اختُلِف في المعنيِّ بـ«الحسنات» اللاتي يُذْهِبن «السيئات» على أقوال: الأول: أنّها الصلوات الخمس المكتوبات. الثاني: أنها قول: سبحان الله، والحمدلله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. ووجَّه ابنُ عطية (٥/٢٩) القولين بقوله: «وهذا كله إنما هو على جهة المثال في الحسنات، ومِن أجْلِ أنّ الصلوات الخمس هي أعظم الأعمال». ورجَّح ابنُ جرير (١٢/٦١٧) مستندًا إلى السنة، ودلالة السياق القول الأول، وهو قول ابن عباس وما في معناه، وعلَّل ذلك بقوله: «لصحة الأخبار عن رسول الله ﷺ، وتواترها عنه، أنه قال: «مَثَلُ الصلوات الخمسِ مَثَلُ نهرٍ جارٍ على باب أحدكم، يَغْتَمِسُ فيه كلَّ يومٍ خمس مرّاتٍ، فماذا يُبْقِينَ مِن دَرَنِه؟!». وأنّ ذلك في سياق أمر الله بإقامة الصلوات، فالوعد على إقامتها الجزيلَ من الثواب عقيبها أولى من الوعد على ما لم يَجْرِ له ذِكْرٌ من سائر صالحات الأعمال، إذا خُصَّ بالقصد بذلك بعضٌ دون بعضٍ». واستظهر ابنُ عطية مستندًا إلى العموم «أنّ لفظ الآية لفظ عامٌّ في الحسنات، خاصٌّ في السيئات لقوله عليه الصلاة والسلام: «ما اجْتُنِبَت الكبائر»»
اختُلِف في الشجرة التي ضربها الله مثلًا للكلمة الخبيثة على قولين: الأول: هي الحنظل. الثاني: أنّ هذه الشجرة لم تخلق على الأرض. ووجَّه ابنُ عطية (٥/٢٤٦) القول الأول بقوله: «وهذا عندي على جهة المثال». وجعل ابنُ جرير (١٣/٦٥٤) رجحان القول الأول مُتَوقِّفًا على صحة حديث أنس المتقدم، فقال: «وقد رُوي عن رسول الله ﷺ -بتصحيح قول مَن قال: هي الحنظلة- خبرٌ، فإن صحَّ فلا قولَ يجوز أن يُقال غيره، وإلا فإنها شجرة بالصفة التي وصفها الله بها». ثم أورد حديث أنس. ونقل ابنُ عطية (٣/٣٣٧ ط: دار الكتب العلمية) عن فرقة أنّ الشجرة: هي الثوم. وعن الزجاج: أنها الكشوثا. ثم انتقدهما مستندًا إلى اللغة، والدلالة العقلية، فقال: «وعلى هذه الأقوال مِن الاعتراض أنّ هذه كلها من النَّجْم، وليست من الشجر، والله تعالى إنّما مثَّل بالشجرة، فلا تسمى هذه بشجرة إلا بتَجَوُّز، فقد قال عليه الصلاة والسلام في الثوم والبصل: «مَن أكل من هذه الشجرة». وأيضًا فإن هذه كلها ضعيفة وإن لم تجتث، اللهم إلا أن نقول: اجتثت بالخلقة»
ذكر ابنُ عطية (٨/٤٠٧) أنّ الجمهور على أنّ المعنى: مواظبون قائمون لا يَملُّون في وقت من الأوقات فيتركونها. ثم علَّق بقوله: «وهذا في المكتوب، وأما النافلة فالدوام عليها الإكثار منها بحسب الطاقة، وقد قال ﷺ: «أحبّ العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه»». وذكر ابنُ تيمية (٦/٣٩٥) أنّ السلف فسَّروا الدائم على الصلاة بالمُحافِظ على أوقاتها، وبالدائم على أفعالها بالإقبال عليها. ثم علَّق بقوله: «والآية تعمّ هذا وهذا، فإنه قال: ﴿على صلاتهم دائمون﴾، والدائم على الفعل هو المُديم له الذي يفعله دائمًا، فإذا كان هذا فيما يفعل في الأوقات المتفرقة، هو أن يَفعله كلّ يوم بحيث لا يَفعله تارة ويتركه أخرى، وسُمّي ذلك دوامًا عليه، فالدوام على الفعل الواحد المتصل أولى أن يكون دوامًا وأن تتناول الآية ذلك، وذلك يدل على وجوب إدامة أفعالها؛ لأن الله عز وجل ذمّ عموم الإنسان، واستثنى المُداوِم على هذه الصفة، فتاركُ إدامة أفعالها يكون مذمومًا من الشارع، والشارع لا يذمّ إلا على ترْك واجب أو فِعْل محرم»
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ يعني: اليهود، وذلك أن الله عز وجل عهد إليهم فِي التوراة أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وأن يؤمنوا بمحمد ﷺ وبالنبيين والكتاب، فأخبر اللَّه عز وجل عنهم فِي المائدة، فقال: ﴿ولَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ وبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وقالَ اللَّهُ إنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أقَمْتُمُ الصَّلاةَ وآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وآمَنتُمْ بِرُسُلِي﴾ بمحمد ﷺ، ﴿وعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ يعني: ونصرتموهم، ﴿وأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [المائدة:١٢]، فهذا الذي قال اللَّه: ﴿وأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ الذي عهدت إليكم في التوراة، فإذا فعلتم ذلك ﴿أُوفِ﴾ لكم ﴿بِعَهْدِكُمْ﴾، يعني: المغفرة والجنة، فعاهدهم إن أوْفوا له بما قال المغفرةَ والجنةَ، فكفروا بمحمد ﷺ، وبعيسى عليه السلام، فذلك قوله سبحانه: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ ولَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأَنْهارُ﴾، فهذا وفاء الرب عز وجل لهم
عن جابر بن عبد الله، قال: صلى رسول الله ﷺ صلاة الخوف، فصففنا خلفه صفين، والعدو بيننا وبين القبلة، فكبر النبي ﷺ، وكبرنا جميعًا، ثم ركع، وركعنا جميعًا، ثم رفع رأسه من الركوع، ورفعنا جميعًا، ثم انحدر للسجود والصف الذي يليه، وقام الصف المُؤَخَّر في نَحْرِ العدو، فلما قضى رسول الله ﷺ السجود وقام الصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود، [ثم قاموا، ثم] تقدم الصف المؤخر، وتأخر المقدم، ثم ركع النبي ﷺ، وركعنا جميعًا، ثم رفع رأسه من الركوع، ورفعنا جميعًا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخرًا في الركعة الأولى، وقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضى رسول الله ﷺ السجود والصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود، فسجدوا، ثم سلم النبي ﷺ، وسلمنا جميعًا. قال جابر رضي الله عنه: كما يصنع حرسكم هؤلاء بأمرائهم
عن عبد الله بن مسعود -من طريق يزيد بن عبد الله بن قسيط- أنّه سُئل عن هذه الآية: ﴿اثنان ذوا عدل منكم﴾. قال: ما مِن الكتاب إلا قد جاء على شيءٍ جاء على إدلالِه غيرَ هذه الآية، ولئن أنا لمَ أُخبرِكم بها لَأنا أجهلُ مِن الذي يَترُكُ الغُسلَ يوم الجمعة، هذا رجلٌ خرَج مسافرًا ومعه مالٌ، فأدرَكَه قَدَرُه، فإن وجَد رجلَين مِن المسلمين دفَع إليهما تَرِكتَه، وأشهَد عليهما عدلَين مِن المسلمين، فإن لم يجد عدلَين مِن المسلمين فرجلَين مِن أهل الكتاب، فإن أدّى فسبيلُ ما أدّى، وإن هو جَحَد استُحلِف بالله الذي لا إله إلا هو دُبُر صلاةٍ: إنّ هذا الذي دُفِع إليَّ، وما غَيَّبتُ منه شيئًا. فإذا حَلَف بَرِئ، فإذا أتى بعدَ ذلك صاحِبا الكتاب فشَهِدا عليه، ثم ادَّعى القومُ عليه مِن تَسميتِهم ما لهم، جُعِلت أيمانُ الوَرَثة مع شهادتِهم، ثم اقتَطَعوا حقَّه، فذلك الذي يقول الله: ﴿اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم﴾
عن عبد الله بن عباس، قال: انطلَق النبيُّ ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عُكاظ، وقد حِيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأُرسلتْ عليهم الشُّهب، فرَجعت الشياطين إلى قومهم، فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حِيل بيننا وبين خبر السماء، وأُرسلتْ علينا الشُّهب. قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حَدث، فاضربوا مَشارق الأرض ومَغاربها، فانظروا ما الذي حال بينكم وبين خبر السماء؟ فانصرف أولئك الذين تَوجّهوا نحو تِهامة إلى النبيِّ ﷺ وهو بنَخلة، عامدين إلى سوق عُكاظ، وهو يُصلّي بأصحابه صلاة الفجر، فلمّا سمعوا القرآن استمَعوا له، فقالوا: هذا -واللهِ- الذي حال بينكم وبين خبر السماء. فهناك حين رجعوا إلى قومهم، فقالوا: يا قومنا، ﴿إنّا سمعنا قرآنًا عجبًا﴾. فأَنزل الله على نبيّه ﷺ: ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجنّ﴾... وإنما أُوحي إليه قول الجنّ
قال مقاتل بن سليمان: ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجنّ﴾... وذلك أنّ السماء لم تكن تُحرس في الفَتْرة ما بين عيسى إلى محمد -صلى الله عليهما-، فلمّا بَعثَ الله عز وجل محمدًا ﷺ حُرست السماء، ورُميت الشياطين بالشُّهب، فقال إبليس: لقد حَدثَ في الأرض حَدَثٌ. فاجتمعت الشياطين، فقال لهم إبليس: ائتوني بما حَدثَ في الأرض من خبرٍ. قالوا: نبي بُعث في أرض تِهامة. وكان في أول ما بَعث تسعةُ نفر جاءوا من اليمن؛ ركْبٌ من الجنّ، ثم من أهل نَصِيبين من أشراف الجنّ وساداتهم إلى أرض تِهامة، فساروا حتى بَلغوا بطن نخلة ليلًا، فوجَدوا النبيَّ ﷺ قائمًا يُصلّي مع نفرٍ من أصحابه وهو يقرأ القرآن في صلاة الفجر، فقالوا: فذلك قول الجنّ، يعني: أولئك التسعة النّفر: يا قومنا، ﴿إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ يعني: عزيزًا لا يُوجد مثله
ذكر ابنُ عطية (٣/٥٠٥) أنّ قوله تعالى ﴿قل إن صلاتي﴾ الآية: «أمرٌ من الله عز وجل أن يعلن بأنّ مقصده في صلاته وطاعته من ذبيحة وغيرها، وتصرفه مدة حياته، وحاله من الإخلاص والإيمان عند مماته إنّما هو لله عز وجل، وإرادة وجهه، وطلب رضاه، وفي إعلان النبي ﷺ بهذه المقالة ما يُلْزِم المؤمنين التأسي به حتى يلتزموا في جميع أعمالهم قصد وجه الله عز وجل». ثم ذكر احتمالًا آخر، فقال: «ويحتمل أن يريد بهذه المقالة أنّ صلاته ونسكه وحياته وموته بيد الله عز وجل، يصرفه في جميع ذلك كيف يشاء، وأنّه قد هداه من ذلك إلى صراط مستقيم، ويكون قوله تعالى: ﴿وبِذلِكَ أُمِرْتُ﴾ على هذا التأويل راجعًا إلى قوله تعالى: ﴿لا شَرِيكَ لَهُ﴾ فقط، أو راجعًا إلى القول الأول، وعلى التأويل الأول يرجع إلى جميع ما ذكر من صلاة وغيرها، أي: أُمِرْتُ بأن أقصد وجه الله عز وجل في ذلك، وأن ألْتَزِم العمل»
اختُلِف في المشار إليهم بقوله تعالى: ﴿ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ في هذه الآية على قولين: الأول: أنهم المشركون. الثاني: أنهم الشياطين. ورجَّح ابنُ جرير (١٤/٦١٠-٦١١) مستندًا إلى دلالة السياق القول الأول، وهو قول قتادة، وابن زيد، ومقاتل، ويحيى بن سلام، وعلَّل ذلك بقوله: «وذلك أن الله -تعالى ذِكْره- أتْبع ذلك قوله: ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾، فأن يكون ذلك خبرًا عنهم أوْلى -إذ كان بخبرهم متصلًا- من أن يكون خبرًا عمَّن لم يَجْرِ له ذكرٌ». ووجَّه ابنُ عطية (٥/٤٨٨) القول الثاني بقوله: «يريد: أن المعنى يدل عليهم، وإن لم يَجْرِ لهم ذِكْرٌ في اللفظ، وهذا نظير قول النبي ﷺ: «إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان له حصاصٌ»». وعلَّق عليه ابنُ كثير (٩/٢٣) بقوله: «وهذا غريب جدًّا في تفسيرها، وإلا فالشياطين إذا قرئ القرآن أو نودي بالأذان أو ذكر الله انصرفوا»