جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَىَ أَنّهُمَا اسْتَحَقّآ إِثْماً فَآخَرَانِ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا مِنَ الّذِينَ اسْتَحَقّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَآ إِنّا إِذاً لّمِنَ الظّالِمِينَ﴾. .
يعني تعالى ذكره بقوله : فإنْ عُثِرَ : فإن اطلع منهما، أو ظهر. وأصل العثر : الوقوع على الشيء والسقوط عليه، ومن ذلك قولهم : عثرت إصبع فلان بكذا : إذا صدمته وأصابته، ووقعت عليه ومنه قول الأعشى ميمون بن قيس :
بِذَاتِ لَوْثٍ عَفَرْناةً إذَا عَثَرَتْفالتّعْسُ أدْنى لهَا مِنْ أنْ أقولَ لَعا
يعني بقوله :«عثرت » : أصاب ميسم خفها حجر أو غيره، ثم يستعمل ذلك في كلّ واقع على شيء كان عنه خفيا، كقولهم :«عَثَرَتْ على الغزل بأَخَرَة، فلم تَدَعْ بنَجْدٍ قَرَدَةً »، بمعنى : وقعت.
وأما قوله : على أنّهُما اسْتَحَقّا إثْما فإنه يقول تعالى ذكره : فإن اطلع من الوصيين اللذين ذكر الله أمرهما في هذه الآية بعد حلفهما بالله : لا نشتري بأيماننا ثمنا، ولو كان ذا قُربى، ولا نكتم شهادة الله على أنهما استحقا إثما، يقول : على أنهما استوجبا بأيمانهما التي حلفا بها إثما، وذلك أن يطلع على أنهما كانا كاذبين في أيمانهما بالله ما خنّا، ولا بدّلنا، ولا غَيّرنا، فإن وجدا قد خانا من مال الميت شيئا، أو غَيّرا وصيته، أو بدّلا، فأثما بذلك من حلفهما بربهما فَآخَرَانِ يَقُومانِ مَقامَهُما يقول : يقوم حينئذٍ مقامهما من ورثة الميت الأوليان الموصى إليهما.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير :" أوْ آخَرَانِ مِنْ غيرِكُمْ " قال : إذا كان الرجل بأرض الشرك فأوصى إلى رجلين من أهل الكتاب، فإنهما يحلفان بعد العصر، فإذا اطلع عليهما بعد حلفهما أنهما خانا شيئا، حَلَف أولياء الميت إنه كان كذا وكذا، ثم استحقّوا.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم، بمثله.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، في قوله :" أوْ آخَرَانِ مِنْ غيرِكُمْ " من غير المسلمين تحبسونهما من بعد الصلاة، فإن ارتِيبَ في شهادتهما، استحلفا بعد الصلاة بالله : ما اشترينا بشهادتنا ثمنا قليلاً فإن اطلع الأولياء على أن الكافِرَين كذبا في شهادتهما، قام رجلان من الأولياء فحلفا بالله : إن شهادة الكافرين باطلة، وإنا لم نَعْتَدِ فذلك قوله : " فإنْ عُثِرَ على أنّهُما اسْتَحَقّا إثْما " يقول : إن اطلع على أن الكافرين كذبا، " فَآخَرَانِ يَقُومانِ مَقامَهُما " يقول : من الأولياء، فحلفا بالله : إن شهادة الكافرين باطلة، وإنّا لم نعتد. فتردّ شهادة الكافرين، وتجوز شهادة الأولياء.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : " فإنْ عُثِرَ على أنّهُما اسْتَحَقّا إثْما " أي اطلع منهما على خيانة أنهما كذبا أو كتما.
واختلف أهل التأويل في المعنى الذي له حكم الله تعالى ذكره على الشاهدين بالأيمان فنقلها إلى الآخرين بعد أن عُثِر عليهما أنهما استحقا إثما. فقال بعضهم : إنما ألزمهما اليمين إذا ارتيب في شهادتهما على الميت في وصيته أنه أوصى لغير الذي يجوز في حكم الإسلام، وذلك أن يشهد أنه أوصى بماله كله، أو أوصى أن يفضّل بعض ولده ببعض ماله.
ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس :" يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إذَا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ. . . إلى قوله : ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ من أهل الإسلام، أوْ آخَرَانِ مِنْ غيرِكُمْ من غير أهل الإسلام، إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ. . . إلى : فَيُقْسِمانِ باللّهِ " يقول : فيحلفان بالله بعد الصلاة، فإن حلفا على شيء يخالف ما أنزل الله تعالى من الفريضة، يعني اللّذَينِ ليسا من أهل الإسلام، فآخران يقومان مقامهما من أولياء الميت، فيحلفان بالله : ما كان صاحبنا ليوصِيَ بهذا، أو : إنهما لكاذبان، ولشهادتنا أحقّ من شهادتهما.
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، قال : يوقف الرجلان بعد صلاتهما في دينهما، يحلفان بالله : لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قُربى ولا نكتم شهادة الله، إنّا إذن لمن الآثمين إن صاحبكم لبهذا أوصى، وإن هذه لتركته فإذا شهدا، وأجاز الإمام شهادتهما على ما شهدا، قال لأولياء الرجل : اذهبوا فاضربوا في الأرض واسألوا عنهما، فإن أنتم وجدتم عليهما خيانة أو أحدا يطعن عليهما رددنا شهادتهما فينطلق الأولياء فيسألون، فإن وجدوا أحدا يطعنُ عليهما أو هما غير مرضيين عندهم، أو اطّلع على أنهما خانا شيئا من المال وجدوه عندهما، فأقبل الأولياء فشهدوا عند الإمام وحلفوا بالله : لشهادتنا إنهما لخائنان متهمان في دينهما مطعون عليهما أحقّ من شهادتهما بما شهدا، وما اعتدينا. فذلك قوله : " فإنْ عُثرَ على أنّهُما اسْتَحَقّا إثْما فَآخَرَانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الّذِينَ اسْتَحَقّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ ".
وقال آخرون : بل إنما ألزم الشاهدان اليمين، لأنهما ادّعيا أنه أوصى لهما ببعض المال. وإنما ينقل إلى الاخرين من أجل ذلك إذا ارتابوا بدعواهما.
ذكر من قال ذلك :
حدثنا عمران بن موسى القزّاز، قال : حدثنا عبد الوارث بن سعد، قال : حدثنا إسحاق بن سويد، عن يحيى بن يعمر في قوله : " تحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصّلاةِ فَيُقْسِمانِ باللّهِ " قال : زعما أنه أوصى لهما بكذا وكذا، " فإنْ عُثِرَ على أنّهُما اسْتَحَقّا إثْما أي بدعواهما لأنفسهما، فَآخَرَانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الّذِينَ اسْتَحَقّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ " أنّ صاحبنا لم يوص إليكما بشيء مما تقولان.
والصواب من القول في ذلك عندنا، أن الشاهدين ألزما اليمين في ذلك باتهام ورثة الميت إياهما فيما دفع إليهما الميت من ماله، ودعواهم قبلها خيانة مال معلوم المبلغ، ونقلت بعد إلى الورثة عند ظهور الريبة التي كانت من الورثة فيهما، وصحة التهمة عليهما بشهادة شاهد عليهما أو على أحدهما، فيحلف الوارث حينئذٍ مع شهادة الشاهد عليهما أو على أحدهما إنما صحح دعواه إذا حقق حقه، أو الإقرار يكون من الشهود ببعض ما ادّعى عليهما الوارث أو بجميعه، ثم دعواهما في الذي أقرّا به من مال الميت ما لا يقبل فيه دعواهما إلاّ ببينة، ثم لا يكون لهما على دعواهما تلك بينة، فينقل حينئذٍ اليمين إلى أولياء الميت.
وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في ذلك بالصحة، لأنا لا نعلم من أحكام الإسلام حكما يجب فيه اليمين على الشهود ارتيب بشهادتهما أو لم يرتب بها، فيكون الحكم في هذه الشهادة نظيرا لذلك. ولم نجد ذلك كذلك صحّ بخبر عن الرسول ﷺ ولا بإجماع من الأمة، لأن استحلاف الشهود في هذا الموضع من حكم الله تعالى، فيكون أصلاً مسلما. والمقول إذا خرج من أن يكون أصلاً أو نظيرا لأصل فيما تنازعت فيه الأمة، كان واضحا فساده. وإذا فسد هذا القول بما ذكرناه، فالقول بأن الشاهدين استحلفا من أجل أنهما ادّعيا على الميت وصية لهما بمال من ماله أفسد من أجل أن أهل العلم لا خلاف بينهم في أن من حكم الله تعالى أن مدّعيا لو ادّعى في مال ميت وصية أن القول قول ورثة المدّعي في ماله الوصية مع أيمانهم، دون قول مدّعي ذلك مع يمينه، وذلك إذا لم يكن للمدّعي بينة. وقد جعل الله تعالى اليمين في هذه الاية على الشهود إذا ارتيب بهما، وإنما نقل الإيمان عنهم إلى أولياء الميت، إذا عُثِر على أن الشهود استحقوا إثما في أيمانهم فمعلوم بذلك فساد قول من قال : ألزم اليمين الشهود لدعواهم لأنفسهم وصية أوصى بها لهم الميت في ماله، على أن ما قلنا في ذلك عن أهل التأويل هو التأويل الذي وردت به الأخبار عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ، أن رسول الله ﷺ قضى به حين نزلت هذه الاية بين الذين نزلت فيهم وبسببهم. ذكر من قال ذلك :
حدثني ابن وكيع، قال : حدثنا يحيى بن آدم، عن يحيى بن أبي زائدة، عن محمد بن أبي القاسم، عن عبد الملك بن سعيد بن جبير، عن أبيه، عن ابن عباس، قال : خرج رجل من بني سهم مع تميم الدارّي وعديّ بن بداء، فمات السهميّ بأرض ليس فيها مسلم، فلما قدما بتركته، فقدوا جاما من فضة مخوّصا بالذهب، فأحلفهما رسول الله ﷺ. ثم وُجد الجام بمكة، فقالوا : اشتريناه من تميم الداريّ وعديّ بن بداء. فقام رجلان من أولياء السهميّ فحلفا : لشهادتنا أحقّ من شهادتهما، وأن الجام لصاحبهم. قال : وفيهم أنزلت : " يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ ".
حدثنا الحسن بن أبي شعيب الحراني، قال : حدثنا محمد بن سلمة الحراني، قال : حدثنا محمد بن إسحاق، عن أبي النضر، عن زاذان مولى أمّ هانئ ابنة أبي طالب، عن ابن عباس، عن تمم الداريّ في هذه الاية : " يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إذَا حَضَرَ أحدَكُمُ المَوْتُ " قال : برئ الناس منها غيري وغير عديّ بن بداء، وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبل الإسلام، فأتيا الشام لتجارتهما، وقدم عليهما مولى لبني سهم، يقال له بديل بن أبي مريم بتجارة، ومعه جام فضة يريد بن الملك، وهو عظم تجارته، فمرض، فأوصى إليهما وأمرهما أن يبلغا ما ترك أهله. قال تميم : فلما مات، أخذنا ذلك الجام، فبعناه بألف درهم فقسمناه أنا وعديّ بن بداء، ( فلما قدمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا، وفقدوا الجام فسألونا عنه ) فقلنا : ما ترك غير هذا، وما دفع إلينا غيره. قال تميم : فلما أسلمت بعد قدوم رسول الله ﷺ المدينة تأثمت من ذلك، فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر، وأدّيت إليهم خمسمائة درهم، وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها، فأتوا به رسول الله ﷺ، فسألهم البينة فلم يجدوا، فأمرهم أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه، فحلف، فأنزل الله تعالى :" يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ. . . إلى قوله : أنْ تُرّدّ أيمَانٌ بَعْدَ أيمانِهِمْ " فقام عمرو بن العاص، ورحل آخر منهم، فحلفا، فنزعت الخمسمائة من عديّ بن بداء.
حدثنا القاسم : حدثنا الحسين، قال : حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة وابن سيرين وغيره. قال : وثنا الحجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، دخل حديث بعضهم في بعض : " يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ. . . " الاية، قال : كان عديّ وتميم الداريّ وهما من لخم نصرانيان يتجران إلى مكة في الجاهلية. فلما هاجر رسول الله صل

تفسير هذه الآية من كتب أخرى