زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
وقولها :﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ﴾ لأن هذا كان من أسباب تربيته على ما أراد الله عز وجل. فأما أخته، فقال مقاتل : اسمها مريم. قال الفراء : وإنما اقتصر على ذكر المشي، ولم يذكر أنها مشت حتى دخلت على آل فرعون فدلتهم على الظئر، لأن العرب تجتزئ بحذف كثير من الكلام وبقليله، إذا كان المعنى معروفا، ومثله قوله :﴿أَنَاْ أُنَبّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾ [يوسف: ٤٥]، ولم يقل : فأرسل حتى دخل على يوسف.
قال المفسرون : سبب مشي أخته أن أمه قالت لها : قصيه، فاتبعت موسى على أثر الماء، فلما التقطه آل فرعون جعل لا يقبل ثدي امرأة، فقالت لهم أخته :﴿هل أدلكم على من يكفله﴾ أي : يرضعه ويضمه إليه، فقيل لها : ومن هي ؟ فقالت : أمي، قالوا : وهل لها لبن ؟ قالت : لبن أخي هارون، وكان هارون أسن من موسى بثلاث سنين، فأرسلوها، فجاءت بالأم فقبل ثديها، فذلك قوله :﴿فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمّكَ﴾ أي : رددناك إليها ﴿كَي تَقَرَّ عَيْنُها﴾ بك وبرؤيتك. ﴿وَقَتَلْتَ نَفْساً﴾ يعني : القبطي الذي وكزه فقضى عليه، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى ﴿فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمّ﴾ وكان مغموماً مخافة أن يقتل به، فنجاه الله بأن هرب إلى مدين، ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً﴾ فيه ثلاثة أقوال :
أحدها : اختبرناك اختباراً، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.
والثاني : أخلصناك إخلاصا، رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال مجاهد.
والثالث : ابتليناك ابتلاء، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال قتادة.
وقال الفراء : ابتليناك بغم القتيل ابتلاءً. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : الفتون : وقوعه في محنة بعد محنة خلصه الله منها، أولها أن أمه حملته في السنة التي كان فرعون يذبح فيها الأطفال، ثم إلقاؤه في البحر، ثم منعه الرضاع إلا من ثدي أمه، ثم جره لحية فرعون حتى هم بقتله، ثم تناوله الجمرة بدل الدرة، ثم قتله القبطي، ثم خروجه إلى مدين خائفا ؛ وكان ابن عباس يقص هذه القصص على سعيد بن جبير، ويقول له عند كل ثلاثة : وهذا من الفتون يا ابن جبير ؛ فعلى هذا يكون " فتناك " خلصناك من تلك المحن كما يفتن الذهب بالنار فيخلص من كل خبث. والفتون : مصدر.
قوله تعالى :﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ﴾ تقدير الكلام : فخرجت إلى أهل مدين. ومدين : بلد شعيب، وكان على ثمان مراحل من مصر، فهرب إليه موسى. وقيل مدين اسم رجل، وقد سبق هذا [الأعراف: ٨٦]
وفي قدر لبثه هناك قولان :
أحدهما : عشر سنين ؛ قاله ابن عباس، ومقاتل.
والثاني : ثمان وعشرون سنة، عشر منهن مهر امرأته، وثمان عشرة أقام حتى ولد له، قاله وهب.
قوله تعالى :﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ﴾ أي : جئت لميقات قدرته لمجيئك قبل خلقك، وكان ذلك على رأس أربعين سنة، وهو الوقت الذي يوحى فيه إلى الأنبياء، هذا قول الأكثرين. وقال الفراء :" على قدر " أي : على ما أراد الله به من تكليمه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى