اختُلف في المراد بقوله: ﴿إلى ربها ناظرة﴾ على قولين: الأول: أنها تَنظر إلى ربّها. الثاني: أنها تَنتظر الثواب من ربّها. ورجَّح ابنُ جرير (٢٣‏/‏٥٠٩-٥١٠) -مستندًا إلى السنة- القول الأول الذي قاله ابن عباس، والضَّحّاك، وعكرمة، والحسن، وعطية العَوفيّ، ومقاتل، ومعمر، ومالك بن أنس، فقال: «وأولى القولين في ذلك عندنا بالصواب القولُ الذي ذكرناه عن الحسن، وعكرمة، من أنّ معنى ذلك: تَنظر إلى خالقها، وبذلك جاء الأثر عن رسول الله ﷺ». وساق الحديث الوارد عن ابن عمر في تفسير الآية. وذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٤٧٨) أنّ القول الأول قول جميع أهل السنة. وبنحوه قال ابنُ القيم (٣‏/‏٢٣١). وعلَّق ابنُ كثير (١٤‏/‏١٩٩) على هذا القول بقوله: «وهذا بحمد الله مُجمعٌ عليه بين الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة، كما هو مُتَّفق عليه بين أئمة الإسلام وهُداة الأنام». ووجَّه ابنُ عطية (٨‏/‏٤٧٩) القول الثاني الذي قاله مجاهد، وأبو صالح، بقوله: «وهذا وجه سائغ في العربية كما تقول: فلان ناظر إليك في كذا، أي: إلى صُنعك في كذا». ثم قال: «والرؤية إنما يثبتها بأدلة قطعية غير هذه الآية، فإذًا ثبتت حسُن تأويل أهل السنة في هذه الآية وقَوِي». وانتقده ابنُ كثير مستندًا للقرآن والسنة، فقال: «ومَن تأول ذلك بأن المراد مفرد الآلاء، وهي النعم فقد أبعد هذا القائل النجعة، وأَبطل فيما ذهب إليه. وأين هو من قوله تعالى: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾ [المطففين:١٥]، قال الشافعي رحمه الله: ما حجب الفجار إلا وقد عُلم أنّ الأبرار يرونه عز وجل. ثم قد تواترت الأخبار عن رسول الله ﷺ بما دل عليه سياق الآية الكريمة، وهي قوله: ﴿إلى ربها ناظرة﴾». وذكر أنّ بعض المعتزلة ذهبوا في هذه الآية إلى أنّ قوله: ﴿إلى﴾ ليست بحرف الجر، وإنما هي «إلى» واحدة الآلاء، وعلَّق عليه بقوله: «فكأنه قال: نعمة ربّها مُنتظِرة أو ناظرة، من النظر بالعين، ويقال: نظرتك، بمعنى: انتظرتك». وانتقده ابنُ القيم (٣‏/‏٢٣٢) مستندًا للغة، فقال: «يستحيل فيها تأويل النظر بانتظار الثواب؛ فإنه أضاف النظر إلى الوجوه التي هي محله، وعدّاه بحرف إلى التي إذا اتصل بها فِعْل النظر كان من نَظر العين ليس إلا»

سورة الكهف — الآية ٦٠

عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- قال: لَمّا ظهر موسى وقومُه على مِصر أنزل قومَه مصر، فلما استقرت بهم الدار أنزل اللهُ: أن ذكِّرهم بأيام الله. فخطب قومه، فذكر ما آتاهم الله من الخير والنعيم، وذكَّرهم إذ نجاهم الله من آل فرعون، وذكَّرهم هلاك عدوِّهم، وما استخلفهم الله في الأرض، وقال: كلَّم الله موسى نبيكم تكليمًا، واصطفاني لنفسه، وأنزل عَلَيَّ مَحَبَّةً منه، وآتاكم من كل شيء سألتموه، فنبيُّكم أفضلُ أهل الأرض، وأنتم تقرؤون التوراة. فلم يترك نعمةً أنعمها الله عليهم إلا عرَّفهم إيّاها، فقال له رجل من بني إسرائيل: فهل على الأرض أعلمُ منك، يا نبي الله؟ قال: لا. فبعث الله جبريل إلى موسى، فقال: إنّ الله يقول: وما يدريك أين أضع عِلمي؟! بلى، إنّ على شطِّ البحر رجل أعلم. فقال ابن عباس: هو الخضِر. فسأل موسى ربَّه أن يُرِيَه إيّاه، فأوحى الله إليه: أن ائْتِ البحرَ، فإنّك تجد على شطِّ البحر حوتًا، فخذه، فادفعه إلى فَتاك، ثم الزم شطَّ البحر، فإذا نسيت الحوت وهلك منك فثَمَّ تجد العبد الصالح الذي تطلب. فلمّا طال سفرُ موسى ونصب فيه، سأل فتاه عن الحوت، ﴿قال أرءيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره﴾ لك. قال الفتى: لقد رأيتُ الحوتَ حين اتَّخذ سبيله في البحر سربًا. فأعجب ذلك موسى، فرجع حتى أتى الصخرة، فوجد الحوت، فجعل الحوت يضرب في البحر، ويتبعه موسى، وجعل موسى يقدم عصاه يفرج بها عنه الماء ويتبع الحوت، وجعل الحوت لا يمسُّ شيئًا من البحر إلا يبس حتى يكون صخرة، فجعل نبيُّ الله يعجب مِن ذلك، حتى انتهى به الحوت إلى جزيرة من جزائر البحر، فلَقِي الخضر بها، فسلَّم عليه، فقال الخضر: وعليك السلام، وأنّى يكون هذا السلام بهذا الأرض؟! ومَن أنت؟ قال: أنا موسى. فقال له الخضر: أصاحب بني إسرائيل؟ فرحَّب به، وقال: ما جاء بك؟ قال: جئتك على أن تعلمني مما علمت رشدًا. ﴿قال إنك لن تستطيع معي صبرا﴾. يقول: لا تُطِيق ذلك. قال موسى: ﴿ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا﴾. فانطلق به، وقال له: لا تسألني عن شيء أصنعه حتى أبين لك شأنه. فذلك قوله: ﴿حتى أحدث لك منه ذكرا﴾

اختُلف في المراد بالزكاة على أقوال: الأول: الذين لا يعطون الله الطاعة التي تطهّرهم، وتزكّي أبدانهم، ولا يوحِّدونه. الثاني: النفقة في الطاعات. الثالث: زكاة المال. ورجَّح ابنُ جرير (٢٠‏/‏٣٨٠) -مستندًا إلى السياق، والدلالة العقلية، وكونه الأشهر في معنى الزكاة- القولَ الأخير الذي قاله الحسن، وقتادة، والسُّدّيّ، ومجاهد، والربيع، فقال: «وذلك أن ذلك هو الأشهر من معنى الزكاة، وأن في قوله: ﴿وهم بالآخرة هم كافرون﴾ دليلًا على أن ذلك كذلك؛ لأن الكفار الذين عُنوا بهذه الآية كانوا لا يشهدون أن لا إله إلا الله، فلو كان قوله: ﴿الذين لا يؤتون الزكاة﴾ مرادًا به الذين لا يشهدون أن لا إله إلا الله؛ لم يكن لقوله: ﴿وهم بالآخرة هم كافرون﴾ معنى؛ لأنه معلوم أنّ مَن لا يشهد أن لا إله إلا الله لا يؤمن بالآخرة، وفي إتباع الله قوله: ﴿وهم بالآخرة هم كافرون﴾ قولَه: ﴿الذين لا يؤتون الزكاة﴾ ما ينبئ عن أنّ الزكاة في هذا الموضع معنيٌّ بها زكاة الأموال». ورجَّح ابنُ عطية (٧‏/‏٤٦٤) القول الأول الذي قاله ابن عباس، وعكرمة مستندًا إلى أحوال النزول، فقال: «ويرجِّح هذا التأويل أنّ الآية من أوَّل المكيّ، وزكاة المال إنما نزلت بالمدينة، وإنما هذه زكاة القلب والبدن، أي: تطهيرهما من الشرك والمعاصي». ورجَّح ابنُ تيمية (٥‏/‏٤٥٦) -مستندًا إلى النظائر- أن الآية تتناول كل ما يتزكّى به الإنسان من التوحيد والأعمال الصالحة، كقوله: ﴿هل لك إلى أن تزكى﴾ [النازعات:١٨]، وقوله: ﴿قد أفلح من تزكى﴾ [الأعلى:١٤]. وانتقد ابنُ كثير (١٢‏/‏٢١٩) القول الأخير مستندًا إلى أحوال النزول، فقال: «وفيه نظر؛ لأن إيجاب الزكاة إنما كان في السنة الثانية من الهجرة إلى المدينة، على ما ذكره غير واحد، وهذه الآية مكية». وبنحوه قال ابنُ تيمية (٥‏/‏٤٥٦)، ثم وجَّهه بقوله: «اللهم إلا أن يقال: لا يبعد أن يكون أصلُ الزكاة الصدقة كان مأمورًا به في ابتداء البعثة، كقوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام:١٤١]، فأما الزكاة ذات النُّصب والمقادير فإنما بُيّن أمرها بالمدينة، ويكون هذا جمعًا بين القولين، كما أن أصل الصلاة كان واجبًا قبل طلوع الشمس وقبل غروبها في ابتداء البعثة، فلما كان ليلة الإسراء قبل الهجرة بسنة ونصف فرض الله على رسوله ﷺ الصلوات الخمس، وفصّل شروطها وأركانها وما يتعلق بها بعد ذلك شيئًا فشيئًا»

اختُلِف في الذين عُنُوا بهذه الآية، واختُلِف أيضًا في نسخها، على أقوال لخَّصَها ابنُ عطية (٨‏/‏٢٨٢ بتصرف)، فقال: «اختلف الناس في هؤلاء الذين لم يُنْهَ عنهم أن يُبَرُّوا مَن هم؟ فقال مجاهد: هم المؤمنون من أهل مكة الذين آمنوا ولم يُهاجروا، وكانوا لذلك في رتبة سُوء لترْكهم فرض الهجرة. وقال آخرون: أراد المؤمنين التاركين للهجرة كانوا من أهل مكة ومن غيرها. وقال الحسن، وأبو صالح: أراد خُزاعة، وبني الحارث بن كعب، وقبائل من العرب كفار، إلا أنهم كانوا مُظاهرين للنبي ﷺ مُحبّين فيه وفي ظهوره، ومنهم كنانة، وبنو الحارث بن عبد مناة، ومُزينة. وقال قوم: أراد مِن كفار قريش مَن لم يُقاتل، ولا أخرج، ولا أظهر سوءًا. وعلى هذين القولين فالآية منسوخة بالقتال. وقال عبد الله بن الزبير: أراد النساء، والصبيان مِن الكفرة. وقال: إن الآية نَزَلَتْ بسبب أُمّ أسماء حين استأذنت النبي ﷺ في بِرّها وصِلتها فأذِن لها. وقال أبو جعفر بن النحاس، والثعلبي: أراد المستضعفين مِن المؤمنين الذين لم يستطيعوا الهجرة. وهذا قول ضعيف. وقال مُرَّة الهمداني، وعطية العَوفيّ: نَزَلَتْ في قوم من بني هاشم، منهم العبّاس رضي الله عنه. وقال قتادة: نسخَتْها: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة:٥]». وذَهَبَ ابنُ جرير (٢٢‏/‏٥٧٤) إلى العموم في الآية، وانتقد القول بالنسخ فيها -استنادًا إلى عموم لفظ الآية، وأقوال السلف-، فقال: «أولى الأقوال في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: عُني بذلك: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين مِن جميع أصناف الملل والأديان أن تبرُّوهم وتَصِلوهم، وتُقْسِطوا إليهم. إنّ الله عز وجل عمَّ بقوله: ﴿الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم﴾ جميع مَن كان ذلك صفته، فلم يَخْصُص به بعضًا دون بعض». ثم قال: «ولا معنى لقول مَن قال: ذلك منسوخ. لأنّ برَّ المؤمنِ مِن أهل الحرب ممن بينه وبينه قرابة نسب، أو ممن لا قرابة بينه وبينه ولا نسب غيرُ محرَّم، ولا مَنهي عنه، إذا لم يكن في ذلك دلالة له أو لأهل الحرب على عورةٍ لأهل الإسلام، أو تقويةٌ لهم بكُراعٍ أو سلاح. وقد بيَّن صحةَ ما قلنا في ذلك الخبرُ الذي ذكرناه عن ابن الزبير في قصة أسماء وأُمّها»

وجَّهَ ابنُ جرير (٦‏/‏٣٤٦) قراءةَ الخفض هذه -وهي قراءة حمزة- بقوله: «كأنّه أراد: واتقوا اللهَ الذي تساءلون به وبالأرحامِ. فعطف بظاهرٍ على مَكْنِيٍّ مخفوض». وبنحو ذلك وجَّهَها ابنُ عطية (٢‏/‏٤٦١). وانتَقَدَ ابن جرير (٦‏/‏٣٤٦) هذه القراءةَ لعدم فصاحتها في لغة العرب، فقال: «ذلك غيرُ فصيح مِن الكلام عند العرب؛ لأنها لا تَنسق بظاهر على مَكْنِيٍّ في الخفض إلا في ضرورة شعر، وذلك لضيق الشعر. وأمّا الكلام فلا شيء يضطر المتكلم إلى اختيار المكروه مِن المنطق والرديء في الإعراب منه». وانتَقَدَها ابنُ عطية (٢‏/‏٤٦٢) لعدم فصاحتها أيضًا، ولمخالفتها نصًّا نبويًّا، فقال: «يَرُدُّ عندي هذه القراءة من المعنى وجهان: أحدهما: أنّ ذكر الأرحام فيما يُتَساءَلُ به لا معنى له في الحضِّ على تقوى الله، ولا فائدة فيه أكثر مِن الإخبار بأنّ الأرحام يُتَساءلُ بها، وهذا تفرُّقٌ في معنى الكلام، وغَضٌّ مِن فصاحته، وإنّما الفصاحة في أن يكون لذكر الأرحام فائدةٌ مستقلة. والوجه الثاني: أنّ في ذكرها على ذلك تقريرًا للتساؤل بها، والقسم بحرمتها، والحديث الصحيح يَرُدُّ ذلك في قوله ﷺ: «مَن كان حالِفًا فليحلف بالله أو ليصمت»». وزاد ابنُ عطية (٢‏/‏٤٦٢) توجيهًا آخر، ثم انتَقَدَه مستندًا إلى نظم الكلام وسياقه بقوله: «وقالت طائفة: إنّما خفض ﴿والأرحام﴾ على جهة القسم مِن الله، على ما اختص به -لا إله إلا هو- من القسم بمخلوقاته، ويكون المقسم عليه فيما بعد من قوله: ﴿إن الله كان عليكم رقيبا﴾. وهذا كلامٌ يأباه نظمُ الكلام وسردُه، وإن كان المعنى يخرجه». وبيَّنَ ابنُ تيمية (٢‏/‏١٩٥) أنّ هذا ليس من باب الإقسام، فقال: «قال طائفة من السلف: هو قولهم: أسألك بالله وبالرحم. وهذا إخبارٌ عن سؤالهم. وقد يُقال: إنّه ليس بدليلٍ على جوازه، فإن كان دليلًا على جوازه فمعنى قولِه: أسألك بالرحم. ليس إقسامًا بالرحم -والقسم هنا لا يسوغ- لكن بسبب الرحم، أي: لأنّ الرحم تُوجِب لأصحابها بعضِهم على بعضٍ حقوقًا، كسؤال الثلاثة لله تعالى بأعمالهم الصالحة، وكسؤالنا بدعاء النبي ﷺ وشفاعته. ومن هذا الباب ما رُوِي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنّ ابن أخيه عبد الله بن جعفر كان إذا سأله بحقٍّ جعفرٍ أعطاه، وليس هذا من باب الإقسام؛ فإن الإقسام بغير جعفر أعظم، بل من باب حقِّ الرَّحِم؛ لأن حقَّ الله إنما وجب بسبب جعفر، وجعفر حقه على علي»

سورة القصص — الآية ٧

قال عبد الله بن عباس: إنّ أُمَّ موسى لَمّا تَقارَبَتْ ولادتها، وكانت قابلة مِن القوابل التي وكلهن فرعون بحبالى بني إسرائيل مُصافية لأم موسى، فلما ضرب بها الطَّلَق أرسلت إليها، فقالت: قد نزل بي ما نزل، فلينفعني حبُّكِ إيّايَ اليوم. قالت: فعالجت قبالتها، فلما أن وقع موسى بالأرض هالها نور بين عيني موسى، فارتعش كل مفصلٍ منها، ودخل حبُّ موسى قلبها، ثم قالت لها: يا هذا، ما جِئتُ إليك حين دعوتني إلا ومِن رأيي قتل مولودك، ولكن وجدتُ لابنِك هذا حبًّا ما وجدتُ حبَّ شيء مثل حبه، فاحفظي ابنَك، فإنِّي أراه هو عدوُّنا. فلمّا خرجت القابلة مِن عندها أبصرها بعضُ العيون، فجاءوا إلى بابها ليدخلوا على أُمِّ موسى، فقالت أخته: يا أُمّاه، هذا الحرسُ بالباب. فلفَّت موسى في خِرقة، فوضعته في التنور وهو مسجور، وطاش عقلُها، فلَم تعقل ما تصنع. قال: فدخلوا فإذا التنور مسجور، ورأوا أمَّ موسى لم يتغير لها لونٌ، ولم يظهر لها لبن، فقالوا لها: ما أدخل عليك القابلة؟ قالت: هي مُصافِيَةٌ لي، فدخلت عَلَيَّ زائرة. فخرجوا من عندها، فرجع إليها عقلُها، فقالت لأخت موسى: فأين الصبي؟ قالت: لا أدري. فسمعت بكاء الصبي مِن التنور، فانطلقت إليه، وقد جعل الله سبحانه وتعالى النارَ عليه بردًا وسلامًا، فاحتملته، قال: ثم إنّ أمَّ موسى لَمّا رأتْ إلحاح فرعون في طلب الولدان خافت على ابنها، فقذف الله في نفسها أن تتخذ له تابوتًا، ثم تقذف التابوت في اليمِّ، وهو النيل، فانطلقت إلى رجل نجّار مِن قوم فرعون، فاشترت منه تابوتًا صغيرًا، فقال لها النجار: ما تصنعين بهذا التابوت؟ قالت: ابنٌ لي أُخَبِّئه في التابوت. وكرِهَت الكذب، قال: ولم تقل: أخشى عليه كيد فرعون. فلمّا اشترت التابوت وحملته وانطلقت به انطلق النجار إلى الذبّاحين ليخبرهم بأمر أُمِّ موسى، فلما همَّ بالكلام أمسك الله لسانه؛ فلم يُطِق الكلام، وجعل يُشير بيده، فلم يَدْرِ الأُمَناءُ ما يقول، فلمّا أعياهم أمرُه قال كبيرُهم: اضربوه. فضربوه، وأخرجوه، فلما انتهى النجار إلى موضعه ردَّ الله عليه لسانه، فتكلم، فانطلق أيضًا يريد الأمناء، فأتاهم ليخبرهم، فأخذ الله لسانه وبصره؛ فلم يطق الكلام، ولم يُبصر شيئًا، فضربوه، وأخرجوه، فوقع في وادٍ يهوى فيه حيران، فجعل لله عليه إن ردَّ لسانه وبصره أن لا يدُلَّ عليه، وأن يكون معه يحفظه حيث ما كان، فعرف الله منه الصدق؛ فردَّ عليه لسانه وبصره؛ فخرَّ لله ساجدًا، فقال: يا ربِّ، دُلَّني على هذا العبد الصالح. فدلَّه الله عليه، فخرج من الوادي، فآمن به، وصدَّقه، وعلم أنّ ذلك مِن الله عز وجل

سورة الأحزاب — الآية ٧٢

عن عبد الله بن مسعود، وعن ناس من الصحابة -من طريق السُّدِّيّ، عن مرة الهمداني-، وعبد الله بن عباس -من طريق السُّدِّيّ، عن أبي مالك وأبي صالح- قال: كان لا يُولَد لآدم مولود إلا وُلِد معه جارية، فكان يزوج غلام هذا البطن جاريةَ هذا البطن الآخر، ويزوج جارية هذا البطن غلام هذا البطن الآخر، حتى وُلد له اثنان، يقال لهما: قابيل، وهابيل، وكان قابيل صاحب زرع، وكان هابيل صاحب ضرع، وكان قابيل أكبرهما، وكان له أخت أحسن من أخت هابيل، وإنّ هابيل طلب أن ينكح أخت قابيل، فأبى عليه، وقال: هي أختي، وُلدت معي، وهي أحسن من أختك، وأنا أحق أن أتزوجها. فأمره أبوه أن يزوجّها هابيل، فأبى، وإنهما قرّبا قربانًا إلى الله أيهما أحق بالجارية، وكان آدم يومئذ قد غاب عنهما، أي: بمكة ينظر إليها، قال الله لآدم: يا آدم، هل تعلم أنّ لي بيتًا في الأرض؟ قال: اللهم، لا. قال: إنّ لي بيتًا بمكة، فأْتِه. فقال آدم للسماء: احفظي ولدي بالأمانة. فأبت، وقال للأرض، فأبت، فقال للجبال، فأبت، فقال لقابيل، فقال: نعم، تذهب وترجع وتجد أهلك كما يسرك. فلما انطلق آدم وقرّبا قربانًا، وكان قابيل يفخر عليه فيقول: أنا أحق بها منك، هي أختي، وأنا أكبر منك، وأنا وصي والدي. فلما قرّبا قرّبهابيل جذعة سمينة، وقرّب قابيل حزمة سنبل، فوجد فيها سنبلة عظيمة، ففركها فأكلها، فنزلت النار، فأكلت قربان هابيل، وتركت قربان قابيل، فغضب وقال: لأقتلنك حتى لا تنكح أختي. فقال هابيل: ﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أنا بِباسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ * إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ فَتَكُونَ مِن أصْحابِ النّارِ وذَلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٢٧ - ٢٩]. فطلبه ليقتله، فراغ الغلام منه في رؤوس الجبال، وأتاه يومًا من الأيام وهو يرعى غنمه في جبل، وهو نائم، فرفع صخرة، فشدخ بها رأسه، فمات، وتركه بالعراء، ولا يعلم كيف يُدفن، فبعث الله غرابين أخوين فاقتتلا، فقتل أحدهما صاحبه، فحفر له، ثم حَثا عليه، فلما رآه قال: ﴿ويْلَتا أعَجَزْتُ أنْ أكُونَ مِثْلَ هَذا الغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْءَةَ أخِي﴾ [المائدة: ٣١]. فهو قول الله -تبارك وتعالى-: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْءَةَ أخِيهِ﴾ [المائدة: ٣١]. فرجع آدم، فوجد ابنه قد قتل أخاه، فذلك حين يقول: ﴿إنّا عَرَضْنا الأَمانَةَ عَلى السَّماواتِ والأَرْضِ والجِبالِ﴾ الآية

سورة سبأ — الآية ١٤

عن عبد الله بن مسعود، وناس من أصحاب رسول الله - ﷺ - -من طريق السُّدِّيّ، عن مرة الهمداني-، وعبد الله بن عباس -من طريق السُّدِّيّ، عن أبي مالك وأبي صالح- قالوا: كان سليمان يَتَجَرَّدُ في بيت المقدس السنة والسنتين، والشهر والشهرين، وأقل من ذلك وأكثر، يُدخل طعامه وشرابه، فدخله في المرة التي مات فيها، فكان بدء ذلك أنه لم يكن يوم يصبح فيه إلا تنبت في بيت المقدس شجرة، فيأتيها، فيسألها: ما اسمكِ؟ فتقول الشجرة: اسمي كذا وكذا. فيقول لها: لأيِّ شيء نبتِّ؟ فتقول: نبتُّ لكذا وكذا. فيأمر بها فتُقطع، فإن كانت نبتتْ لغرسٍ غرسها، وإن كانت نبتت لدواء، قالت: نبتُ دواء لكذا وكذا. فيجعلها كذلك، حتى نبتت شجرة يقال لها الخروبة، فسألها: ما اسمكِ؟ فقالت له: أنا الخروبة. فقال: لأي شيء نبتِّ؟ قالت: لخراب هذا المسجد. قال سليمان: ما كان الله لِيُخَرِّبه وأنا حي، أنتِ التيعلى وجهكِ هلاكي وخراب بيت المقدس. فنزعها، وغرسها في حائط له، ثم دخل المحراب، فقام يصلي مُتَّكئًا على عصاه، فمات ولا تعلم به الشياطين في ذلك، وهم يعملون له يخافون أن يخرج فيعاقبهم، وكانت الشياطين تجتمع حول المحراب، وكان المحراب له كُوًى بين يديه وخلفه، وكان الشيطان الذي يريد أن يَخْلَعَ يقول: ألستُ جليدًا إن دخلتُ فخرجتُ من الجانب الآخر. فيدخل حتى يخرج من الجانب الآخر، فدخل شيطان من أولئك فمرَّ، ولم يكن شيطان ينظر إلى سليمان في المحراب إلا احترق، فمرَّ ولم يسمع صوت سليمان - عليه السلام -، ثم رجع فلم يسمع، ثم رجع فوقع في البيت فلم يحترق، ونظر إلى سليمان قد سقط، فخرج فأخبر الناس أن سليمان قد مات، ففتحوا عنه، فأخرجوه، ووجدوا منسأته -وهي العصا بلسان الحبشة- قد أكلتها الأرَضَة، ولم يعلموا منذ كم مات، فوضعوا الأرَضَة على العصا، فأكلت منها يوما وليلة، ثم حسبوا على ذلك النحو، فوجدوه قد مات منذ سنة، وهي في قراءة ابن مسعود: (فَمَكَثُوا يَدْأَبُونَ لَهُ مِن بَعْدِ مَوْتِهِ حَوْلًا كامِلًا). فأيقن الناس عند ذلك أن الجن كانوا يكذِبونهم، ولو أنهم علموا الغيب لعلموا بموت سليمان، ولم يلبثوا في العذاب سنةً يعملون له، وذلك قول الله: ﴿ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إلّا دابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الجِنُّ أنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي العَذابِ المُهِينِ﴾ يقول: تبيّن أمرهم للناس أنهم كانوا يكذِبونهم، ثم إن الشياطين قالوا للأرضة: لو كنتِ تأكلين الطعام أتيناكِ بأطيب الطعام، ولو كنتِ تشربين الشراب سقيناكِ أطيب الشراب، ولكنا سننقل إليك الماء والطين. فالذي يكون في جوف الخشب فهو ما تأتيها به الشياطينُ شكرًا لها

أفادت الآثار الاختلاف في المراد بالمحصنات في الآية على قولين: أحدهما: الحرائر دون الإماء. والآخر: العفيفات وإن كنّ إماءً. واختلفوا في قوله: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ أهو عامّ، أو خاصّ؟ على ثلاثة أقوال: أولها: هو عامّ يشمل كل نساء أهل الكتاب. ثانيها: هو خاصّ بالذِّمِّيّات دون الحربيات. ثالثها: هو خاص بنساء بني إسرائيل دون غيرهن من نساء أهل الكتاب. ورجَّحَ ابن جرير (٨‏/‏١٤٦-١٤٧) قولَ مجاهد وغيرِه: أنّ المراد بهن حرائر المؤمنين، وأهل الكتاب عامة، بدلالة القرآن والإجماع، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب: قولُ من قال: عنى بقوله: ﴿والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾: حرائرَ المؤمنين وأهل الكتاب؛ لأن الله -جل ثناؤه- لم يأذن بنكاح الإماءِ الأحرارَ في الحال التي أباحهنَّ لهم، إلا أن يَكُنَّ مؤمنات، فقال -عزَّ ذِكْرُه-: ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ فَمِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾ [النساء:٢٥]، فلم يُبِح منهنَّ إلا المؤمنات. فلو كان مرادًا بقوله: ﴿والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب﴾: العفائف؛ لدخل العفائف من إمائهم في الإباحة، وخرج منها غير العفائف من حرائرهم وحرائر أهل الإيمان. وقد أحل الله لنا حرائر المؤمنات، وإن كُنَّ قد أتين بفاحشة بقوله: ﴿وأَنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ والصّالِحِينَ مِن عِبادِكُمْ وإمائِكُمْ﴾ [النور:٣٢]. فنكاح حرائر المسلمين وأهل الكتاب حلال للمؤمنين، كُنَّ قد أتين بفاحشة أو لم يأتين بفاحشة، ذِمِّيَّةً كانت أو حَرْبِيَّةً، بعد أن تكون بموضع لا يَخافُ الناكحُ فيه على ولده أن يُجْبر على الكفر، بظاهر قول الله -جل وعز-: ﴿والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾. فأمّا قول الذي قال: عنى بذلك: نساء بني إسرائيل؛ الكتابيّات منهن خاصة، فقول لا يوجب التشاغل بالبيان عنه؛ لشذوذه، والخروج عما عليه علماء الأمة من تحليل نساء جميع اليهود والنصارى». وذَهَبَ ابن كثير (٥‏/‏٨٢) إلى أنّ المراد بالمحصنات: العفيفات، مستندًا إلى النظائر، والدلالة العقلية، وقال تعليقًا على ما حكاه ابن جرير عن مجاهد من أنهن الحرائر: «إنما قال مجاهد: المحصنات: الحرائر. فيحتمل أن يكون أراد ما حكاه عنه، ويحتمل أن يكون أراد بالحرة: العفيفة، كما قاله مجاهد في الرواية الأخرى عنه. وهو قول الجمهور هاهنا، وهو الأشبه؛ لِئَلّا يجتمع فيها أن تكون ذمية وهي مع ذلك غير عفيفة، فيفسد حالها بالكلية، ويتحصل زوجها على ما قيل في المثل: حَشَفًا وسوء كيلة. والظاهر من الآية أن المراد بالمحصنات: العفيفات عن الزنا، كما قال في الآية الأخرى: ﴿محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان﴾ [النساء:٢٥]»

ذكر ابنُ جرير (١٠‏/‏٢٢١) اختلاف أهل التفسير في بيان من هم أصحاب الأعراف، فأورد أقوالهم كالآتي: أوّلًا: هم رجال استوت حسناتهم وسيئاتهم. وثانيًا: هم قوم قتلوا في سبيل الله، وكانوا عصاة لآبائهم في الدنيا. وثالثًا: هم قوم فقهاء صالحون. ورابعًا: هم رجال من الملائكة، وليسوا من بني آدم. واختار صوابَ الأقوال الثلاثة الأولى دون ما قاله أبو مجلز في القول الرابع؛ مستندًا إلى دلالة السنّة، وأقوال السلف، واللغة، فقال: «والصواب من القول في أصحاب الأعراف أن يُقال كما قال الله -جل ثناؤه- فيهم: هم رجال يعرفون كُلًّا من أهل الجنة وأهل النار بسيماهم، ولا خبر عن رسول الله ﷺ يصح سنده ولا آية متفق على تأويلها، ولا إجماع من الأمة على أنهم ملائكة. فإذ كان ذلك كذلك، وكان ذلك لا يُدرَك قياسًا، وكان المُتعارَف بين أهل لسان العرب أنّ الرجال اسم يجمع ذكور بني آدم دون إناثهم ودون سائر الخلق غيرهم؛ كان بيِّنًا أنّ ما قاله أبو مجلز من أنهم ملائكة قول لا معنى له، وأن الصحيح من القول في ذلك ما قاله سائر أهل التأويل غيره. هذا مع من قال بخلافه من أصحاب رسول الله ﷺ، ومع ما روي عن رسول الله ﷺ في ذلك من الأخبار، وإن كان في أسانيدها ما فيها». ثم ذكر حديث أبي زُرعة بن عمرو بن جرير المرفوع المتقدم. وعند ابن عطية (٣‏/‏٥٧١) نحوه، فقد ذكر اختلاف المفسرين، ثم قال: «واللازم من الآية أنّ على أعراف ذلك السور أو على مواضع مرتفعة عن الفريقين حيث شاء الله تعالى رجالًا من أهل الجنة، يتأخر دخولهم، ويقع لهم ما وصف من الاعتبار في الفريقين». ورجّح ابنُ كثير (٣‏/‏٤١٨) مستندًا إلى أقوال السلف قولَ مَن قال: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم. وقال: «واختلفت عبارات المفسرين في أصحاب الأعراف مَن هم، وكلها قريبة ترجع إلى معنى واحد، وهو أنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم. نص عليه حذيفة، وابن عباس، وابن مسعود، وغير واحد من السلف والخلف». وبنحو ما قال ابنُ كثير قال ابنُ القيم (١‏/‏٣٩٣)، حيث ذكر اختلاف السلف في أصحاب الأعراف، ثم قال مُعَلِّقًا: «والثابت عن الصحابة هو القول الأول [يعني: أنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم]، وقد رُوِيَت فيه آثارٌ كثيرة مرفوعة لا تكاد تثبت أسانيدها». وزاد ابن عطية (٣‏/‏٥٧١) إضافةً إلى ما ورد في أقوال السلف قولَيْن آخَرَين، أحدهما: أنهم الشهداء. الثاني: أنهم عدول يوم القيامة الذين يشهدون على الناس بأعمالهم، وهم في كل أمة