اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿ولا جدال في الحج﴾ على أقوال، كما هو موضح في الآثار. وقد رَجَّح ابنُ جرير (٣‏/‏٤٨٧-٤٩٣) مستندًا إلى الدلالات العقلية، والسُّنَّة أنّ معنى قوله: ﴿لا جدال في الحج﴾ أي: لا جدال في وقته؛ فإنه قد استقام أمره، وزال النَّسِيءُ عنه. وذكر من وجوه ترجيحه: ١- أنّ ما خصَّه الله بالنهي عنه حال الإحرام لا يكون منهيًّا عنه حال الإحلال، إذ لو كان منهيًّا عنه بإطلاق لم يكن لتخصيص النهي عنه حال الإحرام معنى. ٢- قول النبي ﷺ: «مَن حَجَّ هذا البيت فلم يَرْفُث ولم يَفْسُق خرج مثل يوم ولدته أمه». فذكر الرَّفَث والفسوق ولم يضم إليهما الجدال، فلو كان الجدال الذي نهى الله عنه في قوله: ﴿ولا جدال في الحج﴾ هو السباب أو غيره مما ذكره المفسرون لقَرَنه النبي ﷺ بالرفث والفسوق، فلمّا لم يقرنه بهما دلَّ على أنه غيرهما. وبنحوه قال ابنُ تيمية (١‏/‏٤٧٦). وعند ابن عطية (١‏/‏٤٨٥) نحوه، حيث ذكر الأقوال المختلفة في تفسير الآية، ثم رَجَّح هذا القولَ، فقال: «وهذا أصحُّ الأقوال، وأظهرُها». ولم يذكر مستندًا

ذكر ابنُ جرير (٢٠‏/‏١٣٠-١٣١) هذه القراءة، ثم علَّق عليها، فقال: «وقرأ ذلك بعضُ المكيين وبعض البصريين: ‹وأُخَرُ› على الجماع، وكأنّ مَن قرأ ذلك كذلك كان عنده لا يصلح أن يكون الأزواج -وهي جمع- نعتًا لواحد، فلذلك جمع أُخَر لتكون الأزواج نعتًا لها؛ والعرب لا تمنع أن ينعت الاسم إذا كان فعلًا بالكثير والقليل والاثنين كما بينا، فتقول: عذاب فلان أنواع، ونوعان مختلفان». وذكر ابنُ جرير قراءة من قرأ ذلك بالتوحيد، وعلَّق عليها، فقال: «عامة قراء المدينة والكوفة: ﴿وآخر من شكله أزواج﴾ على التوحيد، بمعنى: هذا حميم وغساق فليذوقوه، وعذاب آخر من نحو الحميم ألوان وأنواع، كما يقال: لك عذاب من فلان ضروب وأنواع، وقد يحتمل أن يكون مرادًا بالأزواج: الخبر عن الحميم والغساق، وآخر من شكله، وذلك ثلاثة، فقيل: أزواج، يراد أن ينعت بالأزواج تلك الأشياء الثلاثة». ثم رجَّحها مستندًا إلى الأصحّ لغة وأقوال أهل التأويل بقوله: «وأعجب القراءتين إلَيَّ أن أقرأ بها: ﴿وآخر﴾ على التوحيد، وإن كانت الأخرى صحيحة لاستفاضة القراءة بها في قراء الأمصار، وإنما اخترنا التوحيد لأنه أصح مخرجًا في العربية، وأنه في التفسير بمعنى التوحيد. وقيل: إنه الزمهرير»

ذكر ابنُ جرير (٨‏/‏٣٨٠-٣٨١) أنّ حجة قائلي هذا القول هي أنّ ما كان في القرآن «أو - أو» فإنه للتخيير، كقوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِن صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦]، وكآية كفارة اليمين، وآية جزاء الصيد. وإذا كان ذلك كذلك فهو في هذه الآية كذلك. وبنحوه قال ابن عطية (٣‏/‏١٥٥-١٥٦)، وكذا ابن كثير (٥‏/‏١٦٤). ونقل ابن عطية (٣‏/‏١٥٥) عن مالك أنه استحسن أن يأخذ في الذي لم يَقْتل بأيسر العقوبات. وعلَّق عليه بقوله: «لا سيما إن كانت زلَّةً ولم يكن صاحب شرور معروفة، وأما إن قَتل فلا بد من قتله»

انتَقَد ابنُ كثير (٦‏/‏٣٩٦) قول قتادة مستندًا إلى أنّه أخذه عن بني إسرائيل، فقال: «ظاهر السياق أنّه إنّما ألقى الألواح غضبًا على قومه، وهذا قول جمهور العلماء سلفًا وخلفًا، وروى ابن جرير عن قتادة في هذا قولًا غريبًا، لا يصِحُّ إسناده إلى حكاية قتادة، وقد ردَّه ابن عطية وغير واحد من العلماء، وهو جدير بالرَّدِّ، وكأنّه تلقاه قتادة عن بعض أهل الكتاب، وفيهم كذّابون ووضّاعون وأفّاكون وزنادقة». كذلك انتقد ابنُ عطية (٤‏/‏٥٢) قول قتادة، فقال: «وهذا قولٌ رديءٌ، لا ينبغي أن يوصف موسى به»

اختُلفِ في المراد بالكتاب؛ فقال قوم: التوراة والإنجيل. وذكر ابنُ جرير (١٢‏/‏١٠٥-١٠٦بتصرف) قولًا آخر بأنّه القرآن، ولم ينسبه. ورجَّح ابنُ جرير القول الثاني مستندًا إلى السياق، فقال: «وأولى التأويلين في ذلك بالصواب تأويلُ مَن تأوّله: هذه آيات القرآن. ووجّه معنى ﴿تلك﴾ إلى معنى: هذه؛ لأنّه لم يجيء للْتوراة والإنجيل قبلُ ذكرٌ ولا تلاوةٌ بعدُ، فيوجه إليه الخبر». وكذا رجَّحه ابنُ عطية (٤‏/‏٤٤٥) فقال: «وهو الأظهر». ولم يذكر مستندًا. وانتَقَد ابنُ كثير (٧‏/‏٣٣١) القولَ الأول، فقال: «وهذا القولُ لا أعرف وجهَه، ولا معناه»

اختُلِف في قراءة قوله: ﴿مخلصا﴾، فقرأ قوم بفتح اللام، وقرأ غيرهم بكسرها. وذكر ابنُ جرير (١٥‏/‏٥٥٨) أنّ قراءة الكسر بمعنى: إنّه كان يخلص لله العبادة. وقراءة الفتح بمعنى: إنّ موسى كان الله قد أخلصه واصطفاه لرسالته. وبنحوه ابنُ عطية (٦‏/‏٤١)، وابنُ كثير (٩‏/‏٢٥٥). ورجَّح ابنُ جرير مستندًا إلى صحة المعنى صِحَّة كِلتا القراءتين، فقال: «والصواب مِن القول في ذلك عندي: أنه كان ﷺ مخلِصًا عبادة الله، مخلَصًا للرسالة والنبوة، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيبٌ الصوابَ»

ذكر ابنُ عطية (٧‏/‏٦٣٥) أن ﴿من﴾ على قول ابن زيد لبيان الجنس. ثم قال: «ولكن قوله: ﴿كما صبر أولوا العزم﴾ يتضمن رسلًا وغيرهم، فبيّن بعد ذلك جنس الرسل خاصّة تعظيمًا لهم». وذكر ابنُ كثير (١٣‏/‏٥٦) أنّ أشهر الأقوال في أولي العزم أنهم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، وخاتم الأنبياء كلّهم محمد ﷺ، الذين نصّ الله على أسمائهم مِن بين الأنبياء في آيتين من سورتي الأحزاب والشورى، وأنه يحتمل أن يكون المراد بأولي العزم جميع الرسل، وتكون ﴿من﴾ في قوله: ﴿من الرسل﴾ لبيان الجنس، كما هو قول ابن زيد

اختُلف في المراد بالسائحات على قولين: الأول: أنهن الصائمات: الثاني: المُهاجرات. ووجّه ابنُ عطية (٨‏/‏٣٤٤) القول الأول الذي قاله ابن عباس، وعكرمة، وعطاء، وأبو مالك، وقتادة، والضَّحّاك، ومقاتل، بقوله: «وشبه الصائم بالسائح من حيث يَنهمك السائح ولا ينظر في زادٍ ولا مطعم، وكذلك الصائم يُمسك عن ذلك؛ فيستوي هو والسائح في الامتناع وشَظف العيش بفقد الطعام». وبنحوه قال ابنُ جرير (٢٣‏/‏١٠٢). وذكر ابنُ كثير (١٤‏/‏٥٧) أن القول الأول ورد فيه حديث: «سياحة هذه الأمة الصيام». ورجَّحه بقوله: «والقول الأول أولى»

سورة الشورى — الآية ١

عن عُبيد بن عمير، عن حُذيفة أنّه سُئِل عن: ﴿حم * عسق﴾، وعمر، وعليّ، وابن مسعود، وأبي بن كعب، وابن عباس، وعدّة مِن أصحاب رسول الله - ﷺ - - رضي الله عنهم - حضور. فقال حذيفة: العينُ: عذابُ. والسين: السّنة والمجاعة. والقاف: قوم يُقذفون في آخر الزمان. فقال له عمر؟: مِمَّن هم؟ قال: مِن ولدالعباس في مدينة يقال لها: الزوراءُ، يُقتل فيها مقتلةٌ عظيمة، وعليهم تقوم الساعة، فقال ابن عباس: ليس ذلك فينا، ولكن القاف: قذْفٌ وخسفٌ يكونُ، قال عمر لحذيفة: أمّا أنتَ فقد أصبتَ التفسير، وأصاب ابنُ عباس المعنى. فأصابت ابنُ عباس الحُمّى، حتى عادهُ عمر وعدّة من أصحاب رسول الله - ﷺ -؛ مِمّا سمع مِن حذيفة

اختُلِف في تفسير قوله: ﴿ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم﴾؛ فقال بعضهم: المعنى: لا تجعلوه عِلَّة لأيمانكم، وذلك إذا سُئِل أحدكم الشيءَ من الخير قال: حلفتُ بالله ألّا أفعله. فيعتلُّ في تركه فعل الخير بالحلف بالله. وقال آخرون: معنى ذلك: ولا تعترضوا بالحلف بالله في كلامكم فيما بينكم، فتجعلوا ذلك حُجَّة لأنفسكم في ترك فعل الخير. ورَجَّحَ ابنُ جرير (٤‏/‏١١) القولَ الثاني الذي قال به ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة، والنخعي من طريق ابن يزيد، وابن فضيل عن مغيرة، ومجاهد، والربيع، وعائشة، وابن جريج، ومكحول مستندًا إلى اللغة، فقال: «وذلك أنّ العرضة في كلام العرب: القوة والشدة، يقال منه: هذا الأمر عرضة له. يعني بذلك: قوة لك على أسبابك، ويقال: فلانة عُرْضَة للنكاح. أي: قوة»