جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿يِا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مّنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ فَأَصَابَتْكُم مّصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصّلاَةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىَ وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللّهِ إِنّآ إِذَاً لّمِنَ الآثمين﴾. .
يقول تعالى ذكره للمؤمنين به : " يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ " يقول : ليشهد بينكم إذَا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيّةِ يقول : وقت الوصية، اثْنانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ يقول : ذوا رشد وعقل وحِجا من المسلمين. كما :
حدثنا محمد بن بشار، وعبيد الله بن يوسف الجبيري، قالا : حدثنا مؤمل بن إسماعيل، قال : حدثنا شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، في قوله :" وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ " قال : ذوا عقل.
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله : ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ فقال بعضهم : عني به : من أهل ملتكم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا حميد بن مسعدة، قال : حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، قال : شاهدان ذوا عدل منكم من المسلمين.
حدثنا عمران بن موسى القزّاز، قال : حدثنا عبد الوارث بن سعيد، قال : حدثنا إسحاق بن سويد، عن يحيى بن يعمر، في قوله : " اثْنانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ من المسلمين ".
حدثنا ابن بشار وابن المثنى، قالا : حدثنا ابن أبي عديّ، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، في قوله : " اثْنانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ " قال : اثنان من أهل دينكم.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن إدريس، عن أشعث، عن ابن سيرين، عن عبيدة، قال : سألته، عن قول الله تعالى : اثْنانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ قال : من الملة.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن إدريس، عن هشام، عن ابن سيرين، عن عبيدة، بمثله، إلا أنه قال فيه : من أهل الملة.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن علية، عن هشام، عن ابن سيرين، قال : سألت عبيدة عن هذه الآية : " اثْنانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ " قال : من أهل الملة.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن عبيدة، مثله.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا حسين، عن زائدة، عن هشام، عن ابن سيرين، قال : سألت عبيدة، فذكر مثله.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا ابن مهدي، عن حماد، عن ابن أبي نجيح، وقال : حدثنا مالك بن إسماعيل، عن حماد بن زيد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : " ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ " قال : ذوا عدل من أهل الإسلام.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله :" ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ " قال : من المسلمين.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال : كان سعيد بن المسيب يقول : اثْنانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ : أي من أهل الإسلام.
وقال آخرون : عني بذلك : ذوا عدل من حيّ الموصي، وذلك قول رُوِي عن عكرمة وعبيدة وعدّة غيرهما.
واختلفوا في صفة الاثنين اللذين ذكرهما الله في هذه الاَية ما هي، وما هما ؟ فقال بعضهم : هما شاهدان يشهدان على وصية الموصي. وقال آخرون : هما وصيان.
وتأويل الذين زعموا أنهما شاهدان، قوله : شَهادَةُ بَيْنِكُمْ ليشهد شاهدان ذوا عدل منكم على وصيتكم. وتأويل الذين قالوا : هما وصيان لا شاهدان، قوله : شَهادَةُ بَيْنِكُمْ بمعنى الحضور والشهود لما يوصيهما به المريض، من قولك : شهدت وصية فلان، بمعنى حضرته.
وأولى التأويلين بقوله : اثْنانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ تأويل من تأوّله بمعنى : أنهما من أهل الملة دون من تأوّله أنهما من حيّ الموصي.
وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالآية، لأن الله تعالى عم المؤمنين بخطابهم بذلك في قوله : " يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إذَا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيّةِ اثْنانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ " فغير جائز أن يُصرف ما عمه الله تعالى إلى الخصوص إلا بحجة يجب التسليم لها. وإذ كان ذلك كذلك، فالواجب أن يكون العائد من ذكرهم على العموم، كما كان ذكرهم ابتداء على العموم.
وأَوْلَى المعنيين بقوله : شَهادَةُ بَيْنِكُمْ اليمين، لا الشهادة التي يقوم بها من عنده شهادة لغيره لمن هي عنده على من هي عليه عند الحكام لأنّا لا نعلم لله تعالى حكما يجب فيه على الشاهد اليمين، فيكون جائزا صرف الشهادة في هذا الموضع إلى الشهادة التي يقوم بها بعض الناس عند الحكام والأئمة. وفي حكم الاية في هذه اليمين على ذوي العدل، وعلى من قام مقامهم في اليمين بقوله : " تَحْبِسُوَنهُما مِنْ بَعْدِ الصّلاةِ فَيُقْسمِانِ باللّهِ " أوضح الدليل على صحة ما قلنا في ذلك من أن الشهادة فيه الأيمان دون الشهادة التي يقضي بها للمشهود له على المشهود عليه، وفساد ما خالفه.
فإن قال قائل : فهل وجدت في حكم الله تعالى يمينا تجب على المدّعي فتوجه قولك في الشهادة في هذا الموضع إلى الصحة ؟ فإن قلت : لا، تبين فساد تأويلك ذلك على ما تأوّلت، لأنه يجب على هذا التأويل أن يكون المقسمان في قوله :" فإنْ عُثرَا على أنّهُما اسْتَحَقّا إثْما فآخَرَانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الّذِينَ اسْتَحَقّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ باللّهِ لشَهادَتُنا أحَقّ مِنْ شَهادَتِهِما " هما المدعيين. وإن قلت بلى، قيل لك : وفي أيّ حكم الله تعالى وجدت ذلك ؟ قيل : وجدنا ذلك في أكثر المعاني، وذلك في حكم الرجل يدّعي قِبَل رجل مالاً، فيقرّ به المدّعي عليه قبله ذلك ويدعي قضاءه، فيكون القول قول ربّ الدين، والرجل يعترف في يد الرجل السلعة، فيزعم المعترَفة في يده أنه اشتراها من المدّعي أو أن المدّعي وهبها له، وما أشبه ذلك مما يكثر إحصاؤه. وعلى هذا الوجه أوجب الله تعالى في هذا الموضع اليمين على المدّعيين اللذين عثرا على الجانيين فيما جنيا فيه.
واختلف أهل العربية في الرافع قوله : " شَهادَةُ بَيْنِكُمْ "، وقوله : اثْنانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ. فقال بعض نحويي البصرة : معنى قوله : شَهادَةُ بَيْنِكُمْ شهادة اثنين ذوي عدل، ثم ألقيت الشهادة وأقيم الاثنان مقامها، فارتفعا بما كانت الشهادة به مرتفعة لو جعلت في الكلام. قال : وذلك في حذف ما حذف منه وإقامة ما أقيم مقام المحذوف، نظير قوله : وَاسأَلِ القَرْيَةَ وإنما يريد : واسأل أهل القرية، وانتصبت القرية بانتصاب الأهل وقامت مقامه، ثم عطف قوله :«أو آخران » على «الاثنين ».
وقال بعض نحويي الكوفة : رفع الاثنين بالشهادة : أي ليشهدكم اثنان من المسلمين، أو آخران من غيركم. وقال آخر منهم : رفعت الشهادة ب «إذا حضر ». وقال : إنما رفعت بذلك لأنه قال :«إذا حضر »، فجعلها شهادة محذوفة مستأنفة، ليست بالشهادة التي قد رفعت لكلّ الخلق، لأنه قال تعالى ذكره :" أوْ آخَرَانِ مِنْ غيرِكُمْ "، وهذه شهادة لا تقع إلا في هذا الحال، وليست مما ثبت.
وأولى هذه الأقوال في ذلك عندي بالصواب، قول من قال : الشهادة مرفوعة بقوله : إذَا حَضَرَ لأن قوله : إذا حَضَرَ بمعنى : عند حضور أحدكم الموت، والاثنان مرفوع بالمعنى المتوهم، وهو أن يشهد اثنان، فاكتفي من قيل أن يشهد بما قد جري من ذكر الشهادة في قوله : شَهادَةُ بَيْنِكُمْ.
وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن الشهادة مصدر في هذا الموضع، والاثنان اسم، والاسم لا يكون مصدرا، غير أن العرب قد تضع الأسماء مواضع الأفعال. فالأمر وإن كان كذلك، فصرف كل ذلك إلى أصحّ وجوهه ما وجدنا إليه سبيلاً أولى بنا من صرفه إلى أضعفها.
يقول تعالى ذكره للمؤمنين : ليشهد بينكم إذا حضر أحدكم الموت عدلان من المسلمين، أو آخران من غير المسلمين.
وقد اختلف أهل التأويل في تأويل قوله :" أوْ آخَرَانِ مِنْ غيرِكُمْ " فقال بعضهم : معناه : أو آخران من غير أهل ملتكم نحو الذي قلنا فيه.
ذكر من قال ذلك :
حدثنا حميد بن مسعدة، وبشر بن معاذ، قالا : حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب : " أوْ آخَرَانِ مِنْ غيرِكُمْ " من أهل الكتاب.
حدثنا محمد بن بشار، ومحمد بن المثنى، قالا : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، قال : سمعت قتادة يحدّث، عن سعيد بن المسيب :" أوْ آخَرَانِ مِنْ غيرِكُمْ " : من أهل الكتاب.
حدثني أبو حفص الجبيري عبيد الله بن يوسف، قال : حدثنا مؤمل بن إسماعيل، قال : حدثنا شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، مثله.
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا ابن أبي عديّ، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد، مثله.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم وسليمان التيّمي، عن سعيد بن المسيب، أنهما قالا في قوله : " أوْ آخَرَانِ مِنْ غيرِكُمْ " قالا : من غير أهل ملتكم.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا مغيرة، قال : ثني من سمع سعيد بن جبير، يقول، مثل ذلك.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا التيمي، عن أبي مجلز، قال : من غير أهل ملتكم.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم، مثله.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال : إن كان قربه أحد من المسلمين أشهدهم، وإلا أشهد رجلين من المشركين.
حدثنا عمرو بن عليّ، قال : حدثنا قتيبة، قال : حدثنا هشيم، عن المغيرة، عن إبراهيم، وسعيد بن جبير، في قوله : " أوْ آخَرَانِ مِنْ غيرِكُمْ " قالا : من غير أهل ملتكم.
حدثنا عمرو، قال : حدثنا يحيى بن سعيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، عن سعيد : " أوْ آخَرَانِ مِنْ غيرِكُمْ " قال : من أهل الكتاب.
حدثنا عمرو، قال : حدثنا محمد بن سواء، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، مثله.
حدثنا هناد، قال : حدثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، مثله.
حدثنا عمران بن موسى، قال : حدثنا عبد الوارث بن سعيد، قال : حدثنا إسحاق بن سويد، عن يحيى بن يعمر، في قوله : " اثْنانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ " من المسلمين، فإن لم تجدوا من المسلمين، فمن غير المسلمين.
حدثنا المثنى، قال : حدثنا عبد الأعلى، قال : حدثنا داود، عن عامر، عن شريح، في هذه الاية : " يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إذَا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيّةِ اثْنانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أوْ آخَرَانِ
يقول تعالى ذكره للمؤمنين به : " يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ " يقول : ليشهد بينكم إذَا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيّةِ يقول : وقت الوصية، اثْنانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ يقول : ذوا رشد وعقل وحِجا من المسلمين. كما :
حدثنا محمد بن بشار، وعبيد الله بن يوسف الجبيري، قالا : حدثنا مؤمل بن إسماعيل، قال : حدثنا شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، في قوله :" وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ " قال : ذوا عقل.
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله : ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ فقال بعضهم : عني به : من أهل ملتكم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا حميد بن مسعدة، قال : حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، قال : شاهدان ذوا عدل منكم من المسلمين.
حدثنا عمران بن موسى القزّاز، قال : حدثنا عبد الوارث بن سعيد، قال : حدثنا إسحاق بن سويد، عن يحيى بن يعمر، في قوله : " اثْنانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ من المسلمين ".
حدثنا ابن بشار وابن المثنى، قالا : حدثنا ابن أبي عديّ، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، في قوله : " اثْنانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ " قال : اثنان من أهل دينكم.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن إدريس، عن أشعث، عن ابن سيرين، عن عبيدة، قال : سألته، عن قول الله تعالى : اثْنانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ قال : من الملة.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن إدريس، عن هشام، عن ابن سيرين، عن عبيدة، بمثله، إلا أنه قال فيه : من أهل الملة.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن علية، عن هشام، عن ابن سيرين، قال : سألت عبيدة عن هذه الآية : " اثْنانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ " قال : من أهل الملة.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن عبيدة، مثله.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا حسين، عن زائدة، عن هشام، عن ابن سيرين، قال : سألت عبيدة، فذكر مثله.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا ابن مهدي، عن حماد، عن ابن أبي نجيح، وقال : حدثنا مالك بن إسماعيل، عن حماد بن زيد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : " ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ " قال : ذوا عدل من أهل الإسلام.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله :" ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ " قال : من المسلمين.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال : كان سعيد بن المسيب يقول : اثْنانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ : أي من أهل الإسلام.
وقال آخرون : عني بذلك : ذوا عدل من حيّ الموصي، وذلك قول رُوِي عن عكرمة وعبيدة وعدّة غيرهما.
واختلفوا في صفة الاثنين اللذين ذكرهما الله في هذه الاَية ما هي، وما هما ؟ فقال بعضهم : هما شاهدان يشهدان على وصية الموصي. وقال آخرون : هما وصيان.
وتأويل الذين زعموا أنهما شاهدان، قوله : شَهادَةُ بَيْنِكُمْ ليشهد شاهدان ذوا عدل منكم على وصيتكم. وتأويل الذين قالوا : هما وصيان لا شاهدان، قوله : شَهادَةُ بَيْنِكُمْ بمعنى الحضور والشهود لما يوصيهما به المريض، من قولك : شهدت وصية فلان، بمعنى حضرته.
وأولى التأويلين بقوله : اثْنانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ تأويل من تأوّله بمعنى : أنهما من أهل الملة دون من تأوّله أنهما من حيّ الموصي.
وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالآية، لأن الله تعالى عم المؤمنين بخطابهم بذلك في قوله : " يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إذَا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيّةِ اثْنانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ " فغير جائز أن يُصرف ما عمه الله تعالى إلى الخصوص إلا بحجة يجب التسليم لها. وإذ كان ذلك كذلك، فالواجب أن يكون العائد من ذكرهم على العموم، كما كان ذكرهم ابتداء على العموم.
وأَوْلَى المعنيين بقوله : شَهادَةُ بَيْنِكُمْ اليمين، لا الشهادة التي يقوم بها من عنده شهادة لغيره لمن هي عنده على من هي عليه عند الحكام لأنّا لا نعلم لله تعالى حكما يجب فيه على الشاهد اليمين، فيكون جائزا صرف الشهادة في هذا الموضع إلى الشهادة التي يقوم بها بعض الناس عند الحكام والأئمة. وفي حكم الاية في هذه اليمين على ذوي العدل، وعلى من قام مقامهم في اليمين بقوله : " تَحْبِسُوَنهُما مِنْ بَعْدِ الصّلاةِ فَيُقْسمِانِ باللّهِ " أوضح الدليل على صحة ما قلنا في ذلك من أن الشهادة فيه الأيمان دون الشهادة التي يقضي بها للمشهود له على المشهود عليه، وفساد ما خالفه.
فإن قال قائل : فهل وجدت في حكم الله تعالى يمينا تجب على المدّعي فتوجه قولك في الشهادة في هذا الموضع إلى الصحة ؟ فإن قلت : لا، تبين فساد تأويلك ذلك على ما تأوّلت، لأنه يجب على هذا التأويل أن يكون المقسمان في قوله :" فإنْ عُثرَا على أنّهُما اسْتَحَقّا إثْما فآخَرَانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الّذِينَ اسْتَحَقّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ باللّهِ لشَهادَتُنا أحَقّ مِنْ شَهادَتِهِما " هما المدعيين. وإن قلت بلى، قيل لك : وفي أيّ حكم الله تعالى وجدت ذلك ؟ قيل : وجدنا ذلك في أكثر المعاني، وذلك في حكم الرجل يدّعي قِبَل رجل مالاً، فيقرّ به المدّعي عليه قبله ذلك ويدعي قضاءه، فيكون القول قول ربّ الدين، والرجل يعترف في يد الرجل السلعة، فيزعم المعترَفة في يده أنه اشتراها من المدّعي أو أن المدّعي وهبها له، وما أشبه ذلك مما يكثر إحصاؤه. وعلى هذا الوجه أوجب الله تعالى في هذا الموضع اليمين على المدّعيين اللذين عثرا على الجانيين فيما جنيا فيه.
واختلف أهل العربية في الرافع قوله : " شَهادَةُ بَيْنِكُمْ "، وقوله : اثْنانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ. فقال بعض نحويي البصرة : معنى قوله : شَهادَةُ بَيْنِكُمْ شهادة اثنين ذوي عدل، ثم ألقيت الشهادة وأقيم الاثنان مقامها، فارتفعا بما كانت الشهادة به مرتفعة لو جعلت في الكلام. قال : وذلك في حذف ما حذف منه وإقامة ما أقيم مقام المحذوف، نظير قوله : وَاسأَلِ القَرْيَةَ وإنما يريد : واسأل أهل القرية، وانتصبت القرية بانتصاب الأهل وقامت مقامه، ثم عطف قوله :«أو آخران » على «الاثنين ».
وقال بعض نحويي الكوفة : رفع الاثنين بالشهادة : أي ليشهدكم اثنان من المسلمين، أو آخران من غيركم. وقال آخر منهم : رفعت الشهادة ب «إذا حضر ». وقال : إنما رفعت بذلك لأنه قال :«إذا حضر »، فجعلها شهادة محذوفة مستأنفة، ليست بالشهادة التي قد رفعت لكلّ الخلق، لأنه قال تعالى ذكره :" أوْ آخَرَانِ مِنْ غيرِكُمْ "، وهذه شهادة لا تقع إلا في هذا الحال، وليست مما ثبت.
وأولى هذه الأقوال في ذلك عندي بالصواب، قول من قال : الشهادة مرفوعة بقوله : إذَا حَضَرَ لأن قوله : إذا حَضَرَ بمعنى : عند حضور أحدكم الموت، والاثنان مرفوع بالمعنى المتوهم، وهو أن يشهد اثنان، فاكتفي من قيل أن يشهد بما قد جري من ذكر الشهادة في قوله : شَهادَةُ بَيْنِكُمْ.
وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن الشهادة مصدر في هذا الموضع، والاثنان اسم، والاسم لا يكون مصدرا، غير أن العرب قد تضع الأسماء مواضع الأفعال. فالأمر وإن كان كذلك، فصرف كل ذلك إلى أصحّ وجوهه ما وجدنا إليه سبيلاً أولى بنا من صرفه إلى أضعفها.
القول في تأويل قوله تعالى : " أوْ آخَرَانِ مِنْ غيرِكُمْ ".
يقول تعالى ذكره للمؤمنين : ليشهد بينكم إذا حضر أحدكم الموت عدلان من المسلمين، أو آخران من غير المسلمين.
وقد اختلف أهل التأويل في تأويل قوله :" أوْ آخَرَانِ مِنْ غيرِكُمْ " فقال بعضهم : معناه : أو آخران من غير أهل ملتكم نحو الذي قلنا فيه.
ذكر من قال ذلك :
حدثنا حميد بن مسعدة، وبشر بن معاذ، قالا : حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب : " أوْ آخَرَانِ مِنْ غيرِكُمْ " من أهل الكتاب.
حدثنا محمد بن بشار، ومحمد بن المثنى، قالا : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، قال : سمعت قتادة يحدّث، عن سعيد بن المسيب :" أوْ آخَرَانِ مِنْ غيرِكُمْ " : من أهل الكتاب.
حدثني أبو حفص الجبيري عبيد الله بن يوسف، قال : حدثنا مؤمل بن إسماعيل، قال : حدثنا شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، مثله.
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا ابن أبي عديّ، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد، مثله.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم وسليمان التيّمي، عن سعيد بن المسيب، أنهما قالا في قوله : " أوْ آخَرَانِ مِنْ غيرِكُمْ " قالا : من غير أهل ملتكم.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا مغيرة، قال : ثني من سمع سعيد بن جبير، يقول، مثل ذلك.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا التيمي، عن أبي مجلز، قال : من غير أهل ملتكم.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم، مثله.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال : إن كان قربه أحد من المسلمين أشهدهم، وإلا أشهد رجلين من المشركين.
حدثنا عمرو بن عليّ، قال : حدثنا قتيبة، قال : حدثنا هشيم، عن المغيرة، عن إبراهيم، وسعيد بن جبير، في قوله : " أوْ آخَرَانِ مِنْ غيرِكُمْ " قالا : من غير أهل ملتكم.
حدثنا عمرو، قال : حدثنا يحيى بن سعيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، عن سعيد : " أوْ آخَرَانِ مِنْ غيرِكُمْ " قال : من أهل الكتاب.
حدثنا عمرو، قال : حدثنا محمد بن سواء، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، مثله.
حدثنا هناد، قال : حدثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، مثله.
حدثنا عمران بن موسى، قال : حدثنا عبد الوارث بن سعيد، قال : حدثنا إسحاق بن سويد، عن يحيى بن يعمر، في قوله : " اثْنانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ " من المسلمين، فإن لم تجدوا من المسلمين، فمن غير المسلمين.
حدثنا المثنى، قال : حدثنا عبد الأعلى، قال : حدثنا داود، عن عامر، عن شريح، في هذه الاية : " يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إذَا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيّةِ اثْنانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أوْ آخَرَانِ