جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿إِذْ تَمْشِيَ أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلّكُمْ عَلَىَ مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَىَ أُمّكَ كَيْ تَقَرّ عَيْنُها وَلاَ تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجّيْنَاكَ مِنَ الْغَمّ وَفَتَنّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِيَ أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمّ جِئْتَ عَلَىَ قَدَرٍ يَمُوسَىَ﴾.
اختلف أهل التأويل في تأويل قوله " وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي " فقال بعضهم : معناه : ولتغذى وتربى على محبتي وإرادتي. ذكر من قال ذلك :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قَتادة، في قوله : " ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي " قال : هو غذاؤه، ولتُغذى على عيني.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله " وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي " قال : جعله في بيت الملك ينعم ويترف غذاؤه عندهم غذاء الملك، فتلك الصنعة.
وقال آخرون : بل معنى ذلك : وأنت بعيني في أحوالك كلها. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج " وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي " قال : أنت بعيني إذ جعلتك أمك في التابوت، ثم في البحر، و إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ. وقرأ ابن نهيك :«وَلِتَصْنَعَ » بفتح التاء. وتأوّله كما :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يحيى بن واضح، قال : حدثنا عبد المؤمن، قال : سمعت أبا نهيك يقرأ «وَلِتَصْنَعَ عَلى عَيْنِي » فسألته عن ذلك، فقال : ولتعمل على عيني.
قال أبو جعفر : والقراءة التي لا أستجيز القراءة بغيرها وَلِتُصْنَعَ بضم التاء، لإجماع الحجة من القرّاء عليها. وإذا كان ذلك كذلك، فأولى التأويلين به، التأويل الذي تأوّله قَتادَة، وهو : وَألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبّةً مِنّي ولتغذى على عيني، ألقيت عليك المحبة مني. وعنى بقوله : عَلى عَيْنِي بمرأى مني ومحبة وإرادة.
وقوله : " إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أدُلّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ " يقول تعالى ذكره : حين تمشي أختك تتبعك حتى وجدتك، ثم تأتي من يطلب المراضع لك، فتقول : هل أدلكم على من يكلفه ؟ وحذف من الكلام ما ذكرت بعد قوله " إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ " استغناء بدلالة الكلام عليه. وإنما قالت أخت موسى ذلك لهم لِما :
حدثنا موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، قال : لما ألقته أمه في اليم قالَتْ لأخته قُصّيهِ فلما التقطه آل فرعون، وأرادوا له المرضعات، فلم يأخذ من أحد من النساء، وجعل النساء يطلبن ذلك لينزلن عند فرعون في الرضاع، فأبى أن يأخذ، فقالت أخته : " هَلْ أدُلّكُمْ عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ ؟ " فأخذوها وقالوا : بل قد عرفِت هذا الغُلام، فدلّينا على أهله، قالت : ما أعرفه، ولكن إنما قلت هم للملك ناصحون.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : قالت، يعني أمّ موسى لأخته : قصّيه فانظري ماذا يفعلون به، فخرجت في ذلك فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ وقد احتاج إلى الرضاع والتمس الثدي، وجمعوا له المراضع حين ألقى الله محبتهم عليه، فلا يؤتى بامرأة، فيقبل ثديها، فيرمضهم ذلك، فيؤتى بمرضع بعد مرضع، فلا يقبل شيئا منهم، فقالت لهم أخته حين رأت من وجدهم به وحرصهم عليه " هَلْ أدُلّكُمْ عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لكُم وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ " أي لمنزلته عندكم وحرصكم على مسرّة الملك، وعنى بقوله : " هَلْ أدُلّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ " هل أدلكم على من يضمه إليه فيحفظه ويرضعه ويربيه. وقيل : معنى " وكَفّلَها زَكَرِيّا " ضمها.
وقوله : " فَرَجَعْناكَ إلى أُمّكَ كَيْ تَقَرّ عَيْنُها وَلا تَحْزَن " يقول تعالى ذكره : فرددناك إلى أمك بعد ما صرت في أيدي آل فرعون، كيما تقرّ عينها بسلامتك ونجاتك من القتل والغرق في اليم، وكيلا تحزن عليك من الخوف من فرعون عليك أن يقتلك، كما :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : لما قالت أخت موسى لهم ما قالت، قالوا : هات، فأتت أمه فأخبرتها، فانطلقت معها حتى أتتهم، فناولوها إياه فلما وضعته في حجرها أخذ ثديها، وسرّوا بذلك منه، وردّه الله إلى أمه كي تقرّ عينها، ولا تحزن، فبلغ لطف الله لها وله، أن ردّ عليها ولدها وعطف عليها نفع فرعون وأهل بيته مع الأمنة من القتل الذي يتخوف على غيره، فكأنهم كانوا من أهل بيت فرعون في الأمان والسعة، فكان على فرش فرعون وسرره.
وقوله : " وَقَتَلْتَ نَفْسا " يعني جلّ ثناؤه بذلك : قتله القبطي الذي قتله حين استغاثه عليه الإسرائيلي، فوكزه موسى. وقوله : " فَنَجّيْناكَ مِنَ الغَمّ " يقول تعالى ذكره : فنجيناك من غمك بقتلك النفس التي قتلت، إذ أرادوا أن يقتلوك بها فخلصناك منهم، حتى هربت إلى أهل مدين، فلم يصلوا إلى قتلك وقودك. وكان قتله إياه فيما ذُكر خطأ، كما :
حدثني واصل بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن فضيل، عن أبيه، عن سالم، عن عبد الله بن عمر، قال : سمعت رسول الله ﷺ يقول :«إنّمَا قَتَلَ مُوسَى الّذِي قَتَلَ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ خَطأ، فقال اللّهُ لَهُ : وَقَتَلْتَ نَفْسا فَنَجَيّنْاكَ مِنَ الغَمّ وَفَتَنّاكَ فُتُونا ».
حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، ومحمد بن عمرو، قالا : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد " فَنَجّيْناك مِنَ الغَمّ " قال : من قتل النفس.
حدثنا بِشْر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة " فَنَجّيْناكَ مِنَ الغَمّ " النفس التي قتل.
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله " وَفَتَنّاكَ فُتُونا " فقال بعضهم : ابتليناك ابتلاء واختبرناك اختبارا. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : " وَفَتَنّاكَ فُتُونا " يقول : اختبرناك اختبارا.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، " وَفَتَنّاكَ فُتُونا " قال : ابتليت بلاء.
حدثني العباس بن الوليد الأملي، قال : حدثنا يزيد بن هارون، قال : أخبرنا أصبغ بن زيد الجهني، قال : أخبرنا القاسم بن أيوب، قال : ثني سعيد بن جبير، قال : سألت عبد الله بن عباس، عن قول الله لموسى " وَفَتَنّاكَ فُتُونا " فسألته على الفتون ما هي ؟ فقال لي : استأنف النهار يا بن جبير، فإن لها حديثا طويلاً، قال : فلما أصبحت غدوت على ابن عباس لأنتجز منه ما وعدني، قال : فقال ابن عباس : تذاكر فرعون وجلساؤه ما وعد الله إبراهيم أن يجعل في ذرّيته أنبياء وملوكا، فقال بعضهم : إن بني إسرائيل ينتظرون ذلك وما يشكون، ولقد كانوا يظنون أنه يوسف بن يعقوب فلما هلك قالوا : ليس هكذا كان الله وعد إبراهيم، فقال فرعون : فكيف ترون ؟ قال : فأتمروا بينهم، وأجمعوا أمرهم على أن يبعث رجالاً معهم الشفار يطوفون في بني إسرائيل، فلا يجدون مولودا ذكرا إلا ذبحوه فلما رأوا أن الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم، وأن الصغار يذبحون قالوا : يوشك أن تفنوا بني إسرائيل، فتصيرون إلى أن تباشروا من الأعمال والخدمة التي كانوا يكفونكم، فاقتلوا عاما كلّ مولود ذكر، فيقلّ أبناؤهم، ودعوا عاما لا تقتلوا منهم أحدا، فتشبّ الصغار مكان من يموت من الكبار، فإنهم لن يكثروا بمن تستحيون منهم، فتخافون مكاثرتهم إياكم، ولن يقلوا بمن تقتلون، فأجمعوا أمرهم على ذلك.
فحملت أمّ موسى بهارون في العام المقبل الذي لا يذبح فيه الغلمان، فولدته علانية آمنة، حتى إذا كان العام المقبل حملت بموسى، فوقع في قلبها الهمّ والحزن، وذلك من الفتون يا ابن جبير، مما دخل عليه في بطن أمه مما يراد به، فأوحى الله إليها ألاّ تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إنّا رَادّوهُ إلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ، وأمرها إذا ولدته أن تجعله في تابوت ثم تلقيه في اليم فلما ولدته فعلت ما أمرت به، حتى إذا توارى عنها ابنها أتاها إبليس، فقالت في نفسها : ما صنعت بابني لو ذبح عندي، فواريته وكفنته كان أحبّ إليّ من أن ألقيه بيدي إلى حيتان البحر ودوابه، فانطلق به الماء حتى أوفى به عند فرضة مستقى جواري آل فرعون، فرأينه فأخذنه، فهممن أن يفتحن الباب، فقال بعضهنّ لبعض : إن في هذا مالاً، وإنا إن فتحناه لم تصدّقنا امرأة فرعون بما وجدنا فيه، فحملنه كهيئته لم يحرّكن منه شيئا، حتى دفعنه إليها فلما فتحته رأت فيه الغلام، فأُلقي عليه منها محبة لم يُلق مثلها منها على أحد من الناس وأصْبَحَ فُؤَادُ أُمّ مُوسَى فارِغا من كلّ شيء إلا من ذكر موسى.
فلما سمع الذبّاحون بأمره أقبلوا إلى امرأة فرعون بشفارهم يريدون أن يذبحوه، وذلك من الفتون يا ابن جُبير فقالت للذباحين : انصرفوا عني، فإن هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل، فآتي فرعون فأستوهبه إياه، فإن وهبه لي كنتم قد أحسنتم وأجملتم، وإن أمر بذبحه لم ألمكم. فلما أتت به فرعون قالت : قرّةُ عَينٍ لِي وَلَكَ قال فرعون : يكون لك، وأما أنا فلا حاجة لي فيه. فقال : والذي يحلف به لو أقرّ فرعون أن يكون له قرّة عين كما أقرّت به، لهداه الله به كما هدى به امرأته، ولكن الله حرمه ذلك. فأرسلت إلى من حولها من كلّ أنثى لها لبن، لتختار له ظِئرا، فجعل كلما أخذته امرأة منهم لترضعه لم يقبل ثديها، حتى أشفقت امرأة فرعون أن يمتنع من اللبن فيموت، فحزنها ذلك، فأمرت به فأخرج إلى السوق مجمع الناس ترجو أن تصيب له ظئرا يأخذ منها، فلم يقبل من أحد.
وأصبحت أمّ موسى، فقالت لأخته : قُصّيه واطلبيه، هل تسمعين له ذكرا، أحيّ ابني، أو قد أكلته دوابّ البحر وحيتانه ؟ ونسيت الذي كان الله وعدها، فبصرت به أخته عن جنب وهم لا يشعرون، فقالت من الفرح حين أعياهم الظؤورات : أنا أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون، فأخذوها وقالوا : وما يدريك ما نصحهم له ؟ هل يعرفونه ؟ حتى شكوا في ذلك، وذلك من الفتون يا ابن جُبير فقالت : نصحهم له وشفقتهم عليه، رغبتهم في ظؤورة الملك، ورجاء منفعته، فتركوها فانطلقت إلى أمها فأخبرتها الخبر، فجاءت فلما وضعته في حجرها نزا إلى ثديها حتى امتلأ جنباه، فانطلق البُشَراء إلى امرأة فرعون يبشرونها أن قد وجدنا لابنك ظئرا، فأرسلت إليها، فأتيت بها وبه فلما رأت ما يصنع بها قالت : امكثي عندي حتى ترضعي ابني هذا فإني لم أحبّ حبه شيئا قطّ قال : فقالت : لا أستطيع أن أدع بيتي وولدي، فيضيع، فإن طابت نفسك أن تعطينيه، فأذهب به إلى بيتي فيكون معي لا آلوه خيرا فعلت، وإلا فإني غير تاركة بيتي وولدي وذكرت أمّ موسى ما كان الله وعدها، فتعاسرت على امرأة فرعون، وأيقنت أن الله تبارك وتعالى منجز وعده، فرجعت بابنها إلى بيتها من يومها، فأنبته الله نباتا حسنا،
اختلف أهل التأويل في تأويل قوله " وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي " فقال بعضهم : معناه : ولتغذى وتربى على محبتي وإرادتي. ذكر من قال ذلك :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قَتادة، في قوله : " ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي " قال : هو غذاؤه، ولتُغذى على عيني.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله " وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي " قال : جعله في بيت الملك ينعم ويترف غذاؤه عندهم غذاء الملك، فتلك الصنعة.
وقال آخرون : بل معنى ذلك : وأنت بعيني في أحوالك كلها. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج " وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي " قال : أنت بعيني إذ جعلتك أمك في التابوت، ثم في البحر، و إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ. وقرأ ابن نهيك :«وَلِتَصْنَعَ » بفتح التاء. وتأوّله كما :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يحيى بن واضح، قال : حدثنا عبد المؤمن، قال : سمعت أبا نهيك يقرأ «وَلِتَصْنَعَ عَلى عَيْنِي » فسألته عن ذلك، فقال : ولتعمل على عيني.
قال أبو جعفر : والقراءة التي لا أستجيز القراءة بغيرها وَلِتُصْنَعَ بضم التاء، لإجماع الحجة من القرّاء عليها. وإذا كان ذلك كذلك، فأولى التأويلين به، التأويل الذي تأوّله قَتادَة، وهو : وَألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبّةً مِنّي ولتغذى على عيني، ألقيت عليك المحبة مني. وعنى بقوله : عَلى عَيْنِي بمرأى مني ومحبة وإرادة.
وقوله : " إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أدُلّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ " يقول تعالى ذكره : حين تمشي أختك تتبعك حتى وجدتك، ثم تأتي من يطلب المراضع لك، فتقول : هل أدلكم على من يكلفه ؟ وحذف من الكلام ما ذكرت بعد قوله " إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ " استغناء بدلالة الكلام عليه. وإنما قالت أخت موسى ذلك لهم لِما :
حدثنا موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، قال : لما ألقته أمه في اليم قالَتْ لأخته قُصّيهِ فلما التقطه آل فرعون، وأرادوا له المرضعات، فلم يأخذ من أحد من النساء، وجعل النساء يطلبن ذلك لينزلن عند فرعون في الرضاع، فأبى أن يأخذ، فقالت أخته : " هَلْ أدُلّكُمْ عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ ؟ " فأخذوها وقالوا : بل قد عرفِت هذا الغُلام، فدلّينا على أهله، قالت : ما أعرفه، ولكن إنما قلت هم للملك ناصحون.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : قالت، يعني أمّ موسى لأخته : قصّيه فانظري ماذا يفعلون به، فخرجت في ذلك فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ وقد احتاج إلى الرضاع والتمس الثدي، وجمعوا له المراضع حين ألقى الله محبتهم عليه، فلا يؤتى بامرأة، فيقبل ثديها، فيرمضهم ذلك، فيؤتى بمرضع بعد مرضع، فلا يقبل شيئا منهم، فقالت لهم أخته حين رأت من وجدهم به وحرصهم عليه " هَلْ أدُلّكُمْ عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لكُم وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ " أي لمنزلته عندكم وحرصكم على مسرّة الملك، وعنى بقوله : " هَلْ أدُلّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ " هل أدلكم على من يضمه إليه فيحفظه ويرضعه ويربيه. وقيل : معنى " وكَفّلَها زَكَرِيّا " ضمها.
وقوله : " فَرَجَعْناكَ إلى أُمّكَ كَيْ تَقَرّ عَيْنُها وَلا تَحْزَن " يقول تعالى ذكره : فرددناك إلى أمك بعد ما صرت في أيدي آل فرعون، كيما تقرّ عينها بسلامتك ونجاتك من القتل والغرق في اليم، وكيلا تحزن عليك من الخوف من فرعون عليك أن يقتلك، كما :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : لما قالت أخت موسى لهم ما قالت، قالوا : هات، فأتت أمه فأخبرتها، فانطلقت معها حتى أتتهم، فناولوها إياه فلما وضعته في حجرها أخذ ثديها، وسرّوا بذلك منه، وردّه الله إلى أمه كي تقرّ عينها، ولا تحزن، فبلغ لطف الله لها وله، أن ردّ عليها ولدها وعطف عليها نفع فرعون وأهل بيته مع الأمنة من القتل الذي يتخوف على غيره، فكأنهم كانوا من أهل بيت فرعون في الأمان والسعة، فكان على فرش فرعون وسرره.
وقوله : " وَقَتَلْتَ نَفْسا " يعني جلّ ثناؤه بذلك : قتله القبطي الذي قتله حين استغاثه عليه الإسرائيلي، فوكزه موسى. وقوله : " فَنَجّيْناكَ مِنَ الغَمّ " يقول تعالى ذكره : فنجيناك من غمك بقتلك النفس التي قتلت، إذ أرادوا أن يقتلوك بها فخلصناك منهم، حتى هربت إلى أهل مدين، فلم يصلوا إلى قتلك وقودك. وكان قتله إياه فيما ذُكر خطأ، كما :
حدثني واصل بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن فضيل، عن أبيه، عن سالم، عن عبد الله بن عمر، قال : سمعت رسول الله ﷺ يقول :«إنّمَا قَتَلَ مُوسَى الّذِي قَتَلَ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ خَطأ، فقال اللّهُ لَهُ : وَقَتَلْتَ نَفْسا فَنَجَيّنْاكَ مِنَ الغَمّ وَفَتَنّاكَ فُتُونا ».
حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، ومحمد بن عمرو، قالا : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد " فَنَجّيْناك مِنَ الغَمّ " قال : من قتل النفس.
حدثنا بِشْر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة " فَنَجّيْناكَ مِنَ الغَمّ " النفس التي قتل.
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله " وَفَتَنّاكَ فُتُونا " فقال بعضهم : ابتليناك ابتلاء واختبرناك اختبارا. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : " وَفَتَنّاكَ فُتُونا " يقول : اختبرناك اختبارا.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، " وَفَتَنّاكَ فُتُونا " قال : ابتليت بلاء.
حدثني العباس بن الوليد الأملي، قال : حدثنا يزيد بن هارون، قال : أخبرنا أصبغ بن زيد الجهني، قال : أخبرنا القاسم بن أيوب، قال : ثني سعيد بن جبير، قال : سألت عبد الله بن عباس، عن قول الله لموسى " وَفَتَنّاكَ فُتُونا " فسألته على الفتون ما هي ؟ فقال لي : استأنف النهار يا بن جبير، فإن لها حديثا طويلاً، قال : فلما أصبحت غدوت على ابن عباس لأنتجز منه ما وعدني، قال : فقال ابن عباس : تذاكر فرعون وجلساؤه ما وعد الله إبراهيم أن يجعل في ذرّيته أنبياء وملوكا، فقال بعضهم : إن بني إسرائيل ينتظرون ذلك وما يشكون، ولقد كانوا يظنون أنه يوسف بن يعقوب فلما هلك قالوا : ليس هكذا كان الله وعد إبراهيم، فقال فرعون : فكيف ترون ؟ قال : فأتمروا بينهم، وأجمعوا أمرهم على أن يبعث رجالاً معهم الشفار يطوفون في بني إسرائيل، فلا يجدون مولودا ذكرا إلا ذبحوه فلما رأوا أن الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم، وأن الصغار يذبحون قالوا : يوشك أن تفنوا بني إسرائيل، فتصيرون إلى أن تباشروا من الأعمال والخدمة التي كانوا يكفونكم، فاقتلوا عاما كلّ مولود ذكر، فيقلّ أبناؤهم، ودعوا عاما لا تقتلوا منهم أحدا، فتشبّ الصغار مكان من يموت من الكبار، فإنهم لن يكثروا بمن تستحيون منهم، فتخافون مكاثرتهم إياكم، ولن يقلوا بمن تقتلون، فأجمعوا أمرهم على ذلك.
فحملت أمّ موسى بهارون في العام المقبل الذي لا يذبح فيه الغلمان، فولدته علانية آمنة، حتى إذا كان العام المقبل حملت بموسى، فوقع في قلبها الهمّ والحزن، وذلك من الفتون يا ابن جبير، مما دخل عليه في بطن أمه مما يراد به، فأوحى الله إليها ألاّ تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إنّا رَادّوهُ إلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ، وأمرها إذا ولدته أن تجعله في تابوت ثم تلقيه في اليم فلما ولدته فعلت ما أمرت به، حتى إذا توارى عنها ابنها أتاها إبليس، فقالت في نفسها : ما صنعت بابني لو ذبح عندي، فواريته وكفنته كان أحبّ إليّ من أن ألقيه بيدي إلى حيتان البحر ودوابه، فانطلق به الماء حتى أوفى به عند فرضة مستقى جواري آل فرعون، فرأينه فأخذنه، فهممن أن يفتحن الباب، فقال بعضهنّ لبعض : إن في هذا مالاً، وإنا إن فتحناه لم تصدّقنا امرأة فرعون بما وجدنا فيه، فحملنه كهيئته لم يحرّكن منه شيئا، حتى دفعنه إليها فلما فتحته رأت فيه الغلام، فأُلقي عليه منها محبة لم يُلق مثلها منها على أحد من الناس وأصْبَحَ فُؤَادُ أُمّ مُوسَى فارِغا من كلّ شيء إلا من ذكر موسى.
فلما سمع الذبّاحون بأمره أقبلوا إلى امرأة فرعون بشفارهم يريدون أن يذبحوه، وذلك من الفتون يا ابن جُبير فقالت للذباحين : انصرفوا عني، فإن هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل، فآتي فرعون فأستوهبه إياه، فإن وهبه لي كنتم قد أحسنتم وأجملتم، وإن أمر بذبحه لم ألمكم. فلما أتت به فرعون قالت : قرّةُ عَينٍ لِي وَلَكَ قال فرعون : يكون لك، وأما أنا فلا حاجة لي فيه. فقال : والذي يحلف به لو أقرّ فرعون أن يكون له قرّة عين كما أقرّت به، لهداه الله به كما هدى به امرأته، ولكن الله حرمه ذلك. فأرسلت إلى من حولها من كلّ أنثى لها لبن، لتختار له ظِئرا، فجعل كلما أخذته امرأة منهم لترضعه لم يقبل ثديها، حتى أشفقت امرأة فرعون أن يمتنع من اللبن فيموت، فحزنها ذلك، فأمرت به فأخرج إلى السوق مجمع الناس ترجو أن تصيب له ظئرا يأخذ منها، فلم يقبل من أحد.
وأصبحت أمّ موسى، فقالت لأخته : قُصّيه واطلبيه، هل تسمعين له ذكرا، أحيّ ابني، أو قد أكلته دوابّ البحر وحيتانه ؟ ونسيت الذي كان الله وعدها، فبصرت به أخته عن جنب وهم لا يشعرون، فقالت من الفرح حين أعياهم الظؤورات : أنا أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون، فأخذوها وقالوا : وما يدريك ما نصحهم له ؟ هل يعرفونه ؟ حتى شكوا في ذلك، وذلك من الفتون يا ابن جُبير فقالت : نصحهم له وشفقتهم عليه، رغبتهم في ظؤورة الملك، ورجاء منفعته، فتركوها فانطلقت إلى أمها فأخبرتها الخبر، فجاءت فلما وضعته في حجرها نزا إلى ثديها حتى امتلأ جنباه، فانطلق البُشَراء إلى امرأة فرعون يبشرونها أن قد وجدنا لابنك ظئرا، فأرسلت إليها، فأتيت بها وبه فلما رأت ما يصنع بها قالت : امكثي عندي حتى ترضعي ابني هذا فإني لم أحبّ حبه شيئا قطّ قال : فقالت : لا أستطيع أن أدع بيتي وولدي، فيضيع، فإن طابت نفسك أن تعطينيه، فأذهب به إلى بيتي فيكون معي لا آلوه خيرا فعلت، وإلا فإني غير تاركة بيتي وولدي وذكرت أمّ موسى ما كان الله وعدها، فتعاسرت على امرأة فرعون، وأيقنت أن الله تبارك وتعالى منجز وعده، فرجعت بابنها إلى بيتها من يومها، فأنبته الله نباتا حسنا،