ذكر ابنُ عطية (٤‏/‏٥٣٠-٥٣١) أنّ معنى الآية: أنّ هذا الذي تَقَدَّم إنّما كان جميعه بقضاء الله عليهم ومشيئته فيهم، ولو شاء الله لكان الجميع مؤمنًا، فلا تأسف أنت -يا محمد- على كُفْرِ مَن لم يؤمن بك، وادعُ ولا عليك، فالأمرُ محتوم، أفتريد أنت أن تُكْرِه الناس بإدخال الإيمان في قلوبهم وتضطرهم إلى ذلك والله عز وجل قد شاء غيره. ثم علَّق بقوله: «فهذا التأويل الآيةُ عليه محكمة، أي: ادعُ وقاتِل مَن خالفك، وإيمان مَن آمن مصروف إلى المشيئة». وذكر أنّ فرقة قالت: المعنى: أفأنت تكره الناس بالقتال حتى يدخلوا في الإيمان. وزَعَمَتْ أنّ هذه الآية في صدر الإسلام، وأنها منسوخة بآية السيف، ثم علَّق بقوله: «والآية -على كلا التأويلين- رادَّةٌ على المعتزلة»

على هذا القول فالشمس لا تصيبهم ألبتة، وهو ما علَّق ابنُ عطية (٥‏/‏٥٧٩) عليه بقوله: «كأنها عنده تقطع كلّ ما لا تناله عن نفسها». ثم ذكر أن هناك فرقة مـِمَّن قرأ ﴿تقرضهم﴾ بالتاء تأول أن الشمس كانت بالعشي تنالهم، فكأنها تقرضهم، أي: تقتطعهم مما لا تناله، ونقل عنهم أنهم قالوا: كان في مسها لهم بالعشي صلاح لأجسامهم. وبيَّن (٥‏/‏٥٨٩-٥٩٠) أن قوله ﴿ذات اليمين وذات الشمال﴾ يحتمل احتمالين: الأول: أن يريد: ذات يمين الكهف بأن نقدر باب الكهف بمثابة وجه إنسان فإن الشمس تجيء منه أول النهار عن يمين، وآخره عن شمال. الثاني: ويحتمل أن يريد: ذات يمين الشمس وذات شمالها، بأن نقدر الشعاع الممتد منها إلى الكهف بمثابة وجه إنسان. ورجَّح الاحتمالَ الأول، فقال: «والوجه الأول أصح». ولم يذكر مستندًا

اختلف السلف في المراد بقوله: ﴿هونا﴾؛ فقيل: علماء حكماء. وقيل: يمشون بوقار وسكينة. وقيل: حلماء. وقيل: يمشون بالطاعة والتواضع. وقد جمع ابنُ جرير (١٧‏/‏٤٨٩) بين هذه الأقوال بقوله: «يقول -تعالى ذِكْرُه-: ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا﴾ بالحلم والسكينة والوقار، غير مستكبرين، ولا متجبرين، ولا ساعين فيها بالفساد ومعاصي الله». وقال ابنُ عطية (٦‏/‏٤٥٤): «وذهبت فرقة إلى أن ﴿هَوْنًا﴾ مرتبط بقوله: ﴿يَمْشُونَ عَلى الأَرْضِ﴾، أي: المشي هو هون، ويشبه أن يتأول هذا على أن تكون أخلاق ذلك الماشي هَوْنًا مناسبة لمشيه؛ فيرجع القول إلى نحو ما بيّناه. وأما أن يكون المراد صفة المشي وحده فباطل؛ لأنه رب ماش هَوْنًا رويدًا وهو ذئيب أطلس. وقد كان رسول الله ﷺ يتكفأ في مشيه كأنما يمشي في صبَبَ، وهو عليه السلام الصدر في هذه الآية»

استدل ابنُ عطية (٧‏/‏١٠٧) بهذا الأثر على أن النَّحْب ليس مِن شروطه الموت، فقال: «وقالت فرقة: الموصوفون بقضاء النحب هم جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ وفوا بعهود الإسلام على التمام، فالشهداء منهم، والعشرة الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنة منهم، إلى من حصل في هذه المرتبة ممن لم ينص عليه، ويصحح هذه المقالة ما روي أن رسول الله ﷺ كان على المنبر، فقال له أعرابي: يا رسول الله، من الذي قضى نحبه؟ فسكت النبي ﷺ ساعة، ثم دخل طلحة بن عبيد الله على باب المسجد وعليه ثوبان أخضران، فقال رسول الله ﷺ: «أين السائل؟». فقال: ها أنا ذا، يا رسول الله. قال: «هذا مِمَّن قضى نحبه». فهذا دليل على أن النحب ليس من شروطه الموت»

علّق ابنُ عطية (٧‏/‏٣٢٥-٣٢٦) على ما جاء في هذا القول، فقال: «فقوله تعالى في هذه الآية: ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ﴾ عبارة عن خروجهم عن أبي طالب، وانطلاقهم من ذلك الجمع، هذا قول جماعة من المفسرين». ثم ذكر قولًا آخر وعلّق عليه، فقال: «وقالت فرقة: هي عبارة عن إذاعتهم لهذه الأقاويل، فكأنه كما يقول الناس: انطلق الناس بالدعاء للأمير ونحوه، أي: استفاض كلامهم بذلك». وذكر ابنُ عطية في قوله: ﴿أن امشوا﴾ أن معناه: «سيروا على طريقتكم ودوموا على سيركم، أو يكون المعنى: أمر من نقل الأقدام، قالوه عند انطلاقهم». وذكر قولًا لم ينسبه لأحد من السلف أن معنى ذلك: «دعاء بكسب الماشية». وانتقده مستندًا إلى اللغة، وظاهر الآية بقوله: «وفي هذا ضعف؛ لأنه كان يلزم أن تكون الألف مقطوعة، لأنه إنما يقال: أمشى الرجلُ؛ إذا صار صاحب ماشية، وأيضًا فهذا المعنى غير متمكن في الآية»

قوله تعالى: ﴿ادعوني استجبْ لكم﴾ فيه ثلاثة أقوال: الأول: وحدوني أغفر لكم. الثاني: اعبدوني استجب لكم. الثالث: سَلُوني أعطكم. وبيّن ابنُ عطية (٧‏/‏٤٥٢) أن الاستجابة بمعنى إجابة الدعاء مقيّدة بالمشيئة، ثم ذكر أن فرقة قالت: معنى: ﴿أسْتَجِبْ﴾: بالثواب والنصر. ووجّه من قال: إن الدعاء هو العبادة بالسياق والسنة، فقال: «ويدل على هذا التأويل قوله: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي﴾، ويُحتج له بحديث النعمان بن بشير أن النبي ﷺ قال: «الدعاء هو العبادة»». وذكر ابنُ تيمية (٥‏/‏٤٤٧) أن الدعاء يتضمن دعاء العبادة، والمسألة، ثم رجَّح كونه دعاء عبادة مستندًا إلى السياق، قال: «وهو في العبادة أظهر؛ ولهذا أعقبه: ﴿إن الذين يستكبرون عن عبادتي﴾ الآية. ويُفسر الدعاء بهذا وهذا»

لم يذكر ابن جرير (٢٠‏/‏٥٠٧) في قوله: ﴿ويزيدهم من فضله﴾ غير قول معاذ. على هذا القول الذي قاله معاذ وابن عباس فقوله: ﴿يستجيب﴾ بمعنى: يجيب، وهو ما ذكره ابنُ عطية (٧‏/‏٥١٥-٥١٦)، ثم علَّق عليه بقوله: ""والعرب تقول: أجاب واستجاب؛ بمعنىً، ومنه قول الشاعر:وداع دعا يا مَن يجيب إلى الندى فلم يستجبه عند ذاك مجيب. و﴿الَّذِينَ﴾ -على هذا القول- مفعول بـ﴿يَسْتَجِيبُ﴾«. ثم أورد في معنى قوله: ﴿ويستجيب﴾ قولين آخرين: الأول: ويستدعي الذين آمنوا الإجابة من ربهم بالأعمال الصالحة. وعلَّق عليه قائلًا:»وحملت هذه الفرقة استجاب على المعهود من باب استفعل، أي: طلب الشيء، و﴿الَّذِينَ﴾ على هذا القول فاعل بـ﴿يَسْتَجِيبُ﴾«. الثاني: ويجيب الذين آمنوا ربهم. وعلّق عليه قائلًا:»فـ﴿الذين﴾ فاعل بمعنى: يجيبون شرعه ورسالته""

سورة التوبة — الآية ٥

عن زيد بن أسلم -من طريق القاسم بن عبد الله- أنّه قال: قال في سورة النساء: ﴿إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أوْ جاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أنْ يُقاتِلُوكُمْ أوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وأَلْقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (٩٠)﴾، وقال: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَأْمَنُوكُمْ ويَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ ما رُدُّوا إلى الفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ ويُلْقُوا إلَيْكُمُ السَّلَمَ ويَكُفُّوا أيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ واقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وأُولَئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا (٩١)﴾. وقال في سورة الممتحنة: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِن دِيارِكُمْ أنْ تَبَرُّوهُمْ وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ (٨)﴾، ثم قال فيها: ﴿إنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وأَخْرَجُوكُمْ مِن دِيارِكُمْ وظاهَرُوا عَلى إخْراجِكُمْ أنْ تَوَلَّوْهُمْ ومَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ (٩)﴾. فنسخ هؤلاء الآيات في شأن المشركين، فقال: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ واعْلَمُوا أنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الكافِرِينَ﴾، فجعل لهم أجلًا أربعة أشهر يسيحون فيها، وأبطل ما كان قبل ذلك، ثم قال في الآية التي تليها: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ وخُذُوهُمْ واحْصُرُوهُمْ واقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾، ثم نسخ واستثنى: ﴿فَإنْ تابُوا وأَقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وقال: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾

اختلف السلف في تعيين الآيات التسع التي آتاه الله إياها كما هو موضح بالآثار. وقد نقل ابنُ عطية (٥‏/‏٥٥٠-٥٥١) اتفاق المفسرين على خمس منها، واختلافهم في أربع، فقال: «وقوله تعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ اتفق المتأولون والرواة أنّ الآيات الخمس التي في سورة الأعراف هي من هذه التسع، وهي: الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، واختلفوا في الأربع». ثم ذكر الخلاف في تعيين هذه الأربع، وعلّق بقوله: «والذي يلزم من الآية أن الله تعالى خص من آيات موسى -إذ هي كثيرة جدًّا تنيف على أربع وعشرين- تسعًا بالذكر، ووصفها بالبيان، ولم يعينها، واختلف العلماء في تعيينها بحسب اجتهادهم في بيانها أو روايتهم التوقيف في ذلك». وذكر ابنُ كثير (٩‏/‏٨٧) عن قتادة، ومجاهد، وابن عباس، وعكرمة، والشعبي أن الآيات التسع هي: يده، وعصاه، والسنين، ونقص الثمرات، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم. ورجّحها مستندًا إلى القرآن بقوله: «وهذا القول ظاهر جلي حسن قوي... فهذه الآيات التسع التي ذكرها هؤلاء الأئمة هي المرادة هاهنا، وهي المعنية في قوله تعالى: ﴿وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون * إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم * وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين﴾ [النمل:١٠-١٢]. فذكر هاتين الآيتين: العصا واليد، وبين الآيات الباقيات في سورة الأعراف وفصلها»

سورة البقرة — الآية ٢٢٨

عن قتادة بن دِعامة: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾، فجَعل عدة الطلاق ثلاثَ حِيَض، ثم إنّه نسخ منها المطلَّقة التي طُلِّقت ولم يَدْخُلْ بها زوجُها، فقال في سورة الأحزاب [٤٩]: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها﴾، فهذه تزَوَّج إن شاءت من يومها. وقد نَسَخ من الثلاثة، فقال: ﴿واللاتي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم﴾ [الطلاق:٤]، فهذه العجوز التي لا تحيض، والتي لم تحِض، فعِدَّتُهُنَّ ثلاثة أشهر، وليس الحيض من أمرها في شيء. ونَسَخَ من الثلاثة قروءَ الحامل، فقال: ﴿أجلهن أن يضعن حملهن﴾ [الطلاق:٤]، فهذه ليست من القُروء في شيء، إنما أجلُها أن تضَعَ حملها