غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراءات :﴿ينزل﴾ من الإنزال : أبو عمرو وابن كثير وسهل ويعقوب ﴿شهادة﴾ بالتنوين ﴿آلله﴾ بالمد : روح وزيد. الباقون بالإضافة. «استحق» على البناء للفاعل : حفص والأعشى في اختياره الباقون على البناء للمفعول. ﴿الأولين﴾ جمع الأول نقيض الآخر. سهل ويعقوب وحمزة خلف وعاصم غير حفص والأعشى في اختياره الباقون ﴿الأوليان﴾ تثنية الأولى الأحق ﴿الغيوب﴾ بكسر الغين حيث كان : حمزة وحماد وأبو بكر غير الشموني والبرجمي والخزاعي عن ابن فليح في ﴿ساحر﴾ وكذلك في هود والصف : حمزة وعلي وخلف الباقون ﴿سحر﴾ ﴿هل تستطيع﴾ بتاء الخطاب ﴿ربك﴾ بالنصب : علي والأعشى في اختياره، الباقون بالياء وبالرفع ﴿أن ينزل﴾ بالتخفيف من الإنزال : ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب. الباقون بالتشديد ﴿منزلها﴾ بالتشديد : عاصم وأبو جعفر نافع وابن عامر. الباقون بالتخفيف ﴿فإني أعذبه﴾ بفتح ياء المتكلم : أبو جعفر ونافع ﴿وأمي﴾ بفتح الياء : أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو وحفص ﴿لي أن﴾ بالفتح : ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو. الباقون بالسكون ﴿يوم ينفع﴾ بفتح الميم : نافع. الباقون بالرفع.
الوقوف :﴿تسؤكم﴾ ج لابتداء شرط آخر مع واو العطف. ﴿تبدلكم﴾ ط ﴿عنها﴾ ط ﴿حليم﴾ ه ﴿كافرين﴾ ه ﴿ولا حام﴾ لا للاستدراك. ﴿الكذب﴾ ط ﴿لا يعقلون﴾ ه ﴿آبائنا﴾ ط ﴿ولا يهتدون﴾ ه ﴿أنفسكم﴾ ج لاحتمال الاستئناف أو الحال أي احفظوا أنفسكم غير مضرورين ﴿إذا اهتديتم﴾ ط ﴿تعملون﴾ ه ﴿مصيبة الموت﴾ ط ﴿قربى﴾ ز لأن قوله ﴿ولا نكتم﴾ من جواب القسم. ﴿شهادة﴾ ط لمن قرأ ﴿آلله﴾ بالمد ﴿الآثمين﴾ ه ﴿وما اعتدينا﴾ ز لظاهر «إن» والوصل أجوز لتعلق «إذا» بقوله ﴿وما اعتدينا﴾ ز ﴿الظالمين﴾ ه ﴿أيمانهم﴾ ط لابتداء الأمر ﴿واسمعوا﴾ ط ﴿الفاسقين﴾ ه ﴿أجبتم﴾ ط ﴿لنا﴾ ط ﴿الغيوب﴾ ه ﴿والدتك﴾ لا لئلا يوهم أنه ظرف لا ذكر بل عامله محذوف والتقدير : واذكر إذا أيدتك ﴿وكهلاً﴾ ج ﴿والإنجيل﴾ ج ﴿والأبرص بإذني﴾ ج ﴿الموتى﴾ ج لأن «إذ» يجوز تعلقه تعلق به «إذ» الأول، ويمكن تعلق كل واحد بمحذوف آخر لتفصيل النعم ﴿سحر مبين﴾ ه ﴿وبرسولي﴾ ط لاحتمال أن قالوا مستأنف أو عامل في ﴿إذ أوحيت﴾ ﴿مسلمون﴾ ﴿من السماء﴾ الأولى ط ﴿مؤمنين﴾ ه ﴿الشاهدين﴾ ه ﴿وآية منك﴾ ج لاتفاق الجملتين مع وقوع العارض ﴿الرازقين﴾ ه ﴿عليكم﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿العالمين﴾ ه ﴿من دون الله﴾ ط ﴿ما ليس لي﴾ ط قد قيل وهو تعسف لأن المنكر لا يقسم به والقسم لا يجاب بالشرط بل الوقف على ﴿بحق﴾ ﴿علمته﴾ ط ﴿نفسك﴾ ط ﴿الغيوب﴾ ه ﴿وربكم﴾ ج على أن الواو للاستئناف أو الحال أي وقد كنت ﴿فيهم﴾ ط لأن عامل «لما» متأخر وفاء التعقيب دخلتها ﴿عليهم﴾ ط لأن الواو لا يحتمل الحال للتعميم في كل شيء ﴿شهيد﴾ ه ﴿عبادك﴾ ج لابتداء الشرط مع الواو ﴿الحكيم﴾ ه ﴿صدقهم﴾ ط لاختلاف الجملتين بلا عطف ﴿أبداً﴾ ط ﴿عنه﴾ ط ﴿العظيم﴾ ه ﴿وما فيهن﴾ ط ﴿قدير﴾ ه.
ثم إنه سبحانه لما أمر بحفظ النفس في قوله ﴿عليكم أنفسكم﴾ أمر بحفظ المال. عن ابن عباس أن تميماً الداري وأخاه عدياً - وكانا نصرانيين -، خرجا إلى الشام ومعهما بديل مولى عمرو بن العاص - وكان مسلماً مهاجراً - خرجوا للتجارة. فلما قدموا الشام مرض بديل فكتب كتاباً فيه نسخة جميع ما معه وأخفاه بين الأقمشة ولم يخبر صاحبيه بذلك، ثم أوصى إليهما وأمرهما أن يدفعا متاعه إلى أهله ومات. ففتشا متاعه فأخذا إناء من فضة فيه ثلثمائة مثقال منقوشاً بالذهب ودفعا باقي المتاع إلى أهله لما قدما، فأصاب أهل بديل الصحيفة فطالبوهما بالإناء فجحدا فرفعوهما إلى النبي ﷺ فنزلت. ومعنى ﴿شهادة بينكم﴾ شهادة ما بينكم أي من التنازع والتشاجر. وإنما أضيفت الشهادة إلى التنازع لأن الشهود إنما يحتاج إليهم عند النزاع ﴿وإذا حضر﴾ ظرف للشهادة ﴿حين الوصية﴾ بدل منه. وفي هذا دليل على أن الوصية مما لا ينبغي أن يتهاون بها المسلم عند ظهور أمارات الموت فكأنّ وقتيهما واحد وهما متلازمان. وارتفع ﴿اثنان﴾ على أنه قام مقام الخبرية أي شهادة بينكم أن يشهد اثنان. وفي قوله اثنين، أو على أنه فاعل فعل محذوف والتقدير شهادة ما بينكم أن يشهد اثنان. وفي قوله ﴿منكم﴾ و ﴿من غيركم﴾ قولان : فعن الحسن والزهري وعليه جمهور الفقهاء أن ﴿منكم﴾ أي من أقاربكم و﴿من غيركم﴾ أي من الأجانب. والمعنى إن وقع الموت في السفر ولم يكن معكم أحد من أقاربكم فاستشهدوا على الوصية أجنبيين. وجعل الأقارب أولى لأنهم أعلم بحال الميت وأرأف به. وعن ابن عباس وأبي موسى الأشعري وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وشريح ومجاهد وابن جريح وابن سرين أن ﴿منكم﴾ أي من أهل ملتكم و﴿من غيركم﴾ أي من كافر كان يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً أو عابد وثن. قال الشافعي : مرض رجل من المسلمين في الغربة فلم يجد أحد من المسلمين يشهده على وصيته فأشهد رجلين من أهل الكتاب فقدما الكوفة وأتيا أبا موسى الأشعري وكان والياً عليها فأخبراه بالواقعة. فقال أبو موسى : هذا أمر لم يقع بعد النبي ﷺ فحلفهما في مسجد رسول الله ﷺ بعد العصر بالله العظيم أنهما ما كذبا وما بدلا وأجاز شهادتهما. والذاهبون إلى هذا القول احتجوا بأن الخطاب في ﴿منكم﴾ لجميع المؤمنين فيلزم أن يكون غيرهم كافرين، وبأن هذين الشاهدين لو كانا مسلمين لم يكن الاستشهاد بهما مشروطاً بالسفر لجواز ذلك في الحضر أيضاً بالاتفاق، وبأنه تعالى أوجب الحلف عليهما والشاهد المسلم لا يجب تحليفه البته، وبأن الشاهدين في سبب النزول كانا نصرانيين وبأن أبا موسى قضى بذلك ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، وبأن الضرورات تبيح المحظورات كالتيمم والإفطار وأكل الميتة، والمسلم إذا قرب أجله ولم يجد مسلماً ولا تقبل شهادة الكفار ضاع أكثر مهماته فقد يكون عليه زكوات وكفارات وديون ولديه ودائع وله مصالح ولمثل هذه الضرورة جوّزنا شهادة النساء فيما يتعلق بأحوال النساء كالحيض والحبل والولادة. وللأولين أن يجيبوا بأن حذف المضاف غير عزيز وبأن ذكر السفر ليس لأجل اشتراط قبول الشهادة ولكن لأجل أن الغالب في السفر فقدان الأقارب ووجود الأجانب، وبأن التحليف مشروط بالريبة وقد روي عن علي كرم الله وجهه أنه كان يحلف الشاهد والراوي إذا اتهمهما، وبأن سبب النزول لا يلزم أن ينطبق على الحكم حذو القذة بالقذة. وبأن قصة أبي موسى خبر الواحد، وبأن الضرورة كانت في أوّل الإسلام لقلة المسلمين وتعذرهم في السفر غالباً. ومما يصلح أن يكون مؤكداً لهذه الآية وإن لم يجز أن يكون ناسخاً لها عند من يرى أن المائدة من آخر القرآن نزولاً قوله تعالى
﴿وأشهدوا ذوى عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢] وليس المراد من العدالة الاحتراز عن الكذب في النطق فقط بل في الدين والاعتقاد، ولا كذب أعظم من الفريه على الله تعالى وعلى رسله. وإنما تقبل شهادة أهل البدع والأهواء من هذه الأمة احتشاماً لكلمة الإسلام. وموقع ﴿تحبسونهما﴾ أي توقفونهما وتصيرونهما استئناف كأنه قيل : فكيف نعمل إن ارتبنا ؟ فقيل ﴿تحبسونهما من بعد الصلاة﴾ قال ابن عباس : من بعد صلاة دينهما. وقال عامة المفسرين : من بعد صلاة العصر لأن هذا الوقت كان معروفاً عندهم بالتحليف بعده، ولفعل رسول الله ﷺ حيث دعا بعدي وتميم فاستحلفهما عند المنبر بعد صلاة العصر، ولأن جميع أهل الأديان يعظمون هذا الوقت ويذكرون الله تعالى فيه ويحترزون عن الحلف الكاذب، وأهل الكتاب يصلون لطلوع الشمس وغروبها. وقال الحسن : المراد بعد الظهر وبعد العصر لأن أهل الحجاز كانوا يقعدون للحكومة بعدهما. وقيل : بعد أي صلاة كانت لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر. قال الشافعي : الأيمان تغلظ في الدماء والطلاق والعتاق والمال إذا بلغ مائتي درهم بالزمان والمكان، فيحلف بعد العصر بمكة بين الركن والمقام وبالمدينة عند المنبر، وفي بيت المقدس عند الصخرة، وفي سائر البلدان في أشرف المساجد. وقد تغلظ بالتكرير والتعديل كما في القسامة واللعان أو بزيادة الأسماء والصفات، وقال أبو حنيفة : يحلف من غير التغليظ بزمان أو مكان. ولا يخفى أن قول الشافعي أوفق للآية. والمقسم عليه قوله ﴿لا نشتري به ثمناً ولو كان ذا قربى﴾ وقوله ﴿إن ارتبتم﴾ اعتراض، والضمير في ﴿به﴾، للقسم وفي كان للمقسم له يعني لا نستبدل بصحة القسم بالله عرضاً من الدنيا ولو كان من يقسم له قريباً منا، أرادوا أن هذه عادتهم في صدقهم وأمانتهم أبداً كقوله ﴿شهداء لله ولو على أنفسكم﴾ وخص ذا القربى بالذكر لأن الميل إليهم أتم والمداهنة بينهم أكمل ﴿ولا نكتم شهادة الله﴾ [النساء: ١٣٥] التي أمر بحفظها وتعظيمها وأدائها ﴿إنا إذاً لمن الآثمين﴾ أي إذا كتمناها كنا من الآثمين. ونقل عن الشعبي أنه وقف على قول الله عز وجل ﴿شهادة﴾ ثم ابتدأ ﴿الله﴾ بالمد على حذف حرف القسم وتعويض حرف الاستفهام منه. وروى عنه بغير مدّ على ما ذكره سيبويه أن منهم من يقول : الله لقد كان كذا والمعنى بالله.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل : أخبر عن كثرة السؤال أنها تورث الملال وذلك أن علوم القال غير علوم الحال، والصنف الأول يحمد فيه السؤال والثاني يذم فيه ذلك إذ يحصل بالعيان لا بالبرهان كما كان حال الأنبياء عليهم السلام مع الله ﴿وكذلك نرى إبراهيم﴾ [الأنعام: ٧٥] ﴿لقد رأى من آيات ربه الكبرى﴾ [النجم: ١٨] وقال ﷺ :«أرنا الأشياء كما هي» وقال الخضر لموسى عليه السلام ﴿فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء﴾ [الكهف: ٧٠] وقال موسى في الثالثة ﴿إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني﴾ [الكهف: ٧٦] فإن تعلم العلم اللدني بالحال في الصحبة والمتابعة والتسليم. وفي السؤال الانقطاع عن الصحبة ﴿وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن﴾ أي إن كان لا بد لكم من السؤال عن حقائق فاسألوا عنها بعد نزول القرآن ليخبركم عن حقائقها على قدر عقولكم. ﴿والله غفور﴾ لمن تاب من طلب علوم الحقائق بالقال ﴿حليم﴾ لمن يطلب بالحال فيصدر عنه في أثناء الطلب سؤال ﴿قد سألها قوم من قبلكم﴾ كقدماء الفلاسفة أعرضوا عن متابعة الأنبياء وأقبلوا على مجرد القيل والقال، فوقعوا في أودية الشبهات والضلال ﴿ما جعل الله من بحيرة﴾ قال الشيخ المحقق نجم الدين : المعروف بداية هم الحيدرية والقلندرية يشقون آذانهم وذكورهم ويجعلون فيها حلق حديد ويحلقون لحيتهم ﴿ولا سائبة﴾ هم الذين يضربون في الأرض خليعي العذار بلا لجام الشريعة وقيد الطريقة ويدعون أنهم أهل الحقيقة ﴿ولا وصيلة﴾ هم أهل الإباحة الذين يتصلون بالأجانب بطريق المؤاخاة والاتحاد ويرفضون صحبة الأقارب لأجل العصبية والعناد ﴿ولا حام﴾ وهو المغرور بالله يظن أنه بلغ مقام الحقيقة فلا يضره مخالفات الشريعة. ﴿وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله﴾ من الأحكام ﴿وإلى الرسول﴾ لمتابعته ﴿قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا﴾ أي مشايخنا وأهل صحبتنا ﴿أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً﴾ من الشريعة والطريقة ﴿ولا يهتدون﴾ إلى الحقيقة. ﴿عليكم أنفسكم﴾ أي اشتغلوا أوّلاً بتزكية نفوسكم ثم بإرشاد الغير فإن الفريق الذي لم يتعلم السباحة إذا تشبث به مثله هلكا معاً ﴿إلى الله مرجعكم جميعاً﴾ فللطالبين بجذبات العناية وللمضلين بسلاسل القهر والنكاية ﴿إذا حضر أحدكم الموت﴾ أي النفس تموت عن صفاتها الذميمة بالرياضة والمجاهدة فتوصي بصفاتها لورثتها وهم القلب وأوصافه والوصيان ﴿اثنان ذوا عدل منكم﴾ هما العقل والسر من الروحانيات، ﴿أو آخران﴾ من غير الروحانيات هما الوهم والخيال من النفسانيات. فالعقل والسر يشهدان الحق وإن كان على ذي قرابة الروحانيات، والوهم والخيال شهادتهما الصدق والكذب. ﴿إن أنتم ضربتم في الأرض﴾ أي سافرتم في السفليات ﴿فأصابتكم مصيبة الموت﴾ أي فتصيب النفس جذبة الحق فتموت ﴿تحبسونهما﴾ إن كنتم في بعد من الروحانيات ﴿من بعد الصلاة﴾ من بعد حضورهما مع الله وتوجيههما إلى الحق ومراقبة تامة، فيشدد على الشاهدين بالقسم والتخويف بالله أن يؤديا شهادة الحق ويدفعا تركة النفس وهي صفاتها إلى ورثتها وهم القلب وصفاته، ولا يصرفانها في شيء من السفليات فإن كل خلق إذا استعملته النفس كان صفة ذميمة، فإذا استعمله القلب صار وصفاً محموداً كالحرص إذا استعملته النفس في طلب الدنيا ولذتها كان وصفاً مذموماً، وإذا استعمله القلب في طلب العلوم والكمالات صار ممدوحاً. ﴿فإن عثر على أنهما استحقا إثماً﴾ بأن مالا إلى حظ من الحظوظ السفلية ﴿فآخران﴾ من صفات القلب هما : التذكر والفكر الصائب ينظران في عواقب الأمور ويشهدان على أن الآخرة خير من الدنيا والباقي خير من الفاني ﴿لشهادتنا أحق من شهادتهما﴾ لأن الوهم والخيال مالا إلى الحظوظ بكتمان الحقوق، والتذكر والتفكر مالا إلى حفظ الحقوق بترك الحظوظ. أن يأتوا بالشهادة على وجهها } أي العقل والسر يأتيان في بدو الأمر باستعمال صفات النفس في السعادات الأخروية، أو يخافان عواقب الأمور بأن يشددوا على أنفسهم بالاستمهال وتضييع الأعمال وإفساد الاستعداد، ثم بالتفكر والتذكر يردّ الأمر إلى وجوب رعاية الحقوق فيحتاجان إلى كثرة الرياضة. ﴿ماذا أجبتم قالوا﴾ وهم مستغرقون في بحر الشهود. ﴿لا علم لنا﴾ أي ببواطن الأمور وحقائقها. ﴿وإذ أوحيت إلى الحواريين﴾ أي في عالم الأرواح يوم الميثاق قالوا بسبب ذلك التعارف في عالم الأشباح آمنا. إن بعض الحواريين المقلدين في الإيمان قالوا ﴿يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك﴾ فما راعوا الأدب مع نبيهم حيث لم يقولوا يا رسول الله أو يا روح الله، ولا مع ربهم حيث تشككوا في كمال قدرته. ثم أظهروا دناءة همتهم حيث طلبوا بواسطة مثل عيسى من واهب المواهب مائدة جسمانية لا فائدة روحانية فقال عيسى ﴿اللهم ربنا أنزل علينا مائدة﴾ الأسرار والحقائق من سماء العناية عليها أطعمة الهداية ﴿تكون لنا﴾ أي لأهل الحق والصدق ﴿عيداً﴾ نفرح بها ﴿لأولنا وآخرنا﴾ أي لأول أنفاسنا وآخرها فإن أهل الحق يراقبون الأنفاس لتصعد مع الله وتهوي مع الله ﴿وأنت خير الرازقين﴾ لأن الذي ترزق رزق منك والذي يرزق ظاهراً من غيرك فهو أيضاً منك بالواسطة، وما بالذات خير مما بالواسطة. ﴿فمن يكفر بعد منكم﴾ بأن لا يقوم بحقها ويجعلها شبكة يصطاد بها الدنيا فأني أرده من المراتب الروحانية إلى المهالك الحيوانية وهو المسخ الحقيقي، ويوم القيامة أيضاً بحيث يحشرون على صفاتهم التي ماتوا عليها كما قال ﷺ «يموت المرء على ما عاش فيه ويحشر على ما مات عليه» ﴿أأنت قلت للناس﴾ الخطاب مع الأمة إلا أن من سنته سبحانه أن لا يكلم الكفار فكلم عيسى بدلاً منهم، أو المراد بالقول أمر التكوين فالمعنى أأنت خلقت فيهم اتخاذك وأمك الهين أم أنا خلقت ذلك فيهم خذلاناً لهم ؟ ﴿إنك أنت علام الغيوب﴾ الغيب ما غاب عن الخلق. ويحتمل أن سيعلمه الخلق، وغيب الغيب ما غاب عنهم ولا يمكنهم أن يعلموه، والله حسبي ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير.
الوقوف :﴿تسؤكم﴾ ج لابتداء شرط آخر مع واو العطف. ﴿تبدلكم﴾ ط ﴿عنها﴾ ط ﴿حليم﴾ ه ﴿كافرين﴾ ه ﴿ولا حام﴾ لا للاستدراك. ﴿الكذب﴾ ط ﴿لا يعقلون﴾ ه ﴿آبائنا﴾ ط ﴿ولا يهتدون﴾ ه ﴿أنفسكم﴾ ج لاحتمال الاستئناف أو الحال أي احفظوا أنفسكم غير مضرورين ﴿إذا اهتديتم﴾ ط ﴿تعملون﴾ ه ﴿مصيبة الموت﴾ ط ﴿قربى﴾ ز لأن قوله ﴿ولا نكتم﴾ من جواب القسم. ﴿شهادة﴾ ط لمن قرأ ﴿آلله﴾ بالمد ﴿الآثمين﴾ ه ﴿وما اعتدينا﴾ ز لظاهر «إن» والوصل أجوز لتعلق «إذا» بقوله ﴿وما اعتدينا﴾ ز ﴿الظالمين﴾ ه ﴿أيمانهم﴾ ط لابتداء الأمر ﴿واسمعوا﴾ ط ﴿الفاسقين﴾ ه ﴿أجبتم﴾ ط ﴿لنا﴾ ط ﴿الغيوب﴾ ه ﴿والدتك﴾ لا لئلا يوهم أنه ظرف لا ذكر بل عامله محذوف والتقدير : واذكر إذا أيدتك ﴿وكهلاً﴾ ج ﴿والإنجيل﴾ ج ﴿والأبرص بإذني﴾ ج ﴿الموتى﴾ ج لأن «إذ» يجوز تعلقه تعلق به «إذ» الأول، ويمكن تعلق كل واحد بمحذوف آخر لتفصيل النعم ﴿سحر مبين﴾ ه ﴿وبرسولي﴾ ط لاحتمال أن قالوا مستأنف أو عامل في ﴿إذ أوحيت﴾ ﴿مسلمون﴾ ﴿من السماء﴾ الأولى ط ﴿مؤمنين﴾ ه ﴿الشاهدين﴾ ه ﴿وآية منك﴾ ج لاتفاق الجملتين مع وقوع العارض ﴿الرازقين﴾ ه ﴿عليكم﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿العالمين﴾ ه ﴿من دون الله﴾ ط ﴿ما ليس لي﴾ ط قد قيل وهو تعسف لأن المنكر لا يقسم به والقسم لا يجاب بالشرط بل الوقف على ﴿بحق﴾ ﴿علمته﴾ ط ﴿نفسك﴾ ط ﴿الغيوب﴾ ه ﴿وربكم﴾ ج على أن الواو للاستئناف أو الحال أي وقد كنت ﴿فيهم﴾ ط لأن عامل «لما» متأخر وفاء التعقيب دخلتها ﴿عليهم﴾ ط لأن الواو لا يحتمل الحال للتعميم في كل شيء ﴿شهيد﴾ ه ﴿عبادك﴾ ج لابتداء الشرط مع الواو ﴿الحكيم﴾ ه ﴿صدقهم﴾ ط لاختلاف الجملتين بلا عطف ﴿أبداً﴾ ط ﴿عنه﴾ ط ﴿العظيم﴾ ه ﴿وما فيهن﴾ ط ﴿قدير﴾ ه.
ثم إنه سبحانه لما أمر بحفظ النفس في قوله ﴿عليكم أنفسكم﴾ أمر بحفظ المال. عن ابن عباس أن تميماً الداري وأخاه عدياً - وكانا نصرانيين -، خرجا إلى الشام ومعهما بديل مولى عمرو بن العاص - وكان مسلماً مهاجراً - خرجوا للتجارة. فلما قدموا الشام مرض بديل فكتب كتاباً فيه نسخة جميع ما معه وأخفاه بين الأقمشة ولم يخبر صاحبيه بذلك، ثم أوصى إليهما وأمرهما أن يدفعا متاعه إلى أهله ومات. ففتشا متاعه فأخذا إناء من فضة فيه ثلثمائة مثقال منقوشاً بالذهب ودفعا باقي المتاع إلى أهله لما قدما، فأصاب أهل بديل الصحيفة فطالبوهما بالإناء فجحدا فرفعوهما إلى النبي ﷺ فنزلت. ومعنى ﴿شهادة بينكم﴾ شهادة ما بينكم أي من التنازع والتشاجر. وإنما أضيفت الشهادة إلى التنازع لأن الشهود إنما يحتاج إليهم عند النزاع ﴿وإذا حضر﴾ ظرف للشهادة ﴿حين الوصية﴾ بدل منه. وفي هذا دليل على أن الوصية مما لا ينبغي أن يتهاون بها المسلم عند ظهور أمارات الموت فكأنّ وقتيهما واحد وهما متلازمان. وارتفع ﴿اثنان﴾ على أنه قام مقام الخبرية أي شهادة بينكم أن يشهد اثنان. وفي قوله اثنين، أو على أنه فاعل فعل محذوف والتقدير شهادة ما بينكم أن يشهد اثنان. وفي قوله ﴿منكم﴾ و ﴿من غيركم﴾ قولان : فعن الحسن والزهري وعليه جمهور الفقهاء أن ﴿منكم﴾ أي من أقاربكم و﴿من غيركم﴾ أي من الأجانب. والمعنى إن وقع الموت في السفر ولم يكن معكم أحد من أقاربكم فاستشهدوا على الوصية أجنبيين. وجعل الأقارب أولى لأنهم أعلم بحال الميت وأرأف به. وعن ابن عباس وأبي موسى الأشعري وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وشريح ومجاهد وابن جريح وابن سرين أن ﴿منكم﴾ أي من أهل ملتكم و﴿من غيركم﴾ أي من كافر كان يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً أو عابد وثن. قال الشافعي : مرض رجل من المسلمين في الغربة فلم يجد أحد من المسلمين يشهده على وصيته فأشهد رجلين من أهل الكتاب فقدما الكوفة وأتيا أبا موسى الأشعري وكان والياً عليها فأخبراه بالواقعة. فقال أبو موسى : هذا أمر لم يقع بعد النبي ﷺ فحلفهما في مسجد رسول الله ﷺ بعد العصر بالله العظيم أنهما ما كذبا وما بدلا وأجاز شهادتهما. والذاهبون إلى هذا القول احتجوا بأن الخطاب في ﴿منكم﴾ لجميع المؤمنين فيلزم أن يكون غيرهم كافرين، وبأن هذين الشاهدين لو كانا مسلمين لم يكن الاستشهاد بهما مشروطاً بالسفر لجواز ذلك في الحضر أيضاً بالاتفاق، وبأنه تعالى أوجب الحلف عليهما والشاهد المسلم لا يجب تحليفه البته، وبأن الشاهدين في سبب النزول كانا نصرانيين وبأن أبا موسى قضى بذلك ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، وبأن الضرورات تبيح المحظورات كالتيمم والإفطار وأكل الميتة، والمسلم إذا قرب أجله ولم يجد مسلماً ولا تقبل شهادة الكفار ضاع أكثر مهماته فقد يكون عليه زكوات وكفارات وديون ولديه ودائع وله مصالح ولمثل هذه الضرورة جوّزنا شهادة النساء فيما يتعلق بأحوال النساء كالحيض والحبل والولادة. وللأولين أن يجيبوا بأن حذف المضاف غير عزيز وبأن ذكر السفر ليس لأجل اشتراط قبول الشهادة ولكن لأجل أن الغالب في السفر فقدان الأقارب ووجود الأجانب، وبأن التحليف مشروط بالريبة وقد روي عن علي كرم الله وجهه أنه كان يحلف الشاهد والراوي إذا اتهمهما، وبأن سبب النزول لا يلزم أن ينطبق على الحكم حذو القذة بالقذة. وبأن قصة أبي موسى خبر الواحد، وبأن الضرورة كانت في أوّل الإسلام لقلة المسلمين وتعذرهم في السفر غالباً. ومما يصلح أن يكون مؤكداً لهذه الآية وإن لم يجز أن يكون ناسخاً لها عند من يرى أن المائدة من آخر القرآن نزولاً قوله تعالى
﴿وأشهدوا ذوى عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢] وليس المراد من العدالة الاحتراز عن الكذب في النطق فقط بل في الدين والاعتقاد، ولا كذب أعظم من الفريه على الله تعالى وعلى رسله. وإنما تقبل شهادة أهل البدع والأهواء من هذه الأمة احتشاماً لكلمة الإسلام. وموقع ﴿تحبسونهما﴾ أي توقفونهما وتصيرونهما استئناف كأنه قيل : فكيف نعمل إن ارتبنا ؟ فقيل ﴿تحبسونهما من بعد الصلاة﴾ قال ابن عباس : من بعد صلاة دينهما. وقال عامة المفسرين : من بعد صلاة العصر لأن هذا الوقت كان معروفاً عندهم بالتحليف بعده، ولفعل رسول الله ﷺ حيث دعا بعدي وتميم فاستحلفهما عند المنبر بعد صلاة العصر، ولأن جميع أهل الأديان يعظمون هذا الوقت ويذكرون الله تعالى فيه ويحترزون عن الحلف الكاذب، وأهل الكتاب يصلون لطلوع الشمس وغروبها. وقال الحسن : المراد بعد الظهر وبعد العصر لأن أهل الحجاز كانوا يقعدون للحكومة بعدهما. وقيل : بعد أي صلاة كانت لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر. قال الشافعي : الأيمان تغلظ في الدماء والطلاق والعتاق والمال إذا بلغ مائتي درهم بالزمان والمكان، فيحلف بعد العصر بمكة بين الركن والمقام وبالمدينة عند المنبر، وفي بيت المقدس عند الصخرة، وفي سائر البلدان في أشرف المساجد. وقد تغلظ بالتكرير والتعديل كما في القسامة واللعان أو بزيادة الأسماء والصفات، وقال أبو حنيفة : يحلف من غير التغليظ بزمان أو مكان. ولا يخفى أن قول الشافعي أوفق للآية. والمقسم عليه قوله ﴿لا نشتري به ثمناً ولو كان ذا قربى﴾ وقوله ﴿إن ارتبتم﴾ اعتراض، والضمير في ﴿به﴾، للقسم وفي كان للمقسم له يعني لا نستبدل بصحة القسم بالله عرضاً من الدنيا ولو كان من يقسم له قريباً منا، أرادوا أن هذه عادتهم في صدقهم وأمانتهم أبداً كقوله ﴿شهداء لله ولو على أنفسكم﴾ وخص ذا القربى بالذكر لأن الميل إليهم أتم والمداهنة بينهم أكمل ﴿ولا نكتم شهادة الله﴾ [النساء: ١٣٥] التي أمر بحفظها وتعظيمها وأدائها ﴿إنا إذاً لمن الآثمين﴾ أي إذا كتمناها كنا من الآثمين. ونقل عن الشعبي أنه وقف على قول الله عز وجل ﴿شهادة﴾ ثم ابتدأ ﴿الله﴾ بالمد على حذف حرف القسم وتعويض حرف الاستفهام منه. وروى عنه بغير مدّ على ما ذكره سيبويه أن منهم من يقول : الله لقد كان كذا والمعنى بالله.