سورة الإسراء — الآية ٤

عن عبد الله بن مسعود -من طريق السدي، عن مرة-، وعبد الله بن عباس -من طريق السدي، عن أبي مالك وأبي صالح- قال: إنّ الله عَهِد إلى بني إسرائيل في التوراة: لتفسِدنَّ في الأرض مرتين. فكان أول الفسادين قتل زكريا، فبعث الله عليهم مَلِكَ النَّبَطِ، فبعث الجنود، وكانت أساوِرَتُهأهل فارس، فهم أولو بأس شديد، فتَحَصَّنَت بنو إسرائيل، وخرج فيهم بُختُنَصَّرَ يتيمًا مسكينًا، إنما خرج يستطعم، وتَلَطَّف حتى دخل المدينة، فأتى مجالسهم وهم يقولون: لو يعلم عدوُّنا ما قُذِف في قلوبنا من الرُّعب بذنوبنا ما أرادوا قتالنا. فخرج بُختُنَصَّرَ حين سمِع ذلك منهم، واشتدَّ القيام على الجيش، فرجعوا، وذلك قول الله: ﴿فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادًا لنا أولي بأس شديد﴾ الآية. ثم إنّ بني إسرائيل تَجَهَّزوا، فغَزَوا النَّبَطَ، فأصابوا منهم، واستنقذوا ما في أيديهم، فذلك قول الله: ﴿ثم رددنا لكم الكرَّة عليهم﴾ الآية. (٩/ ٢٥١)

سورة الكهف — الآية ٢

قال مقاتل بن سليمان: فقال النبي ﷺ لليهود: «أدعوكم إلى الله عز وجل، وأُنذِركم بأسه، فإن تتوبوا يُكَفِّر عنكم سيئاتكم، ويُؤْتِكم أجوركم مرتين». فقال كعب بن الأشرف، وكعب بن أسيد، وحُيَيُّ بن أخطب، وفنحاص اليهودي من أهل قينقاع: أليس عُزَيْرٌ ولد الله، فأدعوه ولدًا لله؟ فقال النبي ﷺ: «أعوذ بالله أن أدعو لله تبارك وتعالى ولدًا، ولكن عزير عبد الله داخر». يعني: صاغرًا. قالوا: فإنّا نجده في كتابنا، وحَدَّثَتْنا به آباؤنا. فاعتزلهم النبيُّ ﷺ حزينًا، فقال أبو بكر، وعمر، وعثمان بن مظعون، وزيد بن حارثة للنبي ﷺ: لا يحزنك قولهم وكفرهم، إن الله معنا. فأنزل الله عز وجل: ﴿ويُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهُمْ أجْرًا حَسَنًا (٢) ماكِثِينَ فِيهِ أبَدًا (٣) ويُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا (٤)﴾

سورة الكهف — الآية ٤٦

عن عبد الله بن عبد الرحمن مولى سالم بن عبد الله، حدثه قال: أرسلني سالم إلى محمد بن كعب القرظي، فقال: قل له: القَنِي عند زاوية القبر؛ فإنّ لي إليك حاجة. قال: فالتقيا، فسلَّم أحدهما على الآخر، ثم قال سالم: ما تعُدُّ الباقيات الصالحات؟ فقال: لا إله إلا الله، والحمد لله، وسبحان الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فقال له سالم: متى جعلت فيها: لا حول ولا قوة إلا بالله؟ فقال: ما زلتُ أجعلُها. قال: فراجعه مرتين أو ثلاثًا، فلم ينزع، قال: فأَثْبِتْ. قال سالم: أجل، فأُثْبِتُ، فإنّ أبا أيوب الأنصاري حدثني أنّه سمع رسول الله ﷺ وهو يقول: «عُرج بي إلى السماء، فأريت إبراهيم، فقال: يا جبريل، مَن هذا معك؟ فقال: محمد. فرحَّب بي وسهَّل، ثم قال: مُرْ أمتك فلتكثر مِن غراس الجنة، فإن تربتها طيبة، وأرضها واسعة، فقلت: وما غراس الجنة؟ قال: لا حول ولا قوة إلا بالله»

سورة الواقعة — الآية ٧٥

عن عبد الله بن عباس -من طريق السُّدِّيّ، عن أبي مالك وأبي صالح-: أنّ عُلَيَّة بن الأسود أو نافع بن الحكم أتاه، فقال له: يا ابن عباس، إني أقرأ آيات من كتاب الله، أخشى أن يكون قد دخلني منها شيء. قال ابن عباس: ولِمَ ذلك؟ قال: لأني أسمع الله يقول: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر:١]، ويقول: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ [الدخان:٣]، ويقول في آية أخرى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥]، وقد نزل في الشهور كلّها شوال وغيره. قال ابن عباس: ويلك، إنّ جملة القرآن أُنزل من السماء في ليلة القدر إلى بدء موقع النجوم. يقول: إلى سماء الدنيا، فنزل به جبريل في ليلة منه، وهي ليلة القَدْر المباركة، وهي في رمضان، ثم نزل به على محمد ﷺ في عشرين سنة؛ الآية والآيتين والأكثر، فذلك قوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ يقول: أقسم ﴿بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾

ذكر ابنُ عطية (٦‏/‏٥٤٠-٥٤١) اختلاف المفسرين في ﴿الذي عنده علم من الكتاب﴾ مَن هو، على قولين: الأول: أن الذي كان عنده علم من الكتاب رجل صالح، اختلف في اسمه ونسبه، من بني إسرائيل أو من العرب، وقال إبراهيم النخعي: هو جبريل عليه السلام. وقال ابن لهيعة: هو الخضر. وحكى النقاش عن جماعة أنهم سمعوا أنه ضبة بن آد، جد بني ضبة من العرب، قالوا: وكان رجلًا فاضلًا يخدم سليمان على قطعة مِن خيله. وانتقده بقوله: «وهذا قول ضعيف». ولم يذكر مستندًا. الثاني: أنه سليمان عليه السلام، وعلَّق عليه بقوله: «والمخاطبة -في هذا التأويل- للعفريت لَمّا قال هو: ﴿أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ﴾، قيل: كأنّ سليمان عليه السلام استبطأ ذلك، فقال له على جهة تحقيره: ﴿أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾». ثم قال: «واستدل قائل هذا القول بقول سليمان عليه السلام: ﴿هذا مِن فَضْلِ رَبِّي﴾. واستدل أيضًا بهذا القول مناقضُه؛ إذ في كلا الأمرين على سليمان فضل مِن الله تعالى»

اختُلف في في قراءة قوله: ﴿سلفا﴾؛ فقرأ قوم: ‹سُلُفًا›، وقرأ آخرون: ﴿سَلَفًا﴾، وقرأ غيرهم: (سُلَفًا). وذكر ابنُ جرير (٢٠‏/‏٦١٩) أن قراءة ضم السين واللام هي: جمع سليف من الناس، وهو المتقدم أمام القوم، وأن القراءة بفتح السين واللام يحتمل أن يكون مرادًا بها الجماعة والواحد والذكر والأنثى، لأنه يقال للقوم: أنتم لنا سلف، وقد يجمع فيقال: هم أسلاف، ومنه الخبر الذي روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «يذهب الصالحون أسلافًا». وذكر أنّ قراءة ضم السين وفتح اللام هي: جمع سُلْفة من الناس، مثل أمّة منهم وقِطعة. وبنحوه قال ابنُ عطية (٧‏/‏٥٥٦). ورجَّح ابنُ جرير قراءة فتح السين واللام مستندًا إلى أنها الأجود في لغة العرب، فقال: «وأولى القراءات في ذلك بالصواب قراءةُ مَن قرأه بفتح السين واللام؛ لأنها اللغة الجُودى، والكلام المعروف عند العرب، وأحقُّ اللغات أن يقرأ بها كتاب الله من لغات العرب أفصحها وأشهرها فيهم»

اختُلف في قوله: ﴿ثم رددناه إلى أسفل سافلين﴾ على أقوال: الأول: رددناه إلى أرذل العمر. الثاني: رددناه إلى النار في أقبح صورة. وقد رجّح ابنُ جرير (٢٤‏/‏٥١٦) القول الأول وانتقد الثاني مستندًا إلى الدلالة العقلية، والسياق، وعلَّل ذلك بقوله: «وإنما قلنا: هذا القول أولى بالصواب في ذلك؛ لأنّ الله -تعالى ذِكْره- أخبر عن خَلْقه ابن آدم، وتصريفه في الأحوال، احتجاجًا بذلك على منكري قدرته على البعث بعد الموت، ألا ترى أنه يقول: ﴿فما يكذبك بعد بالدين﴾ يعني: بعد هذه الحُجج. ومحال أن يحتجّ على قوم كانوا منكرين معنًى من المعاني بما كانوا له منكرين، وإنما الحجّة على كلّ قوم بما لا يقدروا على دفْعه مما يعاينونه ويحسّونه أو يُقِرُّون به، وإن لم يكونوا له محسيّن، وإذا كان ذلك كذلك، وكان القوم للنار التي كان الله يتوعّدهم بها في الآخرة منكرين، وكانوا لأهل الهَرم والخرف من بعد الشباب والجَلَد شاهدين؛ عُلم أنه إنما احتج عليهم بما كانوا له معاينين، من تصريفه خَلْقه، ونَقْله إياهم مِن حال التقويم الحسن والشباب والجَلَد، إلى الهرَم والضعف وفناء العمر، وحدوث الخرف». ورجّح ابنُ كثير (١٤‏/‏٤٣٥) القول الثاني مستندًا إلى السياق، فقال: «قوله: ﴿ثم رددناه أسفل سافلين﴾ أي: إلى النار. قاله مجاهد، وأبو العالية، والحسن، وابن زيد، وغيرهم. ثم بعد هذا الحُسن والنضارة مصيره إلى النار إن لم يُطع الله ويتّبع الرسل؛ ولهذا قال: ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ [التين:٦]». وانتقد -مستندًا إلى الدلالة العقلية، والنظائر- القول الأول بقوله: «ولو كان هذا هو المراد لما حسن استثناء المؤمنين من ذلك؛ لأنّ الهَرم قد يصيب بعضهم، وإنما المراد ما ذكرناه، كقوله: ﴿والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾». ورجّح ابنُ تيمية (٧‏/‏٧١-٧٤) وابنُ القيم (٣‏/‏٣٣٥-٣٣٧) القول الثاني، وانتقدا الأول -مُستَنِديْن إلى دلالة اللغة، والعقل، والنظائر- مِن وجوه: أحدها: أنّ أرذل العمر لا يُسمّى: أسفل سافلين، لا في لغة ولا عُرف، وإنما أسفل سافلين هو سِجِّين الذي هو مكان الفُجّار، كما أنّ عِلِّيّين مكان الأبرار. الثاني: أنّ المردودين إلى أسفل العمر بالنسبة إلى نوع الإنسان قليل جدًّا، فأكثرهم يموت ولا يُردّ إلى أرذل العمر. الثالث: أنّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات يستوون هم وغيرهم في ردّ مَن طال عمره منهم إلى أرذل العمر، فليس ذلك مختصًّا بالكفار حتى يستثني منهم المؤمنين. الرابع: أنّ الله سبحانه لما أراد ذلك لم يخصّه بالكفار، بل جعله لجنس بني آدم، فقال: ﴿ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا﴾ [الحج:٥]، فجعلهم قسمين: قسمًا مُتوفّى قبل الكِبَر، وقسمًا مردودًا إلى أرذل العمر ولم يُسمّه: أسفل سافلين. الخامس: أنه لا تحسن المقابلة بين أرذل العمر وبين جزاء المؤمنين، وهو سبحانه قابل بين جزاء هؤلاء وجزاء أهل الإيمان، فجعل جزاء الكفار أسفل سافلين، وجزاء المؤمنين أجرًا غير ممنون. السادس: أنّ قول مَن فسّره بأرذل العمر يستلزم خلو الآية عن جزاء الكفار وعاقبة أمرهم، ويستلزم تفسيرها بأمر محسوس، فيكون قد ترك الإخبار عن المقصود الأهم، وأخبر عن أمر يُعرَف بالحسّ والمشاهدة، وفي ذلك هضم لمعنى الآية، وتقصير بها عن المعنى اللائق بها. السابع: أنه سبحانه ذكر حال الإنسان في مبدئه ومعاده، فمبدؤه خَلْقه في أحسن تقويم، ومعاده ردّه إلى أسفل سافلين أو إلى أجر غير ممنون، وهذا موافق لطريقة القرآن وعادته في ذكر مبدأ العبد ومعاده، فما لأرذل العمر وهذا المعنى المطلوب المقصود إثباته والاستدلال عليه؟. الثامن: أنّ أرباب القول الأول مُضطرُّون إلى مخالفة الحسّ، وإخراج الكلام عن ظاهره، والتكلّف البعيد له؛ فإنهم إن قالوا: إنّ الذي يُرَدّ إلى أرذل العمر هم الكفار دون المؤمنين. كابروا الحسّ. وإن قالوا: إنّ من النوعين مَن يُرَدّ إلى أرذل العمر. احتاجوا إلى التكلّف لصحة الاستثناء، فمنهم مَن قدَّر ذلك بأنّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات لا تبطل أعمالهم إذا رُدّوا إلى أرذل العمر، بل تجري عليهم أعمالهم التي كانوا يعملونها في الصحة، فهذا وإن كان حقًا فإنّ الاستثناء إنما وقع من الردّ لا من الأجر والعمل. التاسع: أنه سبحانه ذكر نِعمته على الإنسان بخَلْقه في أحسن تقويم، وهذه النعمة توجب عليه أن يشكرها بالإيمان وعبادته وحده لا شريك له، فينقله حينئذ من هذه الدار إلى أعلى عِلِّيّين، فإذا لم يؤمن به وأشرك به وعصى رسله نقله منها إلى أسفل سافلين، وبدّله بعد هذه الصورة التي هي في أحسن تقويم صورة من أقبح الصور في أسفل سافلين، فتلك نِعمته عليه، وهذا عدله فيه وعقوبته على كفران نِعمته. العاشر: أنّ نظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ ألِيمٍ إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [الانشقاق:٢٤-٢٥]، فالعذاب الأليم هو أسفل سافلين، والمُستَثْنون هنا هم المُستَثْنون هناك، والأجر غير الممنون هناك هو المذكور هنا، والله أعلم. الحادي عشر: أن يقال: إنّ الشيخ وإن ضعف بدنه فعقله أقوى من عقل الشاب، ولو قُدِّر أنه ينقص بعض قواه فليس هذا ردًّا إلى أسفل سافلين، فإنه سبحانه إنما يصف الهَرم بالضعف، كقوله: ﴿ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة﴾ [الروم:٥٤]، وقوله: ﴿ومن نعمره ننكسه في الخلق﴾ [يس:٦٨]، فهو يعيده إلى حال الضعف. ومعلوم أنّ الطفل ليس هو في أسفل سافلين، فالشيخ كذلك أولى. الثاني عشر: أن يُقال: إنه سبحانه أقسم على ذلك بأقسام عظيمة بالتين والزيتون وطور سنين وهذا البلد الأمين، وهي المواضع التي جاء منها محمد والمسيح وموسى، وأرسل الله بها هؤلاء الرسل مُبشِّرين ومُنذِرين. وهذا الإقسام لا يكون على مجرد الهَرم الذي يعرفه كل واحد، بل على الأمور الغائبة التي تُؤَكّد بالأقسام، فإن إقسام الله هو على أنباء الغيب""

سورة الإنسان — الآية ٢٠

قال مقاتل بن سليمان: ﴿رَأَيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا﴾ وذلك أنّ الرجل مِن أهل الجنة له قصر، في ذلك القصر سبعون قصرًا، في كلّ قصر سبعون بيتًا، كلّ بيت مِن لؤلؤة مُجوّفة طولها في السماء فرسخٌ، وعَرضها فرسخٌ، عليها أربعة ألف مِصراع من ذهب، في ذلك البيت سرير منسوج بقُضبان الدُّرّ والياقوت، عن يمين السرير وعن يساره أربعون ألف كرسي مِن ذهب، قوائمها ياقوت أحمر، على ذلك السرير سبعون فراشًا، كلّ فراش على لون، وهو جالس فوقها، وهو متكئ على يساره، عليه سبعون حُلّة من دِيباج، الذي يلي جسده حريرة بيضاء، وعلى جبهته إكليلٌ مُكلّل بالزَّبَرْجَد والياقوت وألوان الجواهر، كلّ جوهرة على لون، وعلى رأسه تاج من ذهب، فيه سبعون ذُؤابة، في كلّ ذُؤابة دُرّة تساوي مال المشرق والمغرب، وفي يديه ثلاث أسورة، سوار من ذهب، وسوار من فِضّة، وسوار من لؤلؤ، وفي أصابع يديه ورِجليه خواتيم مِن ذهب وفِضّة فيه ألوان الفصوص، وبين يديه عشرة آلاف غلام لا يَكبرون ولا يَشِيبون أبدًا، ويوضع بين يديه مائدة من ياقوتة حمراء، طولها ميل في ميل، ويوضع على المائدة سبعون ألف إناء من ذهب وفِضّة، في كلّ إناء سبعون لونًا من الطعام، يأخذ اللقمة بيديه، فما يَخطر على باله حتى تتحوّل اللقمة عن حالها إلى الحال التي يشتهيها، وبين يديه غلمان بأيديهم أكواب من ذهب، وإناء من فِضّة معهم الخمر والماء، فيأكل على قدر أربعين رجلًا من الألوان كلّها، كلّما شبع من لون من الطعام سَقوه شربة مما يشتهي من الأشربة فَيَتَجَشَّأُ، فيَفتح الله تعالى عليه ألف باب مِن الشهوة مِن الشراب، فيدخل عليه الطير من الأبواب كأمثال النَّجائب، فيَقومون بين يديه صفًّا، فيَنعتُ كلٌّ نفسَه بصوتٍ مُطْرِبٍ لذيذ ألذّ مِن كلّ غناء في الدنيا، يقول: يا وليّ الله، كُلني؛ إنى كنتُ أرعى في روضة كذا وكذا من رياض الجنة. فيحلون عليه أصواتها، فيرفع بصره، فينظر إليهم، فينظر إلى أزهاها صوتًا، وأجودها نعتًا، فيشتهيها، فيَعلم الله ما وراء شهوته في قلبه من حُبّه، فيجيء الطير، فيقع على المائدة؛ بعضه قَدِيد، وبعضه شواء، أشدّ بياضًا من الثلج، وأحلى من العسل، فيأكل، حتى إذا شبع منها واكتفى طارت طيرًا كما كانت، فتَخرج من الباب الذي كانت دَخلتْ منه، فهو على الأرائك، وزوجته مُستقبلة، يبصر وجهه في وجهها من الصفاء والبياض، كلّما أراد أن يُجامعها ينظر إليها، فيستحي أن يَدعوها، فتَعلم ما يريد منها زوجها، فتدنو إليه، فتقول: بأبي وأمي، ارفع رأسك، فانظر إليّ، فإنك اليوم لي، وأنا لك. فيُجامعها على قوة مائة رجل من الأوّلين، وعلى شهوة أربعين رجلًا، كلّما أتاها وجدها عذراء، لا يَغفل عنها مقدار أربعين يومًا، فإذا فرَغ وجد ريح المِسك منها، فيزداد حُبًّا لها، فيها أربعة آلاف وثمانمائة زوجة مثلها، لكلّ زوجة سبعون خادمًا وجارية

أفادت الآثارُ الاختلافَ في صفة تَبَدُّلِهِم الخبيثَ بالطّيِّب الذي نُهُوا عنه في قوله تعالى: ﴿ولا تَتَبَدَّلُواْ الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ ومعناه، على أقوال؛ أولها: هو أن يجعل الزائفَ بدل الجيِّد، والمهزول بدل السمين. وهذا قول إبراهيم النخعي، وابن المسيب، والزهري، والضحاك، والسديّ. والثاني: هو استعجال أكل الحرام قبل إتيان الحلال. وهذا قول مجاهد، وأبي صالح. والثالث: أنّ أهل الجاهلية كانوا لا يُوَرِّثون الصغار والنساءَ، ويأخذه الرجل الأكبر، فكان يستبدل الخبيث بالطيب؛ لأن نصيبَه من الميراث طيب، وأخذه الكل خبيث. وهذا قول ابن زيد. ورجَّحَ ابنُ جرير (٦‏/‏٣٥٤ بتصرف) القولَ الأولَ؛ استنادًا إلى السياق، والدلالة اللغوية، فقال: «تبدل الشيء بالشيء في كلام العرب: أخذ شيءٍ مكانَ آخر غيره، يعطيه المأخوذُ منه أو يجعله مكان الذي أخذ. ذلك هو الأظهر من معانيه؛ لأنّ الله -جل ثناؤه- إنّما ذكر ذلك في قصة أموال اليتامى وأحكامها، فلأن يكون ذلك من جنس حُكمِ أول الآية وآخرها أولى مِن أن يكون من غير جنسه». وانتَقَدَ ابنُ جرير (٦‏/‏٣٥٤) القولَ الثالثََ استنادًا إلى اللغة، فقال: «الذي قاله ابن زيد -مِن أنّ معنى ذلك: هو أخذ أكبرِ ولد الميت جميعَ مال ميِّته ووالده، دون صغارهم إلى ماله- قولٌ لا معنى له؛ لأنه إذا أخذ الأكبرُ مِن ولده جميعَ ماله دون الأصاغر منهم فلم يستبدل مما أخذ شيئًا، فما التبدُّلُ الذي قال -جل ثناؤه-: ﴿ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب﴾، ولم يتبدَّل الآخذُ مكان المأخوذِ بدلًا؟!». وعلَّقَ ابنُ جرير (٦‏/‏٣٥٤-٣٥٥) على قول مجاهد وأبي صالح بقوله: «إن لم يكونا أرادا بذلك نحوَ القول الذي رُوِي عن ابن مسعود أنّه قال: إنّ الرجلَ لَيُحْرَمَ الرِّزْقَ بالمعصية يأتيها. ففسادُه نظيرُ فسادِ قول ابن زيد؛ لأنّ مَن استعجل الحرامَ فأكله ثُمَّ آتاه الله رزقَه الحلالَ فلم يُبَدِّل شيئًا مكان شيء. وإن كانا قد أرادا بذلك أنّ الله -جل ثناؤه- نهى عبادَه أن يستعجلوا الحرام فيأكلوه قبل مجيء الحلال، فيكون أكلُهم ذلك سببًا لحرمان الطيِّب منه؛ فذلك وجهٌ معروف، ومذهبٌ معقول يحتمله التأويل. غير أنّ أشبه مَن في ذلك بتأويل الآية ما قلنا»

سورة البقرة — الآية ٢٧٨

عن مقاتل بن حيان -من طريق بُكَيْر بن معروف - قال: نزلت هذه الآية في بني عمرو بن عُمير بن عوف [الثقفي، ومسعود بن عمرو بن عبد ياليلَ] بن عمرو، وربيعة بن عمرو، وحبيب بن عمير، وكلهم إخوة، وهم الطالِبُون، والمطْلُوبون بنو المغيرة من بني مخزوم، وكانوا يُداينون بني المغيرة في الجاهلية بالربا، وكان النبي ﷺ صالح ثَقِيفًا، فطلبوا رِباهم إلى بني المغيرة، وكان مالًا عظيمًا، فقال بنو المغيرة: والله لا نُعطِي الربا في الإسلام وقد وضعه الله ورسوله عن المسلمين. فعرَّفوا شأنهم معاذَ بن جبل، ويقال: عتّابَ بن أسِيد، فكتب إلى رسول الله ﷺ: إن بني ابن عمرو بن عمير يطلبون رِباهم عند بني المغيرة. فأنزل الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين﴾. فكتب رسول الله ﷺ إلى معاذ بن جبل: «أنِ اعرِضْ عليهم هذه الآية، فإن فعَلوا فلهم رؤوس أموالهم، وإن أبوا فآذنهم بحرب من الله ورسوله»