محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١٠٦ من سورة المائدة في ١١٨ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٧٧ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١٠٦ من سورة المائدة

١١٨ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿يِا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مّنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ فَأَصَابَتْكُم مّصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصّلاَةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىَ وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللّهِ إِنّآ إِذَاً لّمِنَ الآثمين﴾. .
يقول تعالى ذكره للمؤمنين به : " يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ " يقول : ليشهد بينكم إذَا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيّةِ يقول : وقت الوصية، اثْنانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ يقول : ذوا رشد وعقل وحِجا من المسلمين. كما :
حدثنا محمد بن بشار، وعبيد الله بن يوسف الجبيري، قالا : حدثنا مؤمل بن إسماعيل، قال : حدثنا شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، في قوله :" وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ " قال : ذوا عقل.
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله : ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ فقال بعضهم : عني به : من أهل ملتكم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا حميد بن مسعدة، قال : حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، قال : شاهدان ذوا عدل منكم من المسلمين.
حدثنا عمران بن موسى القزّاز، قال : حدثنا عبد الوارث بن سعيد، قال : حدثنا إسحاق بن سويد، عن يحيى بن يعمر، في قوله : " اثْنانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ من المسلمين ".
حدثنا ابن بشار وابن المثنى، قالا : حدثنا ابن أبي عديّ، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، في قوله : " اثْنانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ " قال : اثنان من أهل دينكم.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن إدريس، عن أشعث، عن ابن سيرين، عن عبيدة، قال : سألته، عن قول الله تعالى : اثْنانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ قال : من الملة.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن إدريس، عن هشام، عن ابن سيرين، عن عبيدة، بمثله، إلا أنه قال فيه : من أهل الملة.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن علية، عن هشام، عن ابن سيرين، قال : سألت عبيدة عن هذه الآية : " اثْنانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ " قال : من أهل الملة.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن عبيدة، مثله.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا حسين، عن زائدة، عن هشام، عن ابن سيرين، قال : سألت عبيدة، فذكر مثله.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا ابن مهدي، عن حماد، عن ابن أبي نجيح، وقال : حدثنا مالك بن إسماعيل، عن حماد بن زيد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : " ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ " قال : ذوا عدل من أهل الإسلام.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله :" ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ " قال : من المسلمين.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال : كان سعيد بن المسيب يقول : اثْنانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ : أي من أهل الإسلام.
وقال آخرون : عني بذلك : ذوا عدل من حيّ الموصي، وذلك قول رُوِي عن عكرمة وعبيدة وعدّة غيرهما.
واختلفوا في صفة الاثنين اللذين ذكرهما الله في هذه الاَية ما هي، وما هما ؟ فقال بعضهم : هما شاهدان يشهدان على وصية الموصي. وقال آخرون : هما وصيان.
وتأويل الذين زعموا أنهما شاهدان، قوله : شَهادَةُ بَيْنِكُمْ ليشهد شاهدان ذوا عدل منكم على وصيتكم. وتأويل الذين قالوا : هما وصيان لا شاهدان، قوله : شَهادَةُ بَيْنِكُمْ بمعنى الحضور والشهود لما يوصيهما به المريض، من قولك : شهدت وصية فلان، بمعنى حضرته.
وأولى التأويلين بقوله : اثْنانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ تأويل من تأوّله بمعنى : أنهما من أهل الملة دون من تأوّله أنهما من حيّ الموصي.
وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالآية، لأن الله تعالى عم المؤمنين بخطابهم بذلك في قوله : " يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إذَا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيّةِ اثْنانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ " فغير جائز أن يُصرف ما عمه الله تعالى إلى الخصوص إلا بحجة يجب التسليم لها. وإذ كان ذلك كذلك، فالواجب أن يكون العائد من ذكرهم على العموم، كما كان ذكرهم ابتداء على العموم.
وأَوْلَى المعنيين بقوله : شَهادَةُ بَيْنِكُمْ اليمين، لا الشهادة التي يقوم بها من عنده شهادة لغيره لمن هي عنده على من هي عليه عند الحكام لأنّا لا نعلم لله تعالى حكما يجب فيه على الشاهد اليمين، فيكون جائزا صرف الشهادة في هذا الموضع إلى الشهادة التي يقوم بها بعض الناس عند الحكام والأئمة. وفي حكم الاية في هذه اليمين على ذوي العدل، وعلى من قام مقامهم في اليمين بقوله : " تَحْبِسُوَنهُما مِنْ بَعْدِ الصّلاةِ فَيُقْسمِانِ باللّهِ " أوضح الدليل على صحة ما قلنا في ذلك من أن الشهادة فيه الأيمان دون الشهادة التي يقضي بها للمشهود له على المشهود عليه، وفساد ما خالفه.
فإن قال قائل : فهل وجدت في حكم الله تعالى يمينا تجب على المدّعي فتوجه قولك في الشهادة في هذا الموضع إلى الصحة ؟ فإن قلت : لا، تبين فساد تأويلك ذلك على ما تأوّلت، لأنه يجب على هذا التأويل أن يكون المقسمان في قوله :" فإنْ عُثرَا على أنّهُما اسْتَحَقّا إثْما فآخَرَانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الّذِينَ اسْتَحَقّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ باللّهِ لشَهادَتُنا أحَقّ مِنْ شَهادَتِهِما " هما المدعيين. وإن قلت بلى، قيل لك : وفي أيّ حكم الله تعالى وجدت ذلك ؟ قيل : وجدنا ذلك في أكثر المعاني، وذلك في حكم الرجل يدّعي قِبَل رجل مالاً، فيقرّ به المدّعي عليه قبله ذلك ويدعي قضاءه، فيكون القول قول ربّ الدين، والرجل يعترف في يد الرجل السلعة، فيزعم المعترَفة في يده أنه اشتراها من المدّعي أو أن المدّعي وهبها له، وما أشبه ذلك مما يكثر إحصاؤه. وعلى هذا الوجه أوجب الله تعالى في هذا الموضع اليمين على المدّعيين اللذين عثرا على الجانيين فيما جنيا فيه.
واختلف أهل العربية في الرافع قوله : " شَهادَةُ بَيْنِكُمْ "، وقوله : اثْنانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ. فقال بعض نحويي البصرة : معنى قوله : شَهادَةُ بَيْنِكُمْ شهادة اثنين ذوي عدل، ثم ألقيت الشهادة وأقيم الاثنان مقامها، فارتفعا بما كانت الشهادة به مرتفعة لو جعلت في الكلام. قال : وذلك في حذف ما حذف منه وإقامة ما أقيم مقام المحذوف، نظير قوله : وَاسأَلِ القَرْيَةَ وإنما يريد : واسأل أهل القرية، وانتصبت القرية بانتصاب الأهل وقامت مقامه، ثم عطف قوله :«أو آخران » على «الاثنين ».
وقال بعض نحويي الكوفة : رفع الاثنين بالشهادة : أي ليشهدكم اثنان من المسلمين، أو آخران من غيركم. وقال آخر منهم : رفعت الشهادة ب «إذا حضر ». وقال : إنما رفعت بذلك لأنه قال :«إذا حضر »، فجعلها شهادة محذوفة مستأنفة، ليست بالشهادة التي قد رفعت لكلّ الخلق، لأنه قال تعالى ذكره :" أوْ آخَرَانِ مِنْ غيرِكُمْ "، وهذه شهادة لا تقع إلا في هذا الحال، وليست مما ثبت.
وأولى هذه الأقوال في ذلك عندي بالصواب، قول من قال : الشهادة مرفوعة بقوله : إذَا حَضَرَ لأن قوله : إذا حَضَرَ بمعنى : عند حضور أحدكم الموت، والاثنان مرفوع بالمعنى المتوهم، وهو أن يشهد اثنان، فاكتفي من قيل أن يشهد بما قد جري من ذكر الشهادة في قوله : شَهادَةُ بَيْنِكُمْ.
وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن الشهادة مصدر في هذا الموضع، والاثنان اسم، والاسم لا يكون مصدرا، غير أن العرب قد تضع الأسماء مواضع الأفعال. فالأمر وإن كان كذلك، فصرف كل ذلك إلى أصحّ وجوهه ما وجدنا إليه سبيلاً أولى بنا من صرفه إلى أضعفها.

القول في تأويل قوله تعالى : " أوْ آخَرَانِ مِنْ غيرِكُمْ ".


يقول تعالى ذكره للمؤمنين : ليشهد بينكم إذا حضر أحدكم الموت عدلان من المسلمين، أو آخران من غير المسلمين.
وقد اختلف أهل التأويل في تأويل قوله :" أوْ آخَرَانِ مِنْ غيرِكُمْ " فقال بعضهم : معناه : أو آخران من غير أهل ملتكم نحو الذي قلنا فيه.
ذكر من قال ذلك :
حدثنا حميد بن مسعدة، وبشر بن معاذ، قالا : حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب : " أوْ آخَرَانِ مِنْ غيرِكُمْ " من أهل الكتاب.
حدثنا محمد بن بشار، ومحمد بن المثنى، قالا : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، قال : سمعت قتادة يحدّث، عن سعيد بن المسيب :" أوْ آخَرَانِ مِنْ غيرِكُمْ " : من أهل الكتاب.
حدثني أبو حفص الجبيري عبيد الله بن يوسف، قال : حدثنا مؤمل بن إسماعيل، قال : حدثنا شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، مثله.
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا ابن أبي عديّ، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد، مثله.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم وسليمان التيّمي، عن سعيد بن المسيب، أنهما قالا في قوله : " أوْ آخَرَانِ مِنْ غيرِكُمْ " قالا : من غير أهل ملتكم.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا مغيرة، قال : ثني من سمع سعيد بن جبير، يقول، مثل ذلك.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا التيمي، عن أبي مجلز، قال : من غير أهل ملتكم.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم، مثله.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال : إن كان قربه أحد من المسلمين أشهدهم، وإلا أشهد رجلين من المشركين.
حدثنا عمرو بن عليّ، قال : حدثنا قتيبة، قال : حدثنا هشيم، عن المغيرة، عن إبراهيم، وسعيد بن جبير، في قوله : " أوْ آخَرَانِ مِنْ غيرِكُمْ " قالا : من غير أهل ملتكم.
حدثنا عمرو، قال : حدثنا يحيى بن سعيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، عن سعيد : " أوْ آخَرَانِ مِنْ غيرِكُمْ " قال : من أهل الكتاب.
حدثنا عمرو، قال : حدثنا محمد بن سواء، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، مثله.
حدثنا هناد، قال : حدثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، مثله.
حدثنا عمران بن موسى، قال : حدثنا عبد الوارث بن سعيد، قال : حدثنا إسحاق بن سويد، عن يحيى بن يعمر، في قوله : " اثْنانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ " من المسلمين، فإن لم تجدوا من المسلمين، فمن غير المسلمين.
حدثنا المثنى، قال : حدثنا عبد الأعلى، قال : حدثنا داود، عن عامر، عن شريح، في هذه الاية : " يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إذَا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيّةِ اثْنانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أوْ آخَرَانِ
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
سبيلي بالمعروف، وانهوهم عن المنكر. فإن قبلوا، فلهم ولكم، وإن تمادَوْا في غيهم وضلالهم، فإن إليّ مرجع جميعكم ومصيركم في الآخرة ومصيرهم، (١) وأنا العالم بما يعمل جميعكم من خير وشر، فأخبر هناك كلَّ فريق منكم بما كان يعمله في الدنيا، (٢) ثم أجازيه على عمله الذي قَدِم به عليّ جزاءه حسب استحقاقه، فإنه لا يخفى عليَّ عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى.
* * *

القول في تأويل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾


قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين به:"يا أيها الذين آمنوا شهادةُ بينكم"، يقول: ليشهد بينكم ="إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية"، يقول: وقت الوصية="اثنان ذوا عدل منكم"، يقول: ذوا رشد وعقل وحجي من المسلمين، (٣) كما:-
١٢٨٨٢ - حدثنا محمد بن بشار وعبيد الله بن يوسف الجبيري قالا حدثنا مؤمل بن إسماعيل قال، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب في قوله: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ [سورة الطلاق: ٢]، قال: ذَوَي عقل. (٤)
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله:"ذوا عدل منكم".
فقال بعضهم: عنى به: من أهل ملتكم.
(١) انظر تفسير"المرجع" فيما سلف ٦: ٤٦٤/١٠: ٣٩١، تعليق: ٢.
(٢) انظر تفسير"أنبأ" فيما سلف من فهارس اللغة (نبأ).
(٣) انظر تفسير ألفاظ هذه الآية فيما سلف من فهارس اللغة.
(٤) الأثر: ١٢٨٨٢ -"عبيد الله بن يوسف الجبيري"، "أبو حفص البصري"، شيخ الطبري، ثقة. روي له ابن ماجه. مترجم في التهذيب. وفي المخطوطة: "عبد الله بن يوسف"، وهو خطأ. ومضى في رقم: ١٠٩، ولم يترجم هناك.
وهذا الخبر في تفسير الآية الثانية من"سورة الطلاق"، ولم يذكره أبو جعفر هناك في تفسير الآية. فهذا من ضروب اختصاره تفسيره.
* ذكر من قال ذلك:
١٢٨٨٣ - حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب قال: شاهدان"ذوا عدل منكم"، من المسلمين.
١٢٨٨٤ - حدثنا عمران بن موسى القزاز قال، حدثنا عبد الوارث بن سعيد قال، حدثنا إسحاق بن سويد، عن يحيى بن يعمر في قوله:"اثنان ذوا عدل منكم"، من المسلمين.
١٢٨٨٥- حدثنا ابن بشار وابن المثنى قالا حدثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب في قوله:"اثنان ذوا عدل منكم"، قال: اثنان من أهل دينكم.
١٢٨٨٦ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس، عن أشعث، عن ابن سيرين، عن عبيدة قال: سألته، عن قول الله تعالى ذكره:"اثنان ذوا عدل منكم"، قال: من الملة.
١٢٨٨٧- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس، عن هشام، عن ابن سيرين، عن عبيدة، بمثله = إلا أنه قال فيه: من أهل الملة.
١٢٨٨٨- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن هشام، عن ابن سيرين قال: سألت عبيدة عن هذه الآية:"اثنان ذوا عدل منكم"، قال: من أهل الملة.
١٢٨٨٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن عبيدة، مثله.
١٢٨٩٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حسين، عن زائدة، عن هشام، عن ابن سيرين قال: سألت عبيدة، فذكر مثله.
١٢٨٩١ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن مهدي، عن حماد، عن ابن أبي نجيح = وقال، حدثنا مالك بن إسماعيل، عن حماد بن زيد، عن ابن أبي نجيح = عن مجاهد، مثله.
١٢٨٩٢ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"ذوا عدل منكم"، قال: ذوا عدل من أهل الإسلام.
١٢٨٩٣ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"ذوا عدل منكم"، قال: من المسلمين.
١٢٨٩٤- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: كان سعيد بن المسيب يقول:"اثنان ذوا عدل منكم"، أي: من أهل الإسلام.
* * *
وقال آخرون: عنى بذلك: ذوا عدل من حَيِّ الموصِي. وذلك قول روي عن عكرمة وعبيدة وعدّة غيرهما.
* * *
واختلفوا في صفة"الاثنين" اللذين ذكرهما الله في هذه الآية، ما هي، وما هما؟
فقال بعضهم: هما شاهدان يشهدان على وصية الموصي.
* * *
وقال آخرون: هما وصيان.
* * *
وتأويل الذين زعموا أنهما شاهدان. قولَه:"شهادة بينكم"، ليشهد شاهدان
ذوا عدل منكم على وصيتكم.
* * *
وتأويل الذين قالوا:"هما وصيان لا شاهدان" قولَه:"شهادة بينكم"، بمعنى الحضور والشهود لما يوصيهما به المريضُ، من قولك:"شهدت وصية فلان"، بمعنى حضرته. (١)
* * *
قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بقوله:"اثنان ذوا عدل منكم"، تأويلُ من تأوّله بمعنى أنهما من أهل الملة، دون من تأوّله أنهما من حيّ الموصي.
وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالآية، لأن الله تعالى ذكره، عم المؤمنين بخطابهم بذلك في قوله:"يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم" فغير جائز أن يصرف ما عمَّه الله تعالى ذكره إلى الخصوص إلا بحجة يجب التسليم لها. وإذ كان ذلك كذلك، فالواجب أن يكون العائدُ من ذكره على العموم، (٢) كما كان ذكرهم ابتداءً على العموم.
* * *
وأولى المعنيين بقوله:"شهادة بينكم" اليمين، لا"الشهادة" التي يقوم بها مَنْ عنده شهادة لغيره، لمن هي عنده، على مَن هي عليه عند الحكام. (٣) لأنا لا نعلم لله تعالى ذكره حكمًا يجب فيه على الشاهد اليمين، فيكون جائزًا صرفُ"الشهادة" في هذا الموضع، إلى"الشهادة" التي يقوم بها بعض الناس عند الحكام والأئمة.
(١) انظر تفسير"شهد" فيما سلف من فهارس اللغة، واختلاف معانيها.
(٢) في المطبوعة: "من ذكرهم"، وما في المخطوطة صواب محض.
(٣) كان صدر هذه العبارة في المخطوطة: "شهادة بينكم، لأن الشهادة..."، أسقط لفظ"اليمين"، وجعل"لا الشهادة"، "لأن الشهادة"، وهو فاسد، والذي في المطبوعة هو الصواب المحض إن شاء الله، وهو مطابق لما رواه القرطبي في تفسيره ٦: ٣٤٨، عن أبي جعفر الطبري.
وفي حكم الآية في هذه، اليمينَ على ذوي العدل = وعلى من قام مقامهم، باليمين بقوله (١) "تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله" = أوضحُ الدليل على صحة ما قلنا في ذلك، من أن"الشهادة" فيه: الأيمان، دون الشهادة التي يقضَى بها للمشهود له على المشهود عليه = وفسادِ ما خالفه.
* * *
فإن قال قائل: فهل وجدتَ في حكم الله تعالى ذكره يمينًا تجب على المدَّعي، فتوجه قولك في الشهادة في هذا الموضع إلى الصحة؟
فإن قلتَ:"لا"، تبين فساد تأويلك ذلك على ما تأوّلت، لأنه يجب على هذا التأويل أن يكون المقسمان في قوله:"فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحقّ من شهادتهما"، هما المدعيين.
وإن قلت:"بلى"، قيل لك: وفي أيّ حكم لله تعالى ذكره وجدتَ ذلك؟ قيل: وجدنا ذلك في أكثر المعاني. وذلك في حكم الرجل يدَّعي قِبَل رجل مالا فيقرّ به المدّعَى عليه قِبَله ذلك، ويدّعي قضاءه. فيكون القول قول ربّ الدين = (٢)
والرجل يعرّف في يد الرجل السلعةَ، فيزعم المعرّف في يده أنه اشتراها من المدّعِي، أو أنّ المدعي وهبها له، وما أشبه ذلك مما يكثر إحصاؤه. وعلى هذا الوجه أوجبَ الله تعالى ذكره في هذا الموضع اليمين على المدعيين اللذين عثرا على الخائنين فيما خانا فيه. (٣)
(١) في المطبوعة هنا"في اليمين بقوله" غير ما في المخطوطة، وأفسد الكلام. والسياق"وفي حكم الآية... باليمين... أوضح الدليل...".
(٢) قوله: "والرجل يعترف"، معطوف على قوله: "في حكم الرجل....". وكان في المطبوعة هنا"والرجل يعترف... فيزعم المعترفة"، وهو خطأ، وصوابه ما أثبت كما في المخطوطة.
(٣) في المطبوعة: "... على الجانبين فيما جنيا فيه"، وهو لا معنى له هنا. وفي المخطوطة: "على الجانبين فيما صاهما فيه"، وصواب قراءتها ما أثبت.
قال أبو جعفر: واختلف أهل العربية في الرافع قولَه:"شهادة بينكم"، وقولَه:"اثنان ذوا عدل منكم".
فقال بعض نحويي البصرة: معنى قوله:"شهادة بينكم"، شهادة اثنين ذوي عدل، ثم ألقيت"الشهادة"، وأقيم"الاثنان" مقامها، فارتفعا بما كانت"الشهادة" به مرتفعة لو جعلت في الكلام. (١) قال: وذلك = في حذف ما حذف منه، وإقامة ما أقيم مقام المحذوف = نظيرُ قوله: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ [سورة يوسف: ٨٢]، وإنما يريد: واسأل أهل القرية، وانتصبت"القرية" بانتصاب"الأهل"، وقامت مقامه، ثم عطف قوله:"أو آخران" على"الاثنين".
* * *
وقال بعض نحويي الكوفة: رفع"الاثنين" ب"الشهادة"، أي: ليشهدكم اثنان من المسلمين، أو آخران من غيركم.
* * *
وقال آخر منهم: رفعت"الشهادة"، ب"إذا حضر". وقال: إنما رفعت بذلك، لأنه قال:"إذا حضر" فجعلها"شهادة" محذوفة مستأنفة، ليست بالشهادة التي قد رفعت لكل الخلق، لأنه قال تعالى ذكره:"أو آخران من غيركم"، وهذه شهادة لا تقع إلا في هذا الحال، وليست مما يثبت. (٢)
* * *
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال في ذلك عندي بالصواب، قولُ من قال:"الشهادة" مرفوعة بقوله:"إذا حضر"، لأن قوله:"إذا حضر"،
(١) في المطبوعة والمخطوطة: "بما كانت الشاهدة به مرتفعة"، وهو خطأ لا شك فيه، صوابه ما أثبت.
(٢) في المطبوعة: "مما ثبت"، وأثبت ما في المخطوطة.
بمعنى: عند حضور أحدكم الموت، و"الاثنان" مرفوع بالمعنى المتوهَّم، وهو: أن يشهد اثنان = فاكتفي من قيل:"أن يشهد"، بما قد جرى من ذكر"الشهادة" في قوله:"شهادة بينكم".
وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن"الشهادة" مصدر في هذا الموضع، و"الاثنان" اسم، والاسم لا يكون مصدرًا. غير أن العرب قد تضع الأسماء مواضع الأفعال. (١) فالأمر وإن كان كذلك، فصرْفُ كل ذلك إلى أصح وُجوهه ما وجدنا إليه سبيلا أولى بنا من صرفه إلى أضعفها.
* * *

القول في تأويل قوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾


قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين: ليشهد بينكم إذا حضر أحدكم الموت، عدلان من المسلمين، أو آخران من غير المسلمين.
* * *
وقد اختلف أهل التأويل في تأويل قوله:"أو آخران من غيركم".
فقال بعضهم: معناه: أو آخران من غير أهل ملتكم، نحو الذي قلنا فيه.
* ذكر من قال ذلك:
١٢٨٥٩ - حدثنا حميد بن مسعدة وبشر بن معاذ قالا (٢) حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب:"أو آخران من غيركم"، من أهل الكتاب.
(١) "الأفعال": المصادر. وانظر فهارس المصطلحات فيما سلف.
(٢) في المطبوعة والمخطوطة: "يونس بن معاذ"، وهو خطأ محض. و"بشر بن معاذ" عن يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة" إسناد دائر في أكثر صفحات هذا التفسير.
١٢٨٩٦- حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى قالا حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة قال، سمعت قتادة يحدث، عن سعيد بن المسيب:"أو آخران من غيركم"، من أهل الكتاب.
١٢٨٩٧- حدثني أبو حفص الجبيري، عبيد الله بن يوسف قال، حدثنا مؤمل بن إسماعيل قال، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، مثله. (١)
١٢٨٩٨ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد، مثله.
١٢٨٩٩- حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم وسليمان التيمي، عن سعيد بن المسيب، أنهما قالا في قوله:"أو آخران من غيركم"، قالا من غير أهل ملتكم.
١٢٩٠٠- حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا مغيرة قال، حدثني من سمع سعيد بن جبير يقول، مثل ذلك.
١٢٩٠١ - حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا التيمي، عن أبي مجلز قال: من غير أهل ملتكم.
١٢٩٠٢ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم، مثله.
١٢٩٠٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: إن كان قُرْبَه أحدٌ من المسلمين أشهدهم، وإلا أشهد رجلين من المشركين.
١٢٩٠٤ - حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا أبو قتيبة قال، حدثنا هشيم، عن المغيرة، عن إبراهيم وسعيد بن جبير في قوله:"أو آخران من غيركم"، قالا
(١) الأثر: ١٢٨٩٧ -"أبو حفص الجبيري"، "عبيد الله بن يوسف"، مضى قريبًا رقم: ١٢٨٨٢.
من غير أهل ملتكم. (١)
١٢٩٠٥- حدثنا عمرو قال، حدثنا يحيى بن سعيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن سعيد:"أو آخران من غيركم"، قال: من أهل الكتاب.
١٢٩٠٦- حدثنا عمرو قال، حدثنا محمد بن سواء قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، مثله. (٢)
١٢٩٠٧- حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع = وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي = عن شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، مثله.
١٢٩٠٨ - حدثنا عمران بن موسى قال، حدثنا عبد الوارث بن سعيد قال، حدثنا إسحاق بن سويد، عن يحيى بن يعمر في قوله:"اثنان ذوا عدل منكم"، من المسلمين، فإن لم تجدوا من المسلمين، فمن غير المسلمين.
١٢٩٠٩ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود، عن عامر، عن شريح في هذه الآية:"يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموتُ حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم"، قال: إذا كان الرجل بأرض غُرْبة ولم يجد مسلمًا يشهده على وصيته، فأشهد يهوديًّا أو نصرانيًّا أو مجوسيًّا، فشهادتهم جائزة. (٣) فإن جاء رجلان مسلمان فشهدا بخلاف شهادتهما، أجيزت شهادة المسلمين، وأبطلت شهادة الآخرَيْن. (٤)
(١) الأثر: ١٢٩٠٤ -"أبو قتيبة" هو"سلم بن قتيبة الشعيري الفريابي". مضى برقم: ١٨٩٩، ١٩٢٤، ٦٣٩٥، ٩٧١٤. وكان في المطبوعة: "قتيبة"، غير كنية، والصواب من المخطوطة.
(٢) الأثر: ١٢٩٠٦ -"عمرو" هو"عمرو بن علي الفلاس"، مضى مرارًا.
و"محمد بن سواء بن عنبر السدوسي العنبري". صدوق، ثقة، متكلم فيه. مترجم في التهذيب.
وكان في المطبوعة: "محمد بن سوار" وهو خطأ، وفي المخطوطة: "محمد بن سوا"، وأساء الناشر قراءته.
(٣) في المطبوعة: "فشهادتها"، وأثبت ما في المخطوطة، وهو الصواب، وسيأتي كذلك في رقم: ١٢٩٧٤.
(٤) الأثر: ١٢٩٠٩ - في المخطوطة والمطبوعة: "حدثني المثنى". والصواب ما أثبته، وسيأتي هذا الخبر في موضعين بهذا الإسناد على الصواب، وذلك رقم: ١٢٩٤٣، ١٢٩٧٤، ولذلك رددته إلى الصواب.
١٢٩١٠ - حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا الأعمش، عن إبراهيم، عن شريح: أنه كان لا يجيز شهادة اليهود والنصارى على مسلم إلا في الوصية، ولا يجيز شهادتهما على الوصية إلا إذا كانوا في سفَر.
١٢٩١١- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا أبو معاوية ووكيع قالا حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن شريح قال: لا تجوز شهادة اليهودي والنصرانيّ إلا في سفر، ولا تجوز في سفر إلا في وصية. (١)
١٢٩١٢ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن شريح، نحوه.
١٢٩١٣ - حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير الأسدي قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم قال: كتب هشام بن هُبَيرة لمسلمة عن شهادة المشركين على المسلمين، فكتب:"لا تجوز شهادة المشركين على المسلمين إلا في وصية، ولا يجوز في وصية إلا أن يكون الرجل مسافرًا".
١٢٩١٤ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس، عن أشهب، عن ابن سيرين، عن عبيدة قال: سألته عن قول الله تعالى ذكره:"أو آخران من غيركم"، قال: من غير الملة.
١٢٩١٥- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس، عن هشام، عن ابن سيرين، عن عبيدة، بمثله.
١٢٩١٦- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن هشام، عن ابن سيرين قال: سألت عبيدة، عن ذلك فقال: من غير أهل الملة.
١٢٩١٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن هشام، عن ابن
(١) في المطبوعة: "اليهود والنصارى"، وأثبت ما في المخطوطة.
سيرين، عن عبيدة قال: من غير أهل الصلاة.
١٢٩١٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن إدريس، عن هشام، عن ابن سيرين، عن عبيدة قال: من غير أهل دينكم.
١٢٩١٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حسين، عن زائدة، عن هشام، عن ابن سيرين، عن عبيدة قال: من غير أهل الملة.
١٢٩٢٠- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا أبو داود قال، حدثنا أبو حرّة، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة:"أو آخران من غيركم"، قال: من غير أهل ملتكم.
١٢٩٢١- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا عبد الرحمن بن عثمان قال، حدثنا هشام بن محمد قال، سألت سعيد بن جبير عن [قول الله:"أو آخران من غيركم"، قال: من غير أهل ملتكم]. (١)
١٢٩٢٢ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا مالك بن إسماعيل، عن حماد بن زيد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٢٩٢٣- حدثنا عمرو قال، حدثنا أبو داود قال، حدثنا حماد بن زيد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: من غير أهل ملتكم.
١٢٩٢٤ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"أو آخران من غيركم"، من غير أهل الإسلام.
١٢٩٢٥ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو بكر بن عياش قال، قال أبو إسحاق:"أو آخران من غيركم"، قال: من اليهود والنصارى = قال
(١) الأثر: ١٢٩٢١ - انتهى هذا الأثر في المخطوطة عند قوله: "... سعيد بن جبير عن" ووضع الناسخ في المخطوطة حرف (ط) بالأحمر في الهامش، دلالة على الخطأ والشك. أما المطبوعة، فزادت ما وضعته بين القوسين، وهو صواب في المعنى إن شاء الله.
قال شريح: لا تجوز شهادة اليهوديّ والنصراني إلا في وصية، ولا تجوز في وصية إلا في سفر.
١٢٩٢٦ - حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا زكريا، عن الشعبي: أن رجلا من المسلمين حضرته الوفاة بدَقوقَا هذه. (١) قال: فحضرته الوفاة ولم يجد أحدًا من المسلمين يشهده على وصيته، فأشهده رجلين من أهل الكتاب، فقدما الكوفة، فأتيا الأشعريّ فأخبراه، وقدِما بتركته ووصيته، فقال الأشعري: هذا أمر لم يكن بعدَ الذي كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم! فأحلفهما وأمضى شهادتهما. (٢)
١٢٩٢٧ - حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا أبو داود قال، حدثنا شعبة، عن مغيرة الأزرق، عن الشعبي: أن أبا موسى قضى بها بدَقوقَا.
١٢٩٢٨ - حدثنا عمرو قال، حدثنا عثمان بن الهيثم قال، حدثنا عوف، عن محمد: أنه كان يقول في قوله:"اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم"، شاهدان من المسلمين وغير المسلمين.
١٢٩٢٩ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد:"أو آحران من غيركم"، من غير أهل الإسلام.
١٢٩٣٠- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن سعد قال، أخبرنا أبو حفص، عن ليث، عن مجاهد قال: من غير أهل الإسلام.
(١) "دقوقا" و"دقوقاء"، مقصورًا وممدودًا؛ مدينة بين إربل وبغداد معروفة، لها ذكر في الأخبار والفتوح، كان بها وقعة للخوارج، وكثر ذكرها في بعض أشعار الخوارج.
وكان في المطبوعة: "... بدقوقا، ولم يجد أحدًا من المسلمين"، حذف ما أثبته من المخطوطة.
وأساء. وظاهر من الخبر أن الشعبي قال هذا، وهو يومئذ بدقوقا. وهو أيضًا ثابت في سنن أبي داود.
(٢) الأثر: ١٢٩٢٦ - رواه أبو داود في سننه ٣: ٤١٧ رقم: ٣٦٠٥.
١٢٩٣١ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني عبد الله بن عياش قال: قال زيد بن أسلم في هذه الآية:"شهادة بينكم" الآية كلها، قال: كان ذلك في رجل تُوُفّيَ وليس عنده أحد من أهل الإسلام، وذلك في أوّل الإسلام، والأرض حرب، والناس كفار، إلا أن رسول الله ﷺ وأصحابه بالمدينة، وكان الناس يتوارثون بالوصية، ثم نُسِخت الوصية وفرضت الفرائض، وعمل المسلمون بها. (١)
* * *
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أو آخران من غير حَيِّكم وعشيرتكم.
* ذكر من قال ذلك:
١٢٩٣٢ - حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا عثمان بن الهيثم بن الجهم قال، حدثنا عوف، عن الحسن في قوله:"اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم"، قال: شاهدان من قومكم ومن غير قومكم. (٢)
١٢٩٣٣ - حدثنا عمرو قال، حدثنا أبو داود قال، حدثنا صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري قال: مضت السُّنة أن لا تجوز شهادة كافر في حضر ولا سفر، إنما هي في المسلمين. (٣)
١٢٩٣٤- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: كان الحسن يقول:"اثنان ذوا عدل منكم"، أي: من عشيرته ="أو آخران من غيركم"، قال: من غير عشيرته.
(١) الأثر: ١٢٩٣١ -"عبد الله بن عياش بن عباس القتباني"، "أبو حفص" المصري. مضى برقم: ١٢١٧٧. وكان في المطبوعة: "عبد الله بن عباس"، وهو خطأ، وهو على الصواب في المخطوطة.
(٢) الأثر: ١٢٩٣٢ -"عثمان بن الهيثم بن الجهم بن عيسى العصري العبدي"، وهو"الأشج العصري" ثقة. علق عنه البخاري. يروي عن عوف الأعرابي، مترجم في التهذيب.
(٣) الأثر: ١٢٩٣٣ -"صالح بن أبي الأخضر اليمامي"، خادم الزهري، مضى برقم: ٩٣١٢.
١٢٩٣٥ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة، عن ثابت بن زيد، عن عاصم، عن عكرمة:"أو آخران من غيركم"، قال: من غير أهل حيِّكم.
١٢٩٣٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن مهدي، عن ثابت بن زيد، عن عاصم، عن عكرمة:"أو آخران من غيركم"، قال: من غير حيكم.
١٢٩٣٧- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا أبو داود قال، حدثنا ثابت بن زيد، عن عاصم الأحول، عن عكرمة في قول الله تعالى ذكره:"أو آخران من غيركم"، قال: من غير أهل حيه = يعني: من المسلمين.
١٢٩٣٨- حدثني الحارث بن محمد قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا مبارك، عن الحسن:"أو آخران من غيركم"، قال: من غير عشيرتك، ومن غير قومك، كلهم من المسلمين.
١٢٩٣٩- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة قوله:"أو آخران من غيركم"، قال: مسلمين من غير حيكم.
١٢٩٤٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني الليث قال، حدثني عقيل قال: سألت ابن شهاب عن قول الله تعالى ذكره:"يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت"، إلى قوله:"والله لا يهدي القوم الفاسقين"، قلت: أرأيت الاثنين اللذين ذكر الله، من غير أهل المرء الموصي، أهما من المسلمين، أم هما من أهل الكتاب؟ وأرأيت الآخرين اللذين يقومان مقامهما، أتراهما من [غير] أهل المرء الموصي، (١) أم هما من غير
(١) الزيادة التي بين القوسين لا بد منها. وفي المخطوطة كما كانت في المطبوعة، إلا أن الناسخ وضع في الهامش علامة الشك، وهي هكذا (١)، فأثبت الصواب إن شاء الله.
المسلمين؟ قال ابن شهاب: لم نسمع في هذه الآية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا عن أئمة العامة، سنة أذكرها، وقد كنا نتذاكرها أناسًا من علمائنا أحيانًا، فلا يذكرون فيها سُنة معلومة، ولا قضاءً من إمام عادل، ولكنه يختلف فيها رأيهم. وكان أعجبهم فيها رأيًا إلينا، الذين كانوا يقولون: هي فيما بين أهل الميراث من المسلمين، يشهد بعضهم الميت الذي يرثونه، ويغيب عنه بعضهم، ويشهد من شهده على ما أوصى به لذوي القربى، فيخبرون من غاب عنه منهم بما حضرُوا من وصية. فإن سلّموا جازت وصيته، وإن ارتابوا أن يكونوا بدَّلوا قولَ الميت، وآثروا بالوصية من أرادوا ممن لم يوص لهم الميت بشيء، حَلَف اللذان يشهدان على ذلك بعد الصلاة، وهي صلاة المسلمين، فيقسمان بالله:"إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذًا لمن الآثمين". فإذا أقسما على ذلك جازت شهادتهما وأيمانهما، ما لم يعثر على أنهما [استحقا إثمًا في شيء من ذلك، فإن عُثر على أنهما استحقا إثمًا في شيء من ذلك]، (١) قام آخران مقامهما من أهل الميراث، من الخصم الذين ينكرون ما شهد به عليه الأوَّلان المستحلفان أول مرة، فيقسمان بالله لشهادتنا [أحق من شهادتكما]، (٢) على تكذيبكما أو إبطال ما شهدتما به ="وما اعتدينا إنا إذًا لمن الظالمين" ="ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم"، الآية.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى التأويلين في ذلك عندنا بالصواب، تأويل من تأوّله: أو آخران من غير أهل الإسلام. وذلك أن الله تعالى عرَّف عباده المؤمنين عند
(١) هذه الجملة التي بين القوسين، ليست في المخطوطة، ووضع في المطبوعة مكانها: "فإن عثر"، واقتصر على ذلك، واستظهرت الجملة من سياق أبي جعفر.
(٢) هذه الزيادة بين القوسين لا بد منها، استظهرتها من الآية والسياق.
الوصية، شهادة اثنين من عدول المؤمنين، أو اثنين من غير المؤمنين. ولا وجه لأن يقال في الكلام صفة شهادة مؤمنين منكم، أو رجلين من غير عشيرتكم، وإنما يقال: صفة شهادة رجلين من عشيرتكم أو من غير عشيرتكم = أو رجلين من المؤمنين أو من غير المؤمنين.
فإذ كان لا وجه لذلك في الكلام، فغير جائز صرف معنى كلام الله تعالى ذكره إلا إلى أحسن وجوهه. (١)
وقد دللنا قبل على أن قوله تعالى:"ذوا عدل منكم"، إنما هو من أهل دينكم وملتكم، بما فيه كفاية لمن وفق لفهمه.
وإذ صح ذلك بما دللنا عليه، فمعلوم أن معنى قوله:"أو آخران من غيركم"، إنما هو: أو آخران من غير أهل دينكم وملتكم. وإذ كان ذلك كذلك، فسواء كان الآخران اللذان من غير أهل ديننا، يهوديين كانا أو نصرانيين أو مجوسيين أو عابدَيْ وثَن، أو على أي دين كانا. لأنّ الله تعالى ذكره لم يخصص آخرين من أهل ملة بعينها دونَ ملة، بعد أن يكونا من [غير] أهل الإسلام. (٢)
* * *

القول في تأويل قوله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾


قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين: صفة شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموتُ وقتَ الوصية، أن يشهد اثنان ذوا عدل منكم، أيها المؤمنون، أو رجلان آخران من غير أهل ملتكم، إن أنتم سافرتم ذاهبين وراجعين في الأرض.
* * *
(١) في المطبوعة: "صرف مغلق كلام الله"، وفي المخطوطة: "معلق"، وصواب قراءتها"معنى"
(٢) هذه الزيادة بين القوسين، لا بد منها، وإلا فسد الكلام.
وقد بينا فيما مضى السبب الذي من أجله قيل للمسافر:"الضارب في الأرض". (١)
="فأصابتكم مصيبة الموت"، يقول: فنزل بكم الموت. (٢)
* * *
ووجَّه أكثر التأويل هذا الموضع إلى معنى التعقيب دون التخيير، وقالوا: معناه: شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية، اثنان ذوا عدل منكم إن وجدا، فإن لم يوجدا فآخران من غيركم = وإنما فعل ذلك من فعله، لأنه وجَّه معنى"الشهادة" في قوله:"شهادة بينكم"، إلى معنى الشهادة التي توجب للقوم قيامَ صاحبها عند الحاكم، أو يُبطلها. * ذكر بعض من تأول ذلك كذلك:
١٢٩٤١ - حدثنا عمران بن موسى القزاز قال، حدثنا عبد الوارث بن سعيد قال، حدثنا إسحاق بن سويد، عن يحيى بن يعمر في قوله:"ذوا عدل منكم"، من المسلمين. فإن لم تجدوا من المسلمين، فمن غير المسلمين.
١٢٩٤٢ - حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى قالا حدثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب في قوله:"اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم"، قال: اثنان من أهل دينكم ="أو آخران من غيركم"، من أهل الكتاب، إذا كان ببلادٍ لا يجد غيرهم.
١٢٩٤٣ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود، عن عامر، عن شريح في هذه الآية:"شهادة بينكم" إلى قوله:"أو آخران من غيركم"، قال: إذا كان الرجل بأرض غربة ولم يجد مسلمًا يشهده على وصيته، فأشهد يهوديًّا أو نصرانيًّا، أو مجوسيًّا، فشهادتهم جائزة.
(١) انظر تفسير"الضرب في الأرض" فيما سلف ٥: ٥٩٣/٧: ٣٣٢/٩: ١٢٣.
(٢) انظر تفسير"الإصابة" فيما سلف ٨: ٥١٤، ٥٣٨، ٥٥٥/١٠: ٣٩٣، ٤٠٤
١٢٩٤٤ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم"، قال: هذا في الحضر="أو آخران من غيركم"، في السفر ="إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت"، هذا، الرجل يدركه الموت في سفره وليس بحضرته أحد من المسلمين، (١) فيدعو رجلين من اليهود والنصارى والمجوس، فيوصي إليهما.
١٢٩٤٥ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم وسعيد بن جبير أنهما قالا في هذه الآية:"يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم" الآية، قال: إذا حضر الرجلَ الوفاةُ في سفر، فيشهد رجلين من المسلمين. فإن لم يجد رجلين من المسلمين، فرجلين من أهل الكتاب.
١٢٩٤٦ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم" إلى قوله:"ذوا عدل منكم"، فهذا لمن مات وعنده المسلمون، فأمره الله أن يشهد على وصيته عَدْلين من المسلمين. ثم قال:"أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت"، فهذا لمن مات وليس عنده أحد من المسلمين، فأمره الله تعالى ذكره بشهادة رجلين من غير المسلمين.
* * *
ووجَّه ذلك آخرون إلى معنى التخيير، وقالوا: إنما عنى بالشهادة في هذا الموضع، الأيمان على الوصية التي أوصى إليهما، وائتمانَ الميت إياهما على ما ائتمنهما عليه من مال ليؤدِّياه إلى ورثته بعد وفاته، إن ارتيب بهما. قالوا: وقد
(١) في المطبوعة: "هذا الرجل"، زاد"في"، وأثبت ما في المخطوطة. وسيأتي على الصواب في رقم: ١٢٩٥٤.
يتَّمِن الرجلُ على ماله من رآه موضعًا للأمانة من مؤمن وكافر في السفر والحضر. (١) وقد ذكرنا الرواية عن بعض من قال هذا القول فيما مضى، وسنذكر بقيته إن شاء الله تعالى بعد.
* * *

القول في تأويل قوله: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾


قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله: شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت، إن شهد اثنان ذوا عدل منكم، أو كان أوصى إليهما = أو آخران من غيركم إن كنتم في سفر فحضرتكم المنيّة، فأوصيتم إليهما، ودفعتم إليهما ما كان معكم من مال وتركة لورثتكم. فإذا أنتم أوصيتم إليهما ودفعتم إليهما ما كان معكم من مال، فأصابتكم مصيبة الموت، فأدَّيا إلى ورثتكم ما ائتمنتموهما وادَّعوا عليهما خيانة خاناها مما اتُّمنا عليه، (٢) فإن الحكم فيهما حينئذ أن تحبسوهما = يقول: تستوقفونهما بعد الصلاة. وفي الكلام محذوف اجتزئ بدلالة ما ظهر منه على ما حذف، وهو:"فأصابتكم مصيبة الموت، وقد أسندتم وصيتكم إليهما، ودفعتم إليهما ما كان معكم من مال"، فإنكم تحبسونهما من بعد الصلاة ="فيقسمان بالله إن ارتبتم"، يقول: فيحلفان بالله إن اتهمتموهما بخيانة فيما اُّتمنا عليه من تغيير وصية أوصى إليهما بها أو تبديلها = و"الارتياب"، هو الاتهام (٣) ="لا نشتري به ثمنًا"،
(١) في المطبوعة: "وقد يأمن الرجل على ماله"، وفي المخطوطة: "سمى الرجل" غير منقوطة، وصواب قراءتها ما أثبت."أمن الرجل على كذا، وائتمنه، وائتمنه" (الأخيرة، مشددة التاء). وانظر ما سلف ٥: ٢٩٨، تعليق: ٤.
(٢) في المطبوعة في المواضع كلها"ائتمن" مكان"اتمن"، وانظر التعليق السالف.
(٣) انظر تفسير"الارتياب" فيما سلف ٦: ٧٨، وتفسير"الريب" فيما سلف ٨: ٥٩٢، تعليق: ٥، والمراجع هناك.
يقول: يحلفان بالله لا نشتري بأيماننا بالله ثمنًا، يقول: لا نحلف كاذبين على عوض نأخذه عليه، وعلى مال نذهب به، (١) أو لحقّ نجحده لهؤلاء القوم الذين أوصى إلينا وَليُّهم وميِّتهم. (٢)
* * *
و"الهاء" في قوله:"به"، من ذكر"الله"، والمعنيُّ به الحلف والقسم، ولكنه لما كان قد جرى قبل ذلك ذكر القسم به، فعُرِف معنى الكلام، اكتفي به من إعادة ذكر القسم والحلف. (٣)
="ولو كان ذا قربى"، يقول: يقسمان بالله لا نطلب بإقسامنا بالله عوضًا فنكذب فيها لأحد، ولو كان الذي نقسم به له ذا قرابة منا. (٤)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك روي الخبر عن ابن عباس.
* ذكر من قال ذلك:
١٢٩٤٧- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت"، فهذا لمن مات وليس عنده أحد من المسلمين، فأمره الله بشهادة رجلين من غير المسلمين. فإن ارتيب في شهادتهما، استحلفا بعد الصلاة بالله: لم نشتر بشهادتنا ثمنًا قليلا.
* * *
وقوله:"تحبسونهما من بعد الصلاة"، من صلاة الآخرين. ومعنى الكلام:
(١) انظر تفسير"الاشتراء" و"الثمن" فيما سلف من فهارس اللغة (شرى) و (ثمن).
(٢) في المطبوعة: "أوصى إلينا وإليهم وصيهم"، غير ما في المخطوطة مع وضوحه!!
(٣) في المطبوعة: "فيعرف من معنى الكلام، واكتفى به..."، وفي المخطوطة: "فيعرف معنى الكلام"، والصواب ما أثبت، بجعل"فيعرف""فعرف"، وحذف"من"، وحذف الواو من"واكتفى".
(٤) انظر تفسير"ذو القربى" فيما سلف ٢: ٢٩٢/٣: ٣٤٤/٨: ٣٣٤.
أو آخران من غيركم تحبسونهما من بعد الصلاة، إن ارتبتم بهما، فيقسمان بالله لا نشتري به ثمنًا ولو كان ذا قربى.
* * *
واختلفوا في"الصلاة" التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية، فقال:"تحبسونهما من بعد الصلاة".
فقال بعضهم: هي صلاة العصر.
* ذكر من قال ذلك:
١٢٩٤٨ - حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا زكريا عن الشعبي: أن رجلا من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقا، فلم يجد أحدًا من المسلمين يشهده على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب. قال: فقدما الكوفة، فأتيا الأشعري فأخبراه، وقدما بتركته ووصيته، فقال الأشعري: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم! قال: فأحلفهما بعد العصر: بالله ما خانا ولا كذبا ولا بَدّلا ولا كتما، ولا غيَّرا، وإنها لوصية الرجل وتركته. قال: فأمضى شهادتهما. (١)
١٢٩٤٩ - حدثنا ابن بشار وعمرو بن علي قالا حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير:"أو آخران من غيركم"، قال: إذا كان الرجل بأرض الشرك، فأوصى إلى رجلين من أهل الكتاب، فإنهما يحلفان بعد العصر.
١٢٩٥٠ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم، بمثله.
١٢٩٥١ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة
(١) الأثر: ١٢٩٤٨ - انظر الأثر السالف رقم: ١٢٩٢٦، والتعليق عليه. والأثر التالي رقم: ١٢٩٥٣.
قوله:"يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم" إلى"فأصابتكم مصيبة الموت"، فهذا رجل مات بغُرْبة من الأرض، وترك تركته، وأوصى بوصيته، وشهد على وصيته رجلان. فإن ارتيب في شهادتهما، استحلفا بعد العصر. وكان يقال: عندها تصير الأيمان.
١٢٩٥٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني هشيم قال، أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم وسعيد بن جبير: أنهما قالا في هذه الآية:"يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم"، قالا إذا حضر الرجل الوفاة في سفر، فليشهد رجلين من المسلمين. فإن لم يجد فرجلين من أهل الكتاب. فإذا قدما بتركته، فإن صدّقهما الورثة قُبِل قولهما، وإن اتهموهما أحلفا بعد صلاة العصر: بالله ما كذبنا ولا كتمنا ولا خُنَّا ولا غيَّرنا.
١٢٩٥٣- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا يحيى بن القطان قال، حدثنا زكريا قال، حدثنا عامر: أن رجلا توفي بدَقُوقا، فلم يجد من يشهده على وصيته إلا رجلين نصرانيين من أهلها. فأحلفهما أبو موسى دُبُر صلاة العصر في مسجد الكوفة: بالله ما كتما ولا غيرا، وأن هذه الوصية. فأجازها. (١)
* * *
وقال آخرون: بل يستحلفان بعد صلاة أهل دينهما وملتهما.
* ذكر من قال ذلك:
١٢٩٥٤ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم" إلى قوله:"ذوا عدل منكم"، قال: هذا في الوصية عند الموت، يوصي ويشهد رجلين من المسلمين على ما لَهُ وعليه، قال: هذا في الحضر="أو آخران من غيركم" في السفر ="إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت"، هذا، الرجل
(١) الأثر: ١٢٩٥٣ - انظر التعليق على رقم: ١٢٩٤٨.
يدركه الموت في سفره وليس بحضرته أحد من المسلمين، فيدعو رجلين من اليهود والنصارى والمجوس، فيوصي إليهما، ويدفع إليهما ميراثه. فيقبلان به. فإن رضي أهل الميت الوصية وعرفوا مالَ صاحبهم، تركوا الرجلين. وإن ارتابوا، رفعوهما إلى السلطان. فذلك قوله:"تحبسونهما من بعد الصلاة إن ارتبتم". قال عبد الله بن عباس: كأني أنظر إلى العِلْجين حين انتُهِى بهما إلى أبي موسى الأشعري في داره، (١) ففتح الصحيفة، فأنكر أهل الميت، وخوَّنوهما. فأراد أبو موسى أن يستحلفهما بعد العصر، فقلت له:"إنهما لا يباليان صلاة العصر، ولكن استحلفهما بعد صلاتهما في دينهما، فيوقف الرجلان بعد صلاتهما في دينهما، ويحلفان بالله: لا نشتري ثمنًا قليلا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنّا إذًا لمن الآثمين، أنّ صاحبهم لبهذا أوصى، وأنّ هذه لتركته. فيقول لهما الإمام قبل أن يحلفا: إنكما إن كنتما كتمتما أو خنتما فضحتكما في قومكما، ولم تجز لكما شهادة، وعاقبتكما! فإذا قال لهما ذلك، فإن ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب عندنا، قولُ من قال:"تحبسونهما من بعد صلاة العصر". لأن الله تعالى عرَّف"الصلاة" في هذا الموضع بإدخال"الألف واللام" فيها، ولا تدخلهما العرب إلا في معروف، إما في جنس، أو في واحد معهود معروف عند المتخاطبين. فإذا كان كذلك، وكانت"الصلاة" في هذا الموضع مجمعًا على أنه لم يُعْنَ بها جميع الصلوات، لم يجز أن يكون مرادًا بها صلاة المستحلَف من اليهود والنصارى، لأن لهم صلوات ليست واحدة، فيكون معلومًا أنها المعنيَّة بذلك. فإذْ كان ذلك كذلك، صح أنها صلاة بعينها من صلوات المسلمين. وإذ كان ذلك كذلك، وكان النبي صلى الله عليه وسلم
(١) "العلج" (بكسر العين وسكون اللام) : الرجل من كفار العجم.
صحيحًا عنه أنه إذْ لاعَنَ بين العَجْلانيين، لاعَن بينهما بعد العصر دون غيره من الصلوات (١) = كان معلومًا أنّ التي عنيت بقوله:"تحبسونهما من بعد الصلاة"، هي الصلاة التي كان رسول الله ﷺ يتخيَّرها لاستحلاف من أراد تغليظَ اليمين عليه. هذا مع ما عند أهل الكفر بالله من تعظيم ذلك الوقت، وذلك لقربه من غروب الشمس.
* * *
وكان ابن زيد يقول في قوله:"لا نشتري به ثمنًا"، ما:-
١٢٩٥٥ - حدثني به يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"لا نشتري به ثمنًا"، قال: نأخذ به رشوة.
* * *

القول في تأويل قوله: ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾


قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قرأة الأمصار: (ولا نكتم شهادة الله)، بإضافة"الشهادة" إلى"الله"، وخفض اسم الله تعالى = يعني: لا نكتم شهادة لله عندنا.
* * *
وذكر عن الشعبي أنه كان يقرؤه كالذي:-
١٢٩٥٦ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة، عن ابن عون، عن عامر: أنه كان يقرأ: (ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين) = بقطع"الألف"، وخفض اسم الله = هكذا حدثنا به ابن وكيع.
* * *
وكأن الشعبي وجَّهَ معنى الكلام إلى: أنهما يقسمان بالله لا نشتري به ثمنًا،
(١) انظر خبر العجلانيين في السنن الكبرى للبيهقي ٧: ٣٩٨، وما بعدها.
ولا نكتم شهادةً عندنا. ثم ابتدأ يمينًا باستفهام: بالله أنهما إن اشتريا بأيمانهما ثمنًا أو كتما شهادته عندهما، لمن الآثمين.
* * *
وقد روي عن الشعبي في قراءة ذلك رواية تخالف هذه الرواية، وذلك ما:-
١٢٩٥٧- حدثني أحمد بن يوسف التغلبي قال، حدثنا القاسم بن سلام قال، حدثنا عباد بن عباد، عن ابن عون، عن الشعبي: أنه قرأ: (ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين) = (١) قال أحمد: قال أبو عبيد: تنوّن"شهادة" ويخفض"الله" على الاتصال. قال: وقد رواها بعضهم بقطع"الألف" على الاستفهام. (٢)
* * *
قال أبو جعفر: وحفظي أنا لقراءة الشعبي بترك الاستفهام. (٣)
* * *
وقرأها بعضهم: (ولا نكتم شهادة الله)، بتنوين"الشهادة"، ونصب اسم"الله" بمعنى: ولا نكتم الله شهادةً عندنا.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى القراءات في ذلك عندنا بالصواب، قراءة من قرأ: (ولا نكتم شهادة الله)، بإضافة"الشهادة" إلى اسم"الله"، وخفض اسم"الله" لأنها القراءة المستفيضة في قرأة الأمصار التي لا تتناكر صحَّتَها الأمة.
* * *
(١) في المطبوعة: "شهادة الله"، هو خطأ، صوابه في المخطوطة. وقراءة الشعبي أو قراءاته التي رويت عنه - مذكورة في تفسير أبي حيان ٤: ٤٤، والمحتسب لابن جني، فراجعها هناك.
(٢) الأثر: ١٢٩٥٧ -"أحمد بن يوسف التغلبي الأحول"، مضى برقم: ٥٩١٩، ٥٩٥٤، ٧٦٦٤، وكان في المطبوعة هنا"الثعلبي"، وهو خطأ بيناه هناك.
و"عباد بن عباد الرملي الأرسوفي"، "أبو عتبة الخواص". روى عن ابن عون. مترجم في التهذيب.
(٣) في المطبوعة: "وخفض إنا لقراءة الشعبي"، وهو خلط لا معنى له، صوابه من المخطوطة.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
اشتملت هذه الآية الكريمة على حكم عزيز، قيل : إنه منسوخ رواه العَوْفي من ابن عباس. وقال(١) حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم : إنها منسوخة. وقال آخرون - وهم الأكثرون، فيما قاله ابن جرير - : بل هو محكم ؛ ومن ادعى النسخ فعليه البيان.
فقوله تعالى :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ﴾ هذا هو الخبر ؛ لقوله :﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ فقيل تقديره :" شهادة اثنين "، حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مَقَامه. وقيل : دل الكلام على تقدير أن يشهد اثنان.
وقوله :﴿ذَوَا عَدْلٍ﴾ وصف الاثنين، بأن يكونا عدلين.
وقوله :﴿مِنْكُمْ﴾ أي : من المسلمين. قاله الجمهور. قال(٢) علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله :﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ قال : من المسلمين. رواه ابن أبي حاتم، ثم قال : رُوي عن عُبيدة، وسعيد بن المسيب، والحسن، ومجاهد، ويحيى بن يَعْمُر، والسُّدِّي، وقتادة، ومُقاتل بن حَيَّان، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، نحو ذلك.
قال ابن جرير : وقال آخرون : عني : ذلك ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ أي : من حَي(٣) الموصي. وذلك قول روي عن عكرمة وعبيدة وعدّة غيرهما.
وقوله :﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا سعيد بن عَوْن، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا حبيب بن أبي عَمْرَة، عن سعيد بن جبير قال : قال ابن عباس في قوله :﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ قال : من غير المسلمين، يعني : أهل الكتاب.
ثم قال : وروي عن عبيدة، وشُرَيْح، وسعيد بن المسيب، ومحمد بن سيرين، ويحيى بن يعمر، وعكرمة، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والشعبي، وإبراهيم النَّخَعِي، وقتادة، وأبي مِجْلزَ، والسُّديِّ، ومقاتل بن حيان، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، نحو ذلك.
وعلى ما حكاه ابن جرير عن عكرمة وعبيدة في قوله :﴿مِنْكُمْ﴾ أي : المراد من قبيلة الموصي، يكون المراد هاهنا :﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ أي : من غير قبيلة الموصي. وقد روى عن ابن أبي حاتم مثله عن الحسن البصري، والزهري، رحمهما الله.
وقوله :﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ﴾ أي : سافرتم، ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ وهذان شرطان لجواز استشهاد الذميين عند فقد المؤمنين، أن يكون ذلك في سفر، وأن يكون في وصية، كما صرح بذلك شريح القاضي.
قال ابن جرير : حدثنا عمرو بن علي، حدثنا أبو معاوية ووَكِيع قالا حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن شريح قال : لا تجوز شهادة اليهودي والنصراني(٤) إلا في سفر، ولا تجوز في سفر إلا في وصية.
ثم رواه عن أبي كُرَيْب، عن أبي بكر بن عياش، عن أبي إسحاق السَّبِيعي قال : قال شريح، فذكر مثله.
وقد روي مثله عن الإمام أحمد بن حنبل، رحمه الله تعالى. وهذه المسألة من إفراده، وخالفه الثلاثة فقالوا : لا تجوز شهادة أهل الذمة على المسلمين. وأجازها أبو حنيفة فيما بين بعضهم بعضًا.
وقال ابن جرير : حدثنا عمرو بن علي، حدثنا أبو داود، حدثنا صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري قال : مضت السنّة أنه لا تجوز شهادة كافر في حضر ولا سفر، إنما هي في المسلمين. (٥)
وقال ابن زيد : نزلت هذه الآية في رجل توفي وليس عنده أحد من أهل الإسلام، وذلك في أول الإسلام، والأرض حرب، والناس كفار، وكان الناس يتوارثون بالوصية، ثم نُسخت الوصية وفرضت الفرائض، وعمل الناس بها.
رواه ابن جرير، وفي هذا نظر، والله أعلم.
وقال ابن جرير : اختلف في قوله :﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ هل المراد به أن يوصي إليهما، أو يشهدهما ؟ على قولين :
أحدهما : أن يوصي إليهما، كما قال محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قُسَيط قال : سئل ابن مسعود، رضي الله عنه، عن هذه الآية قال(٦) هذا رجل سافر ومعه مال، فأدركه قدره، فإن وجد رجلين من المسلمين دفع إليهما تركته، وأشهد عليهما عدلين من المسلمين.
رواه ابن أبي حاتم وفيه انقطاع.
والقول الثاني : أنهما يكونان شاهدين. وهو ظاهر سياق الآية الكريمة، فإن لم يكن وصي ثالث معهما اجتمع فيهما الوصفان : الوصاية والشهادة، كما في قصة تَمِيم الداري، وعَدِيّ بن بَدَّاء، كما سيأتي ذكرها آنفًا، إن شاء الله، وبه التوفيق.
وقد استشكل ابنُ جرير كونهما شاهدين، قال : لأنا لا نعلم حُكْمًا يَحْلِفُ فيه الشاهد. وهذا لا يمنع الحكم الذي تضمنته هذه الآية الكريمة، وهو حكم مستقل بنفسه، لا يلزم أن يكون جاريًا على قياس جميع الأحكام، على أن هذا حكم خاص بشهادة خاصة في محل خاص، وقد اغتفر فيه من الأمور ما لم يغتفر في غيره، فإذا قامت قرائن الريبة حلف هذا الشاهد بمقتضى ما دلت عليه هذه الآية الكريمة.
وقوله تعالى :﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ قال [ العوفي، عن ](٧) ابن عباس : يعني صلاة العصر. وكذا قال سعيد بن جبير، وإبراهيم النَّخَعِي، وقتادة، وعِكْرِمة، ومحمد بن سيرين. وقال الزهري : يعني صلاة المسلمين، وقال السدي، عن ابن عباس : يعني صلاة أهل دينهما.
والمقصود : أن يقام هذان الشاهدان(٨) بعد صلاة اجتمع الناس فيها بحضرتهم، ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ أي : فيحلفان(٩) بالله ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ أي : إن ظهرت لكم منهما ريبة، أنهما قد خانا أو غلا فيحلفان حينئذ بالله ﴿لا نَشْتَرِي بِهِ﴾ أي : بأيماننا. قاله مُقاتِل بن حيان ﴿ثَمَنًا﴾ أي : لا نعتاض عنه بعوض قليل من الدنيا الفانية الزائلة، ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ أي : ولو كان المشهود عليه قريبًا إلينا لا نحابيه، ﴿وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ أضافها إلى الله تشريفًا لها، وتعظيمًا لأمرها.
وقرأ بعضهم :" ولا نكتم شهادة آلله " مجرورًا على القسم. رواها ابن جرير، عن عامر الشعبي.
وحكي عن بعضهم أنه قرأ :" ولا نَكْتُمُ شهادةً الله "، والقراءة الأولى هي المشهورة.
﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الآثِمِينَ﴾ أي : إن فعلنا شيئًا من ذلك، من تحريف الشهادة، أو تبديلها، أو تغييرها(١٠) أو كتمها بالكلية.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وهذا التحليف للورثة، والرجوع إلى قولهما والحالة هذه، كما يحلف أولياء المقتول إذا ظهر لَوْث(٢) في جانب القاتل، فيقسم المستحقون على القاتل فيدفع برمته إليهم، كما هو مقرر في باب " القسامة " من الأحكام.
وقد وردت السنة بمثل ما دلت عليه هذه الآية الكريمة، فقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا الحسين بن زياد، حدثنا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن أبي النضر، عن باذان - يعني : أبا صالح مولى أم هانئ بنت أبي طالب - عن ابن عباس، عن تميم الداري في هذه الآية :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ قال : بَرئ الناس منها غيري وغير عَديّ بن بَدَّاء. وكانا(٣) نصرانيين، يختلفان إلى الشام قبل الإسلام، فأتيا الشام لتجارتهما وقدم عليهما مولى لبني سهم، يقال له : بُدَيْل بن أبي مريم، بتجارة ومعه جام من فضة يريد به الملك، وهو عُظْم(٤) تجارته. فمرض فأوصى إليهما، وأمرهما أن يبلغا ما ترك أهله - قال تميم : فلما مات أخذنا ذلك الجام، فبعناه
بألف درهم، ثم اقتسمناه أنا وعدي بن بدّاء. فلما قدمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا. وفقدوا الجام فسألونا عنه، فقلنا : ما ترك غير هذا، وما د فع إلينا غيره - قال تميم : فلما أسلمت بعد قدوم النبي ﷺ المدينة تأثمت من ذلك، فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر، ودفعت(٥) إليهم خمسمائة درهم، وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها، فوثبوا إليه(٦) أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه، فحلف فأنزل الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ إلى قوله :﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ فقام عمرو بن العاص ورجل آخر منهم فحلفا، فنزعتْ الخمسمائة من عَدي بن بَدَّاء.
وهكذا رواه أبو عيسى الترمذي وابن جرير كلاهما عن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحَرَّاني، عن محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، به فذكره(٧) - وعنده : فأتوا به رسول الله ﷺ فسألهم البينة فلم يجدوا، فأمرهم أن يستحلفوه بما يُعَظَّم به على أهل دينه، فحلف فأنزل الله :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ إلى قوله :﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ فقام عمرو بن العاص ورجل آخر، فحلفا. فَنزعَتْ الخمسمائة من عدي بن بَدَّاء.
ثم قال : هذا حديث غريب، وليس إسناده بصحيح، وأبو النضر الذي روى عنه محمد بن إسحاق هذا الحديث هو عندي محمد بن السائب الكلبي، يكنى أبا النضر، وقد تركه أهل العلم بالحديث، وهو صاحب التفسير، سمعت محمد بن إسماعيل يقول : محمد بن السائب الكلبي، يكنى أبا النضر، ثم قال : ولا نعرف لسالم أبي النضر رواية عن أبي صالح مولى أم هانئ، وقد رُوي عن ابن عباس شيء من هذا على الاختصار من غير هذا الوجه.
حدثنا سفيان بن وَكِيع، حدثنا يحيى بن آدم، عن ابن أبي زائدة، عن محمد بن أبي القاسم، عن عبد الملك بن سعيد بن جُبَير، عن أبيه، عن ابن عباس قال : خرج رجل من بني سهم مع تميم الداريّ وعديّ بن بَدّاء، فمات السهمي بأرض ليس فيها مسلم، فلما قدما بتركته فقدوا جامًا من فضة مُخَوّصًا بالذهب، فأحلفهما رسول الله ﷺ، ووجدوا الجام بمكة، فقيل : اشتريناه من تميم وعديّ. فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما، وأن الجام لِصَاحبهم. وفيهم نزلت :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾
وكذا رواه أبو داود، عن الحسن بن علي، عن يحيى بن آدم، به. ثم قال الترمذي : هذا حديث حسن غريب، وهو حديث ابن أبي زائدة. (٨)
ومحمد بن أبي القاسم، كوفي، قيل : إنه صالح الحديث، وقد ذكر هذه القصة مرسلة غيرُ واحد من التابعين منهم : عكرمة، ومحمد بن سيرين، وقتادة. وذكروا أن التحليف كان بعد صلاة العصر، رواه ابن جرير. وكذا ذكرها مرسلة : مجاهد، والحسن، والضحاك. وهذا يدل على اشتهارها في السلف وصحتها.
ومن الشواهد لصحة هذه القصة أيضا(٩) ما رواه أبو جعفر بن جرير :
حدثني يعقوب، حدثنا هُشَيْم، أخبرنا زكريا، عن الشعبي ؛ أن رجلا من المسلمين حضرته الوفاة بدَقُوقا، قال : فحضرته الوفاة ولم يجد أحدًا من المسلمين يشهده على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب. قال : فقدما الكوفة، فأتيا الأشعري - يعني : أبا موسى الأشعري، رضي الله عنه - فأخبراه(١٠) وقدما بتركته ووصيته، فقال الأشعري : هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد النبي ﷺ قال : فأحلفهما بعد العصر : بالله ما خانا ولا كذبا ولا بَدّلا ولا كتما ولا غيرا، وإنها لوصية الرجل وتركته. قال : فأمضى شهادتهما.
ثم رواه عن عمرو بن علي الفَلاس، عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة، عن مغيرة الأزرق، عن الشعبي ؛ أن أبا موسى قضى بدقوقا. (١١) (١٢)
وهذان إسنادان صحيحان إلى الشعبي، عن أبي موسى الأشعري.
فقوله :" هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد(١٣) رسول الله ﷺ " الظاهر - والله أعلم - أنه إنما أراد بذلك قصة تميم وعديّ بن بَدّاء، قد ذكروا أن إسلام تَمِيم بن أوْسٍ الداري، رضي الله عنه، كان في سنة تسع من الهجرة فعلى هذا يكون هذا الحكم متأخرًا، يحتاج مدعي نسخه إلى دليل فاصل في هذا المقام، والله أعلم.
وقال أسباط عن السُّدِّي :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ قال : هذا في الوصية عند الموت، يوصي ويشهد رجلين من المسلمين على ما له وما عليه، قال : هذا في الحضر، ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ في السفر، ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ هذا الرجل يدركه الموت في سفره، وليس بحضرته أحد من المسلمين، فيدعو رجلين من اليهود والنصارى والمجوس، فيوصي إليهما، ويدفع إليهما ميراثه فيقبلان به، فإن رضي أهل الميت الوصية وعرفوا [ مال صاحبهم ](١٤) تركوا الرجلين(١٥) وإن ارتابوا رفعوهما إلى السلطان. فذلك قوله تعالى :﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ قال عبد الله بن عباس : كأني أنظر إلى العلْجين حين انتُهي بهما إلى أبي موسى الأشعري في داره، ففتح الصحيفة، فأنكر أهل الميت وخَوّنوهما(١٦) فأراد أبو موسى أن يستحلفهما بعد العصر، فقلت له : إنهما لا يباليان صلاة العصر، ولكن استحلفهما بعد صلاتهما في دينهما، فَيُوقَفُ الرجلان بعد صلاتهما في دينهما، فيحلفان : بالله لا نشتري به ثمنًا قليلا ولو كان ذا قربى، ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين : أن صاحبهم لبهذا أوصى، وإن هذه لتركته. فيقول لهما الإمام قبل أن يحلفا : إنكما إن كتمتما أو خُنْتُما فَضَحْتُكُما في قومكما، ولم تجز لكما شهادة، وعاقبتكما. فإذا قال لهما ذلك، فإن ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها. رواه ابن جرير. (١٧)
وقال ابن جرير : حدثنا الحسين، حدثنا هُشيْم، أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم وسعيد بن جبير، أنهما قالا في هذه الآية :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآية، قالا إذا حضر الرجل الوفاة في سفر، فليشهد رجلين من المسلمين، فإن لم يجد رجلين من المسلمين فرجلين من أهل الكتاب فإذا قدما بتركته، فإن صدقهما الورثة قُبل قولهما، وإن اتهموهما أحلفا بعد صلاة العصر : بالله ما كتمنا ولا كذبنا ولا خُنَّا ولا غَيَّرنا.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، في تفسير هذه الآية : فإن ارتيب في شهادتهما استحلفا بعد الصلاة بالله : ما اشترينا بشهادتنا ثمنًا قليلا. فإن اطلع الأولياء على أن الكافرين كذبا في شهادتهما، قام رجلان من الأولياء فحلفا بالله : أن شهادة الكافرين باطلة، وإنا لم نعتد، فذلك قوله :﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ يقول : إن اطلع على أن الكافرين كذبا ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾ يقول : من الأولياء، فحلفا بالله : أن شهادة الكافرين باطلة، وإنا لم نعتد، فترد شهادة الكافرَيْن، وتجوز شهادة الأولياء.
وهكذا روى العَوْفي، عن ابن عباس. رواهما ابن جرير.
وهكذا قَرَّر(١٨) هذا الحكم على مقتضى هذه الآية غيرُ واحد من أئمة التابعين والسلف، رضي الله عنهم، وهو مذهب الإمام أحمد، رحمه الله.


١ في د: "وقاله".
.

٢ في د: "قاله"..
٣ في د: "من أهل"..
٤ في د: "اليهود والنصارى"..
٥ تفسير الطبري (١١/١٦٦).
.

٦ في د: "قال ابن مسعود في هذه الآية"..
٧ زيادة من د..
٨ في د: "أن قيامها"..
٩ في د: "يحلفان".
.

١٠ في د: "وتغييرها"..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
حَدَثُ (١) السِّنِّ، وَإِنَّكَ نَزَعْتَ بِآيَةٍ وَلَا تَدْرِي مَا هِيَ؟ وَعَسَى أَنْ تُدْرِكَ ذَلِكَ الزَّمَانَ، إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا، وهَوًى مُتَّبَعًا، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيهِ، فَعَلَيْكَ بِنَفْسِكَ، لَا يَضُرُّكَ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتَ. (٢)
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْل، حَدَّثَنَا ضَمْرَة بْنُ رَبِيعَةَ قَالَ: تَلَا الْحَسَنُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ فَقَالَ الْحَسَنُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ بِهَا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَيْهَا، مَا كَانَ مُؤْمِنٌ فِيمَا مَضَى، وَلَا مُؤْمِنٌ فِيمَا بَقِيَ، إِلَّا وَإِلَى جَانِبِهِ مُنَافِقٌ يَكْرَهُ عَمَلَهُ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: إِذَا أَمَرْتَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَيْتَ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَلَا يَضُرُّكَ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتَ.
رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَكَذَا رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي العُمَيْس، عَنْ أَبِي البَخْتَري، عَنْ حُذَيْفَةَ مِثْلُهُ، وَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ خَالِدٍ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ كَعْبٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ قَالَ: إِذَا هُدِمَتْ كَنِيسَةُ دِمَشْقَ، فَجُعِلتْ مَسْجِدًا، وَظَهَرَ لُبْسُ العَصْب، فَحِينَئِذٍ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الآثِمِينَ (١٠٦) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (١٠٨)﴾
اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ عَلَى حُكْمٍ عَزِيزٍ، قِيلَ: إِنَّهُ مَنْسُوخٌ رَوَاهُ العَوْفي مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ (٣) حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ: إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ. وَقَالَ آخَرُونَ -وَهُمُ الْأَكْثَرُونَ، فِيمَا قَالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ-: بَلْ هُوَ مُحْكَمٌ؛ وَمَنِ ادَّعَى النَّسْخَ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ.
فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ﴾ هَذَا هُوَ الْخَبَرُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ فَقِيلَ تَقْدِيرُهُ: "شَهَادَةُ اثْنَيْنِ"، حُذِفَ الْمُضَافُ، وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَقَامه. وَقِيلَ: دَلَّ الْكَلَامُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَشْهَدَ اثْنَانِ.
(١) في د: "حديث".
(٢) تفسير الطبري (١١/١٤٢).
(٣) في د: "وقاله".
وَقَوْلُهُ: ﴿ذَوَا عَدْلٍ﴾ وَصَفَ الِاثْنَيْنِ، بِأَنْ يَكُونَا عَدْلَيْنِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿مِنْكُمْ﴾ أَيْ: مِنَ الْمُسْلِمِينَ. قَالَهُ الْجُمْهُورُ. قَالَ (١) عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ قَالَ: مِنَ الْمُسْلِمِينَ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، ثُمَّ قَالَ: رُوي عَنْ عُبيدة، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَالْحَسَنِ، وَمُجَاهِدٍ، وَيَحْيَى بْنِ يَعْمُر، والسُّدِّي، وقتادةَ، ومُقاتل بْنِ حَيَّان، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، نَحْوُ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَالَ آخَرُونَ: عَنَى: ذَلِكَ ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ أَيْ: مِنْ حَي (٢) الْمُوصِي. وَذَلِكَ قَوْلٌ رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ وَعُبَيْدَةَ وَعِدَّةٍ غَيْرِهِمَا.
وَقَوْلُهُ: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَوْن، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنِ أَبِي عَمْرَة، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جبير قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ قَالَ: مِنْ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ، يَعْنِي: أَهْلَ الْكِتَابِ.
ثُمَّ قَالَ: وَرُوِيَ عَنْ عُبَيْدَةَ، وشُرَيْح، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، وَيَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ، وَعِكْرِمَةَ، وَمُجَاهِدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِي، وَقَتَادَةَ، وَأَبِي مِجْلزَ، والسُّديِّ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، نَحْوُ ذَلِكَ.
وَعَلَى مَا حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ وَعُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿مِنْكُمْ﴾ أَيِ: الْمُرَادُ مِنْ قَبِيلَةِ الْمُوصِي، يَكُونُ الْمُرَادُ هَاهُنَا: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ أَيْ: مِنْ غَيْرِ قَبِيلَةِ الْمُوصِي. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِثْلُهُ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ، رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ﴾ أَيْ: سَافَرْتُمْ، ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ وَهَذَانَ شَرْطَانِ لِجَوَازِ اسْتِشْهَادِ الذِّمِّيِّينَ عِنْدَ فَقْدِ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي سَفَرٍ، وَأَنْ يَكُونَ فِي وَصِيَّةٍ، كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ شُرَيْحٌ الْقَاضِي.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ووَكِيع قَالَا حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ شُرَيْحٍ قال: لا تجوز شهادة اليهودي والنصراني (٣) إِلَّا فِي سَفَرٍ، وَلَا تَجُوزُ فِي سَفَرٍ إِلَّا فِي وَصِيَّةٍ.
ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ أَبِي كُرَيْب، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعي قَالَ: قَالَ شُرَيْحٌ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ.
وَقَدْ رُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ إِفْرَادِهِ، وَخَالَفَهُ الثَّلَاثَةُ فَقَالُوا: لَا تَجُوزُ شهادة أهل الذمة على المسلمين. وَأَجَازَهَا أَبُو حَنِيفَةَ فِيمَا بَيْنَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ أَبِي الْأَخْضَرِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: مَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ كَافِرٍ فِي حَضَرٍ وَلَا سفر، إنما هي في المسلمين. (٤)
(١) في د: "قاله".
(٢) في د: "من أهل".
(٣) في د: "اليهود والنصارى".
(٤) تفسير الطبري (١١/١٦٦).
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي رَجُلٍ تُوُفِّيَ وَلَيْسَ عِنْدَهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، وَالْأَرْضُ حَرْبٌ، وَالنَّاسُ كُفَّارٌ، وَكَانَ النَّاسُ يَتَوَارَثُونَ بِالْوَصِيَّةِ، ثُمَّ نُسخت الْوَصِيَّةُ وَفُرِضَتِ الْفَرَائِضُ، وَعَمِلَ النَّاسُ بِهَا.
رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَفِي هَذَا نَظَرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: اخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ هَلِ الْمُرَادُ بِهِ أَنْ يُوصِيَ إِلَيْهِمَا، أَوْ يُشْهِدَهُمَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُوصِيَ إِلَيْهِمَا، كَمَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيط قَالَ: سُئِلَ ابْنُ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ (١) هَذَا رَجُلٌ سَافَرَ وَمَعَهُ مَالٌ، فَأَدْرَكَهُ قَدَرُهُ، فَإِنْ وَجَدَ رَجُلَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ دَفَعَ إِلَيْهِمَا تَرِكَتَهُ، وَأَشْهَدَ عَلَيْهِمَا عَدْلَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَفِيهِ انْقِطَاعٌ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُمَا يَكُونَانِ شَاهِدَيْنِ. وَهُوَ ظَاهِرُ سِيَاقِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَصِيٌّ ثَالِثٌ مَعَهُمَا اجْتَمَعَ فِيهِمَا الْوَصْفَانِ: الْوِصَايَةُ وَالشَّهَادَةُ، كَمَا فِي قِصَّةِ تَمِيم الدَّارِيِّ، وعَدِيّ بْنِ بَدَّاء، كَمَا سَيَأْتِي ذِكْرُهَا آنِفًا، إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ.
وَقَدِ اسْتَشْكَلَ ابنُ جَرِيرٍ كَوْنَهُمَا شَاهِدَيْنَ، قَالَ: لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ حُكْمًا يَحْلِفُ فِيهِ الشَّاهِدُ. وَهَذَا لَا يَمْنَعُ الْحُكْمَ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ، وَهُوَ حُكْمٌ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ، لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ جَارِيًا عَلَى قِيَاسِ جَمِيعِ الْأَحْكَامِ، عَلَى أَنَّ هَذَا حُكْمٌ خَاصٌّ بِشَهَادَةٍ خَاصَّةٍ فِي مَحَلٍّ خَاصٍّ، وَقَدِ اغْتُفِرَ فِيهِ مِنَ الْأُمُورِ مَا لَمْ يُغْتَفَرْ فِي غَيْرِهِ، فَإِذَا قَامَتْ قَرَائِنُ الرِّيبَةِ حَلِفَ هَذَا الشَّاهِدُ بِمُقْتَضَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ قَالَ [الْعَوْفِيُّ، عَنِ] (٢) ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي صَلَاةَ الْعَصْرِ. وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِي، وَقَتَادَةُ، وعِكْرِمة، وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: يَعْنِي صَلَاةَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَالَ السُّدِّيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي صَلَاةَ أَهْلِ دِينِهِمَا.
وَالْمَقْصُودُ: أَنْ يُقَامَ هَذَانَ الشَّاهِدَانِ (٣) بَعْدَ صَلَاةٍ اجْتَمَعَ النَّاسُ فِيهَا بِحَضْرَتِهِمْ، ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ أَيْ: فَيَحْلِفَانِ (٤) بِاللَّهِ ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ أَيْ: إِنْ ظَهَرَتْ لَكُمْ مِنْهُمَا رِيبَةٌ، أَنَّهُمَا قَدْ خَانَا أَوْ غَلَّا فَيَحْلِفَانِ حِينَئِذٍ بِاللَّهِ ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ﴾ أَيْ: بِأَيْمَانِنَا. قَالَهُ مُقاتِل بْنُ حَيَّانَ ﴿ثَمَنًا﴾ أَيْ: لَا نَعْتَاضُ عَنْهُ بِعِوَضٍ قَلِيلٍ مِنَ الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ الزَّائِلَةِ، ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ أَيْ: وَلَوْ كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ قَرِيبًا إِلَيْنَا لَا نُحَابِيهِ، ﴿وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ أَضَافَهَا إِلَى اللَّهِ تَشْرِيفًا لَهَا، وَتَعْظِيمًا لِأَمْرِهَا.
وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ: "وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةً آللَّهِ" مَجْرُورًا عَلَى الْقَسَمِ. رَوَاهَا ابْنُ جَرِيرٍ، عن عامر الشعبي.
(١) في د: "قال ابن مسعود في هذه الآية".
(٢) زيادة من د.
(٣) في د: "أن قيامها".
(٤) في د: "يحلفان".
وحَكَي عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَرَأَ: "وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةً اللَّهُ"، وَالْقِرَاءَةُ الْأُولَى هِيَ الْمَشْهُورَةُ.
﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الآثِمِينَ﴾ أَيْ: إِنْ فَعَلْنَا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، مِنْ تَحْرِيفِ الشَّهَادَةِ، أَوْ تَبْدِيلِهَا، أَوْ تَغْيِيرِهَا (١) أَوْ كَتْمِهَا بِالْكُلِّيَّةِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ أَيْ: فَإِنِ اشْتَهَرَ وَظَهَرَ وَتَحَقَّقَ مِنَ الشَّاهِدَيْنِ الْوَصِيَّيْنِ، أَنَّهُمَا خَانَا أَوْ غَلا شَيْئًا مِنَ الْمَالِ الْمُوصَى بِهِ إِلَيْهِمَا، وَظَهَرَ عَلَيْهِمَا بِذَلِكَ ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيَانِ﴾ هَذِهِ قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ: "اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ". ورُوي عَنْ عَلِيٍّ، وأُبيّ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُمْ قَرَؤُوهَا: ﴿اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيَانِ﴾.
وَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدِ الفَرْوِي، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيَانِ﴾ ثُمَّ قَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. (٢)
وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ، وَمِنْهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ: "مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوَّلِين". وَقَرَأَ الْحَسَنُ: "مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوَّلان"، حَكَاهُ ابنُ جَرِيرٍ.
فَعَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ يَكُونُ الْمَعْنَى بِذَلِكَ: أَيْ مَتَى تَحَقَّقَ ذَلِكَ بِالْخَبَرِ الصَّحِيحِ عَلَى خِيَانَتِهِمَا، فَلْيَقُمِ اثْنَانِ مِنَ الْوَرَثَةِ الْمُسْتَحِقِّينَ لِلتَّرِكَةِ وَلِيَكُونَا مِنْ أوْلى مَنْ يَرِثُ ذَلِكَ الْمَالَ ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ أَيْ: لِقَوْلِنَا: إِنَّهُمَا خَانَا أحقُّ وَأَصَحُّ وَأَثْبَتُ مِنْ شَهَادَتِهِمَا الْمُتَقَدِّمَةِ ﴿وَمَا اعْتَدَيْنَا﴾ أَيْ: فِيمَا قُلْنَا مِنَ الْخِيَانَةِ ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أَيْ: إِنْ كُنَّا قَدْ كَذَبْنَا عَلَيْهِمَا.
وَهَذَا التَّحْلِيفُ لِلْوَرَثَةِ، وَالرُّجُوعُ إِلَى قَوْلِهِمَا وَالْحَالَةُ هَذِهِ، كَمَا يَحْلِفُ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ إِذَا ظَهَرَ لَوْث (٣) فِي جَانِبِ الْقَاتِلِ، فَيُقْسِمُ الْمُسْتَحِقُّونَ عَلَى الْقَاتِلِ فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ إِلَيْهِمْ، كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي بَابِ "الْقَسَامَةِ" مِنَ الْأَحْكَامِ.
وَقَدْ وَرَدَتِ السُّنَّةُ بِمِثْلِ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ، فَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ بَاذَانَ -يَعْنِي: أَبَا صَالِحٍ مَوْلَى أَمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ-عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ قَالَ: بَرئ النَّاسُ مِنْهَا غَيْرِي وَغَيْرَ عَديّ بْنِ بَدَّاء. وَكَانَا (٤) نَصْرَانِيَّيْنِ، يَخْتَلِفَانِ إِلَى الشَّامِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، فَأَتَيَا الشَّامَ لِتِجَارَتِهِمَا وَقَدِمَ عَلَيْهِمَا مَوْلًى لِبَنِي سَهْمٍ، يُقَالُ لَهُ: بُدَيْل بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، بِتِجَارَةٍ وَمَعَهُ جَامٌ مِنْ فِضَّةٍ يُرِيدُ بِهِ الْمُلْكَ، وَهُوَ عُظْم (٥) تِجَارَتِهِ. فَمَرِضَ فَأَوْصَى إِلَيْهِمَا، وَأَمَرَهُمَا أَنْ يُبَلِّغَا مَا تَرَكَ أَهْلَهُ -قَالَ تَمِيمٌ: فَلَمَّا مَاتَ أَخَذْنَا ذَلِكَ الْجَامَ، فبعناه
(١) في د: "وتغييرها".
(٢) المستدرك (٢/٢٣٧) ووافقه الذهبي.
(٣) في د: "اللوث".
(٤) في د: "فكانا".
(٥) في د: "أعظم".
بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ اقْتَسَمْنَاهُ أَنَا وَعَدِيُّ بْنُ بَدَّاءٍ. فَلَمَّا قَدِمْنَا إِلَى أَهْلِهِ دَفَعْنَا إِلَيْهِمْ مَا كَانَ مَعَنَا. وَفَقَدُوا الْجَامَ فَسَأَلُونَا عَنْهُ، فقلنا: ما ترك غير هذا، وما د فع إِلَيْنَا غَيْرَهُ-قَالَ تَمِيمٌ: فَلَمَّا أَسْلَمْتُ بَعْدَ قُدُومِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ تَأَثَّمْتُ مِنْ ذَلِكَ، فَأَتَيْتُ أَهْلَهُ فَأَخْبَرْتُهُمُ الْخَبَرَ، وَدَفَعْتُ (١) إِلَيْهِمْ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَأَخْبَرْتُهُمْ أَنَّ عِنْدَ صَاحِبِي مِثْلَهَا، فَوَثَبُوا إِلَيْهِ (٢) أَنْ يَسْتَحْلِفُوهُ بِمَا يُعَظَّمُ بِهِ عَلَى أَهْلِ دِينِهِ، فَحَلَفَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ فَقَامَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَرَجُلٌ آخَرُ مِنْهُمْ فَحَلَفَا، فنزعتْ الْخَمْسُمِائَةٍ مِنْ عَدي بْنِ بَدَّاء.
وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ كِلَاهُمَا عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أبي شعيب الحَرَّاني، عن محمد بن سلمة، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، بِهِ فَذَكَرَهُ (٣) -وَعِنْدَهُ: فَأَتَوْا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُمُ الْبَيِّنَةَ فَلَمْ يَجِدُوا، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَحْلِفُوهُ بِمَا يُعَظَّم بِهِ عَلَى أَهْلِ دِينِهِ، فَحَلَفَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ فَقَامَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَرَجُلٌ آخَرُ، فَحَلَفَا. فَنزعَتْ الْخَمْسُمِائَةٍ مِنْ عَدِيِّ بْنِ بَدَّاء.
ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِصَحِيحٍ، وَأَبُو النَّضْرِ الَّذِي رَوَى عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ هَذَا الْحَدِيثَ هُوَ عِنْدِي مُحَمَّدُ بْنُ السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ، يُكَنَّى أَبَا النَّضْرِ، وَقَدْ تَرَكَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ، وَهُوَ صَاحِبُ التَّفْسِيرِ، سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ: مُحَمَّدُ بْنُ السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ، يُكَنَّى أَبَا النَّضْرِ، ثُمَّ قَالَ: وَلَا نَعْرِفُ لِسَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ رِوَايَةً عَنْ أَبِي صَالِحٍ مَوْلَى أَمِّ هَانِئٍ، وَقَدْ رُوي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ شَيْءٌ مِنْ هَذَا عَلَى الِاخْتِصَارِ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ.
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيع، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَنِ ابْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَير، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَهْمٍ مَعَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ وَعَدِيِّ بْنِ بَدّاء، فَمَاتَ السَّهْمِيُّ بِأَرْضٍ لَيْسَ فِيهَا مُسْلِمٌ، فَلَمَّا قَدِمَا بِتَرِكَتِهِ فَقَدُوا جَامًا مِنْ فِضَّةٍ مُخَوّصًا بِالذَّهَبِ، فَأَحْلَفَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَوَجَدُوا الْجَامَ بِمَكَّةَ، فَقِيلَ: اشْتَرَيْنَاهُ مِنْ تَمِيمٍ وَعَدِيٍّ. فَقَامَ رَجُلَانِ مِنْ أَوْلِيَاءِ السَّهْمِيِّ فَحَلَفَا بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا، وَأَنَّ الْجَامَ لِصَاحبهم. وَفِيهِمْ نَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾
وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ، بِهِ. ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَهُوَ حَدِيثُ ابْنِ أَبِي زَائِدَةَ. (٤)
وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ، كُوفِيٌّ، قِيلَ: إِنَّهُ صَالِحُ الْحَدِيثِ، وَقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ الْقِصَّةَ مُرْسَلَةً غيرُ وَاحِدٍ مِنَ التَّابِعَيْنِ مِنْهُمْ: عِكْرِمَةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، وَقَتَادَةُ. وَذَكَرُوا أَنَّ التَّحْلِيفَ كَانَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ،
(١) في د: "وأديت".
(٢) في د: "عليه".
(٣) سنن الترمذي برقم (٣٠٥٩) وتفسير الطبري (١١/١٨٦).
(٤) سنن الترمذي برقم (٣٦٠٦) وسنن أبي داود برقم (٣٠٦٠) وأصله في صحيح البخاري برقم (٢٧٨٠) لكن البخاري لم يذكره تحديثًا وإنما حكاية قول.
رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَكَذَا ذَكَرَهَا مُرْسَلَةً: مُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَالضَّحَّاكُ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى اشْتِهَارِهَا فِي السَّلَفِ وَصِحَّتِهَا.
وَمِنَ الشَّوَاهِدِ لِصِحَّةِ هَذِهِ الْقِصَّةِ أَيْضًا (١) مَا رَوَاهُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ:
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا هُشَيْم، أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّا، عَنِ الشَّعْبِيِّ؛ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ بدَقُوقا، قَالَ: فَحَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ وَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُشْهِدُهُ عَلَى وَصِيَّتِهِ، فَأَشْهَدُ رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. قَالَ: فَقَدِمَا الْكُوفَةَ، فَأَتَيَا الْأَشْعَرِيَّ -يَعْنِي: أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-فَأَخْبَرَاهُ (٢) وَقَدَّمَا بِتَرِكَتِهِ وَوَصِيَّتِهِ، فَقَالَ الْأَشْعَرِيُّ: هَذَا أَمْرٌ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الَّذِي كَانَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: فَأَحْلَفَهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ: بِاللَّهِ مَا خَانَا وَلَا كَذَبَا وَلَا بَدّلا وَلَا كَتَمَا وَلَا غَيَّرَا، وَإِنَّهَا لَوَصِيَّةُ الرَّجُلِ وَتَرِكَتُهُ. قَالَ: فَأَمْضَى شَهَادَتَهُمَا.
ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ الفَلاس، عَنْ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُغِيرَةَ الْأَزْرَقِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ؛ أَنَّ أَبَا مُوسَى قَضَى بِدَقُوقَا. (٣) (٤)
وَهَذَانَ إِسْنَادَانِ صَحِيحَانِ إِلَى الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ.
فَقَوْلُهُ: "هَذَا أَمْرٌ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الَّذِي كَانَ فِي عَهْدِ (٥) رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" الظَّاهِرُ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ-أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ قِصَّةَ تَمِيمٍ وَعَدِيِّ بْنِ بَدّاء، قَدْ ذَكَرُوا أَنَّ إِسْلَامَ تَمِيم بْنِ أوْسٍ الدَّارِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَانَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ هَذَا الْحُكْمُ مُتَأَخِّرًا، يَحْتَاجُ مُدَّعِي نَسْخِهِ إِلَى دَلِيلٍ فَاصِلٍ فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ قَالَ: هَذَا فِي الْوَصِيَّةِ عِنْدَ الْمَوْتِ، يُوصِي وَيُشْهِدُ رَجُلَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَا لَهُ وَمَا عَلَيْهِ، قَالَ: هَذَا فِي الْحَضَرِ، ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ فِي السَّفَرِ، ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ هَذَا الرَّجُلُ يُدْرِكُهُ الْمَوْتُ فِي سَفَرِهِ، وَلَيْسَ بِحَضْرَتِهِ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَيَدْعُو رَجُلَيْنِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ، فَيُوصِي إِلَيْهِمَا، وَيَدْفَعُ إِلَيْهِمَا مِيرَاثَهُ فَيَقْبَلَانِ بِهِ، فَإِنْ رَضِيَ أَهْلُ الْمَيِّتِ الْوَصِيَّةَ وَعَرَفُوا [مَالَ صَاحِبِهِمْ] (٦) تَرَكُوا الرَّجُلَيْنِ (٧) وَإِنِ ارْتَابُوا رَفَعُوهُمَا إِلَى السُّلْطَانِ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى العلْجين حِينَ انتُهى بِهِمَا إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ فِي دَارِهِ، فَفَتَحَ الصَّحِيفَةَ، فَأَنْكَرَ أَهْلُ الْمَيِّتِ وخَوّنوهما (٨) فَأَرَادَ أَبُو مُوسَى أَنْ يَسْتَحْلِفَهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُمَا لَا يُبَالِيَانِ صَلَاةَ الْعَصْرِ، وَلَكِنِ اسْتَحْلِفْهُمَا بَعْدَ صَلَاتِهِمَا فِي دِينِهِمَا، فَيُوقَفُ الرَّجُلَانِ بعد صلاتهما في
(١) في د: "من الشواهد لها أيضا".
(٢) في د: "فأخبره".
(٣) في د: "به".
(٤) تفسير الطبري (١١/١٦٥).
(٥) في د: "الذي كان على عهده".
(٦) زيادة من د.
(٧) في د: "تركوهما".
(٨) في د: "وضربوهما".
دِينِهِمَا، فَيَحْلِفَانِ: بِاللَّهِ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى، وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ: أَنَّ صَاحِبَهُمْ لَبِهَذَا أَوْصَى، وَأَنَّ هَذِهِ لَتَرِكَتُهُ. فَيَقُولُ لَهُمَا الْإِمَامُ قَبْلَ أَنْ يَحْلِفَا: إِنَّكُمَا إِنْ كَتَمْتُمَا أَوْ خُنْتُما فَضَحْتُكُما فِي قَوْمِكُمَا، وَلَمْ تَجُزْ لَكُمَا شَهَادَةٌ، وَعَاقَبْتُكُمَا. فَإِذَا قَالَ لَهُمَا ذَلِكَ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ. (١)
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، حَدَّثَنَا هُشيْم، أَخْبَرَنَا مُغِيرَةُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أَنَّهُمَا قَالَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الْآيَةَ، قَالَا إِذَا حَضَرَ الرَّجُلَ الْوَفَاةُ فِي سَفَرٍ، فَلْيُشْهِدْ رَجُلَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ رَجُلَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَرَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَإِذَا قَدِمَا بِتَرِكَتِهِ، فَإِنْ صَدَّقَهُمَا الْوَرَثَةُ قُبل قَوْلُهُمَا، وَإِنِ اتَّهَمُوهُمَا أُحْلِفَا بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ: بِاللَّهِ مَا كَتَمْنَا وَلَا كَذَبْنَا وَلَا خُنَّا وَلَا غَيَّرنا.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: فَإِنِ ارْتِيبَ فِي شَهَادَتِهِمَا اسْتَحْلَفَا بَعْدَ الصَّلَاةِ بِاللَّهِ: مَا اشْتَرَيْنَا بِشَهَادَتِنَا ثَمَنًا قَلِيلًا. فَإِنِ اطَّلَعَ الْأَوْلِيَاءُ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَيْنِ كَذَبَا فِي شَهَادَتِهِمَا، قَامَ رَجُلَانِ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ فَحَلَفَا بِاللَّهِ: أَنَّ شَهَادَةَ الْكَافِرَيْنِ بَاطِلَةٌ، وَإِنَّا لَمْ نَعْتَدِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ يَقُولُ: إِنِ اطَّلَعَ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَيْنِ كَذَبَا ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾ يَقُولُ: مِنَ الْأَوْلِيَاءِ، فَحَلَفَا بِاللَّهِ: أَنَّ شَهَادَةَ الكافرين باطلة، وإنا لم نعتد، فترد شَهَادَةَ الكافرَيْن، وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَوْلِيَاءِ.
وَهَكَذَا رَوَى العَوْفي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. رَوَاهُمَا ابْنُ جَرِيرٍ.
وَهَكَذَا قَرَّر (٢) هَذَا الْحُكْمَ عَلَى مُقْتَضَى هَذِهِ الْآيَةِ غيرُ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّةِ التَّابِعِينِ وَالسَّلَفِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾ أَيْ: شَرْعِيَّةُ هَذَا الْحُكْمِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ الْمَرْضِيِّ مِنْ تَحْلِيفِ الشَّاهِدَيْنِ الذِّمِّيَّيْنِ وَقَدِ اسْتُرِيبَ بِهِمَا، أَقْرَبُ إِلَى إِقَامَتِهِمَا الشَّهَادَةَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَرْضِيِّ.
وَقَوْلُهُ: ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ أَيْ: يَكُونُ الْحَامِلُ لَهُمْ عَلَى الْإِتْيَانِ بِالشَّهَادَةِ (٣) عَلَى وَجْهِهَا، هُوَ تَعْظِيمُ الْحَلِفِ بِاللَّهِ وَمُرَاعَاةُ جَانِبِهِ وَإِجْلَالُهُ، وَالْخَوْفُ مِنَ الْفَضِيحَةِ بَيْنَ النَّاسِ إِذَا رُدَّتِ الْيَمِينُ عَلَى الْوَرَثَةِ، فَيَحْلِفُونَ وَيَسْتَحِقُّونَ (٤) مَا يَدْعُونَ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾
(١) تفسير الطبري (١١/١٧٥).
(٢) في د: "أورد".
(٣) في د: "بها".
(٤) في د: "فيستحقون".
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أَيْ: فِي جَمِيعِ أُمُورِكُمْ ﴿وَاسْمَعُوا﴾ أَيْ: وَأَطِيعُوا ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ يَعْنِي: الْخَارِجِينَ عَنْ طَاعَتِهِ وَمُتَابَعَةِ شريعته.

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
{ ١٠٦ - ١٠٨ } ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ * فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ * ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾
يخبر تعالى خبرا متضمنا للأمر بإشهاد اثنين على الوصية، إذا حضر الإنسان مقدماتُ الموت وعلائمه. فينبغي له أن يكتب وصيته، ويشهد عليها اثنين ذوي عدل ممن تعتبر شهادتهما.
﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ أي : من غير أهل دينكم، من اليهود أو النصارى أو غيرهم، وذلك عند الحاجة والضرورة وعدم غيرهما من المسلمين.
﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي : سافرتم فيها ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ أي : فأشهدوهما، ولم يأمر بشهادتهما إلا لأن قولهما في تلك الحال مقبول، ويؤكد عليهما، بأن يحبسا ﴿مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ التي يعظمونها.
﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ أنهما صدقا، وما غيرا ولا بدلا، هذا ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ في شهادتهما، فإن صدقتموهما، فلا حاجة إلى القسم بذلك.
ويقولان :﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ﴾ أي : بأيماننا ﴿ثَمَنًا﴾ بأن نكذب فيها، لأجل عرض من الدنيا. ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ فلا نراعيه لأجل قربه منا ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ بل نؤديها على ما سمعناها ﴿إِنَّا إِذًا﴾ أي : إن كتمناها ﴿لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١٠٦ - ١٠٨} ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الآثِمِينَ * فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ * ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾.
يخبر تعالى خبرا متضمنا للأمر بإشهاد اثنين على الوصية، إذا حضر الإنسان مقدماتُ الموت وعلائمه. فينبغي له أن -[٢٤٧]- يكتب وصيته، ويشهد عليها اثنين ذوي عدل ممن تعتبر شهادتهما.
﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ أي: من غير أهل دينكم، من اليهود أو النصارى أو غيرهم، وذلك عند الحاجة والضرورة وعدم غيرهما من المسلمين.
﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ﴾ أي: سافرتم فيها ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ أي: فأشهدوهما، ولم يأمر بشهادتهما إلا لأن قولهما في تلك الحال مقبول، ويؤكد عليهما، بأن يحبسا ﴿مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ التي يعظمونها.
﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ أنهما صدقا، وما غيرا ولا بدلا هذا ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ في شهادتهما، فإن صدقتموهما، فلا حاجة إلى القسم بذلك.
ويقولان: ﴿لا نَشْتَرِي بِهِ﴾ أي: بأيماننا ﴿ثَمَنًا﴾ بأن نكذب فيها، لأجل عرض من الدنيا. ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ فلا نراعيه لأجل قربه منا ﴿وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ بل نؤديها على ما سمعناها ﴿إِنَّا إِذًا﴾ أي: إن كتمناها ﴿لَمِنَ الآثِمِينَ﴾.
﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا﴾ أي: الشاهدين ﴿اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ بأن وجد من القرائن ما يدل على كذبهما وأنهما خانا ﴿فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان﴾.
أي: فليقم رجلان من أولياء الميت، وليكونا من أقرب الأولياء إليه. ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ أي: أنهما كذبا، وغيرا وخانا. ﴿وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أي: إن ظلمنا واعتدينا، وشهدنا بغير الحق.
قال الله تعالى في بيان حكمة تلك الشهادة وتأكيدها، وردها على أولياء الميت حين تظهر من الشاهدين الخيانة: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى﴾ أي: أقرب ﴿أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾ حين تؤكد عليهما تلك التأكيدات. ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ أي: أن لا تقبل أيمانهم، ثم ترد على أولياء الميت.
﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ أي: الذين وصْفُهم الفسق، فلا يريدون الهدى والقصد إلى الصراط المستقيم.
وحاصل هذا، أن الميت - إذا حضره الموت في سفر ونحوه، مما هو مظنة قلة الشهود المعتبرين- أنه ينبغي أن يوصي شاهدين مسلمين عدلين.
فإن لم يجد إلا شاهدين كافرين، جاز أن يوصي إليهما، ولكن لأجل كفرهما فإن الأولياء إذا ارتابوا بهما فإنهم يحلفونهما (١) بعد الصلاة، أنهما ما خانا، ولا كذبا، ولا غيرا، ولا بدلا فيبرآن بذلك من حق يتوجه إليهما.
فإن لم يصدقوهما ووجدوا قرينة تدل على كذب الشاهدين، فإن شاء أولياء الميت، فليقم منهم اثنان، فيقسمان بالله: لشهادتهما أحق من شهادة الشاهدين الأولين، وأنهما خانا وكذبا، فيستحقون منهما ما يدعون.
وهذه الآيات الكريمة نزلت في قصة "تميم الداري" و "عدي بن بداء" المشهورة حين أوصى لهما العدوي، والله أعلم.
ويستدل بالآيات الكريمات على عدة أحكام:
منها: أن الوصية مشروعة، وأنه ينبغي لمن حضره الموت أن يوصي.
ومنها: أنها معتبرة، ولو كان الإنسان وصل إلى مقدمات الموت وعلاماته، ما دام عقله ثابتا.
ومنها: أن شهادة الوصية لا بد فيها من اثنين عدلين.
ومنها: أن شهادة الكافرين في هذه الوصية ونحوها مقبولة لوجود الضرورة، وهذا مذهب الإمام أحمد. وزعم كثير من أهل العلم: أن هذا الحكم منسوخ، وهذه دعوى لا دليل عليها.
ومنها: أنه ربما استفيد من تلميح الحكم ومعناه، أن شهادة الكفار -عند عدم غيرهم، حتى في غير هذه المسألة- مقبولة، كما ذهب إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية.
ومنها: جواز سفر المسلم مع الكافر إذا لم يكن محذور.
ومنها: جواز السفر للتجارة.
ومنها: أن الشاهدين -إذا ارتيب منهما، ولم تبد قرينة تدل على خيانتهما، وأراد الأولياء- أن يؤكدوا عليهم اليمين، ويحبسوهما من بعد الصلاة، فيقسمان بصفة ما ذكر الله تعالى.
ومنها: أنه إذا لم تحصل تهمة ولا ريب لم يكن حاجة إلى حبسهما، وتأكيد اليمين عليهما.
ومنها: تعظيم أمر الشهادة حيث أضافها تعالى إلى نفسه، وأنه يجب الاعتناء بها والقيام بها بالقسط.
ومنها: أنه يجوز امتحان الشاهدين عند الريبة منهما، وتفريقهما لينظر عن شهادتهما.
ومنها: أنه إذا وجدت القرائن الدالة على كذب الوصيين في هذه المسألة - قام اثنان من أولياء الميت فأقسما بالله: أن أيماننا أصدق من أيمانهما، ولقد خانا وكذبا.
ثم يدفع إليهما ما ادعياه، فتكون -[٢٤٨]- القرينة -مع أيمانهما- قائمة مقام البينة.
(١) في النسختين: يحلفونهم
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١١٨ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير الإمام مالك — مالك بن أنس تفسير الشافعي — الشافعي معاني القرآن للفراء — الفراء تفسير القرآن — الصنعاني معاني القرآن — الأخفش غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني تفسير الراغب الأصفهاني — الراغب الأصفهاني أحكام القرآن — إلكيا الهراسي معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري أحكام القرآن — ابن الفرس تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام جهود القرافي في التفسير — القرافي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ
سَافَرْتُمْ.

إعراب الآية ١٠٦ من سورة المائدة

من كتاب: إعراب القرآن

أشيئاء على وزن أشيعاع كما يقال: هين وأهوناء. قال أبو حاتم: أشياء أفعال مثل أنباء وكان يجب أن تنصرف إلا أنّها سمعت عن العرب غير معروفة فاحتال لها النحويون باحتيالات لا تصحّ. قال أبو جعفر: أصحّ هذه الأقوال قول الخليل وسيبويه والمازني ويلزم الكسائي وأبا عبيد ألّا يصرفا أسماء وأبناء لأنه يقال فيهما: أبناوات وأسماوات، حدّثني أحمد بن محمد الطبري النحوي يعرف بابن رستم عن أبي عثمان المازني قال:
قلت للأخفش: كيف تصغّر أشياء؟ فقال: أشياء فقلت له: يجب على قولك أن تصغّر الواحد ثم تجمعه فانقطع. قال أبو جعفر وهذا كلام بيّن لأن أشياء لو كانت أفعلاء ما جاز أن تصغّر حتى تردّ إلى الواحد، وأيضا فإن فعلا لا يجمع على أفعلاء، وإمّا أن يكون أفعالا على قول أبي حاتم فمحال لأن أفعالا لا يمتنع من الصرف وليس شيء يمتنع من الصرف لغير علّة، والتقدير لا تسألوا عن أشياء عفا الله عنها إن تبد لكم تسؤكم، وأحسن ما قيل في هذا ما رواه أبو هريرة رحمه الله أن رجلا قال للنبي صلّى الله عليه وسلّم:
من أبي؟ فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ فالمعنى على هذا لا تسألوا عن أشياء مستورة قد عفا الله عنها بالتوبة إن تبد لكم تسؤكم وعلم الله جلّ وعزّ أن الصلاح لهم أن لا تسألوا عنها، وقيل هذه أشياء عفا الله عنها كما قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «الحلال بيّن والحرام بيّن وأشياء سكت الله عزّ وجلّ عنها هي عفو» «١» ومعنى سكت الله عنها لم ينه عنها.

[سورة المائدة (٥) : آية ١٠٢]

قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ (١٠٢)
أي ردّوا على أنبيائهم فقالوا ليس الأمر كما قلتم.

[سورة المائدة (٥) : آية ١٠٥]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ.
إغراء لأن معنى عليكم: الزموا. لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ «٢» خبر ويجوز أن يكون جزما على الجواب أو على النهي يراد به المخاطبون كما يقال: لا أرينّك هاهنا وإذا كان جزما جاز ضمّه وفتحه وكسره، وحكى الأخفش لا يَضُرُّكُمْ «٣» جزما من ضار يضير.

[سورة المائدة (٥) : آية ١٠٦]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦)
(١) هذه قراءة الجمهور، انظر البحر المحيط ٤/ ٤٢.
(٢) هذه قراءة النخعي، انظر البحر المحيط ٤/ ٤٢.
(٣) انظر البحر المحيط ٤/ ٤٢.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ من أشكل آية في القرآن وقد ذكرنا فيها أقوالا للعلماء، ونذكر هاهنا:
أحسن ما قيل فيها حدّثنا الحسن بن آدم بن عبد الله بن محمد بن عبد العزيز قال:
حدّثنا أبو زيد هارون بن محمد يعرف بابن أبي الهيذام قال: حدّثني أبو مسلم الحسن ابن أحمد بن أبي شعيب الحراني قال: حدّثنا محمد بن سلمة قال: حدّثنا محمد بن إسحاق عن أبي النّضر عن باذان مولى أم هانئ ابنة أبي طالب عن ابن عباس عن تميم الداريّ في هذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ قال: برىء الناس منها غيري وغير عدي بن بدّاء وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبيل الإسلام فأقبلا من الشام بتجارتهما وقدم عليهم مولى لبني سهم يقال له: بديل بن أبي مريم «١» بتجارة ومعه جام من فضّة يريد به الملك وهو مال عظيم قال: فمرض فأوصى إليهما وأمرهما أن يبلّغا ما ترك أهله قال تميم: فلما مات أخذنا ذلك الجام فبعناه بألف درهم واقتسمناه إليهما أنا وعدي بن بداء قال: فلمّا قدمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا وفقدوا الجام فسألوا عنه فقلنا ما ترك غير هذا وما دفع إلينا غيره قال تميم: فلما أسلمت بعد قدوم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المدينة تأثمت من ذلك فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر وأديت إليهم خمسمائة درهم وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها فوثبوا إليه وأتوا به النبي صلّى الله عليه وسلّم فسألهم البيّنة فلم يجدوا بأمرهم أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه فحلف فأنزل الله عزّ وجلّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إلى قوله جلّ وعزّ:
أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ فقام عمرو بن العاص ورجل آخر منهم فحلفا فنزعت خمسمائة الدرهم من عدي بن بداء، وحدّثنا الحسن بن آدم قال: حدّثنا أبو يزيد قال:
حدّثني أبو زائدة زكرياء بن يحيى بن أبي زائدة قال: وجدت في كتاب أبي بخطّه:
حدّثني محمد بن القاسم عن عبد الملك بن سعيد بن جبير عن أبيه عن ابن عباس أن تميما الداريّ وعديّ بن بدّاء كانا يختلفان إلى مكة في تجارة فخرج معهما رجل من بني سهم ببضاعة فتوفّي بأرض ليس فيها مسلم فأوصى إليهما فجاءا بتركته فدفعوها إلى أهله وحبسوا عنهم جاما «٢» من فضة مخوصا بالذهب قالوا: لم نره فأتوا بهما النبي صلّى الله عليه وسلّم فأمر بهما فحلفا بالله عزّ وجلّ ما كتمنا ولا ظلمنا فخلّى سبيلهما ثم إن الجام وجد بمكة زعموا أنهم اشتروه من عدي وتميم فقام رجل من أولياء السّهميّين فحلف بالله أنّ الجام
(١) بديل بن أبي مريم، وقيل ابن أبي مارية السهمي، مولى عمرو بن العاص، انظر ترجمته في الإصابة ١/ ٤٥ (٦٠٩).
(٢) الجام من الفضة: الإناء.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ١٠٦ من سورة المائدة

من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآية. [١٠٦].
أخبرنا أبو سعيد بن أبي بكر الغازي، قال: أخبرنا أبو عمرو بن حمدان، قال: أخبرنا أبو يعلى، قال: حدَّثنا الحارث بن شريح، قال: حدَّثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة قال: حدَّثنا محمد بن أبي القاسم، عن عبد الملك بن سعيد بن جبير، عن أبيه، عن ابن عباس، قال:
كان تميم الداري وعَدِيّ بن بَدَّاء يختلفان إلى مكة: فصحبهما رجل من قريش من بني سهم، فمات بأرض ليس بها أحد من المسلمين، فأوصى إليهما بتركته، فلما قدما دفعاها إلى أهله، وكتما جَاماً كان معه من فضة مُخَوَّصاً بالذهب، فقالا لم نره. فأتى بهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فاستحلفهما بالله ما كتما ولا اطلعا، وخلى سبيلهما. ثم إن الجام وجد عند قوم من أهل مكة، فقالوا: ابتعناه من تميم الدَّارِي وعدي بن بَدَّاء. فقام أولياء السَّهمي فأخذوا الجام، وحلَف رجلان منهم بالله: إن هذا الجام جام صاحبنا، وشهادتنا أحق من شهادتهما، وما اعتدينا. فنزلت هاتان الآيتان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ إلى آخرها.

القراءات في الآية ١٠٦ من سورة المائدة

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا

إدغام التاء في التاء إدغاماً كبيراً

السوسي عن أبي عمرو

إظهار التاء الأولى مكسورة

خلف عن حمزة إدريس عن خلف إسحاق عن خلف روح عن يعقوب رويس عن يعقوب ابن جمّاز عن أبي جعفر ابن وردان عن أبي جعفر الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة قالون عن نافع حفص عن عاصم شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر الدوري عن أبي عمرو قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير ورش عن نافع
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ١٠٦ من سورة المائدة

١٠ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٧٧ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

قراءات

٤ أقوال
١
عن أبي عبد الرحمن السُّلمي أنه كان يَقرَؤُها: (ولا نَكْتُمُ شَهادَةً آللَّهِ). ويقول: هو قَسَمٌ١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد. وهي قراءة شاذة، تروى أيضًا عن الشعبي، وسعيد بن جبير، والحسن، وغيرهم. انظر: مختصر ابن خالويه ص٤١، والمحتسب ١‏/‏٢٢١. وقراءة العشرة هي ما تأتي في الأثر التالي عن عاصم: ﴿ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ﴾، بنصب ﴿شَهادَةَ﴾ غير منوّن مضافًا إلى ﴿اللَّهِ﴾.
٢
عن عامر الشعبي -من طريق داود- أنّه كان يقرأُ: (ولا نَكْتُمُ شَهادَةً). يعني: بقطعِ الكلامِ مُنَونًا، (آللَّهِ) بقطعِ الألفِ وخفضِ اسمِ اللهِ على القَسَم١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٨٠، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١٢٣٢. وعزاه السيوطي إلى أبي عبيد.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختلفت القرأة في قراءة قوله تعالى: ﴿ولا نكتم شهادة الله﴾ على قراءتين: الأولى: ﴿شهادةَ اللهِ﴾ بإضافة الشهادة إلى الله، وخفض اسم الله. الثانية: (شهادةً آللهِ) بقطع الألف، وخفض اسم الله. ونقل ابن جرير (٩/٨١) قراءة ثالثة ولم ينسبها فقال: «وقرأها بعضهم: (ولا نكتم شهادةً اللهَ) بتنوين الشهادة ونصب اسم الله، بمعنى: ولا نكتم اللهَ شهادةً عندنا»، ووجَّه ابنُ جرير (٩/٨٠) القراءة الثانية بقوله: «وكأن الشعبي وجه معنى الكلام إلى أنهما يُقسمان بالله لا نشتري به ثمنًا ولا نكتم شهادة عندنا، ثم ابتدأ يمينًا باستفهام بالله أنهما إن اشتريا بأيمانهما ثمنًا أو كتما شهادته عندهما لمن الآثمين»، وأردف قائلًا: «وقد رُوي عن الشعبي في قراءة ذلك رواية تخالف هذه الرواية»، وذكرها بسنده ""عن الشعبي، أنه قرأ: (ولا نَكْتُمُ شَهادَةً اللَّهِ إنّا إذًا لَمِنَ الآثِمِينَ). قال أحمد: قال أبو عُبيد: يُنَوِّن شهادةً ويخفضُ الله على الاتصال. قال: وقد رواها بعضهم بقطع الألف على الاستفهام. وحفظي أنا لقراءة الشعبي تَرْكُ الاستفهام. ثم رجَّح القراءة الأولى مستندًا إلى أنها «القراءة المستفيضة في قَرَأَة الأمصار، التي لا تتناكر صحتها الأمة».
٣
عن عاصم: ﴿ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ﴾ مضافٌ، بنصبِ ﴿شَهادَةَ﴾، ولا يُنَوَّنُ١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٤
عن عاصم أنّه قرأ: ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ مضاف، برفع ﴿شَهادَةُ﴾بغير نون، وبخفض ﴿بَيْنِكُمْ﴾١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد. وهي قراءة العشرة.

تفسير الآية

قولانِ
١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إنّا إذًا﴾ إن كتمنا شيئًا من المال ﴿لَمِنَ الآثِمِينَ﴾ بالله عز وجل١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٥١٣.
٢
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب - في قوله: ﴿ولا نكتم شهادة الله﴾، وإن كان صاحبُها بعيدًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٧٩، ٨١، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١٢٣٢.

تفسير

٦٣ قولًا
١
عن إبراهيم النخعي -من طريق مغيرة-، وسعيد بن جبير -من طريق مغيرة- أنّهما قالا في هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم﴾، قالا: إذا حضر الرجل الوفاة في سفر فلْيُشْهِد رجلين من المسلمين، فإن لم يجد فرجلين من أهل الكتاب، فإذا قدما بتَرِكَته، فإن صدَّقهما الورثة قبل قولهما، وإن اتهموهما أحلفا بعد صلاة العصر: بالله ما كذبنا، ولا كتمنا، ولا خُنّا، ولا غَيَّرنا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩/ ٧٧.
٢
عن سعيد بن جبير -من طريق أبي بشر- ﴿أو آخران من غيركم﴾، قال: إذا كان الرجل بأرض الشرك فأوصى إلى رجلين من أهل الكتاب، فإنهما يحلفان بعد العصر١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٧٦.
٣
عن إبراهيم النخعي -من طريق مغيرة-، بمثله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٧٧.
٤
قال الحسن البصري: أراد: من بعد صلاة العصر١
التخريج
  1. ١تفسير البغوي ٣‏/‏١١٣.
٥
قال الحسن البصري: ولو كانا من غير أهل الصلاة ما حلفا دُبُر الصلاة١
التخريج
  1. ١تفسير ابن أبي زمنين ٢‏/‏٥٢.
٦
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم﴾ إلى ﴿فأصابتكم مصيبة الموت﴾، قال: فهذا رجل مات بغربة من الأرض، وترك تركته، وأوصى بوصيته، وشهد على وصيته رجلان، فإن ارتيب في شهادتهما استحلفا بعد العصر، وكان يُقال: عندها تصير الأيمان١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٧٧.
٧
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط-:... فيُوقَف الرجلان بعد صلاتهما في دينهما١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٧٨. وفي تفسير البغوي ٣‏/‏١١٣: من بعد صلاة أهل دينهما وملتهما؛ لأنهما لا يباليان بصلاة العصر.
٨
قال مقاتل بن سليمان: ﴿تَحْبِسُونَهُما﴾ يعني: النصرانيين تقيمونهما، ﴿مِن بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ صلاة العصر١٢
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٥١٢-٥١٣.
تعليقات المحققين
  1. ٢رجَّح ابنُ جرير (٩/٧٩) مستندًا إلى السنة، والإجماع، ودلالة العقل قول سعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، والشعبي، وقتادة أن المعنى: تحبسونهما من بعد صلاة العصر. ثم قال معلِّلًا: «لأنّ الله تعالى عرَّف الصلاة في هذا الموضع بإدخال الألف واللام فيها، ولا تدخلهما العرب إلا في معروف؛ إما في جنس، أو في واحد معهود معروف عند المخاطَبِين. فإذا كان كذلك، وكانت الصلاة في هذا الموضع مُجْمَعًا على أنه لم يُعْنَ بها جميع الصلوات؛ لم يَجُزْ أن يكون مرادًا بها صلاة المُسْتَحْلَف من اليهود والنصارى؛ لأن لهم صلوات ليست واحدة فيكون معلومًا أنها المعنية بذلك. فإذ كان ذلك كذلك صحَّ أنها صلاة بعينها من صلوات المسلمين. وإذ كان ذلك كذلك، وكان النبي ﷺ صحيحًا عنه أنه إذ لاعن بيْن العَجْلانيَّين لاعن بينهما بعد العصر دون غيرها من الصلوات؛ كان معلومًا أنّ التي عنيت بقوله: ﴿تَحْبِسُونَهُما مِن بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ هي الصلاة التي كان رسول الله ﷺ يتخيَّرُها لاستحلاف مَن أراد تغليظ اليمين عليه. هذا مع ما عند أهل الكفر بالله من تعظيم ذلك الوقت، وذلك لقربه من غروب الشمس». وعلَّق ابنُ كثير (٥/٤٠٣) على هذه الآثار، فقال: «والمقصود: أن يُقام هذان الشاهدان بعد صلاة اجتمع الناس فيها بحضرتهم».
٩
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- في قوله: ﴿فيقسمان بالله﴾، يقولُ: يَحلِفانِ بالله بعدَ الصلاة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٨٤، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١٢٣١.
١٠
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- قال: ﴿أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض﴾، قال: فهذا لمن مات وليس عندَه أحدٌ من المسلمين، أمَره اللهُ بشهادةِ رجلين مِن غير المسلمين، فإنِ ارتِيبَ بشهادَتِهما استُحلِفا بالله بعدَ الصلاة: ما اشتَرَينا بشَهادتِنا ثمنًا قليلًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٧٦. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
١١
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- قوله: ﴿فيقسمان بالله﴾: يحلفان بالله لا نشتري ثمنًا قليلًا ولو كان ذا قربى، ولا نكتم شهادة الله، إنا إذن لمن الآثمين، إنّ صاحبهم لبهذا أوصى، وإن هذه لَتَرِكَتُه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٧٨، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١٢٣١.
١٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ﴾ فيحلفان بالله١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٥١٣.
١٣
عن أبي العالية الرياحي -من طريق الربيع- في قوله: ﴿لا نشتري به ثمنا﴾، يقول: لا نأخذ عليه أجرًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٤‏/‏١٢٣٢.
١٤
عن محمد ابن شهاب الزهري -من طريق عقيل- قوله: ﴿إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا﴾، قال: كانوا يقولون هي فيما بين أهل الميراث من المسلمين، يشهد بعضهم الميت الذي يرثونه، ويغيب عنه بعضهم، فيشهد مَن شَهِده على ما أوصى به لذوي القربى وغيرهم، فيُخبِرون مَن غاب عنهم منهم بما حضروا من وصيته، فإن سَلَّموا جازَت وصِيَّتُه، وإن ارتابوا في أن يكون بَدَّلوا قول الميت، وآثروا بالوصية مَن أرادوا، وتركوا مَن لم يوص له الميت بشيء؛ يحلف اللذان يشهدان على ذلك بعد الصلاة، وهي صلاة المسلمين، ﴿فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٦٩-٧٠، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١٢٣١-١٢٣٢ واللفظ له.
١٥
عن مقاتل بن حيان -من طريق بكير بن معروف- قوله: ﴿لا نشتري به ثمنا﴾، قال: لا نشتري بأيماننا ثمنًا من الدنيا ﴿ولو كان ذا قربى﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٤‏/‏١٢٣٢.
١٦
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ يعني: إن شككتم -نظيرها في النساء القصرى١- أنّ المال كان أكثر من هذا الذي أتيناكم به، ﴿لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ يقول: لا نشتري بأيماننا عَرَضًا من الدنيا٢
التخريج
  1. ١يشير إلى قوله تعالى: ﴿واللّائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِسائِكُمْ إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ واللّائِي لَمْ يَحِضْنَ وأُولاتُ الأَحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِن أمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق:٤].
  2. ٢تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٥١٣.
١٧
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿لا نشتري به ثمنا﴾، قال: لا نأخُذُ به رِشوةً١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٧٩، ٨١، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١٢٣٢.
١٨
عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن دينار- في قول الله: ﴿ذا قربى﴾، يعني: قرابته١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٤‏/‏١٢٣٢.
١٩
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾، يقول: ولو كان الميت ذا قرابة مِنّا١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٥١٣.
٢٠
عن محمد ابن شهاب الزهري -من طريق صالح بن أبي الأخضر- قال: مَضَت السُّنَّةُ ألا تجوزَ شهادةُ كافرٍ في حَضَرٍ ولا سَفَر، إنما هي في المسلمين١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٦٨.
٢١
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- ﴿إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت﴾، هذا الرجل يدركه الموت في سفره، وليس بحضرته أحد من المسلمين، فيدعو رجلين من اليهود والنصارى والمجوس١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٧٨، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١٢٣٠.
٢٢
عن أبي إسحاق [السَّبِيعي] -من طريق أبي بكر بن عياش- ﴿أو آخران من غيركم﴾، قال: من اليهود والنصارى١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٦٦.
٢٣
عن مجاهد بن جبر، وعكرمة مولى ابن عباس، وعامر الشعبي، وقتادة بن دعامة، ومقاتل بن حيان، نحو ذلك١
التخريج
  1. ١علقه ابن أبي حاتم ٤/ ١٢٢٩.
٢٤
عن زيد بن أسلم -من طريق عبدالله بن عياش- في قوله: ﴿شهادة بينكم﴾ الآية كلها، قال: كان ذلك في رجلٍ تُوُفِّي وليس عندَه أحدٌ مِن أهل الإسلام، وذلك في أولِ الإسلام، والأرضُ حربٌ، والناسُ كفار، إلا أنّ رسول الله ﷺ وأصحابَه بالمدينة، وكان الناسُ يَتَوارَثون بالوصية، ثم نُسِخَت الوصية، وفُرِضَت الفرائض، وعَمِل المسلمون بها١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٦٧.
تعليقات المحققين
  1. ٢رجَّح ابنُ جرير (٩/١٠٩) القول بأن حكم الآية غير منسوخ، مستندًا إلى عدم دليل النسخ، وعلَّل ذلك بأنه: «غير جائز أن يُقْضى على حكمٍ من أحكام الله -تعالى ذكره- أنه منسوخ إلا بخبر يقطع العذر؛ إما من عند الله، أو من عند رسوله ﷺ، أو بورود النقل المستفيض بذلك، فأمّا ولا خبر بذلك، ولا يَدْفَعُ صحته عقل؛ فغير جائز أن يُقْضى عليه بأنه منسوخ». وانتَقَد ابنُ القيم (١/٣٣٤) قول زيد بن أسلم وغيره لعدم دليل النسخ قائلًا: «أما دعوى النسخ فباطلة، فإنه يتضمن أن حكمها باطل، لا يحل العمل به، وأنه ليس من الدين، وهذا ليس بمقبول إلا بحجة صحيحة لا معارض لها، ولا يمكن أحد قط أن يأتي بنص صحيح صريح متأخر عن هذه الآية مخالف لها لا يمكن الجمع بينه وبينها، فإن وجد إلى ذلك سبيلًا صح النسخ، وإلا فما معه إلا مجرد الدعوى الباطلة، ثم قد قالت أعلم نساء الصحابة بالقرآن: إنه لا منسوخ في المائدة. وقاله غيرها أيضًا من السلف، وعمل بها أصحاب رسول الله ﷺ بعده، ولو جاز قبول دعوى النسخ بلا حجة لكان كل من احتج عليه بنص يقول: هو منسوخ. وكأن القائل لذلك لم يعلم أنّ معنى كون النص منسوخًا: أنّ الله سبحانه حرَّم العمل به، وأبطل كونه من الدين والشرع، ودون هذا مفاوز تنقطع فيها الأعناق». وكذا انتقده ابنُ كثير (٥/٤٠٢) قائلًا: «وفي هذا نظر».
٢٥
قال مقاتل بن سليمان: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ من غير أهل دينكم، يعني: النصرانيين١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٥١٢.
٢٦
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- قال: ﴿أو آخران من غيركم﴾ من غير أهل الإسلام١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٦٧. وعلق ابن أبي حاتم ٤‏/‏١٢٢٩ نحوه.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختلف السلف في المراد من قوله تعالى: ﴿أو ءاخران من غيركم﴾ فمن قائل: يعني: من غير المسلمين. ومن قائل: يعني: من غير حَيِّكُم وعشيرتكم، وهذا بحسب اختلافهم قبل ذلك في المراد من ﴿منكم﴾ في قوله تعالى: ﴿اثنان ذوا عدل منكم﴾. ورجَّح ابنُ جرير (٩/٧٠) مستندًا إلى دلالة العقل أن المعنى: من غير أهل الإسلام. فقال: «وذلك أن الله -تعالى ذِكرُه- عرَّف عباده المؤمنين عند الوصية شهادة اثنين من عدول المؤمنين، أو اثنين من غير المؤمنين، ولا وجه لأن يُقال في الكلام: صفة شهادة مؤمنين منكم، أو رجلين من غير عشيرتكم. وإنما يقال: صفة شهادة رجلين من عشيرتكم، أو من غير عشيرتكم، أو رجلين من المؤمنين، أو من غير المؤمنين. فإذ كان لا وجه لذلك في الكلام فغيرُ جائزٍ صرفُ معنى كلام الله -تعالى ذِكرُه- إلا إلى أحسن وجوهه».
٢٧
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- قوله: ﴿إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت﴾، قال: هذا في السفر، الرجل يدركه الموت في السفر وليس بحضرته أحد من المسلمين، فيدعو رجلين من اليهود أو النصارى والمجوس، فيوحي إليهما، ويرفع إليهما ميراثه، فيقبلانه، فإن رضي أهل الميت الوصية وعرفوا مال صاحبهم تركوا الرجلين، فإن ارتابوا دفعوهما إلى السلطان، وذلك قوله: ﴿فأصابتكم مصيبة الموت﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٧٨، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١٢٣٠.
٢٨
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنْ أنْتُمْ﴾ معشر المسلمين ﴿ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾ تجارًا، ﴿فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ المَوْتِ﴾ يعني: بديل بن أبي مارية مولى العاص ابن وائل السهمي١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٥١٢.
٢٩
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق أصبغ بن الفرج- يقول في قوله: ﴿فأصابتكم مصيبة الموت﴾، قال: في أرض الكفر١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٤‏/‏١٢٣٠.
٣٠
عن عامر الشعبي: أنّ رجلًا تُوُفِّي بِدَقوقا، فلم يجد من يُشْهِدُه على وصيته إلا رجلين نصرانيين من أهلها، فأحلفهما أبو موسى دُبُرَ صلاة العصر في مسجد الكوفة بالله: ما كتما، ولا غيَّرا، وإنّ هذه الوصية. فأجازها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٧٧.
٣١
قال عبد الله بن عباس -من طريق السدي-: كأني أنظر إلى العِلْجَيْن حين انتُهِي بهما إلى أبي موسى الأشعري في داره، ففتح الصحيفة، فأنكر أهلُ الميت، وخوَّنوهما، فأراد أبو موسى أن يستحلفهما بعد العصر، فقلت له: إنهما لا يباليان صلاة العصر، ولكن استحلفهما بعد صلاتهما في دينهما...١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٧٨.
٣٢
عن عَبِيدَة السلماني -من طريق ابن سيرين- في قوله: ﴿تحبسونهما من بعد الصلاة﴾، قال: صلاة العصر١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏٢٠٠، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١٢٣٠. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٣٣
عن شُريح القاضي -من طريق إبراهيم- قال: لا تجوزُ شهادةُ اليهوديِّ ولا النصرانيِّ إلا في وصية، ولا تجوزُ في وصيةٍ إلا في سفر١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق (١٥٥٣٨)، وابن جرير ٩‏/‏٦٤. وعلَّق ابن أبي حاتم ٤‏/‏١٢٢٩ نحوه. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وأبي الشيخ.
٣٤
عن شُريح القاضي -من طريق عامر- في هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم﴾، قال: إذا كان الرجل بأرض غربة، ولم يجد مسلمًا يشهده على وصيته، فأشهد يهوديًّا أو نصرانيًّا أومجوسيًّا، فشهادتهم جائزة. فإن جاء رجلان مسلمان فشهدا بخلاف شهادتهما أُجيزت شهادة المسلمين، وأُبطِلت شهادة الآخرين١
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن منصور في سننه (ت: سعد آل حميد) ٤‏/‏١٦٦٦ (٨٥٦)، وابن جرير ٩‏/‏٦٣.
٣٥
عن يحيى بن يَعْمَر -من طريق إسحاق بن سويد- في قوله: ﴿اثنان ذوا عدل منكم﴾ من المسلمين، فإن لم تجدوا من المسلمين فمن غير المسلمين١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٦٣. وعلق ابن أبي حاتم ٤‏/‏١٢٢٩ نحوه.
٣٦
عن سعيد بن المسيب -من طريق قتادة-في قوله: ﴿أو آخران من غيركم﴾، قال: مِن أهل الكتاب، إذا كان ببلادٍ لا يَجِدُ غيرَهم١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏١٩٩، وابن جرير ٩‏/‏٧٢. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد. وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (ت: سعد آل حميد) ٤‏/‏١٦٧١ (٨٥٩) مختصرًا، وابن أبي شيبة (ت: محمد عوامة) ١١‏/‏٤٥٧ (٢٢٨٩٢) قال: من غير أهل دينكم، وابن جرير ٩‏/‏٦٣. وعلَّق ابن أبي حاتم ٤‏/‏١٢٢٩ نحوه.
٣٧
وعن سعيد بن المسيب -من طريق سليمان التيمي- أنّه قال في قوله: ﴿أو آخران من غيركم﴾، قال: من غير أهل ملتكم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٦٢.
٣٨
عن هشام بن محمد، قال: سألت سعيد بن جبير عن قول الله: ﴿أو آخران من غيركم﴾. قال: من غير أهل ملتكم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٦٥. وعلق ابن أبي حاتم ٤‏/‏١٢٢٩ نحوه.
٣٩
عن إبراهيم النخعي -من طريق مغيرة- ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ من غير أهل دينكم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (ت: محمد عوامة) ١١‏/‏٤٥٧ (٢٢٨٩١)، وابن جرير ٩‏/‏٦٢.
٤٠
عن إبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير -من طريق مغيرة- أنهما قالا في هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم﴾ الآية، قال: إذا حضر الرجل الوفاة في سفر فيُشْهِد رجلين من المسلمين، فإن لم يجد رجلين من المسلمين فرجلين من أهل الكتاب١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩/ ٧٣.
٤١
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق عاصم- ﴿أو آخران من غيركم﴾، قال: من المسلمين من غيرِ حيِّه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٦٨. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وأبي الشيخ.
٤٢
عن عامر الشعبي -من طريق زكريا- ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾، قال: من غير المصلين، فيُستحلفان بعد العصر١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الله بن وهب في الجامع – تفسير القرآن ١‏/‏٤٣ (٨٩).
٤٣
عن أبي مجلز لاحق بن حميد -من طريق التيمي- قال: من غير أهل ملتكم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٦٢، وابن أبي شيبة في مصنفه (ت: محمد عوامة) ١١‏/‏٤٥٧ (٢٢٨٩٣) بلفظ: من غير دينكم. وعلق ابن أبي حاتم ٤‏/‏١٢٢٩ نحوه.
٤٤
عن الحسن البصري -من طريق معمر- ﴿أو آخران من غيركم﴾، قال: من المسلمين١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏١٩٩.
٤٥
عن الحسن البصري -من طريق يونس- ﴿اثنان ذوا عدل منكم﴾ قال: مِن قبيلتِكم، ﴿أو آخران من غيركم﴾ قال: مِن غيرِ قبيلتِكم، ألا تَرى أنه يقول: ﴿تحبسونهما من بعد الصلاة﴾ كلُّهم مِن المسلمين١
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن منصور (٨٥٨ - تفسير)، والنحاس في ناسخه ص٤٠٦، والبيهقي في سننه ١٠‏/‏١٦٤. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وأبي الشيخ.
٤٦
عن الحسن البصري -من طريق عوف- في قوله: ﴿اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم﴾، قال: شاهدان من قومكم، ومن غير قومكم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٦٧.
٤٧
عن الحسن البصري -من طريق قتادة- قال: ﴿اثنان ذوا عدل منكم﴾ أي: من عشيرته، ﴿أو آخران من غيركم﴾ قال: من غير عشيرته١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٦٨.
٤٨
عن محمد بن سيرين -من طريق الحكم بن عطية- ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾، قال: من سائر المِلَل١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (ت: محمد عوامة) ١١‏/‏٤٥٨ (٢٢٨٩٧). وعلق ابن أبي حاتم ٤‏/‏١٢٢٩ نحوه.
٤٩
عن محمد [بن سيرين] -من طريق عوف- أنّه كان يقول في قوله: ﴿اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم﴾: شاهدان من المسلمين، وغير المسلمين١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٦٧.
٥٠
عن عُقَيل، قال: سألتُ محمد ابن شهاب الزهري عن هذه الآية، قلتُ: أرأيتَ الاثنَين اللَّذَيْن ذكَر الله مِن غير أهل المرء الموصِي، أهما مِن المسلمين، أو هما مِن أهل الكتاب؟ وأرأيتَ الآخَرَينِ اللذين يقومان مَقامَهما، أتُراهما مِن أهل المرء الموصِي، أم هما في غيرِ المسلمين؟ قال ابنُ شهاب: لم نَسمَع في هذه الآية عن رسول الله ﷺ ولا عن أئمةِ العامة سُنَّةً أذكُرُها، وقد كُنّا نَتذاكَرُها أناسًا مِن علمائِنا أحيانًا، فلا يَذكُرون فيها سنَّةً معلومةً، ولا قضاءً مِن إمامٍ عادلٍ، ولكنه يَختلِفُ فيها رأيُهم، وكان أعجبَهم فيها رأيًا إلينا الذين كانوا يقولون: هي فيما بينَ أهلِ الميراث مِن المسلمين، يَشهَدُ بعضُهم الميتَ الذي يَرِثونه، ويَغِيبُ عنه بعضُهم، ويَشهَدُ مَن شهِده على ما أوصى به لذوِي القربى، فيُخبِرون مَن غابَ عنه منهم بما حضَروا مِن وصية، فإن سلَّموا جازت وصيتُه، وإن ارتابُوا أن يكونوا بدَّلُوا قولَ الميت، وآثَروا بالوصيةِ مَن أرادوا ممن لم يُوصِ لهم الميتُ بشيءٍ، حلَف اللذان يَشهَدان على ذلك بعدَ الصلاة، وهي صلاةُ المسلمين: ﴿فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين﴾. فإذا أقسَما على ذلك جازَت شهادتُهما وأيمانُهما، ما لم يُعثَر على أنهما استَحَقّا إثمًا في شيءٍ من ذلك، قامَ آخران مَقامَهما مِن أهل الميراث مِن الخَصم الذين يُنكِرون ما يَشهَدُ به عليه الأوَّلان المستَحلَفان أولَ مرة، فيُقسِمان بالله: لشَهادتُنا على تكذيبِكما أو إبطال ما شهِدتما به، ﴿وما اعتدينا إنا إذا لمن الظالمين﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٦٩-٧٠، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١٢٣١-١٢٣٢.
٥١
عن محمد ابن شهاب الزهري -من طريق عبد الله بن عبد الرحمن الجهني- في قوله: ﴿أو آخران من غيركم﴾، قال: هم من أهل الميراث١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (ت: محمد عوامة) ١١‏/‏٤٥٨ (٢٢٨٩٨)، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١٢٢٩-١٢٣٠.
٥٢
عن عامر الشعبي: أنّ رجلًا مِن المسلمين حضَرَته الوفاةُ بدَقُوقاءَ١، ولم يجِد أحدًا مِن المسلمين يَشهدُ على وصيَّتِه، فأشهَد رجلين مِن أهل الكتاب، فقَدِما الكوفة، فأتَيا أبا موسى الأشعري، فأخبَراه، وقَدِما بتَرِكته ووصيته، فقال الأشعري: هذا أمرٌ لم يكن بعدَ الذي كان في عهد النبي ﷺ. فأَحلَفهما بعد العصر بالله ما خانا، ولا كَذَبا، ولا بَدَّلا، ولا كَتَما، ولا غَيَّرا، وإنها لوصيةُ الرجل وتَرِكتُه. فأمضى شهادتَهما٢٣
التخريج
  1. ١دقوقاء، بألف ممدودة ومقصورة: مدينة بين إربل وبغداد. معجم البلدان ٢‏/‏٥٨١.
  2. ٢أخرجه عبد الرزاق (١٥٥٣٩)، وأبو عبيد في الناسخ والمنسوخ ص٢١٥-٢١٦، وابن جرير ٩‏/‏٦٦، والحاكم ٢‏/‏٣١٤. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه.
تعليقات المحققين
  1. ٣علَّق ابنُ كثير (٥/٤٠٨) على قول أبي موسى الأشعري: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد النبي ﷺ. بقوله: «الظاهر -والله أعلم- أنّه إنما أراد بذلك قصة تميم وعدي بن بداء، وقد ذكروا أن إسلام تميم بن أوس الداري رضي الله عنهما كان في سنة تسع من الهجرة، فعلى هذا يكون هذا الحكم متأخرًا يحتاج مدعي نسخه إلى دليل فاصل في هذا المقام».
٥٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- في قوله: ﴿أو آخران من غيركم﴾، قال: مِن غيرِ المسلمين؛ مِن أهل الكتاب١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٤‏/‏١٢٢٩، والضياء في المختارة (١٤٩). وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ، وابن مردويه.
٥٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- في قوله: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ من غير أهل الإسلام١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٦٦.
٥٥
عن عَبِيدَة السلماني -من طريق ابن سيرين- ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾، قال: مسلمين من غير حيِّكم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٦٩.
٥٦
عن عَبِيدَة السلماني -من طريق ابن سيرين- ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾، قال: من غير أهل مِلَّتكم١
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن منصور في سننه (ت: سعد آل حميد) ٤‏/‏١٦٦٥ (٨٥٥)، وابن أبي شيبة في المصنف (ت: محمد عوامة) ١١‏/‏٤٥٨ (٢٢٨٩٦)، وفي موضع آخر من المصنف ١١‏/‏٤٥٧ (٢٢٨٩٠) قال: من أهل الكتاب. وعلَّقه ابن أبي حاتم ٤‏/‏١٢٢٩.
٥٧
عن إبراهيم النخعي، قال: كتب هشام بن هُبيرة لِمَسْلَمة عن شهادة المشركين على المسلمين، فكتب: لا تجوز شهادة المشركين على المسلمين إلا في وصية، ولا يجوز في وصية إلا أن يكون الرجل مسافرًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٦٤.
٥٨
عن عبد الله بن مسعود -من طريق يزيد بن عبد الله بن قسيط- أنّه سُئل عن هذه الآية: ﴿اثنان ذوا عدل منكم﴾. قال: ما مِن الكتاب إلا قد جاء على شيءٍ جاء على إدلالِه غيرَ هذه الآية، ولئن أنا لمَ أُخبرِكم بها لَأنا أجهلُ مِن الذي يَترُكُ الغُسلَ يوم الجمعة، هذا رجلٌ خرَج مسافرًا ومعه مالٌ، فأدرَكَه قَدَرُه، فإن وجَد رجلَين مِن المسلمين دفَع إليهما تَرِكتَه، وأشهَد عليهما عدلَين مِن المسلمين، فإن لم يجد عدلَين مِن المسلمين فرجلَين مِن أهل الكتاب، فإن أدّى فسبيلُ ما أدّى، وإن هو جَحَد استُحلِف بالله الذي لا إله إلا هو دُبُر صلاةٍ: إنّ هذا الذي دُفِع إليَّ، وما غَيَّبتُ منه شيئًا. فإذا حَلَف بَرِئ، فإذا أتى بعدَ ذلك صاحِبا الكتاب فشَهِدا عليه، ثم ادَّعى القومُ عليه مِن تَسميتِهم ما لهم، جُعِلت أيمانُ الوَرَثة مع شهادتِهم، ثم اقتَطَعوا حقَّه، فذلك الذي يقول الله: ﴿اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٤‏/‏١٢٢٩. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
٥٩
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم﴾، هذا لمن مات وعندَه المسلمون، أمَره اللهُ أن يُشهِدَ على وصيَّتِه عدلَين مِن المسلمين١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٧٣، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١٢٢٩، والنحاس ص٤٠٤. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٦٠
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية﴾، فهذا رجل مات بغربة من الأرض، وترك تَرِكة، وأوصى بوصية، وشهد على وصيته رجلان١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٤‏/‏١٢٢٨-١٢٢٩.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختلف المفسرون في صفة الاثنين المذكورين في قوله: ﴿اثنان ذوا عدل منكم﴾ على قولين: الأول: أنهما شاهدان يشهدان على وصية الموصي. وهو قول قتادة، والسدي. الثاني: أنهما وصيان. وهو قول ابن مسعود. ورجَّح ابنُ كثير (٥/٤٠٣) القول الأول مستندًا إلى أنّه «ظاهر سياق الآية الكريمة»، وقال: «فإن لم يكن وصيٌّ ثالث معهما اجتمع فيهما الوصفان: الوصاية، والشهادة، كما في قصة تميم الداري وعدي بن بدّاء». ووجَّه ابنُ جرير (٩/٥٨) المعنى في كلا القولين، فقال: «وتأويل الذين زعموا أنهما شاهدان قولَه: ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾: ليشهد شاهدان ذوا عدل منكم على وصيتكم. وتأويل الذين قالوا: هما وصيان لا شاهدان قولَه: ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾: بمعنى الحضور والشهود لما يوصيهما به المريض، من قولك: شهدت وصية فلان، بمعنى: حضَرتُه». واختلف المفسرون كذلك في المراد من الشهادة قوله تعالى: ﴿شهادة بينكم﴾؛ فمن قائل: إنها الشهادة بالحقوق عند الحكام. ومن قائل: إنها شهادة الحضور للوصية. ومن قائل: إنها بمعنى اليمين. ورجَّح ابنُ جرير (٩/٥٨-٥٩) مستندًا إلى الدلالة العقليّة، وظاهر لفظ الآية أنها: بمعنى اليمين، وليست المؤدّاة للحكام. فقال: «لأنا لا نعلم لله تعالى حُكمًا يجب فيه على الشاهد اليمين، فيكون جائزًا صرف الشهادة في هذا الموضع إلى الشهادة التي يقوم بها بعض الناس عند الحكام والأئمة. وفي حكم الآية في هذه اليمين على ذوي العدل وعلى من قام مقامهم باليمين بقوله: ﴿تَحْبِسُونَهُما مِن بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ﴾ أوضحُ الدليل على صحة ما قلنا في ذلك من أنّ الشهادة فيه الأيمان، دون الشهادة التي يُقضى بها للمشهود له على المشهود عليه، وفساد ما خالفه». وتعقَّب ابنُ كثير (٥/٤٠٣) ما استشكله ابنُ جرير بأنه لا يعلم حكمًا يحلف فيه الشاهد، بقوله: «وهذا لا يمنع الحكم الذي تضمنته هذه الآية الكريمة، وهو حكم مُسْتَقِلٌّ بنفسه، لا يلزم أن يكون جاريًا على قياس جميع الأحكام، على أن هذا حكم خاص بشهادة خاصة في محل خاص، وقد اغتفر فيه من الأمور ما لم يغتفر في غيره، فإذا قامت قرائن الريبة حلف هذا الشاهد بمقتضى ما دلت عليه هذه الآية الكريمة». وانتقد ابنُ عطية (٣/٢٨٥) كون الشهادة بمعنى اليمين أو الحضور، بقوله: «وهذا كله ضعيف». ثم رجَّح أنها التي تؤدى فقال: «والصواب أنها الشهادة التي تحفظ لتؤدّى». ولم يذكر مستندًا.
٦١
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم﴾ إلى قوله: ﴿ذوا عدل منكم﴾ قال: هذا في الوصية عند الموت، يوصي ويُشهِد رجلين من المسلمين على ماله وعليه، قال: هذا في الحضر، ﴿أو آخران من غيركم﴾ في السفر، ﴿إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت﴾ هذا الرجل يدركه الموت في سفره، وليس بحضرته أحد من المسلمين، فيدعو رجلين من اليهود والنصارى والمجوس، فيوصي إليهما، ويدفع إليهما ميراثه، فيقبلان به، فإن رضي أهل الميت الوصية وعرفوا مال صاحبهم تركوا الرجلين، وإن ارتابوا رفعوهما إلى السلطان، فذلك قوله: ﴿تحبسونهما من بعد الصلاة﴾، ﴿إن ارتبتم﴾ قال ابن عباس: كأني أنظر إلى العلجين حين انتهي بهما إلى أبي موسى الأشعري في داره، ففتح الصحيفة، فأنكر أهلُ الميت وخوَّنوهما، فأراد أبو موسى أن يستحلفهما بعد العصر، فقلت له: إنهما لا يباليان صلاة العصر، ولكن استحلفهما بعد صلاتهما في دينهما. فيوقف الرجلان بعد صلاتهما في دينهما، ويحلفان بالله لا نشتري ثمنًا قليلًا ولو كان ذا قربى، ولا نكتم شهادة الله، إنا إذن لمن الآثمين، إن صاحبهم لبهذا أوصى، وإن هذه لتركته. فيقول لهما الإمام قبل أن يحلفا: إنّكما إن كنتما كتمتما أو خنتما فضحتكما في قومكما، ولم تجز لكما شهادة وعاقبتكما. فإذا قال لهما ذلك فإنّ ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٧٨.
٦٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾، يعني: بديل بن أبي مارية١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٥١٢.
٦٣
قال يحيى بن سلّام: فيها تقديم؛ يقول: يا أيها الذين آمنوا إذا حضر أحدكم الموت فأشهدوا ذوي عدل منكم١
التخريج
  1. ١تفسير ابن أبي زمنين ٢‏/‏٥١-٥٢.

نزول الآيات، وتفسيرها إجمالًا

٨ أقوال
١
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق ابن جريج- قال: كان تميمٌ الداريُّ وعديُّ بن بدّاء رجلين نصرانيَّين يَتَّجِرانِ إلى مكةَ في الجاهلية، ويُطيلانِ الإقامةَ بها، فلما هاجَر النبي ﷺ حوَّلا مَتجَرَهما إلى المدينة، فخرَج بُديلُ بن أبي ماريةَ مولى عمرو بن العاصي تاجرًا، حتى قدِم المدينةَ، فخرجُوا جميعًا تجارًا إلى الشام، حتى إذا كانوا ببعضِ الطريق اشتكى بديلٌ، فكتَب وصيَّتَه بيده، ثم دسَّها في متاعِه، وأوصى إليهما، فلما مات فتَحا متاعَه فأخَذا منه شيئًا، ثم حجزاه كما كان، وقدِما المدينةَ على أهله فدفَعا متاعَه، ففتَح أهلُه متاعَه، فوجدُوا كتابَه وعَهدَه وما خرَج به، وفقدوا شيئًا، فسألوهما عنه، فقالوا: هذا الذي قَبَضنا له ودفَع إلينا. فقالوا لهما: هذا كتابُه بيدِه. قالا: ما كَتَمنا له شيئًا. فترافَعوا إلى النبي ﷺ؛ فنزلت هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت﴾ إلى قوله: ﴿إنا إذا لمن الآثمين﴾. فأمَر رسول الله ﷺ أن يستَحلِفوهما في دُبرِ صلاة العصر بالله الذي لا إله إلا هو ما قبَضنا له غيرَ هذا، ولا كَتَمنا. فمكَثا ما شاءَ الله أن يَمكُثا، ثم ظُهِر معهما على إناءٍ مِن فِضةٍ مَنقوشٍ مُمَوَّهٍ بذَهب، فقال أهلُه: هذا مِن متاعِه. قال: نعم، ولكنا اشتَرَيناه منه، ونَسِينا أن نَذكُرَه حين حلَفنا، فكرِهنا أن نُكَذِّبَ نُفوسَنا. فتَرافَعوا إلى النبي ﷺ؛ فنزَلتِ الآيةُ الأُخرى: ﴿فإن عثر على أنهما استحقا إثما﴾. فأمَر النبي ﷺ رجلَين من أهل الميت أن يَحلِفا على ما كَتَما وغيَّبا، ويَستَحقّانه، ثم إن تميمًا الداري أسلَم وبايَع النبي ﷺ، وكان يقولُ: صدَق اللهُ ورسوله، أنا أخَذتُ الإناء. ثم قال: يا رسول الله، إنّ الله يُظهِرُك على أهلِ الأرض كلِّها، فَهبْ لي قَريتَين من بيتِ لحم. وهي القريةُ التي وُلِدَ فيها عيسى، فكتَب له بها كتابًا، فلما قدِم عمر الشامَ أتاه تميمٌ بكتابِ رسول الله ﷺ، فقال عمر: أنا حاضرٌ ذلك. فدفَعها إليه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٨٩-٩٠ إلى قوله: أنا أخذت الإناء. وما بعده عند ابن عساكر ١١‏/‏٦٦ وعنده: «قريتي» مكان قوله: «قريتين». وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٢
عن مقاتل بن حيان -من طريق بكير بن معروف- قال: أخذت هذا التفسير عن مجاهد، والحسن، والضحاك في قول الله: ﴿اثنان ذوا عدل منكم﴾: أنّ رجلين نصرانيين من أهل دارين -أحدهما تميمي، والآخر يماني- صاحبهما مولًى لقريش في تجارة، فركبوا البحر، ومع القرشي مال معلوم قد علمه أولياؤه من بين آنية وبَزٍّ١ ورِقَّة٢، فمرض القرشي، فجعل وصيته إلى الدارِيَّيْنِ، فمات وقبض الدارِيّان المال والوصية، فدفعاه إلى أولياء الميت، وجاءا ببعض ماله، وأنكر القومُ قِلَّة المال، فقالوا للداريين: إنّ صاحبنا قد خرج معه بمال أكثر مما أتيتمونا به، فهل باع شيئًا أو اشترى شيئًا فوضع فيه؟ أو هل طال مرضه فأنفق على نفسه؟ قالا: لا. قالوا: فإنكما خنتمانا. فقبضوا المال، ورفعوا أمرهما إلى النبي - ﷺ -؛ فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم﴾ إلى آخر الآية. فلما نزل: أن يحبسا من بعد الصلاة، أمر النبي - ﷺ - فقاما بعد الصلاة، فحلفا بالله رب السموات ما ترك مولاكم من المال إلا ما أتيناكم به، وإنا لا نشتري بأيماننا ثمنًا قليلًا من الدنيا ولو كان ذا قربى، ولا نكتم شهادة الله، إنا إذن لمن الآثمين، فلما حلفا خُلِّي سبيلهما. ثم إنهم وجدوا بعد ذلك إناء من آنية الميت، فأخذ الدارِيّان، فقالا: اشتريناه منه في حياته. وكذبا، فكُلِّفا البينة، فلم يقدرا عليها، فرفعوا ذلك إلى النبي - ﷺ -؛ فأنزل الله تعالى: ﴿فإن عثر﴾. يقول: فإن اطَّلع ﴿على أنهما استحقا إثما﴾ يعني: الداريين، إن كتما حقًّا ﴿فآخران﴾ من أولياء الميت ن ﴿يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان، فيقسمانبالله﴾ فيحلفان بالله: إنّ مال صاحبنا كان كذا وكذا، وإن الذي يطلب قبل الداريين لحقٌّ، ﴿وما اعتدينا، إنا إذن لمن الظالمين﴾ هذا قول الشاهدين أولياء الميت، ﴿ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها﴾ يعني: الداريين والناس أن يعودوا لمثل ذلك٣
التخريج
  1. ١البَزّ: الثياب، أو مَتاعُ البيت من الثياب ونحوها. القاموس المحيط (بزز).
  2. ٢الرِّقَّة: الفِضَّة والدَّراهم المضروبة منها. النهاية (رقه).
  3. ٣أخرجه ابن جرير ٩/ ٩٢.
٣
عن محمد بن السائب الكلبي -من طريق مَعْمَر- في قوله تعالى: ﴿حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم﴾، قال: خرج مولًى لقريش تاجرًا، فأصابه قَدَرُه، ومعه رجلان من أهل الكتاب، فدفع إليهما ماله، وكتب وصيته، فذهبا بالوصية والمال إلى أهله، فكتما بعض المال، فقال أهله: هل تجر صاحبنا بعدنا بتجارة؟ قالا: لا. قالوا: فهل استهلك من ماله شيئًا؟ قالا: لا. قالوا: فإنه قد خرج من عندنا بمال فقدنا بعضه. فاتُّهِما عليه، فاسْتُحْلِفا في دُبُر الصلاة١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏٢٠٠.
٤
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ نزلت في بديل بن أبي مارية مولى العاص بن وائل السهمي، كان خرج مسافرًا في البحر إلى أرض النجاشي، ومعه رجلان نصرانيان، أحدهما يسمى: تميم بن أوس الداري وكان من لخم، وعدي بن [بَدّاء]١، فمات بديل وهم في البحر، فرمي به في البحر، قال: ﴿حِينَ الوَصِيَّةِ﴾ وذلك أنه كتب وصيته ثم جعلها في متاعه، ثم دفعه إلى تميم وصاحبه، وقال لهما: أبلغا هذا المتاع إلى أهلي. فجاءا ببعض المتاع، وحبسا جامًا من فضة مُمَوَّهًا بالذهب؛ فنزلت: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيَّةِ﴾ يقول: عند الوصية يشهدون وصيته ﴿اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ من المسلمين في دينهما، ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ يعني: من غير أهل دينكم؛ النصرانيين تميم الداري، وعدي بن [بَدّاء]، ﴿إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾ يا معشر المسلمين للتجارة، ﴿فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ المَوْتِ﴾ يعني: بديل ابن أبي مارية حين انطلق تاجرًا في البحر، وانطلق معه تميم وعدي صاحباه، فحضره الموت، فكتب وصيته، ثم جعلها في المتاع، فقال: أبلغا هذا المتاع إلى أهلي. فلما مات بديل قبضا المتاع، فأخذا منه ما أعجبهما، وكان فيما أخذا إناء من فضة فيه ثلاثمائة مثقال منقوش مُمَوَّه بالذهب، فلمّا رجعا من تجارتهما دفعا بقية المال إلى ورثته، ففقدوا بعض متاعه، فنظروا إلى الوصية فوجدوا المال فيه تامًّا لم يبع منه ولم يهب، فكلموا تميمًا وصاحبه، فسألوهما: هل باع صاحبنا شيئًا؟ أو اشترى شيئًا فخسر فيه؟ أو طال مرضه فأنفق على نفسه؟ فقالا: لا. قالوا: فإنّا قد فقدنا بعض ما أبدى به صاحبُنا. فقالا: ما لنا بما أبدى، ولا بما كان في وصيته علم، ولكنه دفع إلينا هذا المال فبلغناكم إياه. فرفعوا أمرهم إلى النبي ﷺ؛ فنزلت: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ الآيات، فحلَّفهما النبي ﷺ عند المنبر بعد صلاة العصر، فحلفا أنهما لم يخونا شيئًا من المال، فخلّى سبيلهما، فلما كان بعد ذلك وجدوا الإناء الذي فقدوه عند تميم الداري، قالوا: هذا من آنية صاحبنا الذي كان أبدى بها، وقد زعمتما أنه لم يبِع، ولم يشترِ، ولم ينفق على نفسه. فقالا: قد كُنّا اشتريناه منه، فنسينا أن نخبركم به. فرفعوهما إلى النبي ﷺ الثانية، فقالوا: يا رسول الله، إنا وجدنا مع هذين إناء من فضة من متاع صاحبنا. فأنزل الله عز وجل: ﴿فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا فَآخَرانِ﴾ من أولياء الميت، يعني: عبد الله بن عمرو بن العاص، والمطلب بن أبي وداعة السهميان، ﴿يَقُومانِ مَقامَهُما﴾ يعني: مقام النصرانيين ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ﴾ يعني: فيحلفان بالله في دُبُر صلاة العصر أنّ الذي في وصية صاحبنا حقٌّ، وأنّ المال كان أكثر مما أتيتمانا به، وأنّ هذا الإناء لَمِن متاع صاحبنا الذي خرج به معه، وكتبه فِي وصيته، وأنكما خنتما. فذلك قوله سبحانه: ﴿لَشَهادَتُنا﴾ يعني: عبد الله بن عمرو بن العاص، والمطلب، ﴿أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما وما اعْتَدَيْنا إنّا إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ فحلف عبد الله والمطلب كلاهما أنّ الذي في وصية الميت حقٌّ، وأنّ هذا الإناء من متاع صاحبنا. فأخذوا تميم بن أوس الداري وعدى بن [بَدّاء] النصرانيين بتمام ما وجدا في وصية الميت حين اطلع الله عز وجل على خيانتهما في الإناء، ... وأن تميم بن أوْس الداري اعترف بالخيانة، فقال له النبي ﷺ: «ويحك، يا تميم، أسلم يتجاوز الله عنك ما كان فِي شركك». فأسلم تميم الداري، وحسُن إسلامه، ومات عَدِيُّ بن [بَدّاء] نصرانيًّا٢
التخريج
  1. ١في مطبوعة المصدر: «بندا»، والصحيح ما أثبتناه.
  2. ٢تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٥١١-٥١٤.
٥
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم﴾ الآية كلها، قال: هذا شيء حين لم يكن الإسلام إلا بالمدينة، وكانت الأرض كلها كفرًا، فقال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم﴾ من المسلمين، ﴿أو آخران من غيركم﴾ من غير أهل الإسلام، ﴿إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت﴾ قال: كان الرجل يخرج مسافرًا، وهم -العرب- أهل كفر، فعسى أن يموت في سفره، فيسند وصيته إلى رجلين منهم، ﴿فيقسمان بالله إن ارتبتم﴾ في أمرهما، إذا قال الورثة: كان مع صاحبنا كذا وكذا. فيقسمان بالله: ما كان معه إلا هذا الذي قلنا. ﴿فإن عثر على أنهما استحقا إثما﴾ إنّما حلفا على باطل وكذب ﴿فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان﴾ بالميت، ﴿فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنا إذا لمن الظالمين﴾ ذكرنا أنّه كان مع صاحبنا كذا وكذا، قال هؤلاء: لم يكن معه. قال: ثم عثر على بعض المتاع عندهما، فلما عثر على ذلك ردت القسامة على وارثه، فأقسما، ثم ضمن هذان. قال الله تعالى: ﴿ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان﴾ فتبطل أيمانهم، ﴿واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدي القوم الفاسقين﴾ الكاذبين الذين يحلفون على الكذب١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٩‏/‏٩٠.
٦
عن تميم الداري، في هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت﴾، قال: برِئ الناسُ منها غيري وغيرَ عَدِيِّ بنِ بَدّاء. وكانا نصرانِيَّين يَختلفان إلى الشام قبلَ الإسلام، فأتَيا الشامَ لتجارتِهما، وقدِم عليهما مولًى لبني سهمٍ -يُقال له: بُدَيلُ بنُ أبي مريم- بتجارةٍ، ومعه جامٌ١ من فضةٍ يريدُ به الملكَ، وهو عُظمُ تجارتِه، فمرِض، فأوصى إليهما، وأمَرهما أن يُبلِغا ما ترَك أهلَه. قال تميم: فلمّا ماتَ أخَذنا ذلك الجامَ فبِعناه بألفِ دِرهم، ثم اقتَسمناه أنا وعَدِيُّ بنُ بَدّاء، فلما قدِمنا إلى أهلِه دفَعنا إليهم ما كان معنا، وفَقَدوا الجامَ، فسألونا عنه، فقُلنا: ما ترَك غيرَ هذا، وما دفَع إلينا غيرَه. قال تميم: فلما أسلَمتُ بعدَ قدومِ رسول الله ﷺ المدينة تأثمَّتُ من ذلك، فأتَيتُ أهلَه، فأخبرتُهم الخبرَ، وأدَّيتُ إليهم خمَسمائةِ درهمٍ، وأخبرتُهم أن عندَ صاحبي مثلَها، فأتَوا به رسول الله ﷺ، فسألَهم البينةَ، فلم يَجِدوا، فأمَرهم أن يَستَحلِفوه بما يُعَظَّمُ به على أهلِ دينِه، فحلَف؛ فأنزل الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم﴾ إلى قوله: ﴿أن ترد أيمان بعد أيمانهم﴾. فقام عمرو بن العاصي ورجلٌ آخر، فحَلَفا، فنُزِعَتِ الخمسُمائة دِرهمٍ من عَدِيِّ بن بَدّاء٢
التخريج
  1. ١الجام: الإناء. لسان العرب (جوم).
  2. ٢أخرجه الترمذي (٣٠٥٩)، وابن جرير ٩‏/‏٨٨-٨٩، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١٢٣٠-١٢٣١، والنحاس في ناسخه ص٤٠٩، وأبو نعيم في المعرفة (١٢٢٣) من طريق أبي النضر وهو الكلبي. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ، وابن مردويه. ضعَّفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي (٥٨٦).
٧
عن عبد الله بن عباس -من طريق جبير- قال: خرَج رجلٌ مِن بني سَهم مع تَميم الداري وعدي بن بدّاء، فمات السَّهميُّ بأرضٍ ليس فيها مُسلِمٌ، فأوصى إليهما، فلما قدِما بتَرِكَتِه فقَدُوا جامًا من فِضةٍ مُخَوَّصًا بالذهب، فأحلفَهما رسول الله ﷺ بالله ما كَتَمتُماها ولا اطَّلَعتُما، ثم وجَدوا الجامَ بمكةَ، فقيل: اشتَريناه من تميمٍ وعدي. فقامَ رجلانِ من أولياءِ السَّهمي، فحَلَفا بالله لَشَهادَتُنا أحقُّ من شَهادتِهما، وإنّ الجامَ لصاحبِهم. وأخَذوا الجام. قال: وفيهم نزَلت: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري في تاريخه ١‏/‏٢١٥، والترمذي (٣٠٦٠)، وابن جرير ٩‏/‏٨٧-٨٨، والنحاس ص٤٠٨، والطبراني (١٢٥٠٩)، ١٧‏/‏١٠٩ (٢٦٨)، والبيهقي في سننه ١٠‏/‏١٦٥. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ، وابن مردويه. وأصل الحديث في صحيح البخاري (٢٧٨٠).
٨
عن المطَّلب بن أبي وداعةَ -من طريق محمد بن مروان، عن الكلبي، عن أبي صالح- قال: خرَج ثلاثةُ نفرٍ تُجّارًا؛ عديُّ بن بَدّاء، وتميمُ بن أوس الداري، وخرَج معهم بُديلُ بن أبي ماريةَ مولى عمرِو بن العاصي، وكان مسلمًا، حتى إذا قدِموا الشامَ مرِض بُديلٌ، فكتَب كتابًا في صَحيفةٍ فيه جميعُ ما معه، وفسَّره، ثم طرَحه في جُوالِقِه، فلما اشتدَّ مرضُه أوصى إلى تميم وإلى عديٍّ النصرانيَّين، فأمَرهما أن يَدفَعا متاعَه إذا رجَعا إلى أهلِه. قال: ومات بُديلٌ، فقبَضا متاعَه، ففتَّشاه وأخَذا منه إناءً كان فيه من فضةٍ منقوشًا بالذهب، فيه ثلاثُمائةِ مثقالٍ مُمَوَّهٍ بالذهب، فانصَرفا، فقدِما المدينة، فدفَعا المتاعَ إلى أهل الميِّت، ففتَّشُوا المتاع، فوجَدوا الصحيفة، فيها تَسميةُ ما كان فيها من متاعِه، وفيه الإناءُ الفضةُ المموَّهُ بالذهب، فرفَعوهما إلى النبي ﷺ، فذكَروا ذلك له؛ فأُنزلت: ﴿ياأيها الذين آمنوا شهادة بينكم﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن منده -كما في الإصابة ١‏/‏٢٧٥-، وأبو نعيم في المعرفة (١٢٢٢).
التفسير بالمأثور لسورة المائدة كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١٠٦ من سورة المائدة

٩ وقفات في هذه الآية

  • "تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله" لا يصلي أحد صلاة كما أمر الله إلا وعظم شأن الكذب في قلبه.

    — عبدالله بلقاسم

  • إنما أعظكم بواحدة !!! ( الموت ) سمَّاه الله لعظيم أمره مصيبة ، { إِن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت .. } الآية .

    — نايف الفيصل

  • { فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ ۚ} وسمى الله- تعالى- الموت في هذه الآية مصيبة، والموت وإن كان مصيبة عظمى، ورزية كبرى؛ فأعظم منه الغفلة عنه، والإعراض عن ذكره، وترك التفكر فيه، وترك العمل له، وإن فيه وحده لعبرة لمن اعتبر، وفكرة لمن تفكر

    — القرطبي

  • ( إذا و إن ) الشرطيتين في القرآن

    — صالح التركي / من لطائف القرآن

  • آية (١٠٦) : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ) * الفرق بين حضر وجاء في القرآن الكريم : من الناحية اللغوية : الحضور في اللغة يعني الوجود والشهود وليس بالضرورة معناه المجيء إلى الشيء (يقال كنت حاضراً إذ كلّمه فلان بمعنى شاهد وموجود وهو نقيض الغياب) ويقال كنت حاضراً مجلسهم ، وكنت حاضراً في السوق أي كنت موجوداً فيها. أما المجيء فهو الانتقال من مكان إلى مكان ، وفي القرآن يقول تعالى (فإذا جاء وعد ربي جعله دكّاء) سورة الكهف بمعنى لم يكن موجوداً وإنما جاء الأمر. من الناحية البيانية : القرآن الكريم له خصوصيات في التعبير وفي كلمة حضر وجاء لكل منها خصوصية أيضاً ، فحضور الموت يُستعمل في القرآن الكريم في الأحكام والوصايا كما في آية المائدة وكأن الموت هو من جملة الشهود حاضر مع من هو جالس شديد القرب ، وهذا الحضور ليس فيه موت كامل لأن الموصي لم تُقبض روحه بعد لكن الموت جالس عنده وشاهد على الوصية فكأنه اقترب منه الموت لكن لم ينفذ. فالقرآن هنا لا يتحدث عن الموت نفسه أو أحوال الناس في الموت. أما مجيء الموت في القرآن فيستعمل في الكلام عن الموت نفسه أو أحوال الناس في الموت كما في آية المؤمنون (حَتَّى إذا جاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩)) يريد هذا الذي جاءه الموت أن يرجع ليعمل صالحاً في الدنيا فالكلام إذن يتعلق بالموت نفسه وأحوال الشخص الذي يموت ، كما يستعمل فعل جاء مع الأجل (فإذا جاء أجلهم) ومع سكرة الموت (وجاءت سكرة الموت) . * المفعول به (أَحَدَكُمُ) مقدم للاهتمام به ولإبعاد شبح الموت الحقيقي بتأخير الفاعل (الْمَوْتُ). * الثمن هو المقابل أو العِوَض، ووردت الكلمة في أحد عشر موضعاً في القرآن الكريم كله، مرة وصف بأنه بخس والأماكن الأخرى وصف بأنه قليل عدا موضع واحد فقط لم يوصف وهو الآية (١٠٦) لأنها تتعلق بشهادة على وصية فالأمر يتعلق بمصالح الناس الذين لهم وصية حتى لا يجد أحد هذين الشاهدين أي مجال للتنصّل أو التلاعب فيشمل الحقير والعظيم والمادي والمعنوي والنفيس والتافه يعني حتى يقطع عليهم الطريق لأي تأويل.

    — مختصر لمسات بيانية

  • آية (106): *ما دلالة استعمال الفعل حضر؟(د.حسام النعيمي) حضر يمكن أن تلمس فيها ما هو شديد القرب وشدة القرب ظاهرة في الآية، قال تعالى:(يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ (106) المائدة)المفعول به مقدم للعناية فقدمه للاهتمام به ثم ذكر الفاعل وإبعاد شبح الموت الحقيقي. إذن حضره الموت وهو يتكلم معناه الموت صار قريباً منه، شارف على الموت لكن وقوعه لم يتحقق، فالموصي لم يمت بعد ولم يفقد وعيه بعد بدليل أنه يتكلم ويوصي. * لماذا جاءت ثمناً وحدها (فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآَثِمِينَ (106) المائدة) مع أنها وردت في القرآن ثمناً قليلاً؟(د.حسام النعيمى) لو رجعنا إلى الآيات الكريمة سنجد أن كلمة ثمن أوالثمن وردت في أحد عشر موضعاً في القرآن الكريم كله. في موضع واحد فقط لم يوصف وهو موضع السؤال. ووصف في المواضع الأخرى: مرة واحدة وصف بأنه بخس والأماكن الأخرى وصف بأنه قليل. لما ننظر في الآيات: الآية التي لم يوصف بها تتعلق بشهادة على وصية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآَثِمِينَ (106)) هنا فقط لم يوصف وقال :لا نشتري به ثمناً بدون وصف. هنا الأمر يتعلق بمصالح الناس لأن مصلحة هؤلاء الذين لهم وصية. لما تعلق الأمر بمصلحة الناس جاءت الآية بكلمة ثمن. والثمن هو المقابل أو العِوَض من غير بيانٍ لوصفه حتى لا يجد أحد هذين الشاهدين أي مجال للتنصّل. لو قيل في غير القرآن: لا نشتري به ثمناً قليلاً أو عظيماً يمكن أن يجدا حجة. يقول مثلاً أقسمت أن لا أشترى به ثمناً قليلاً لكن يجوز ثمن معنوي أنه سأتقرّب من هذا الذي سأشهد زوراً من أجله، سأتخلى عن قسمي. ذُكِرت كلمة ثمن مجرّداً حتى يشمل الحقير والعظيم والمادي والمعنوي والنفيس والتافه يعني حتى يقطع عليهم الطريق لأي تأويل. (لا نشتري به ثمناً) بأي وصف كان لأن هو لم يصفه بوصف. لو وصفه بأي وصف يكون هناك مجال للتحايل والقضية تتعلق بمصلحة الناس. جاءت العبارة قانونية دقيقة في غاية الدقة. لا نشتري به ثمناً أي نحن لا نقبل بما يقابله أي شيء اسمه ثمن فكله ثمن: المادة ثمن، المعنى ثمن، كله ثمن، عِوَض لأن الثمن هو المقابل لما تعطيه. نُكّرت كلمة ثمن حتى لا يكون هناك أي مجال للتلاعب. (لا نشتري به ثمناً) والثمن كما قلنا هو العوض. عندنا اشترى وشرى: شرى واشترى مثل باع وابتاع يعني فعل وافتعل. باع بمعنى أعطى بضاعة وأخذ مقابلاً. ابتاع بمعنى أخذ حاجة ودفع ثمناً. كذلك لما نأتي إلى شرى بمعنى أعطى حاجة وأخذ ثمناً بمعنى باع (وشروه بثمن بخس) بمعنى باعوه. واشترى بمعنى إبتاع. (لا نشتري به ثمناً) يعني لا نعطي ونأخذ ثمناً. الشهادة هذه لا نأخذ بها أي ثمن. كأنما في هذه الحالة سيشترون الثمن ويدفعون الشهادة، كأن الشهادة صارت هي الشيء الذي سيدفعونه في مقابل أخذهم للثمن. الآية قلبت الموضوع حتى تبيّن أنه ليس هناك أي مجال لهذه المساومة (لا نشتري به ثمناً) كأن هذا الثمن هو المأخوذ، هو الذي يسعون إليه سواء كان شيئاً مادياً أو معنوياً لا نسعى إليه فنأخذه وندفع هذه الشهادة. ثمن: هو يريد أن يبيّن خِسّته وقلته مهما كان من العِظَم ومهما استلمتم مقابل ذلك فهو قليل. الوصف هنا متقصّد. الثمن القليل جاء حيثما ورد في الكلام عن حق الله سبحانه وتعالى ومعنى ذلك أن العدوان على حق الله سبحانه وتعالى مهما بلغ فهو ثمن قليل. (فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44) المائدة) . فحيثما ورد الكلام عن شراء هؤلاء لآيات الله سبحانه وتعالى وصفه بأن هذا الذي استلمتموه هو قليل لا يستطيع أحد أن يقابله بآيات الله سبحانه وتعالى فكان لا بد من وصفه بالقليل. في تسع آيات وصف الثمن بأنه قليل تحقيراً لشأنه وتهويناً من قدره، تسع آيات تتحدث عن الشراء بثمن قليل: إما أن ينهاهم عن ذلك أو يثبته لهم بأنهم فعلوا ذلك وما قبضوه قليل. أما في قضية الوصية والشهادة فتركه مجملاً (ثمناً) ليشمل كل الأشياء المادية والمعنوية وحتى لا يكون هناك نوع من التحايل. ألا يمكن أن يتعاور الوصف بالبخس والقليل مع بعضهم البعض؟ يمكن إذا أُريد بالبخس ما هو ليس من قدر الشيء الذي بيع ولا يستقيم مع آيات الله. ليس هناك شيء بقدر الآيات لذلك لا يستقيم إلا القلّة.

    — حسام النعيمي

  • *ما الفرق من الناحية البيانية بين فعل حضر وجاء في القرآن الكريم؟(د.فاضل السامرائي) فعل حضر والحضور في اللغة أولاً يعني الوجود وليس معناه بالضرورة المجيء إلى الشيء (يقال كنت حاضراً إذ كلّمه فلان بمعنى شاهد وموجود وهو نقيض الغياب) ويقال كنت حاضراً مجلسهم، وكنت حاضراً في السوق أي كنت موجوداً فيها. أما المجيء فهو الانتقال من مكان إلى مكان، فالحضور إذن غير المجيء ، وفي القرآن يقول تعالى (فإذا جاء وعد ربي جعله دكّاء) سورة الكهف بمعنى لم يكن موجوداً وإنما جاء الأمر. وكذلك قوله تعالى (فإذا جاء أمرنا وفار التنور) سورة هود. إذن الحضورة معناه الشهود والحضور والمجيء معناه الإنتقال من مكان إلى مكان. ما الفرق الآن من الناحية البيانية بين قوله تعالى في سورة المائدة: (يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلاَةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللّهِ إِنَّا إِذاً لَّمِنَ الآثِمِينَ {106}) وفي سورة المؤمنون (حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ {99}) . القرآن الكريم له خصوصيات في التعبير وفي كلمة حضر وجاء لكل منها خصوصية أيضاً. حضور الموت يُستعمل في القرآن الكريم في الأحكام والوصايا كما في آية سورة المائدة وكأن الموت هو من جملة الشهود فالقرآن هنا لا يتحدث عن الموت نفسه أو أحوال الناس في الموت فالكلام هو في الأحكام والوصايا (إن ترك خيراً الوصية) (ووصية يعقوب لأبنائه بعبادة الله الواحد) كما فى سورة البقرة(133). أما مجيء الموت في القرآن فيستعمل في الكلام عن الموت نفسه أو أحوال الناس في الموت كما في آية سورة المؤمنون يريد هذا الذي جاءه الموت أن يرجع ليعمل صالحاً في الدنيا فالكلام إذن يتعلق بالموت نفسه وأحوال الشخص الذي يموت. ويستعمل فعل جاء مع غير كلمة الموت أيضاً كالأجل (فإذا جاء أجلهم) وسكرة الموت (وجاءت سكرة الموت) ولا يستعمل هنا حضر الموت لأن كما أسلفنا حضر الموت تستعمل للكلام عن أحكام ووصايا بوجود الموت حاضراً مع الشهود أما جاء فيستعمل مع فعل الموت إذا كان المراد الكلام عن الموت وأحوال الشخص في الموت

    — فاضل السامرائي

  • * (يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلاَةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللّهِ إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الآثِمِينَ (106) المائدة ) و(فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ (107) المائدة) ما الفرق بين الخاتمتين؟ الوصية عبادة جليلة وعظيمة ولكننا لا أدري لماذا تساهلنا فيها في هذا العصر مع أننا في هذا العصر أحوج ما نكون إليها. في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن الناس يملكون إلا سيف يوصي به أو مخدة أو قلة ماء ومع هذا يوصي. لذلك الوصية عبادة عظيمة. ولهذا رب العالمين في سورة المائدة يتحدث عن أهمية أن توصي. باختصار شديد هاتان الآيتان في سورة المائدة تتحدثان عن الوصية إذا كنت غريباً إذا كنت في أي مكان ليس معك فيه مسلمين وأنت ستوصي، واحد حضره الموت وليس هناك إلا اثنين نصارى أو صابئة معه فقال لهم يا جماعة أنا فلان أوصي بكذا وكذا، أعطاهم وصيته ومات ولم يكن غير هذان الشاهدان غير المسلمان وأعطاهم أمانات ومال وغيره فأنكروها ثم واحد منهم أسلم وقال فلان الفلاني الذي اشهدنا على الوصية نحن في الحقيقة ما أدينا الشهادة وكان عنده كذا وكذا ونحن سرقناها ونريد إرجاعها فاستثناءً قال تعالى الوصية من غير المسلمين يجوز عليها الشاهدان غير المسلمين إذا لم يكن هناك غيرهما، هذه الحالة والوحيد ولأهمية الوصية استثنى الله شهادة غير المسلم على المسلم للضرورة نظراً لأهمية الوصية. إذا شككتم بشهادة غير المسلمين يقوم شاهدان مسلمان يقسمان بالله أننا سنشهد شهادة جديدة وشهادتنا أعظم من شهادة هؤلاء. الفرق أن الشاهدين غير المسلمين قال (لمن الآثمين) (يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلاَةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللّهِ إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الآثِمِينَ (106) المائدة) والمسلمين قال (لمن الظالمين) (فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ (107) المائدة). الشاهدان غير المسلمين يقولان (إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الآثِمِينَ) لأنه ليس عندهما أحكام إسلامية، كل ما فعلوه أنهم أخطأوا بالشهادة فعليهم إثم أنهم لم يضبطوا هذا الشيء وقد يكونوا سرقوه. لكن هؤلاء المسلمان البديلان إذا كذبا على هذه الشهادة الملغاة فهما من الظالمين يوم القيامة (إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ) وقطعاً الظالمون أشد جرماً وأشد عقاباً يوم القيامة من الآثمين. هذا الفرق بين من يشهد أول شهادة على أي شيء ثم أخطأ متعمداً أو غير متعمد فهو آثم لكن الشاهدان الآخران يصران على الكذب وعلى الإخفاء فهما من الظالمين. معناه أن العودة في نفس الجريمة أشد جرماً يوم القيامة ممن يجرم أول مرة هذا معنى العود والتكرار وهذا الإصرار على الخطأ.

    — أحمد الكبيسي

  • برنامج نداءات الرحمن سورة المائدة أية 106

    — السيد البشبيشي

الناسخ والمنسوخ في الآية ١٠٦ من سورة المائدة

من كتاب: الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه

﴿ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ ٱلْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ ٱلصَّلاَةِ فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ ٱللَّهِ إِنَّآ إِذَاً لَّمِنَ ٱلآَثِمِينَ ﴾

قوله تعالى: ﴿يَا أيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت حين الوَصِيَّةِ اثنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنكُمْ أو آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] الآية:
أكثر الناس على أن هذا محكمٌ غير منسوخ.
(واختلف القائلون بأنها محكمة) غيرُ منسوخة في معنى قوله:﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾:
فقيل: هم أهل الكتاب: شهادتهم على الوصية خاصة في السفر جائزة عند فقد المسلمين للضرورة - وهو قول أبي موسى الأشعري، والشعبي، وابن سيرين، ومجاهد، وابن جبير، وابن المسيب، وشريح، والنخعي، والأوزاعي، وهو مروي عن ابن عباس وعائشة -.
وقيل: معنى ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾: من غير قبيلكُم يعني - من المسلمين - وهو قول الحسن، و عكرمة، وأضافه بعض الرواة إلى مالك والشافعي - فلا نسخ فيه على هذا. واستدلوا على ذلك بقوله: ﴿تحبسونهما من بَعْدِ الصَّلاة﴾ فدلّ على أنهما من أهل الصَّلاة. ولا يطلق على أهل الكتاب اسم: أهل الصلاة.
واختلف القائلون: إن معناه من أهل الكتاب.
وقال آخرون: الآية منسوخة ومعنى: من غيركم: من غير أهل ملتكم، فأجاز شهادةَ غير المسلمين (هاهنا)، ثم نسخه الله (بالأمر) بشهادة العدول في قوله: ﴿ممّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وفي قوله:﴿وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، والكافر ليس بعدل ولا يرضى.
ويدل على أن معنى: ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾: من غير أهل دينكم: أنه تعالى استفتح الآية بقوله: ﴿يَا أيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا شَهَادَة بَيْنِكُمْ﴾، ثم قال: أوآخران من غيركم، ولا غير لأهل الإِيمان إلاّ أهل الكفر، ولو خاطب قبيله فيصدر الآية، لكان معنى ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾: من غير قبيلتكم.
وهذه الآية وما فيها من الحكم وما فيها من الإِعراب والمعاني والقراءات من أشكل آية في القرآن، وهي تحتاج إلى بسط يطول، لكنا ذكرنا من ذلك ونذكرُ ما نحتاج إليه في هذا الكتاب. وقد بسطناها في كتاب مفرد يشرحها.

﴿ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ ٱلْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ ٱلصَّلاَةِ فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ ٱللَّهِ إِنَّآ إِذَاً لَّمِنَ ٱلآَثِمِينَ ﴾

قوله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاَةِ﴾ الآيتان إلى قوله:﴿لَشَهَادتُنَا أحقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا﴾:
أَوجبَ الله - جلّ ذكره - على الشاهديْن على الوصية القابضيْنِ لتركه الميت في السفر اليمينَ إن ارتبنا أنهما غابا على شيء من التركة وخانا، فإذا حلفا بعدَ الصلاة، ثم اطُّلِعَ على خيانة منهما في التركة، حلف وليَّان وارثان من أولياءِ الميت على ما يدَّعيان قِبَل الشاهدين، ويقولان في آخر يمينهما: ليميننا أحق من يمينهما، وهو قوله: ﴿لشهادتنا أحق مِن شَهَادَتِهِمَا﴾ ثم يستحقان ما حلفا عليه.
هذا معنى الحكم المتلوّ في الآيتين.
ونُبَيِّنُ ذلك الاختلاف في معنى قوله: ﴿أو آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾.
فمن قال: معنى ﴿مِن غيرِكُمْ﴾: أي: من أهل الكتاب - وهو منسوخ بقوله: ﴿ممّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء﴾، وبقوله: ﴿وأشهِدُوا ذَوَيْ عدل منكم﴾ - قال: هذه الأحكامُ كُلُّها منسوخةٌ بما نسخ به جوازُ شهادة أهل الكتاب - وهو قول زيدِ بن أسلم ومالك والشافعي وأبي حنيفة -.
ومن قال: معنى من غيركم: من أهل الكتاب - وهو غير منسوخ، وشهادة أهل الكتاب في السفر في الوصية خاصة جائزة للضرورة - قال: القصة كُلُّها مُحْكَمة معمول بها - وهو قول ابن عباس وعائشة وأبي موسى الأشعري وابن جبير وابن المسيب وابن سيرين والشعبي والثوري وغيرهم -.
ومن قال: معنى ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾: من غير قبيلتكم - من المؤمنين -قال: القصة كلها محكمةٌ معمول بها - وهو قول الزهري والحسن وعكرمة وأضافه بعض الناس إلى مالك والشافعي -.
والصلاة - في هذه الآية -: صلاة العصر، ففي هذه القصة وأحكامها ثلاثة أقوال على ما فسَّرنا.
وقد زاد النحاس فيها قول من قال: الشهادة في الآية بمعنى: الحضور. وقول من قال: الشهادة بمعنى: "اليمين"، ولا معنى يتحصل لهذين القولين.

فتاوى متعلقة بالآية ١٠٦ من سورة المائدة

فتوى واحدة تتعلق بهذه الآية

ترجمات معاني الآية ١٠٦ من سورة المائدة

ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً

(106) O you who have believed, testimony [should be taken] among you when death approaches one of you at the time of bequest - [that of] two just men from among you or two others from outside if you are traveling through the land and the disaster of death should strike you. Detain them after the prayer and let them both swear by Allāh if you doubt [their testimony, saying], "We will not exchange it [i.e., our oath] for a price [i.e., worldly gain], even if he should be a near relative, and we will not withhold the testimony of [i.e., ordained by] Allāh. Indeed, we would then be of the sinful."
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال