سورة الزمر — الآية ٦٣

عن علي بن أبي طالب، قال: سألتُ النبيَّ ﷺ عن تفسير المقاليد. فقال: «يا عليّ، سألتَ عظيمًا، المقاليد هو أن تقول عشرًا إذا أصبحت وعشرًا إذا أمسيت: لا إله إلا الله، والله أكبر، سبحان الله، والحمد لله، أستغفر الله، ولا حول ولا قُوَّة إلا بالله، هو الأول والآخِر والظاهِر والباطِن، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير. من قالها عشرًا إذا أصبح، وعشرًا إذا أمسى أعطاه الله تعالى خصالًا سِتًّا؛ أولهن: يحرسه من إبليس وجنوده فلا يكون لهم عليه سلطان، والثانية: يُعطى قنطارًا في الجنّة أثقل في ميزانه من جبل أُحد، والثالثة: يرفع الله له درجة لا ينالها إلّا الأبرار، والرابعة: يزوّجه الله من الحور العين، والخامسة: يشهده اثنا عشر ألف ملَك يكتبونها في رقٍّ مَنشُور يشهدون له بها يوم القيامة، والسادسة: كان كمن قرأ التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، ومن حجّ واعتمر وقبل الله حجّه وعمرته، وإن مات من يومه أو ليلته أو شهره طُبع بطابع الشهداء، فهذا تفسير المقاليد»

اختلف السلف في معنى النقير على ثلاثة أقوال: الأول: أنّ معناه: النقرة التي تكون على ظهر النواة. الثاني: أنّ معناه: الحبة التي تكون في وسط النواة. الثالث: أن معناه: النَّقرة بطرف الأصابع. وقد رَجَّح ابنُ جرير (٧‏/‏١٥٢) شمول معنى النقير لكل تلك الأقوال مستندًا إلى دلالة العقل، والعموم، فقال: «وأَوْلى الأقوال في ذلك بالصواب أن يُقال: إنّ الله وصَفَ هؤلاء الفرقة مِن أهل الكتاب بالبخل باليسير مِن الشيء الذي لا خَطَر له، ولو كانوا ملوكًا وأهل قدرة على الأشياء الجليلة الأقدار. فإذ كان ذلك كذلك فالذي هو أولى بمعنى النقير أن يكون أصغر ما يكون من النقر، وإذا كان ذلك أولى به فالنَّقرة التي في ظهر النواة مِن صغار النقر، وقد يدخل في ذلك كل ما شاكلها من النقر». وقال ابنُ عطية (٢‏/‏٥٨٢): «والنقير أعرف ما فيه أنها النكتة التي في ظهر النواة من التمرة، ومن هنالك تنبت، وهو قول الجمهور». ثم ذكر أقوال السلف في معنى النقير، وعلَّق قائلًا: «وهذا كله يجمعه أنّه كناية عن الغاية في الحقارة والقلة، على مجاز العرب واستعارتها»

وجَّه ابنُ جرير (١٠‏/‏٣٠) قراءة عليٍّ بقوله: «وكأنّ عليًا ذهب بقوله: ‹فارَقُواْ دِينَهُمْ›: خرجوا فارتدوا عنه، من المفارقة». ثم وجَّه قراءة ابن مسعود (١٠‏/‏٣٠) بقوله: «وكأنّ عبد الله تأول بقراءته ذلك كذلك أن دين الله واحد، وهو دين إبراهيم الحنيفية المسلمة، ففرَّق ذلك اليهود والنصارى، فتَهَوَّد قوم، وتنَصَّر آخرون، فجعلوه شِيَعًا متفرقة». ثم علَّق على القراءتين فقال: «والصواب من القول في ذلك أن يُقال: إنهما قراءتان معروفتان، قد قرأَتْ بكل واحدةٍ منهما أئمةٌ من القُرّاء، وهما متفقتا المعنى غير مختَلِفَتَيْه. وذلك أن كل ضالٍّ فَلِدِينه مُفارق، وقد فرَّق الأحزابُ دينَ الله الذي ارتضاه لعباده، فتَهَوَّد بعضٌ، وتنَصَّر آخرون، وتَمَجَّس بعضٌ، وذلك هو التفريق بعَيْنِهن ومصير أهله شِيَعًا متفرقين غير مجتمعين، فَهُم لدين الله الحق مُفارقون وله مُفَرِّقون، فبأيِّ ذلك قرأ القارئ فهو للحق مُصيب، غير أني أختارُ القراءة بالذي عليه عُظْمُ القُرّاء، وذلك تشديد الراء من ﴿فرَّقوا﴾»

في قوله: ﴿وتصدق علينا﴾ قولان: الأول: تفضَّل علينا بما بين الجياد والرديئة. الثاني: تصدَّق علينا برَدِّ أخينا إلينا. وهو قول ابن جريج والضحاك. وقد رجّح ابنُ جرير (١٣‏/‏٣٢٦) القول الأول، وانتقد الثاني مستندًا إلى اللغة، فقال: «وهذا القول الذي ذكرناه عن ابن جريج، وإن كان قولًا له وجه، فليس بالقول المختار في تأويل قوله: ﴿وتصدق علينا﴾؛ لأنّ الصدقة في المتعارف: إنما هي إعطاء الرجل ذا الحاجة بعضَ أملاكه ابتغاء ثواب الله عليه، وإن كان كل معروف صدقة، فتوجيه تأويل كلام الله إلى الأغلب مِن معناه في كلام من نزل القرآن بلسانه أولى وأحرى». وذكر ابنُ عطية (٥‏/‏١٤٢-١٤٣) قولًا آخر ووَجَّهه، فقال: «وقالت فرقة: كانت الصدقة عليهم محرمة، ولكن قالوا هذا تَجَوُّزًا واستعطافًا منهم في المبايعة، كما تقول لمن تساومه في سلعة: هبني مِن ثمنها كذا، وخذ كذا. فلم تقصد أن يهبك، وإنما حسنت له الانفعال حتى يرجع معك إلى سومك»

اختُلِف في المراد بقوله تعالى: ﴿من المسجد الحرام﴾ على قولين: الأول: أنّ المراد به: المسجد المحيط بالكعبة نفسها، وفيه كان ﷺ حين أسري به. والثاني: أنّ المراد به: مكة كلها، والحرم كله مسجد. وعلَّقَ ابن عطية (٥/٤٣٧) على القول الثاني مبيّنًا مستند أصحابه بقوله: «استندوا إلى قوله تعالى: ﴿لتدخلن المسجد الحرام﴾ [الفتح:٢٧]، وعُظم المقصد هنا إنما هو مكة، وروى بعض هذه الفرقة عن أم هانئ أنها قالت: كان رسول الله ﷺ ليلة الإسراء في بيتي. وروى بعضها عن النبي عليه السلام أنه قال: «فُرج سقف بيتي». وهذا يلتئم مع قول أم هانئ». ورجَّحَ ابنُ جرير (١٤/٤٢٠) القولَ الأولَ استنادًا إلى الأعرف، فقال: «أولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يُقال: إنّ الله عز وجل أخبر أنه أسرى بعبده من المسجد الحرام، والمسجد الحرام هو الذي يتعارفه الناس بينهم إذا ذكروه». وهو ظاهر كلام ابن تيمية (٤/١٩٧)، وكذا ابنُ كثير (٨/٣٧٣)

قال ابنُ عطية (٥‏/‏٥٨٨): «والواو في قوله: ﴿وثامنهم كلبهم﴾ طريق النحويين فيها أنها واو عطف دخلت في آخر إخبار عن عددهم؛ لتفصل أمرهم، وتدل على أن هذا نهاية ما قيل، ولو سقطت لصح الكلام، ولو كانت فيما قبل من قوله: ﴿رابعهم﴾ و﴿سادسهم﴾ لصح الكلام. وتقول فرقة منها ابن خالويه: هي واو الثمانية. وذكر ذلك الثعلبي عن أبي بكر بن عياش أنّ قريشًا كانت تقول في عددها: ستة سبعة وثمانية تسعة، فتدخل الواو في الثمانية». ثم قال: «وقد أمر الله تعالى نبيه ﷺ في هذه الآية أن يرد علم عدتهم إليه عز وجل، ثم أخبر أن عالم ذلك من البشر قليل، والمراد به قوم من أهل الكتاب، وكان ابن عباس يقول: أنا من ذلك القليل، وكانوا سبعة وثامنهم كلبهم. ويستدل على هذا من الآية بأن القرآن لما حكى قول مَن قال: ثلاثة، وخمسة. قرَنَ بالقول أنه رجم بالغيب؛ فقدح ذلك فيها، ثم حكى هذه المقالة، ولم يقدح فيها بشيء، بل تركها مسجلة، وأيضًا فيقوي ذلك على القول بواو الثمانية؛ لأنها إنما تكون حيث عدد الثمانية صحيح»

اختُلف في قراءة قوله: ﴿يصدون﴾؛ فقرأ قوم: بضم الصاد، وقرأ غيرهم بكسرها. وذكر ابنُ جرير (٢٠‏/‏٦٢٣) أنه اختلف في الفرق بين الضم والكسر، فذهب قوم إلى أنهما لغتان بمعنى واحد، مثل يشُد ويشِد، وقال غيرهم بأن مَن كَسر الصاد فمجازها: يضجون، ومن ضمها فمجازها: يعدلون. وذهب قوم إلى أن من كسرها فإنه أراد: يضجون، ومن ضمها فإنه أراد: الصدود عن الحق. وبنحوه قال ابنُ عطية (٧‏/‏٥٥٧). ثم رجَّح ابنُ جرير (٢٠‏/‏٦٢٤) صحة كلتا القراءتين مستندًا إلى شهرتهما، واتحاد معناهما، فقال: «والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان، ولغتان مشهورتان بمعنًى واحد، ولم نجد أهل التأويل فرّقوا بين معنى ذلك إذا قُرئ بالضم والكسر، ولو كان مختلفًا معناه لقد كان الاختلاف في تأويله بين أهله موجودًا وجود اختلاف القراءة فيه باختلاف اللغتين، ولكن لما لم يكن مختلف المعنى لم يختلفوا في أن تأويله: يضجون ويجزعون، فبأي القراءتين قرأ القارئ فمصيب»

رجّح ابنُ جرير (٢٤‏/‏٢٢) -مستندًا إلى الأفصح لغة- قراءة مَن قرأ: ﴿لابثين﴾ بالألف، فقال: «وأفصح القراءتين وأصحّهما مخرجًا في العربية قراءةُ مَن قرأ ذلك بالألف؛ وذلك أنّ العرب لا تكاد توقع الصفة إذا جاءت على (فَعِل) فتُعمِلها في شيء وتنصبه بها، لا يكادون أن يقولوا: هذا رجل بَخِلٌ بماله، ولا عَسِرٌ علينا، ولا هو خَصِمٌ لنا. لأنّ (فَعِل) لا يأتي صفة إلا مدحًا أو ذمًّا، فلا يَعمل المدح والذم في غيره، وإذ أرادوا إعمال ذلك في الاسم أو غيره جعلوه فاعلًا، فقالوا: هو باخل بماله، وهو طامع فيما عندنا، فلذلك قلتّ: إنّ ﴿لابثين﴾ أصح مخرجًا في العربية وأفصح، ولم أحلّ قراءة مَن قرأ: ‹لَبِثِينَ › وإن كان غيرها أفصح؛ لأن العرب ربما أعملت المدح في الأسماء». وذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٥١٨) قراءة: ‹لَبِثِينَ ›، ثم انتقدها -مستندًا إلى اللغة- عليها قائلًا: «وهي قراءة معترضة لأنّ (فَعِلًا) إنما يكون لما صار خُلُقًا؛ كحَذِر وفَرِق، وقد جاء شاذًّا فيما ليس بخُلُق»

سورة البقرة — الآية ١٨٧

عن ابن عباس -من طريق العوفي- قال: كان الناس أوّل ما أسلموا إذا صام أحدهم يصوم يومه، حتى إذا أمسى طَعِم من الطعام فيما بينه وبين العَتَمَة، حتى إذا صُلّيتْ حَرُم عليهم الطعام حتى يُمْسِي من الليلة القابلة، وإنّ عمر بن الخطاب بينما هو نائم إذ سَوَّلَتْ له نفسُه، فأتى أهلَه، ثم أتى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، إنِّي أعتذر إلى الله وإليك من نفسي هذه الخاطئة، فإنها زيّنت لي، فواقعتُ أهلي، هل تجدُ لي مِن رخصةٍ؟ قال: «لم تكن حقيقًا بذلك، يا عمر». فلما بلغ بيتَه أرسلَ إليه، فأنبأه بعُذْرِه في آية من القرآن، وأمر الله رسوله أن يضعها في المائة الوسطى من سورة البقرة، فقال: ﴿أحل لكم ليلة الصيام﴾ إلى قوله: ﴿تختانون أنفسكم﴾. يعني بذلك: الذي فعل عمر، فأنزل الله عفوه، فقال: ﴿فتاب عليكم﴾ إلى قوله: ﴿من الخيط الأسود﴾. فأحل لهم المجامعة والأكل والشرب حتى يتبين لهم الصبح

سورة النساء — الآية ٢٤

عن عكرمة مولى ابن عباس: أنّ هذه الآية التي في سورة النساء: ﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم﴾ نزلت في امرأةٍ يُقال لها: معاذة. وكانت تحت شيخ مِن بني سَدُوس يُقال له: شجاع بن الحارث. وكان معها ضَرَّة لها قد ولدت لشجاع أولادًا رِجالًا، وإنّ شجاعًا انطلق يَمِير أهله مِن هَجَر، فمَرَّ بمعاذةَ ابنُ عمٍّ لها، فقالت له: احملني إلى أهلي؛ فإنّه ليس عند هذا الشيخ خير. فاحتملها، فانطلق بها، فوافق ذلك جيئة الشيخ، فانطلق إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله وأفضلَ العرب، إنِّي خرجت أبغيها الطعام في رجب، فتَوَلَّتْ وأَلَطَّتْ بالذَّنَب، وهُنَّ شرٌّ غالِبٌ لِمَن غلب، رأت غلامًا وارِكًا على قَتَب، لها وله أرَبٌ. فقال رسول الله ﷺ: «عليَّ عليَّ، فإن كان الرجل كشف بها ثوبًا فارجموها، وإلا فردوا على الشيخ امرأته». فانطلق مالكُ بن شجاع وابن ضَرَّتِها، فطلبها، فجاء بها، ونزلت بيتها