذكرًا إلا ذبحوه. ففعلوا ذلك، فلما رأوا أن الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم، والصغار يذبحون، قالوا : يوشك أن تفنوا بني إسرائيل، فتصيروا إلى أن تباشروا من الأعمال والخدمة التي(١١) كانوا يكفونكم، فاقتلوا عامًا كل مولود ذكر، فيقل أبناؤهم(١٢) ودعوا عامًا فلا تقتلوا منهم أحدًا، فيشب الصغار مكان من يموت من الكبار ؛ فإنهم لن يكثروا(١٣) بمن تستحيون منهم فتخافوا مكاثرتهم إياكم، ولم يفنوا بمن تقتلون وتحتاجون إليهم، فأجمعوا أمرهم على ذلك.
فحملت أم موسى بهارون في العام الذي لا يذبح فيه الغلمان، فولدته علانية آمنة. فلما كان من قابل حملت بموسى، عليه السلام، فوقع في قلبها الهَمّ والحزن، وذلك من الفتون - يا بن جبير - ما دخل عليه في بطن أمه، مما يراد به، فأوحى الله [ جل ذكره ](١٤) إليها أن ﴿لا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] فأمرها إذا ولدت أن تجعله في تابوت ثم تلقيه(١٥) في اليم. فلما ولدت فعلت ذلك، فلما توارى عنها ابنُها أتاها الشيطان، فقالت في نفسها : ما فعلت با بني، لو ذبح عندي فواريته وكفنته، كان أحب إليّ من أن ألقيه إلى دواب البحر وحيتانه.
فانتهى الماء به حتى أوفى به عند فُرْضَة مستقى جواري امرأة فرعون، فلما رأينه أخذنه فهممن أن يفتحن التابوت، فقال بعضهن(١٦) إن في هذا مالا وإنا إن فتحناه لم تصدقنا امرأة الملك بما وجدناه فيه، فحملنه كهيئته لم يخرجن منه شيئًا حتى رفعنه(١٧) إليها. فلما فتحته رأت فيه غلامًا، فألقى عليه منها(١٨) محبة لم يلق منها على أحد قط. وأصبح فؤاد أم موسى فارغًا من ذكر كل شيء، إلا من ذكر موسى.
فلما سمع الذباحون بأمره، أقبلوا بشفارهم إلى امرأة فرعون ليذبحوه، وذلك من الفتون يا بن جبير، فقالت لهم : أقروه، فإن هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل حتى آتى فرعون فأستوهبه منه، فإن وهبه لي كنتم قد أحسنتم وأجملتم، وإن أمر بذبحه لم ألمكم.
فأتت فرعون فقالت :﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ [القصص: ٩] فقال فرعون : يكون لك، فأما لي فلا حاجة لي فيه. فقال رسول الله ﷺ :" والذي يُحْلَف به لو أقر فرعون أن يكون قرة عين له(١٩) كما أقرت امرأته، لهداه الله كما هداها، ولكن(٢٠) حرمه ذلك ". فأرسلت إلى من حولها، إلى كل امرأة لها لبن لتختار له ظئرًا، فجعل كلما أخذته امرأة منهن لترضعه لم يقبل على ثديها حتى أشفقت امرأة فرعون أن يمتنع من اللبن فيموت، فأحزنها ذلك، فأمرت به فأخرج إلى السوق ومجمع الناس، ترجو أن تجد له ظئرًا تأخذه منها، فلم يقبل، وأصبحت أم موسى والهًا، فقالت لأخته : قصي أثره واطلبيه، هل تسمعين له ذكرًا، أحيّ ابني أم قد أكلته الدواب ؟ ونسيت ما كان الله وعدها فيه، فبصرت به أخته عن جنب وهم لا يشعرون - والجُنُب : أن يسمو بصر الإنسان إلى شيء بعيد(٢١) وهو إلى جنبه(٢٢) وهو لا يشعر به - فقالت من الفرح حين أعياهم الظُّؤُرات : أنا أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون. فأخذوها فقالوا : ما يدريك ؟ ما نصحهم له ؟ هل يعرفونه(٢٣) ؟ حتى شكوا في ذلك، وذلك من الفتون يا بن جبير. فقالت : نصحهم(٢٤) له وشفقتهم عليه رغبتهم في ظؤرة الملك، ورجاء منفعة الملك. فأرسلوها فانطلقت إلى أمها(٢٥) فأخبرتها الخبر. فجاءت أمه، فلما وضعته في حجرها نزا إلى ثديها فمصَّه، حتى امتلأ جنباه ريًا، وانطلق البشراء إلى امرأة فرعون يبشرونها أن قد وجدنا لابنك ظئرًا. فأرسلت إليها. فأتت بها وبه فلما رأت ما يصنع بها قالت : امكثي ترضعي ابني هذا، فإني لم أحب شيئًا حبه قط. قالت أم موسى : لا أستطيع أن أدع بيتي وولدي فيضيع، فإن طابت نفسك أن تعطينيه فأذهب به إلى بيتي، فيكون معي لا آلوه خيرًا [ فعلت، وإلا ](٢٦) فإني غير تاركة بيتي وولدي. وذكرت أم موسى ما كان الله وعدها فيه، فتعاسرت على امرأة فرعون، وأيقنت أن الله منجز وعده(٢٧) فرجعت به إلى بيتها من يومها، [ وأنبته ](٢٨) الله نباتا حسنا وحفظه(٢٩) لما قد قضى فيه.
فلم يزل بنو إسرائيل، وهم في ناحية القرية، ممتنعين من السخرة والظلم ما كان فيهم، فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لأم موسى : أتريني(٣٠) ابني ؟ فَوَعَدَتْها يومًا(٣١) تريها إياه فيه، وقالت امرأة فرعون لخزانها وظُؤُرها وقهارمتها : لا يبقين أحد منكم إلا استقبل ابني اليوم بهدية وكرامة لأرى ذلك(٣٢) وأنا باعثة أمينا يحصي(٣٣) ما يصنع كل إنسان منكم، فلم تزل الهدايا والنحل والكرامة(٣٤) تستقبله من حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل على امرأة فرعون، فلما دخل عليها نحلته(٣٥) وأكرمته، وفرحت به ونحلت أمه لحسن أثرها عليه، ثم قالت : لآتين به فرعون فَلَيَنْحَلَنَّهُ(٣٦) وليكرمنه، فلما دخلت به عليه جعله في حجره، فتناول موسى لحية فرعون يمدها(٣٧) إلى الأرض، فقال الغواة من أعداء الله لفرعون : ألا ترى ما وعد الله إبراهيم نبيه، إنه زعم أن يرثك ويعلوك ويصرعك، فأرسل إلى الذباحين ليذبحوه. وذلك من الفتون يا بن جبير بعد كل بلاء ابتلي به، وأريد به(٣٨).
فجاءت امرأة فرعون فقالت(٣٩) ما بدا لك في هذا الغلام الذي وهبته لي ؟ فقال(٤٠) ألا ترينه يزعم أنه يصرعني ويعلوني ! فقالت : اجعل بيني وبينك أمرًا يعرف فيه الحق، ائت بجمرتين ولؤلؤتين، فَقَرِّبْهُنَّ إليه، فإن بطش باللؤلؤتين(٤١) واجتنب الجمرتين فاعرف(٤٢) أنه يعقل، وإن تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين، علمت أن أحدا لا يؤثر الجمرتين على اللؤلؤتين وهو يعقل. فقرب إليه فتناول الجمرتين، فانتزعهما منه مخافة أن يحرقا يده، فقالت المرأة : ألا ترى ؟ فصرفه الله عنه بعد ما كان قد همّ به، وكان الله بالغا فيه أمره.
فلما بلغ أشده وكان من الرجال، لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل معه بظلم ولا سخرة، حتى امتنعوا كل الامتناع، فبينما موسى، عليه السلام، يمشي في ناحية المدينة، إذا(٤٣) هو برجلين يقتتلان، أحدهما فرعوني والآخر إسرائيلي، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني، فغضب موسى غضبًا شديدًا ؛ لأنه تناوله وهو يعلم منزلته(٤٤) من بني إسرائيل وحفظه لهم، لا يعلم الناس إلا أنما ذلك من الرضاع، إلا أم موسى، إلا أن يكون الله [ سبحانه ](٤٥) أطلع موسى من ذلك على ما لم يطلع عليه غيره. فوكز(٤٦) موسى الفرعوني فقتله، وليس يراهما أحد إلا الله عز وجل والإسرائيلي، فقال موسى حين قتل الرجل :﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٥]. ثم قَالَ ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: ١٦] فأصبح في المدينة خائفًا يترقب الأخبار، فأتى فرعون، فقيل له : إن بني إسرائيل قتلوا رجلا من آل فرعون فخذ لنا بحقنا(٤٧) ولا ترخص لهم. فقال : ابغوني قاتله، ومن يشهد عليه، فإن الملك وإن كان صَغْوه مع قومه لا يستقيم له أن يقيد بغير بينة ولا ثبت، فاطلبوا لي علم ذلك آخذ لكم بحقكم. فبينما هم يطوفون ولا(٤٨) يجدون ثبتًا، إذا بموسى(٤٩) من الغد قد رأى ذلك الإسرائيلي يقاتل رجلا من آل فرعون آخر. فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني، فصادف موسى قد ندم على ما كان منه وكره الذي رأى، فغضب الإسرائيلي وهو يريد أن يبطش بالفرعوني، فقال : للإسرائيلي لما فعل بالأمس واليوم :﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ فنظر الإسرائيلي إلى موسى بعد ما قال له ما قال، فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس الذي قتل فيه الفرعوني فخاف أن يكون بعد ما قال له :﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٨] أن يكون إياه أراد، ولم يكن أراده، وإنما أراد الفرعوني. فخاف الإسرائيلي وقال :﴿يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ [القصص: ١٩] وإنما قاله(٥٠) مخافة أن يكون إياه أراد موسى ليقتله، فتتاركا، وانطلق الفرعوني فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي من الخبر حين يقول :﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ فأرسل فرعون الذباحين ليقتلوا موسى، فأخذ رسل فرعون في الطريق الأعظم يمشون على هينتهم يطلبون موسى، وهم لا يخافون أن يفوتهم، فجاء رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة، فاختصر طريقا حتى سبقهم إلى موسى، فأخبره(٥١) وذلك من الفتون يا بن جبير.
فخرج موسى متوجهًا نحو مدين، لم يلق بلاء قبل ذلك، وليس له بالطريق علم إلا حسن ظنه بربه عز وجل، فإنه قال :{ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ وَلَمَّا وَرَدَ مَاء
وقال تعالى هاهنا :﴿فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ﴾ أي : عليك، ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ يعني : القبطي، ﴿فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ﴾ وهو ما حصل له بسبب عزم آل فرعون على قتله(٧) ففر منهم هاربًا، حتى ورد ماء مدين، وقال له ذلك الرجل الصالح :﴿لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢٥].
وقوله :﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ قال الإمام أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، رحمه الله، في كتاب التفسير من سننه، قوله :﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ :
حديث الفتون
حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا أصبغ بن زيد، حدثنا القاسم بن أبي أيوب، أخبرني سعيد بن جبير، قال : سألت عبد الله بن عباس عن قول الله، عز وجل، لموسى، عليه السلام :﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ فسألته عن الفتون ما هو ؟ فقال : استأنف النهار يا بن جبير، فإن لها حديثًا طويلا. فلما أصبحت غدوت إلى(٨) ابن عباس لأنتجز منه ما وعدني من حديث الفتون، فقال : تذاكر فرعون وجلساؤه ما كان الله وعد إبراهيم، عليه السلام(٩) أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكًا، فقال بعضهم : إن بني إسرائيل ينتظرون ذلك، ما(١٠) يشكون فيه وكانوا يظنون أنه يوسف بن يعقوب، فلما هلك قالوا : ليس هكذا كان وعد إبراهيم، فقال فرعون : فكيف ترون ؟ فائتمروا وأجمعوا أمرهم على أن يبعث رجالا معهم الشفار، يطوفون في بني إسرائيل، فلا يجدون مولودًا ذكرًا إلا ذبحوه. ففعلوا ذلك، فلما رأوا أن الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم، والصغار يذبحون، قالوا : يوشك أن تفنوا بني إسرائيل، فتصيروا إلى أن تباشروا من الأعمال والخدمة التي(١١) كانوا يكفونكم، فاقتلوا عامًا كل مولود ذكر، فيقل أبناؤهم(١٢) ودعوا عامًا فلا تقتلوا منهم أحدًا، فيشب الصغار مكان من يموت من الكبار ؛ فإنهم لن يكثروا(١٣) بمن تستحيون منهم فتخافوا مكاثرتهم إياكم، ولم يفنوا بمن تقتلون وتحتاجون إليهم، فأجمعوا أمرهم على ذلك.
فحملت أم موسى بهارون في العام الذي لا يذبح فيه الغلمان، فولدته علانية آمنة. فلما كان من قابل حملت بموسى، عليه السلام، فوقع في قلبها الهَمّ والحزن، وذلك من الفتون - يا بن جبير - ما دخل عليه في بطن أمه، مما يراد به، فأوحى الله [ جل ذكره ](١٤) إليها أن ﴿لا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] فأمرها إذا ولدت أن تجعله في تابوت ثم تلقيه(١٥) في اليم. فلما ولدت فعلت ذلك، فلما توارى عنها ابنُها أتاها الشيطان، فقالت في نفسها : ما فعلت با بني، لو ذبح عندي فواريته وكفنته، كان أحب إليّ من أن ألقيه إلى دواب البحر وحيتانه.
فانتهى الماء به حتى أوفى به عند فُرْضَة مستقى جواري امرأة فرعون، فلما رأينه أخذنه فهممن أن يفتحن التابوت، فقال بعضهن(١٦) إن في هذا مالا وإنا إن فتحناه لم تصدقنا امرأة الملك بما وجدناه فيه، فحملنه كهيئته لم يخرجن منه شيئًا حتى رفعنه(١٧) إليها. فلما فتحته رأت فيه غلامًا، فألقى عليه منها(١٨) محبة لم يلق منها على أحد قط. وأصبح فؤاد أم موسى فارغًا من ذكر كل شيء، إلا من ذكر موسى.
فلما سمع الذباحون بأمره، أقبلوا بشفارهم إلى امرأة فرعون ليذبحوه، وذلك من الفتون يا بن جبير، فقالت لهم : أقروه، فإن هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل حتى آتى فرعون فأستوهبه منه، فإن وهبه لي كنتم قد أحسنتم وأجملتم، وإن أمر بذبحه لم ألمكم.
فأتت فرعون فقالت :﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ [القصص: ٩] فقال فرعون : يكون لك، فأما لي فلا حاجة لي فيه. فقال رسول الله ﷺ :" والذي يُحْلَف به لو أقر فرعون أن يكون قرة عين له(١٩) كما أقرت امرأته، لهداه الله كما هداها، ولكن(٢٠) حرمه ذلك ". فأرسلت إلى من حولها، إلى كل امرأة لها لبن لتختار له ظئرًا، فجعل كلما أخذته امرأة منهن لترضعه لم يقبل على ثديها حتى أشفقت امرأة فرعون أن يمتنع من اللبن فيموت، فأحزنها ذلك، فأمرت به فأخرج إلى السوق ومجمع الناس، ترجو أن تجد له ظئرًا تأخذه منها، فلم يقبل، وأصبحت أم موسى والهًا، فقالت لأخته : قصي أثره واطلبيه، هل تسمعين له ذكرًا، أحيّ ابني أم قد أكلته الدواب ؟ ونسيت ما كان الله وعدها فيه، فبصرت به أخته عن جنب وهم لا يشعرون - والجُنُب : أن يسمو بصر الإنسان إلى شيء بعيد(٢١) وهو إلى جنبه(٢٢) وهو لا يشعر به - فقالت من الفرح حين أعياهم الظُّؤُرات : أنا أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون. فأخذوها فقالوا : ما يدريك ؟ ما نصحهم له ؟ هل يعرفونه(٢٣) ؟ حتى شكوا في ذلك، وذلك من الفتون يا بن جبير. فقالت : نصحهم(٢٤) له وشفقتهم عليه رغبتهم في ظؤرة الملك، ورجاء منفعة الملك. فأرسلوها فانطلقت إلى أمها(٢٥) فأخبرتها الخبر. فجاءت أمه، فلما وضعته في حجرها نزا إلى ثديها فمصَّه، حتى امتلأ جنباه ريًا، وانطلق البشراء إلى امرأة فرعون يبشرونها أن قد وجدنا لابنك ظئرًا. فأرسلت إليها. فأتت بها وبه فلما رأت ما يصنع بها قالت : امكثي ترضعي ابني هذا، فإني لم أحب شيئًا حبه قط. قالت أم موسى : لا أستطيع أن أدع بيتي وولدي فيضيع، فإن طابت نفسك أن تعطينيه فأذهب به إلى بيتي، فيكون معي لا آلوه خيرًا [ فعلت، وإلا ](٢٦) فإني غير تاركة بيتي وولدي. وذكرت أم موسى ما كان الله وعدها فيه، فتعاسرت على امرأة فرعون، وأيقنت أن الله منجز وعده(٢٧) فرجعت به إلى بيتها من يومها، [ وأنبته ](٢٨) الله نباتا حسنا وحفظه(٢٩) لما قد قضى فيه.
فلم يزل بنو إسرائيل، وهم في ناحية القرية، ممتنعين من السخرة والظلم ما كان فيهم، فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لأم موسى : أتريني(٣٠) ابني ؟ فَوَعَدَتْها يومًا(٣١) تريها إياه فيه، وقالت امرأة فرعون لخزانها وظُؤُرها وقهارمتها : لا يبقين أحد منكم إلا استقبل ابني اليوم بهدية وكرامة لأرى ذلك(٣٢) وأنا باعثة أمينا يحصي(٣٣) ما يصنع كل إنسان منكم، فلم تزل الهدايا والنحل والكرامة(٣٤) تستقبله من حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل على امرأة فرعون، فلما دخل عليها نحلته(٣٥) وأكرمته، وفرحت به ونحلت أمه لحسن أثرها عليه، ثم قالت : لآتين به فرعون فَلَيَنْحَلَنَّهُ(٣٦) وليكرمنه، فلما دخلت به عليه جعله في حجره، فتناول موسى لحية فرعون يمدها(٣٧) إلى الأرض، فقال الغواة من أعداء الله لفرعون : ألا ترى ما وعد الله إبراهيم نبيه، إنه زعم أن يرثك ويعلوك ويصرعك، فأرسل إلى الذباحين ليذبحوه. وذلك من الفتون يا بن جبير بعد كل بلاء ابتلي به، وأريد به(٣٨).
فجاءت امرأة فرعون فقالت(٣٩) ما بدا لك في هذا الغلام الذي وهبته لي ؟ فقال(٤٠) ألا ترينه يزعم أنه يصرعني ويعلوني ! فقالت : اجعل بيني وبينك أمرًا يعرف فيه الحق، ائت بجمرتين ولؤلؤتين، فَقَرِّبْهُنَّ إليه، فإن بطش باللؤلؤتين(٤١) واجتنب الجمرتين فاعرف(٤٢) أنه يعقل، وإن تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين، علمت أن أحدا لا يؤثر الجمرتين على اللؤلؤتين وهو يعقل. فقرب إليه فتناول الجمرتين، فانتزعهما منه مخافة أن يحرقا يده، فقالت المرأة : ألا ترى ؟ فصرفه الله عنه بعد ما كان قد همّ به، وكان الله بالغا فيه أمره.
فلما بلغ أشده وكان من الرجال، لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل معه بظلم ولا سخرة، حتى امتنعوا كل الامتناع، فبينما موسى، عليه السلام، يمشي في ناحية المدينة، إذا(٤٣) هو برجلين يقتتلان، أحدهما فرعوني والآخر إسرائيلي، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني، فغضب موسى غضبًا شديدًا ؛ لأنه تناوله وهو يعلم منزلته(٤٤) من بني إسرائيل وحفظه لهم، لا يعلم الناس إلا أنما ذلك من الرضاع، إلا أم موسى، إلا أن يكون الله [ سبحانه ](٤٥) أطلع موسى من ذلك على ما لم يطلع عليه غيره. فوكز(٤٦) موسى الفرعوني فقتله، وليس يراهما أحد إلا الله عز وجل والإسرائيلي، فقال موسى حين قتل الرجل :﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٥]. ثم قَالَ ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: ١٦] فأصبح في المدينة خائفًا يترقب الأخبار، فأتى فرعون، فقيل له : إن بني إسرائيل قتلوا رجلا من آل فرعون فخذ لنا بحقنا(٤٧) ولا ترخص لهم. فقال : ابغوني قاتله، ومن يشهد عليه، فإن الملك وإن كان صَغْوه مع قومه لا يستقيم له أن يقيد بغير بينة ولا ثبت، فاطلبوا لي علم ذلك آخذ لكم بحقكم. فبينما هم يطوفون ولا(٤٨) يجدون ثبتًا، إذا بموسى(٤٩) من الغد قد رأى ذلك الإسرائيلي يقاتل رجلا من آل فرعون آخر. فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني، فصادف موسى قد ندم على ما كان منه وكره الذي رأى، فغضب الإسرائيلي وهو يريد أن يبطش بالفرعوني، فقال : للإسرائيلي لما فعل بالأمس واليوم :﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ فنظر الإسرائيلي إلى موسى بعد ما قال له ما قال، فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس الذي قتل فيه الفرعوني فخاف أن يكون بعد ما قال له :﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٨] أن يكون إياه أراد، ولم يكن أراده، وإنما أراد الفرعوني. فخاف الإسرائيلي وقال :﴿يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ [القصص: ١٩] وإنما قاله(٥٠) مخافة أن يكون إياه أراد موسى ليقتله، فتتاركا، وانطلق الفرعوني فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي من الخبر حين يقول :﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ فأرسل فرعون الذباحين ليقتلوا موسى، فأخذ رسل فرعون في الطريق الأعظم يمشون على هينتهم يطلبون موسى، وهم لا يخافون أن يفوتهم، فجاء رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة، فاختصر طريقا حتى سبقهم إلى موسى، فأخبره(٥١) وذلك من الفتون يا بن جبير.
فخرج موسى متوجهًا نحو مدين، لم يلق بلاء قبل ذلك، وليس له بالطريق علم إلا حسن ظنه بربه عز وجل، فإنه قال :{ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ وَلَمَّا وَرَدَ مَاء
١ في ف، أ: "فقالت"..
٢ في ف، أ: "يعني"..
٣ في ف: "يرضعه"..
٤ في أ: "الأخرى"..
٥ في ف، أ: "يحسب"..
٦ روى أبو داود في المراسيل برقم (٣٣٢) من طريق جبير بن نفير نحوه ولفظه "مثل الذين يغزون من أمتي ويأخذون الجعل ويتقوون على عدوهم به مثل أم موسى ترضع ولدها وتأخذ أجرها"..
٧ في ف: "آل فرعون ليقتلوه" وفي أ: "ليقتله".
.
٨ في ف، أ: "على"..
٩ في ف، أ: "صلى الله عليه وسلم"..
١٠ في ف: "ما كانوا"..
١١ في أ: "الذي"..
١٢ في أ: "بناتهم"..
١٣ في أ: "يكبروا"..
١٤ زيادة من ف، أ..
١٥ في ف، أ: "وتلقيه"..
١٦ في أ: "بعضهم"..
١٧ في ف، أ: "دفعنه"..
١٨ في ف، أ: "عليها منه".
.
١٩ في ف، أ: "أن يكون له قرة عين"..
٢٠ في أ: "ولكن الله حرمه"..
٢١ في ف، أ: "الشيء البعيد"..
٢٢ في ف، أ: "ناحية"..
٢٣ في ف، أ: "تعرفونه"..
٢٤ في ف، أ: "نصيحتهم"..
٢٥ في ف، أ: "أمه"..
٢٦ زيادة من ف، أ، والطبري..
٢٧ في ف، أ: "موعوده"..
٢٨ في ف: "فأنبته"..
٢٩ في أ: "حفظ".
٣٠ في أ: "تريني"..
٣١ في أ: "يوما أن"..
٣٢ في أ: "ذلك فيه"..
٣٣ في ف: "يحصي كل"..
٣٤ في ف: "والكرامة والنحل"..
٣٥ في أ: "بجلته"..
٣٦ في أ: "فليبجلنه"..
٣٧ في ف، أ: "فمدها"..
٣٨ في ف، أ: "به فتونا"..
٣٩ في أ: "فجاءت امرأة فرعون تسعى إلى فرعون فقالت"..
٤٠ في ف: "فقالت"..
٤١ في ف: "باللؤلؤ"..
٤٢ في أ: "فعرفت"..
٤٣ في ف: "إذا"..
٤٤ في ف: "منزله"..
٤٥ زيادة من أ..
٤٦ في ف، أ: "فوكزه"..
٤٧ في ف، أ: "بحقك"..
٤٨ في ف: "لا"..
٤٩ في ف: "موسى".
.
٥٠ في ف، أ: "قال له"..
٥١ في ف، أ: "فأخبره الخبر"..
٢ في ف، أ: "يعني"..
٣ في ف: "يرضعه"..
٤ في أ: "الأخرى"..
٥ في ف، أ: "يحسب"..
٦ روى أبو داود في المراسيل برقم (٣٣٢) من طريق جبير بن نفير نحوه ولفظه "مثل الذين يغزون من أمتي ويأخذون الجعل ويتقوون على عدوهم به مثل أم موسى ترضع ولدها وتأخذ أجرها"..
٧ في ف: "آل فرعون ليقتلوه" وفي أ: "ليقتله".
.
٨ في ف، أ: "على"..
٩ في ف، أ: "صلى الله عليه وسلم"..
١٠ في ف: "ما كانوا"..
١١ في أ: "الذي"..
١٢ في أ: "بناتهم"..
١٣ في أ: "يكبروا"..
١٤ زيادة من ف، أ..
١٥ في ف، أ: "وتلقيه"..
١٦ في أ: "بعضهم"..
١٧ في ف، أ: "دفعنه"..
١٨ في ف، أ: "عليها منه".
.
١٩ في ف، أ: "أن يكون له قرة عين"..
٢٠ في أ: "ولكن الله حرمه"..
٢١ في ف، أ: "الشيء البعيد"..
٢٢ في ف، أ: "ناحية"..
٢٣ في ف، أ: "تعرفونه"..
٢٤ في ف، أ: "نصيحتهم"..
٢٥ في ف، أ: "أمه"..
٢٦ زيادة من ف، أ، والطبري..
٢٧ في ف، أ: "موعوده"..
٢٨ في ف: "فأنبته"..
٢٩ في أ: "حفظ".
٣٠ في أ: "تريني"..
٣١ في أ: "يوما أن"..
٣٢ في أ: "ذلك فيه"..
٣٣ في ف: "يحصي كل"..
٣٤ في ف: "والكرامة والنحل"..
٣٥ في أ: "بجلته"..
٣٦ في أ: "فليبجلنه"..
٣٧ في ف، أ: "فمدها"..
٣٨ في ف، أ: "به فتونا"..
٣٩ في أ: "فجاءت امرأة فرعون تسعى إلى فرعون فقالت"..
٤٠ في ف: "فقالت"..
٤١ في ف: "باللؤلؤ"..
٤٢ في أ: "فعرفت"..
٤٣ في ف: "إذا"..
٤٤ في ف: "منزله"..
٤٥ زيادة من أ..
٤٦ في ف، أ: "فوكزه"..
٤٧ في ف، أ: "بحقك"..
٤٨ في ف: "لا"..
٤٩ في ف: "موسى".
.
٥٠ في ف، أ: "قال له"..
٥١ في ف، أ: "فأخبره الخبر"..