رجّح ابنُ كثير (١٠/٥١١-٥١٢) مستندًا إلى السياق أن الذين أرسل عليهم حاصبًا هم عاد، وأن الذين أخذتهم الصيحة ثمود، وأن الذي خسف به قارون، وأن الذين أغرقوا فرعون ووزيره هامان، وجنوده، ثم قال: «وهذا الذي ذكرناه ظاهر سياق الآية، وهو من باب اللف والنشر، وهو أنه ذكر الأمم المكذبة، ثم قال: ﴿فكلا أخذنا بذنبه﴾ الآية، أي: من هؤلاء المذكورين». ثم انتقد مستندًا إلى ضعف الأثر وإلى السياق ما ورد في قول ابن عباس من طريق ابن جريج، فقال: «قد روي أن ابن جريج قال: قال ابن عباس في قوله: ﴿فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا﴾ قال: قوم لوط، ﴿ومنهم من أغرقنا﴾ قال: قوم نوح. وهذا منقطع عن ابن عباس؛ فإن ابن جريج لم يدركه. ثم قد ذكر في هذه السورة إهلاك قوم نوح بالطوفان، وقوم لوط بإنزال الرجز من السماء، وطال السياق والفصل بين ذلك وبين هذا السياق». وانتقد كذلك قول قتادة أنه فسر ﴿فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا﴾ قوم لوط. وأنه فسر: ﴿ومنهم من أخذته الصيحة﴾ أنهم قوم شعيب بقوله: «وهذا بعيدٌ أيضًا؛ لِما تقدم»
عن عمرو بن عوف، قال: خَطَّ رسولُ الله ﷺ على الخَندَقِ يومَ الأحزاب، ثُمَّ قطع لكُلِّ عَشَرَةٍ أربعين ذِراعًا. قال عمرو بن عوف: كنتُ أنا وسلمان وحذيفة والنعمان بن مُقَرِّن المزني وستة من الأنصار في أربعين ذراعًا، فحفرنا، حتى إذا كُنّا تحتَ ذباب أخرج الله مِن بطن الخندق صخرةً مُدَوَّرةً كَسَرَتْ حديدَنا، وشَقَّتْ علينا، فقلنا: يا سلمان، ارْقَ إلى رسول الله ﷺ، فأَخْبِرْه خبرَ هذه الصخرة، فإمّا أن نَعْدِل عنها، وإمّا أن يأمرنا فيها بأمرِه، فإنّا لا نُحِبُّ أن نُجاوِز خطَّه. قال: فرَقى سلمانُ إلى رسول الله ﷺ وهو ضارِبٌ عليه قُبَّةً تُرْكِيَّةً، فقال: يا رسول الله، خرجتْ صخرةٌ بيضاءُ مُدَوَّرَةٌ مِن بطن الخندق، فكسرتْ حديدَنا، وشَقَّتْهُ علينا، حتى ما يجيء فيها قليل ولا كثير، فمُرْنا فيها بأمر، فإنّا لا نُحِبُّ أن نُجاوِزَ خطَّك. قال: فهَبَط رسولُ الله ﷺ مع سلمان الخندقَ، والتِّسْعةُ على شَفَةِ الخندق، فأخذ رسول الله ﷺ المِعْوَل من سلمان، فضربها ضربةً صَدَعها، وبَرَقَ منها بَرْقٌ أضاء ما بين لابَتَيْها -يعني: المدينة-، حتى كأنّ مِصباحًا في جوف بيت مُظْلِمٍ، وكَبَّر رسولُ الله ﷺ تكبير فَتْحٍ، فكبّر المسلمون، ثُمَّ ضربها رسولُ الله ﷺ فكسرها، وبَرَقَ منها بَرْقٌ أضاء ما بين لابَتَيْها، حتى كأنّ مِصْباحًا في جَوْفِ بَيْتٍ مُظْلِمٍ، وكَبَّر رسولُ الله ﷺ تكبيرَ فتحٍ، وكَبَّر المسلمون، ثُمَّ ضربها رسولُ الله ﷺ فكسرها، وبَرَقَ منها بَرْقٌ أضاء ما بين لابَتَيْها، حتى كأنّ مِصْباحًا في جَوْفِ بَيْتٍ مُظْلِمٍ، وكَبَّر رسولُ الله ﷺ تكبيرَ فتحٍ، وكَبَّر المسلمون، وأخذ يدَ سلمان، ورَقى، فقال سلمان: بأبي أنت وأُمِّي يا رسول الله، لقد رأيتُ شيئًا ما رأيتُ مثلَه قطُّ. فالتفت رسول الله ﷺ إلى القوم، فقال: «رأيتم ما يقول سلمانُ؟». قالوا: نعم، يا رسول الله. قال: «ضربتُ ضربتي الأولى، فبَرَق الذي رأيتم، أضاءت لي منها قُصُور الحِيرَةِ ومَدائِن كِسْرى، كأنّها أنيابُ الكلاب، وأخبرني جبريلُ عليه السلام أنّ أُمَّتِي ظاهرةٌ عليها. ثم ضربتُ ضربتي الثانية، فبَرَق الذي رأيتم، أضاءت لي منها القصورُ الحُمْرُ مِن أرض الرُّوم، كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبريل عليه السلام أنّ أُمَّتِي ظاهرةٌ عليها. ثم ضربتُ ضربتي الثالثة، فبَرَق الذي رأيتُم، أضاءت لي منها قصورُ صنعاء، كأنّها أنيابُ الكلاب، وأخبرني جبريل عليه السلام أنّ أُمَّتِي ظاهرةٌ عليها، فأبشِروا». فاسْتَبْشَرَ المسلمون، وقالوا: الحمدُ لله، موعد صِدْقٍ، وعدَنا النصرَ بعد الحفر. فقال المنافقون: ألا تعجبون؟! يُمَنِّيكم، ويَعِدُكُم الباطلَ، ويخبركم أنّه يُبْصِرُ مِن يَثْرِبَ قصورَ الحِيرَةِ ومدائنِ كِسْرى، وأنّها تُفْتَحُ لكم، وأنتم إنّما تحفرون الخندق مِن الفَرَق، ولا تستطيعون أن تَبْرُزوا للقتال؟! قال: فنزل القرآن: ﴿وإذ يَقولُ الـمُنافِقونَ والَّذينَ في قُلوبِهِم مَّرَضٌ مّا وعَدَنا اللهُ ورَسولُهُ إلّا غُرورًا﴾ [الأحزاب:١٢]، وأنزل الله تعالى في هذه القصة قولَه: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الـمُلكِ﴾ الآية
اختلف السلف في المعني بالحفدة على أقوال: الأول: الأختان. الثاني: أعوان الرجل وخدمه. الثالث: ولد الرجل، وولد ولده. الرابع: بنو امرأة الرجل من غيره. ووجّه ابن عطية (٥/٣٨٣) القول الثالث، فقال: «وقالت فرقة: الحفدة: هم البنون. وهذا يستقيم على أن تكون الواو عاطفة صفة لهم، كما لو قال: جعلنا لهم بنين وأعوانًا، أي: وهم لهم أعوان، فكأنه قال: وهم حفدة». وقد رجّح ابنُ جرير (١٤/٣٠٣-٣٠٤ بتصرف) مستندًا إلى اللغة أن الحفدة: هم المسرعون في خدمة الرجل، وأن ذلك يعم جميع هذه الأقوال، فقال: «والحفدة في كلام العرب: جمع حافد، والحافد في كلامهم: هو المتخفف في الخدمة والعمل، والحفد: خفة العمل، يقال: مر البعير يحفد حفدانًا: إذا مر يسرع في سيره، ومنه قولهم: إليك نسعى ونحفد، أي: نسرع إلى العمل بطاعتك... وإذ كان معنى الحفدة ما ذكرنا من أنهم المسرعون في خدمة الرجل المتخففون فيها، وكان أولادنا وأزواجنا الذين يصلحون للخدمة منا ومن غيرنا، وأختاننا الذين هم أزواج بناتنا من أزواجنا، وخدمنا من مماليكنا، إذا كانوا يحفدوننا فيستحقون اسم حفدة، ولم يكن الله تعالى دل بظاهر تنزيله ولا على لسان رسوله ﷺ ولا بحجة عقل على أنه عنى بذلك نوعًا من الحفدة دون نوع منهم، وكان قد أنعم بكل ذلك علينا؛ لم يكن لنا أن نوجه ذلك إلى خاص من الحفدة دون عام، إلا ما اجتمعت الأمة عليه أنه غير داخل فيهم، وإذا كان ذلك كذلك فلكل الأقوال التي ذكرنا عمن ذكرنا وجه في الصحة، ومخرج في التأويل، وإن كان أولى بالصواب من القول ما اخترنا لما بينا من الدليل». وذكر ابنُ عطية (٥/٣٨٣-٣٨٤) هذه الأقوال، ثم علَّق قائلًا: «ولا خلاف أن معنى الحفد: الخدمة، والبر، والمشي مسرعًا في الطاعة، ومنه في القنوت: «وإليك نسعى ونحفد»... وهذه الفرق التي ذكرت أقوالها إنما بَنَتْ على أنّ كل أحد جعل له من زوجه بنون وحفدة، وهذا إنما هو في الغالب وعظم الناس». ثم ذكر احتمالًا آخر، فقال: «ويحتمل عندي أن قوله: ﴿من أزواجكم﴾ إنما هو على العموم والاشتراك، أي: من أزواج البشر جعل الله لهم البنين، ومنهم جعل الخدمة فمن لم تكن له قط زوجة فقد جعل الله له حفدة، وحصل تحت النعمة، وأولئك الحفدة هم من الأزواج، وهكذا تترتب النعمة التي تشمل جميع العالم، وتستقيم لفظة»الحفدة«على مجراها في اللغة، إذ البشر بجملتهم لا يستغني أحد منهم عن حفدة». وعلَّق ابنُ كثير (٨/٣٣٢-٣٣٣) عليها قائلًا: «فمن جعل ﴿وحفدة﴾ متعلقًا بـ﴿أزواجكم﴾ فلا بد أن يكون المراد: الأولاد، وأولاد الأولاد، والأصهار؛ لأنهم أزواج البنات، وأولاد الزوجة. وكما قال الشعبي والضحاك، فإنهم غالبًا يكونون تحت كنف الرجل، وفي حجره، وفي خدمته. وقد يكون هذا هو المراد من قوله عليه الصلاة والسلام في حديث بصرة بن أكثم: «والولد عبد لك». رواه أبو داود. وأما من جعل الحفدة: هم الخدم؛ فعنده أنه معطوف على قوله: ﴿والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا﴾، أي: وجعل لكم الأزواج والأولاد، [وجعل لكم خدامًا]»
المشهور في تأويل قوله تعالى:﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ قولان: أولهما: أنّ معنى صلاة الله على عبده: ثناؤه عليه. والثاني: أنّ معنى صلاة الله على عبده: رحمته إياه. وقد ذكرهما ابنُ كثير (١١/١٨٣)، فقال: «والصلاة من الله: ثناؤه على العبد عند الملائكة. حكاه البخاري عن أبي العالية، ورواه أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عنه. وقال غيره: الصلاة من الله: الرحمة. وقد يقال: لا منافاة بين القولين». وجمع بينهما ابنُ عطية (٧/١٢٦)، فقال: «صلاة الله -تبارك وتعالى- على العبيد هي رحمته لهم، وبركته لديهم، ونشره إلينا الجميل». وذَهَبَ ابنُ جرير (١٩/١٢٣) إلى القول الأول مستندًا إلى أقوال السلف. ورجَّحَه ابنُ القيم (٢/٣٣٢-٣٣٥ بتصرف) بعد أن ذكر قولًا ثالثًا، مفاده: أنّ معنى صلاة الله على عبده: مغفرته له. وضَعَّفَ القولين الثاني، والثالث، فقال: «هما ضعيفان لوجوه: أحدها: أن الله سبحانه فرّق بين صلاته على عباده، ورحمته، فقال: ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ الَّذِينَ إذا أصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٥-١٥٧]، فعطف الرحمة على الصلاة، فاقتضى ذلك تغايرهما، هذا أصل العطف. الوجه الثاني: أن صلاة الله سبحانه خاصة بأنبيائه ورسله وعباده المؤمنين، وأما رحمته فوسعت كل شيء، فليست الصلاة مرادفة للرحمة، لكن الرحمة من لوزام الصلاة وموجباتها وثمراتها، فمن فسرها بالرحمة فقد فسرها ببعض ثمرتها ومقصودها، وهذا كثيرًا ما يأتي في تفسير ألفاظ القرآن. الوجه الثالث: أنه لا خلاف في جواز الرحمة على المؤمنين، واختلف السلف في جواز الصلاة على غير الأنبياء؛ فَعُلِم أنهما ليسا بمترادفين. الوجه الرابع: أنه لو كانت الصلاة بمعنى الرحمة لقامت مقامها في امتثال الأمر، وأسقطت الوجوب عند من أوجبها إذا قال:»اللهم ارحم محمدًا وآل محمد«، وليس الأمر كذلك. الوجه الخامس: أنه لا يقال لمن رحم غيره ورقَّ عليه أنه صلّى عليه، ويقال: إنه قد رحمه. الوجه السادس: أن الإنسان قد يرحم من يُبغضه ويُعاديه، فيجد في قلبه له رحمة، ولا يصلي عليه. الوجه السابع: أن الصلاة لا بد فيها من كلام، فهي ثناء من المصلي على من يصلي عليه، وتنويه به، وإشادة لمحاسنه ومافيه وذكره. الوجه الثامن: أن الله سبحانه فرّق بين صلاته وصلاة ملائكته، وجمعهما في فعل واحد، فقال: ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النبي﴾، وهذه الصلاة لا يجوز أن تكون هي الرحمة، وإنما هي ثناؤه سبحانه، وثناء ملائكته عليه. ولا يقال: الصلاة لفظ مشترك، ويجوز أن يستعمل في معنييه معًا؛ لأن في ذلك محاذير متعددة: أحدها: أن الاشتراك خلاف الأصل. الثاني: أن الأكثرين لا يُجَوِّزون استعمال اللفظ المشترك في معنييه لا بطريق الحقيقة ولا بطريق المجاز. فإذا كان معنى الصلاة: هو الثناء على الرسول والعناية به، وإظهار شرفه وفضله وحرمته، كما هو المعروف من هذه اللفظة، لم يكن لفظ الصلاة في الآية مشتركًا محمولًا على معنييه، بل يكون مستعملًا في معنى واحد، وهذا هو الأصل في الألفاظ»
عن عبد الله بن مسعود، وناس من أصحاب النبي - ﷺ - -من طريق السدي، عن مرة الهمداني-، وعبد الله بن عباس -من طريق السدي، عن أبي مالك وأبي صالح- في قوله: ﴿أوْ كَصَيِّبٍ﴾ الآية، قال: كان رجلان من المنافقين من أهل المدينة هَرَبا من رسول الله - ﷺ - إلى المشركين، فأصابهما هذا المطر الذي ذكر الله، فيه رعدٌ شديد وصواعقُ وبرقٌ، فجعلا كُلَّما أصابتهما الصواعقُ يجعلان أصابعهما في آذانهما من الفَرَق أن تدخل الصواعق في مسامعهما فتقتلهما، وإذا لَمَع البرقُ مَشَيا في ضوئه، وإذا لم يلمع لم يُبْصِرا؛ قاما مكانهما لا يمشيان، فجعلا يقولان: ليتنا قد أصبحنا، فنأتي محمدًا، فنضع أيديَنا في يده. فأصبحا، فأتياه، فأسلما، ووضعا أيديهما في يده، وحسُن إسلامهما، فضرب الله شأن هَذَيْن المنافقَيْن الخارجَيْن مثلًا للمنافقين الذين بالمدينة، وكان المنافقون إذا حضروا مجلس النبي - ﷺ - جعلوا أصابعهم في آذانهم فَرَقًا من كلام النبي - ﷺ - أن ينزل فيهم شيء، أو يُذْكروا بشيء فيُقْتَلوا، كما كان ذانك المنافقان الخارجان يجعلان أصابعهما في آذانهما، وإذا أضاء لهم مَشَوْا فيه، فإذا كَثُرَتْ أموالهم وأولادهم وأصابوا غنيمة وفتحًا مَشَوْا فيه، وقالوا: إنّ دين محمد حينئذ صدق. واستقاموا عليه، كما كان ذانك المنافقان يمشيان إذا أضاء بهما البرق، وإذا أظلم عليهم قاموا، فكانوا إذا هلكت أموالهم وأولادهم وأصابهم البلاء قالوا: هذا من أجل دين محمد. فارْتَدُّوا كُفّارًا، كما كان ذانك المنافقان حين أظلم البرق عليهما
وجَّه ابنُ جرير (٤/٣٠٠) هذا القول الذي قال به شريح ذاكرًا مستندَه من العموم، فقال: «وكأنّ قائلي هذا القولِ ذهبوا في تركهم إيجابَ المتعة فرضًا للمطلقات إلى أنّ قول الله -تعالى ذِكْرُه-: ﴿حقا على المحسنين﴾ وقوله: ﴿حقا على المتقين﴾ دلالةٌ على أنّها لو كانت واجبةً وجوبَ الحقوق اللازمة الأموال بكل حال لم يُخَصِّص المُتَّقون والمحسنون بأنّها حقٌّ عليهم دون غيرهم، بل كان يكون ذلك معمومًا به كلُّ أحد مِن الناس». وانتَقَدَهُ (٤/٣٠٤) مستندًا لمخالفته الإجماعَ، فقال: «فإنّ في إجماع الحُجَّةِ على أنّ المتعةَ للمُطَلَّقةِ غيرِ المفروض لها قبل المسيس واجبةٌ بقوله: ﴿ومتعوهن﴾ وجوبَ نصف الصداق للمطلقة المفروضِ لها قبل المسيس بقول الله -تعالى ذِكْرُه- فيما أوجب لهما من ذلك الدليلَ الواضح أنّ ذلك حقٌّ واجبٌ لكُلِّ مطلقةٍ بقوله: ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف﴾، وإن كان قال: ﴿حقا على المتقين﴾. ومَن أنكَرَ ما قلنا في ذلك سُئِل عن المتعة للمطلقة غير المفروض لها قبل المسيس، فإن أنكر وجوبَه خرج من قول جميع الحُجَّة، ونوظر مناظرتنا المنكرين في عشرين دينارًا زكاةً، والدافعين زكاة العروض إذا كانت للتجارة، وما أشبه ذلك. فإن أوجب ذلك لها سُئِل الفرقَ بين وجوب ذلك لها والوجوبِ لكل مطلقة، وقد شرط فيما جعل لها من ذلك بأنّه حق على المحسنين، كما شرط فيما جعل للآخر بأنّه حق على المتقين، فلن يقول في أحدهما قولًا إلا أُلْزِم في الآخر مثلَه»
اختُلِف في الصلاة الوسطى. ورَجَّح ابنُ جرير (٤/٣٧٢) أنّها صلاة العصر مستندًا إلى السنة، والنظائر، فقال: «والصَّوابُ مِن القول في ذلك: ما تظاهرتْ به الأخبارُ عن رسول الله ﷺ، وهو أنّها العصر، والَّذي حثَّ الله -تعالى ذكره- عليه من ذلك نظيرُ الذي رُوِي عن رسول الله ﷺ في الحثِّ عليه». وذكر (٤/٣٧٤) الأخبار في هذا، ثُمَّ قال: «فحَثَّ ﷺ على المحافظة عليها [يعني: صلاة العصر] حثًّا لم يَحُثَّ مثلَه على غيرها مِن الصلوات، وإن كانت المحافظةُ على جميعها واجبةً، فكان بيِّنًا بذلك أنّ التي خصَّ الله بالحثِّ على المحافظة عليها بعد ما عمَّ الأمر بها جميع المكتوبات هي التي اتَّبعه فيها نبيُّه ﷺ، فخصَّها مِن الحضِّ عليها بما لم يُخَصَّص به غيرها من الصلوات، وحذَّر أُمَّتَه مِن تضييعها ما حَلَّ بِمَن قبلهم مِن الأمم التي وصف أمرها، ووعدهم من الأجر على المحافظة عليها ضِعْفَيْ ما وُعِد على غيرها من سائر الصلوات». وكذا رجَّحه ابنُ عطية (١/٦٠٠)، وابنُ تيمية (١/٥٦٦-٥٦٧)، وابنُ كثير (٢/٤٠٤). وذكَر ابنُ عطية (١/٦٠١) أن مكِّيًّا وابن حبيب ذَكَرا أنّ فرقة قالت: الصلاة الوسطى هي صلاة الجمعة فإنها وسطى فُضْلى، لِما خُصَّت به من الجَمْع والخطبة وجُعِلِت عيدًا. ونقَل عن بعض العلماء أنها الخمس المكتوبة، وعلَّق عليه بقوله: «وقوله أولًا ﴿على الصلوات﴾ يعُمُّ النفل والفرض، ثم خَصَّ الفرض بالذكر، ويجري مع هذا التأويل قوله ﷺ: «شغلونا عن الصلاة الوسطى»»
أفادت الآثارُ اختلافَ السلف في المراد بالجار الجنب على ثلاثة أقوال: الأول: أنّ المراد به البعيد الذي لا قرابة بينك وبينه. الثاني: أن المراد به الكافر أو المشرك. الثالث: أنّ المراد به الزوجة. وقد رَجَّح ابنُ جرير (٧/١٠-١١بتصرف) مستندًا إلى دلالة العقل، واللغة القولَ الأول منها، كما في قول ابن زيد ومن وافقه، أنّ المراد به مَن لا قرابة بينك وبينه، سواءٌ كان مسلمًا أو مشركًا، وعلَّل ذلك بأنّ ""الجار ذي القربى: هو الجار ذو القرابة والرَّحِم، والواجب أن يكون الجار ذو الجنابة: الجار البعيد؛ ليكون ذلك وصيةً بجميع أصناف الجيران، قريبهم وبعيدهم. وبعد فإن الجنب في كلام العرب البعيد، كما قال أعشى بني قيس:أتيت حريثًا زائرًا عن جنابة فكان حريثٌ في عطائي جامدًايعني بقوله: عن جنابة: عن بعد وغربة. ومنه قيل: اجتَنَب فلان فلانًا: إذا بَعُد منه"". وزاد ابنُ عطية (٢/٥٤٦) قولًا آخر، فقال: «وقالت فِرْقةٌ: الجار ذو القربى: هو الجار القريب المسكن منك. والجار الجنب: هو البعيد المسكن منك». ثم علَّق عليه قائلًا: «وكأنّ هذا القولَ مُنتزَعٌ من الحديث، قالت عائشة: يا رسول الله، إنّ لي جارين، فإلى أيهما أُهدِي؟ قال: «إلى أقربهما منكِ بابًا»». وحكى كذلك عن ابن زيد أنّه قال في الجار الجنب: «هو الرجل يعتريك ويُلِمُّ بك لتنفعه»
اختُلِف في هاء الكناية من قوله تعالى: ﴿واتَّخَذْتُمُوهُ وراءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ على قولين: الأول: أنّها ترجع إلى الله تعالى، والمعنى: رميتم بأمر الله وراء ظهوركم. الثاني: أنها كناية عمّا جاء به شعيب عليه السلام. وعلَّق ابنُ عطية (٥/١٠) على القول الأول بقوله: «وهو عندي على حذف مضاف ولا بُدّ». ثم وجَّهه بأنه مبنيٌّ على أن كُفْر قوم شعيب عليه السلام كان جحدًا بالله تعالى وجهلًا به. ورجَّح ابنُ جرير (١٢/٥٥٥) مستندًا إلى اللغة القول الأول، وهو قول ابن عباس وما في معناه، وعلَّل (١٢/٥٥٨) ذلك بقوله: «لقرب قوله: ﴿واتَّخَذْتُمُوهُ وراءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ من قوله: ﴿أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾، فكانت الهاء في قوله: ﴿واتَّخَذْتُمُوهُ﴾ بأن تكون مِن ذكر الله لقرب جوارها منه أشْبَه وأَوْلى». وذكر ابنُ عطية (٥/٩) أنّ الظهريّ: الشيء الذي يكون وراء الظهر، وهو يتصرف على وجهين: الأول: إما بأن يُطرَح. والثاني: إما بأن يُسنَد إليه ويُلجَأ. وزاد قولًا آخر عن فرقة: أنّ المعنى: «أترون رهطي أعز عليكم من الله وأنتم تتخذون الله سند ظهوركم وعماد آمالكم». ووجَّهه بأنّه مقتضٍ أنّ قوم شعيب كانوا يُقِرُّون بالخالق الرازق، ويعتقدون الأصنام وسائط ووسائل ونحو هذا، ثم ذكر قول ابن زيد وعلَّق (٥/١٠) عليه بقوله: «وهذا كله مما يُسْتَنَد إليه»
بيّن ابنُ عطية (٦/٩٨) أن قوله: ﴿والسلام على من اتبع الهدى﴾ يحتمل وجهين، فقال: «وقوله عليه السلام: ﴿مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ يحتمل أن يكون آخر كلام وفصْله، فيقوى أن يكون السلام بمعنى التحية، كأنهما رَغِبا بها عنه، وجريًا على العرف في التسليم عند الفراغ مِن القول، فسَلَّما على متبع الهدى، وفي هذا توبيخ له. وعلى هذه الجهة استعمل الناسُ هذه الآية في مخاطبتهم ومحاوراتهم. ويحتمل أن يكون في درج القول، متصلًا بقوله: ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا﴾، فيقوى على هذا أن يكون خبرًا بأنّ السلامة للمهتدين. وهذان المعنيان قالت كلَّ واحد منهما فرقةٌ، لكن دون هذا التلخيص». ورجّح ابنُ القيم (٢/١٨٠) الاحتمال الثاني، وانتقد الأول مستندًا إلى النظائر، ودلائل العقل، فقال: «قول موسى: ﴿والسلام على من اتبع الهدى﴾ فليس بسلام تحية؛ فإنه لم يبتدئ به فرعون، بل هو خبر محض، فإن من اتبع الهدى له السلام المطلق دون مَن خالفه، فإنه قال له: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائيلَ ولا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ أفلا ترى أن هذا ليس بتحية في ابتداء الكلام ولا خاتمته، وإنما وقع متوسطًا بين الكلامين إخبارًا محضًا عن وقوع السلامة وحلولها على مَن اتبع الهدي، ففيه استدعاء لفرعون وترغيب له بما جُبِلَتِ النفوسُ على حُبِّه»