الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ : هذه الآية وما بعدها من أشكلِ القرآنِ حُكْماً وإعراباً وتفسيراً، ولم يَزَلِ العلماء يستشكلونها ويَكِعَّون عنها حتى قال مكي بن أبي طالب - رحمه الله- في كتابه المسمى بالكشف :" هذه الآيةُ في قراءتها وإعرابها وتفسيرها ومعانيها وأحكامِها من أصعب آيٍ في القرآن وأشكلِها، قال :" ويحتمل أن يُبْسط ما فيها من العلوم في ثلاثين ورقة أو أكثر " قال : وقد ذكرناها مشروحة في كتاب مفرد ". وقال ابن عطية :" وهذا كلام من لم يقع له الثلج في تفسيرها، وذلك بَيِّنٌ من كتابه " وقال السخاوي :" لم أر أحداً من العلماء تَخَلَّص كلامُه فيها من أولها إلى آخرها ". وقال الواحدي :" وهذه الآية وما بعدها من أغوص ما في القرآن معنى وإعراباً " قلت : وأنا أستعين الله تعالى في توجيه إعرابها واشتقاق مفرداتها وتصريف كلماتها وقراءاتها ومعرفة تأليفها مِمَّا يختصُّ بهذا الموضوع، وأمَّا بقية علومها فنسأل الله العون في تهذيبه في كتابي " تفسير القرآن العزيز " إنْ شاء الله، وبه الحول والقوة.
قرأ الجمهور ﴿شهادةُ بينكم﴾ برفع " شهادة " مضافة ل " بينكم ". وقرأ الحسن والأعرج والشعبي برفعها منونة، " بينَكم " نصباً. والسلمي والحسن والأعرج - في رواية عنهما - " شهادةً " منونةً منصوبة، " بينَكم " نصباً. فأمَّا قراءة الجمهور ففي تخريجهما خمسة أوجه، أحدها : أنها مرفوعةٌ بالابتداء، وخبرُها " اثنان " ولا بد على هذا الوجهِ من حذف مضافٍ : إمَّا من الأول، وإمَّا من الثاني، فتقديرُه من الأول : ذوا شهادةِ بينكم اثنان، أي صاحبا شهادةِ بينكم اثنان، وتقديرُه من الثاني : شهادةُ بينِكم شهادُة اثنين، وإنما اضطررنا إلى حذفٍ من الأول أو الثاني ليتصادقَ المبتدأ والخبر على شيء واحد، لأنَّ الشهادةَ معنًى والاثنان جثتان، ولا يجيء التقديران المذكوران في نحو :" زيدٌ عدلٌ " وهما جعله نفسَ المصدر مبالغةً أو وقوعُه اسم الفاعل، لأنَّ المعنى يأباهما هنا، إلا أنَّ الواحدي نقل عن صاحب " النظم " أنه قال :" شهادة " مصدرٌ وُضِع مَوْضِع الأسماء " يريد بالشهادة الشهود، كما يقال : رجلٌ عَدْلٌ ورِضا، ورجالٌ عدلٌ ورِضا وزَوْر، وإذا قَدَّرْتها بمعنى الشهود كان على حذف المضاف، ويكون المعنى : عدةُ شهودٍ بينكم اثنان، واستشهد بقوله :﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] أي : وقت الحج، ولولا ذلك لنصب أشهراً على تأويل : الحج في اشهر ". قلت فعلى ظاهر أنه جَعَلَ المصدر نفسَ الشهود مبالغةً، ولذلك مَثَّله ب " رجال عدل " وفيه نظر. الثاني : أن ترتفع على أنها مبتدأ أيضاً، وخبرها محذوف يَدُلُّ عليه سياق الكلام، و " اثنان " على هذا مرتفعان بالمصدر الذي هو " شهادة " والتقدير : فيما فرض عليكم أن يشهد اثنان، كذا قَدَّره الزمخشري وهو أحد قولي الزجاج، وهو ظاهرُ جداً، و " إذا " على هذين الوجهين ظرف ل " شهادة " أي ليُشْهَد وقت حضور الموت - أي أسبابه - و " حين الوصية " على هذه الأوجه فيه ثلاثة أوجه، أوجهها : أنه بدلٌ من " إذا " ولم يذكر الزمخشري غيره، قال :" وفي إبدالِه منه دليلٌ على وجوبِ الوصية ".
الثاني : أنه منصوبٌ بنفسِ الموت أي : يقع الموت وقت الوصية، ولا بُدَّ من تأويله بأسبابِ الموت ؛ لأنَّ وقتَ الموت الحقيقي لا وصيةَ فيه. الثالث : انه منصوبٌ ب " حَضَر " أي : حَضَر أسبابَ الموت حين الوصية.
الثالث : أنَّ " شهادةُ " مبتدأ وخبره :" إذا حضر " أي وقوعُ الشهادة في وقتِ حضور الموت/، و " حين " على ما تقدم فيه من الأوجه الثلاثة آنفاً، ولا يجوزُ فيه والحالةُ هذه أن يكونَ ظرفاً للشهادة لئلا يلزَم الإِخبارُ عن الموصولِ قبل تمامِ صلتِه وهو لا يجوز، وقد عرفت شرح ذلك مِمَّا مَرًَّ. ولَمَّا ذكر الشيخ هذا الوجهَ لم يستدرك هذا، وهو عجيب منه. الرابع : أنَّ " شهادة " مبتدأُ، وخبرُها " حين الوصية " و " إذا " على هذا منصوبٌ بالشهادة، ولا يجوز أن ينتصِبَ بالوصية وإن كان المعنى عليه ؛ لأنَّ المصدرَ المؤولَ لا يَسْبقه معمولُه عند البصريين ولو كان ظرفاً، وأيضاً فإنه يلزمُ منه تقديمُ المضافِ إليه على المضافِ ؛ لأنَّ تقديم المعمول يُؤْذِنُ بتقديمِ العامل والعاملُ لا يتقدَّم فكذا معمولُه، ولم يجوِّزوا تقديمَ معمولِ المضاف إليه على المضاف إلا في مسألة واحدة وهي : إذا كان المضافُ لفظة " غير "، وأنشدوا :
ف " عندي " منصوبُ ب " مكفور "، قالوا : لأنَّ " غير " بمنزلة " لا "، و " لا " يجوزُ تقديمُ معمولِ ما بعدها عليها. وقد ذكر الزمشخري ذلك آخرَ الفاتحة، وذكر أنه يجوزُ " أنا زيداً غيرُ ضارب " دون " أنا زيداً مثلُ ضارب ". و " اثنان " على هذين الوجهين الآخيرين يرتفعان على أحدِ وجهين : إمَّا الفاعليةِ أي :" يشهد اثنان " يدل عليه لفظ " شهادة " وإمَّا على خبر مبتدأ محذوف مدلولٍ عليه ب " شهادة " أيضاً أي : الشاهدان اثنان.
الخامس : أنَّ " شهادةُ " مبتدأ، و " اثنان " فاعلٌ سدَّ مسدَّ الخبر، ذكره أبو البقاء وغيره وهو مذهبُ الفراء، إلا أنَّ افراء قَدَّر الشهادةَ واقعةً موقعَ فعلِ الأمر كأنه قال :" ليشهد اثنان " فجعله من باب نيابةِ المصدرِ عن فعل الطلب، وهو مثل " الحمدُ لله " و ﴿قَالَ سَلاَمٌ﴾ [هود: ٦٩] من حيث المعنى، وهذا مذهبٌ لبعضهم في نحو :" ضَرْبي زيداً قائماً " يَدَّعي أن الياء فاعل سَدَّتْ مسد الخبر، وهذا مذهب ضعيفٌ ردَّه النحويون، ويخصون ذلك بالوصفِ المعتمدِ على نفي أو استفهام نحو :" قام أبواك " وعلى هذا المذهب ف " إذا " و " حين " ظرفان منصوبان على ما تقرَّر فيهما في غير هذا الوجه. وقد تحصَّلْنا فيما تقدَّم أن رفع " شهادة " من وجه واحد وهو الابتداء، وفي خبرها خمسة أوجه تقدَّم ذكرُها مفصلةً، وأنَّ رفع " اثنان " من خمسة أوجه، الأول : كونه خبراً لشهادة بالتأويل المذكور، الثاني : أنه فاعل ب " شهادة "، الثالث : أنه فاعل ب " يشهد " مقدراً، الرابع : أنه خبر مبتدأ أي : الشاهدان اثنان. الخامس أنه فاعل سَدَّ مسدَّ الخبر. وأنَّ في " إذا " وجهين : إمَّا النصبَ على الظرفية، وإمَّا الرفعَ على الخبرية ل " شهادة "، وكل هذا بَيِّنٌ مما لَخَّصْتُه قبل. وقراءةُ الحسن برفعها منونةً تتوجه بما تقدم في قراءة الجمهور من غير فرق.
وأمَّا قراءةُ النصبِ ففيها ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها - وإليه ذهب ابن جني - : أنها منصوبةٌ بفعل مضمر، و " اثنان " مرفوع بذلك الفعل، والتقدير : لِيُقِمْ شهادةَ بينكم اثنان، وتبعه الزمشخري على هذا فذكره. وقد ردَّ الشيخ هذا بأن حَذْفَ الفعل وإبقاء فاعله لم يُجِزْه النحويون إلا أن يُشْعِرَ به ما قبله كقوله تعالى :﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ﴾ [النور: ٣٦٣٧] في قراءة ابن عامر وأبي بكر أي : يسبحه رجال، ومثله، :
وفيه خلافٌ : هل يُنْقاسُ أو لا ؟ أو يُجاب به نفي كقوله :
تَجَلَّدْتُ حتى قيل : لم يَعْرُ قلبَه *** من الوجدِ شيءٌ قلتُ : بل أعظمُ الوَجْدِ
أي : بل عراه أعظمُ الوجد، أو يُجاب به استفهامٌ كقوله :
أي : بل أتاها أو يَأْتيها، وما نحن فيه ليس من الأشياء الثلاثة. الثاني : أن " شهادةً " بدل من اللفظ بفعل أي : إنها مصدر ناب مناب الفعل فيعملُ عملَه، والتقدير : لِيَشْهد اثنان، ف " اثنان " فاعل بالمصدر لنيابته منابَ الفعلِ، أو بذلك الفعلِ المحذوفِ على حَسَبِ الخلاف في أصل المسألة، وإنما قَدَّرْتُه " ليشهد اثنان " فأتيتُ به فعلاً مضارعاً مقروناً بلام الأمر، ولم أقدِّرْه فعلَ أمرٍ بصيغة " افعل " كما يُقَدَّرُه النحويون في نحو :" ضرباً زيداً " أي : اضرِبْ، لأنَّ هذا قد رَفَع ظاهراً وهو " اثنان " وصيغةُ " افعل " لا ترفع إلا ضميراً مستتراً إن كان المأمور واحداً، ومثلُه قوله :
ف " زريق " يجوز أن يكون منادى أي : يا زرق، والثاني : أنه مرفوع ب " ندلاً " على أنه واقعٌ موقع " ليندلْ " وإنما حُذِف تنوينه/ لالتقاء الساكنين على حَدِّ قوله :
. . . . . . . . . . . . . . . . . . *** ولا ذاكرَ اللَّهَ إلا قليلا
الثالث : أنَّ " شهادةً " بدل من اللفظ بفعل أيضاً، إلا أنَّ هذا الفعل خبري وإن كان أقلَّ من الطلبي نحو :" حمداً وشكراً لا كفراً " و " اثنان " أيضاً فاعلٌ به تقديرُه : يشهد شهادةً اثنان، وهذا أحسن التخاريج المذكورة في قول امرئ القيس :
وقوفاً بها صَحْبي عليَّ مَطِيَّهم ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
" وقوفاً " مصدرٌ بدلٌ من فعل خبري رفع " صحبي " ونصب " مطيهم " تقديره : وقف صحبي، وقد تقدَّم أنَّ الفراء في قراءة الرفع قَدَّر أن " شهادة " واقعةٌ موقعَ فعل، وارتفع " اثنان " بها، وتقدم أنَّ ذلك يجوز أن يكونَ مِمَّا سَدَّ فيه الفاعل مسدَّ الخبر. و " بينكم " في قراءةِ مَنْ نوَّن " شهادة " نصبٌ على الظرف وهي واضحةٌ.
وأمَّا قراءةُ الجر فيها فَمِنْ باب الاتساع في الظروف أي بجعل الظرفِ كأنه مفعولٌ لذلك الفعلِ، ومثلُه :﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨] وكقوله تعالى :﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] فيمن رفع قال الشيخ :" وقال الماتريدي - وتبعه الرازي إنَّ الأصلَ " ما بينكم " فحذف " ما ". قال الرازي :" وبينكم " كنايةٌ عن التنازع، لأنه إنما يُحتاج إلى الشهود عند التنازع، وحَذْفُ " ما " جائزٌ عند ظهورِه، ونظيرُه كقوله تعالى :﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكَمْ﴾ في قراءة من نصب ". قال الشيخ :" وحَذْفُ " ما " الموصولة غيرُ جائز عند البصريين، ومع الإِضافة لا يَصِحُّ تقدير " ما " البتة، وليس قولُه ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي﴾ نظيرَ ﴿لقد تقطَّع بينكم﴾ لأن هذا مضافٌ، وذلك باقٍ على ظرفيتِه فيُتَخَيَّلُ فيه حَذْفُ " ما " بخلاف " هذا فراقُ بيني " و " شهادةُ بينكم " فإنه لا يُتَخَيَّل فيه تقديرُ " ما " لأنَّ الإِضافة أخْرَجَتْه عن الظرفية وصَيَّرَته مفعولاً به على السعة " قلت : هذا الذي نقله الشيه عنهما قاله أبو علي الجرجاني بعينه قال - رحمه الله - :" قولُه شهادةُ بينكم " أي : ما بينكم، و " ما بينكم " كناية عن التنازع والتشاجر، ثم اضاف الشهادة إلى التنازع لأن الشهود إنما يحُتاج إليهم في التنازع الواقعِ فيما بين القوم، والعربُ تضيف الشيء إلى الشيء إذا كان منه بسبب كقوله تعالى :﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِِ﴾ [الرحمن: ٤٦] أي : مقامه بين يدي ربه، والعربُ تَحْذِفُ كثيراً ذِكْرَ " ما " و " مَنْ " في الموضع الذي يُحتاج إليهما فيه كقوله :{ وَإِذَا رَأَيْتَ ثَم
قرأ الجمهور ﴿شهادةُ بينكم﴾ برفع " شهادة " مضافة ل " بينكم ". وقرأ الحسن والأعرج والشعبي برفعها منونة، " بينَكم " نصباً. والسلمي والحسن والأعرج - في رواية عنهما - " شهادةً " منونةً منصوبة، " بينَكم " نصباً. فأمَّا قراءة الجمهور ففي تخريجهما خمسة أوجه، أحدها : أنها مرفوعةٌ بالابتداء، وخبرُها " اثنان " ولا بد على هذا الوجهِ من حذف مضافٍ : إمَّا من الأول، وإمَّا من الثاني، فتقديرُه من الأول : ذوا شهادةِ بينكم اثنان، أي صاحبا شهادةِ بينكم اثنان، وتقديرُه من الثاني : شهادةُ بينِكم شهادُة اثنين، وإنما اضطررنا إلى حذفٍ من الأول أو الثاني ليتصادقَ المبتدأ والخبر على شيء واحد، لأنَّ الشهادةَ معنًى والاثنان جثتان، ولا يجيء التقديران المذكوران في نحو :" زيدٌ عدلٌ " وهما جعله نفسَ المصدر مبالغةً أو وقوعُه اسم الفاعل، لأنَّ المعنى يأباهما هنا، إلا أنَّ الواحدي نقل عن صاحب " النظم " أنه قال :" شهادة " مصدرٌ وُضِع مَوْضِع الأسماء " يريد بالشهادة الشهود، كما يقال : رجلٌ عَدْلٌ ورِضا، ورجالٌ عدلٌ ورِضا وزَوْر، وإذا قَدَّرْتها بمعنى الشهود كان على حذف المضاف، ويكون المعنى : عدةُ شهودٍ بينكم اثنان، واستشهد بقوله :﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] أي : وقت الحج، ولولا ذلك لنصب أشهراً على تأويل : الحج في اشهر ". قلت فعلى ظاهر أنه جَعَلَ المصدر نفسَ الشهود مبالغةً، ولذلك مَثَّله ب " رجال عدل " وفيه نظر. الثاني : أن ترتفع على أنها مبتدأ أيضاً، وخبرها محذوف يَدُلُّ عليه سياق الكلام، و " اثنان " على هذا مرتفعان بالمصدر الذي هو " شهادة " والتقدير : فيما فرض عليكم أن يشهد اثنان، كذا قَدَّره الزمخشري وهو أحد قولي الزجاج، وهو ظاهرُ جداً، و " إذا " على هذين الوجهين ظرف ل " شهادة " أي ليُشْهَد وقت حضور الموت - أي أسبابه - و " حين الوصية " على هذه الأوجه فيه ثلاثة أوجه، أوجهها : أنه بدلٌ من " إذا " ولم يذكر الزمخشري غيره، قال :" وفي إبدالِه منه دليلٌ على وجوبِ الوصية ".
الثاني : أنه منصوبٌ بنفسِ الموت أي : يقع الموت وقت الوصية، ولا بُدَّ من تأويله بأسبابِ الموت ؛ لأنَّ وقتَ الموت الحقيقي لا وصيةَ فيه. الثالث : انه منصوبٌ ب " حَضَر " أي : حَضَر أسبابَ الموت حين الوصية.
الثالث : أنَّ " شهادةُ " مبتدأ وخبره :" إذا حضر " أي وقوعُ الشهادة في وقتِ حضور الموت/، و " حين " على ما تقدم فيه من الأوجه الثلاثة آنفاً، ولا يجوزُ فيه والحالةُ هذه أن يكونَ ظرفاً للشهادة لئلا يلزَم الإِخبارُ عن الموصولِ قبل تمامِ صلتِه وهو لا يجوز، وقد عرفت شرح ذلك مِمَّا مَرًَّ. ولَمَّا ذكر الشيخ هذا الوجهَ لم يستدرك هذا، وهو عجيب منه. الرابع : أنَّ " شهادة " مبتدأُ، وخبرُها " حين الوصية " و " إذا " على هذا منصوبٌ بالشهادة، ولا يجوز أن ينتصِبَ بالوصية وإن كان المعنى عليه ؛ لأنَّ المصدرَ المؤولَ لا يَسْبقه معمولُه عند البصريين ولو كان ظرفاً، وأيضاً فإنه يلزمُ منه تقديمُ المضافِ إليه على المضافِ ؛ لأنَّ تقديم المعمول يُؤْذِنُ بتقديمِ العامل والعاملُ لا يتقدَّم فكذا معمولُه، ولم يجوِّزوا تقديمَ معمولِ المضاف إليه على المضاف إلا في مسألة واحدة وهي : إذا كان المضافُ لفظة " غير "، وأنشدوا :
| إنَّ أمرأً خَصَّني عمداً مودَّتَه | على التنائي لَعندي غيرُ مكفورِ |
الخامس : أنَّ " شهادةُ " مبتدأ، و " اثنان " فاعلٌ سدَّ مسدَّ الخبر، ذكره أبو البقاء وغيره وهو مذهبُ الفراء، إلا أنَّ افراء قَدَّر الشهادةَ واقعةً موقعَ فعلِ الأمر كأنه قال :" ليشهد اثنان " فجعله من باب نيابةِ المصدرِ عن فعل الطلب، وهو مثل " الحمدُ لله " و ﴿قَالَ سَلاَمٌ﴾ [هود: ٦٩] من حيث المعنى، وهذا مذهبٌ لبعضهم في نحو :" ضَرْبي زيداً قائماً " يَدَّعي أن الياء فاعل سَدَّتْ مسد الخبر، وهذا مذهب ضعيفٌ ردَّه النحويون، ويخصون ذلك بالوصفِ المعتمدِ على نفي أو استفهام نحو :" قام أبواك " وعلى هذا المذهب ف " إذا " و " حين " ظرفان منصوبان على ما تقرَّر فيهما في غير هذا الوجه. وقد تحصَّلْنا فيما تقدَّم أن رفع " شهادة " من وجه واحد وهو الابتداء، وفي خبرها خمسة أوجه تقدَّم ذكرُها مفصلةً، وأنَّ رفع " اثنان " من خمسة أوجه، الأول : كونه خبراً لشهادة بالتأويل المذكور، الثاني : أنه فاعل ب " شهادة "، الثالث : أنه فاعل ب " يشهد " مقدراً، الرابع : أنه خبر مبتدأ أي : الشاهدان اثنان. الخامس أنه فاعل سَدَّ مسدَّ الخبر. وأنَّ في " إذا " وجهين : إمَّا النصبَ على الظرفية، وإمَّا الرفعَ على الخبرية ل " شهادة "، وكل هذا بَيِّنٌ مما لَخَّصْتُه قبل. وقراءةُ الحسن برفعها منونةً تتوجه بما تقدم في قراءة الجمهور من غير فرق.
وأمَّا قراءةُ النصبِ ففيها ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها - وإليه ذهب ابن جني - : أنها منصوبةٌ بفعل مضمر، و " اثنان " مرفوع بذلك الفعل، والتقدير : لِيُقِمْ شهادةَ بينكم اثنان، وتبعه الزمشخري على هذا فذكره. وقد ردَّ الشيخ هذا بأن حَذْفَ الفعل وإبقاء فاعله لم يُجِزْه النحويون إلا أن يُشْعِرَ به ما قبله كقوله تعالى :﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ﴾ [النور: ٣٦٣٧] في قراءة ابن عامر وأبي بكر أي : يسبحه رجال، ومثله، :
| ليُبْكَ يزيدُ ضارعٌ لخصومةٍ | ومُخْتَبِطٌ مِمَّا تُطِيح الطَّوائِحُ |
تَجَلَّدْتُ حتى قيل : لم يَعْرُ قلبَه *** من الوجدِ شيءٌ قلتُ : بل أعظمُ الوَجْدِ
أي : بل عراه أعظمُ الوجد، أو يُجاب به استفهامٌ كقوله :
| ألا هَلْ أتى أمَّ الحويرثِ مُرْسِلي | نعم خالدٌ إنْ لم تُعِقْه العوائِقُ |
| . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . | فَنَدْلاً زُرَيْقُ المالَ نَدْلَ الثَّعالِبِ |
. . . . . . . . . . . . . . . . . . *** ولا ذاكرَ اللَّهَ إلا قليلا
الثالث : أنَّ " شهادةً " بدل من اللفظ بفعل أيضاً، إلا أنَّ هذا الفعل خبري وإن كان أقلَّ من الطلبي نحو :" حمداً وشكراً لا كفراً " و " اثنان " أيضاً فاعلٌ به تقديرُه : يشهد شهادةً اثنان، وهذا أحسن التخاريج المذكورة في قول امرئ القيس :
وقوفاً بها صَحْبي عليَّ مَطِيَّهم ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
" وقوفاً " مصدرٌ بدلٌ من فعل خبري رفع " صحبي " ونصب " مطيهم " تقديره : وقف صحبي، وقد تقدَّم أنَّ الفراء في قراءة الرفع قَدَّر أن " شهادة " واقعةٌ موقعَ فعل، وارتفع " اثنان " بها، وتقدم أنَّ ذلك يجوز أن يكونَ مِمَّا سَدَّ فيه الفاعل مسدَّ الخبر. و " بينكم " في قراءةِ مَنْ نوَّن " شهادة " نصبٌ على الظرف وهي واضحةٌ.
وأمَّا قراءةُ الجر فيها فَمِنْ باب الاتساع في الظروف أي بجعل الظرفِ كأنه مفعولٌ لذلك الفعلِ، ومثلُه :﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨] وكقوله تعالى :﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] فيمن رفع قال الشيخ :" وقال الماتريدي - وتبعه الرازي إنَّ الأصلَ " ما بينكم " فحذف " ما ". قال الرازي :" وبينكم " كنايةٌ عن التنازع، لأنه إنما يُحتاج إلى الشهود عند التنازع، وحَذْفُ " ما " جائزٌ عند ظهورِه، ونظيرُه كقوله تعالى :﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكَمْ﴾ في قراءة من نصب ". قال الشيخ :" وحَذْفُ " ما " الموصولة غيرُ جائز عند البصريين، ومع الإِضافة لا يَصِحُّ تقدير " ما " البتة، وليس قولُه ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي﴾ نظيرَ ﴿لقد تقطَّع بينكم﴾ لأن هذا مضافٌ، وذلك باقٍ على ظرفيتِه فيُتَخَيَّلُ فيه حَذْفُ " ما " بخلاف " هذا فراقُ بيني " و " شهادةُ بينكم " فإنه لا يُتَخَيَّل فيه تقديرُ " ما " لأنَّ الإِضافة أخْرَجَتْه عن الظرفية وصَيَّرَته مفعولاً به على السعة " قلت : هذا الذي نقله الشيه عنهما قاله أبو علي الجرجاني بعينه قال - رحمه الله - :" قولُه شهادةُ بينكم " أي : ما بينكم، و " ما بينكم " كناية عن التنازع والتشاجر، ثم اضاف الشهادة إلى التنازع لأن الشهود إنما يحُتاج إليهم في التنازع الواقعِ فيما بين القوم، والعربُ تضيف الشيء إلى الشيء إذا كان منه بسبب كقوله تعالى :﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِِ﴾ [الرحمن: ٤٦] أي : مقامه بين يدي ربه، والعربُ تَحْذِفُ كثيراً ذِكْرَ " ما " و " مَنْ " في الموضع الذي يُحتاج إليهما فيه كقوله :{ وَإِذَا رَأَيْتَ ثَم