سورة آل عمران — الآية ٩٢

عن رجل من بني سليم، قال: جاورتُ أبا ذر بالرَّبَذَة، وله فيها قطيع إبل، له فيها راعٍ ضعيف، فقلت: يا أبا ذر، ألا أكون لك صاحبًا؛ أكْنُف راعِيَك، وأقتبس منك بعض ما عندك، لعل الله أن ينفعني به؟ فقال أبو ذر: إن صاحبي من أطاعني، فإما أنت مطيعي فأنت لي صاحب، وإلا فلا. قلت: ما الذي تسألني فيه الطاعة؟ قال: لا أدعوك بشيء من مالي إلا توخيت أفضله. قال: فلبثت معه ما شاء الله، ثم ذكر له في الماء حاجة، فقال: ائْتِنِي ببعير من الإبل، فتصفحت الإبل، فإذا أفضلها فحلها ذَلُول، فهممت بأخذه، ثم ذكرت حاجتهم إليه، فتركته، وأخذت ناقة ليس في الإبل بعد الفحل أفضل منها، فجئت بها، فحانت منه نظرة. فقال: يا أخا بني سليم، خُنتَني. فلما فهمتها منه خَلَّيْت سبيل الناقة، ورجعت إلى الإبل، فأخذت الفحل، فجئت به، فقال لجلسائه: مَن رجلان يحتسبان عملهما؟ قال رجلان: نحن. قال: أما لا فأَنيخاه، ثم اعْقِلاه، ثم انحراه، ثم عدوا بيوت الماء فجَزِّئُوا لحمه على عددهم، واجعلوا بيت أبي ذر بيتًا منها. ففعلوا، فلما فَرَّق اللحم دعاني، فقال: ما أدري، أحفظت وصيتي فظهرت بها، أم نسيت فأعذرك؟ قلت: ما نسيت وصيتك، ولكن لما تصفحت الإبل وجدت فحلها أفضلها، فهممت بأخذه، فذكرت حاجتكم إليه، فتركته. فقال: ما تركته إلا لحاجتي إليه. قلت: ما تركته إلا لذلك. قال: أفلا أخبرك بيوم حاجتي؟! إنّ يوم حاجتي يوم أوضع في حفرتي، فذلك يوم حاجتي، إن في المال ثلاثة شركاء: القدر لا ينتظر أن يذهب بخيرها أو شرها، والوارث ينتظر متى تضع رأسك ثم يستفيئها وأنت ذميم، وأنت الثالث، فإن استطعت أن لا تكونن أعجز الثلاثة فلا تكونن، مع أنّ الله يقول: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾، وإن هذا الجمل كان مما أُحب من مالي، فأحببت أن أقدمه لنفسي

سورة المائدة — الآية ١١٦

قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ يعني: بني إسرائيل في الدنيا: ﴿اتَّخِذُونِي وأُمِّي﴾ مريم ﴿إلهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ﴾ فنَزَّه الرب عز وجل أن يكون أمرهم بذلك، فقال: ﴿ما يَكُونُ لِي﴾ يعني: ما ينبغي لي ﴿أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ يعني: بعدل أن يعبدوا غيرك، ﴿إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ﴾ لهم ﴿فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي﴾ يعني: ما كان مني وما يكون، ﴿ولا أعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ﴾ يقول: ولا أطلع على غيبك. وقال أيضًا: ﴿ولا أعْلَمُ﴾ ما في علمك، ما كان منك وما يكون، ﴿إنَّكَ أنْتَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ يعني: غيب ما كان، وغيب ما يكون، ... وإنما قال الله عز وجل: ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ ولم يقل: وإذ يقول يا عيسى ابن مريم. لأنّه قال سبحانه قبل ذكر عيسى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ﴾. قالوا يومئذ -وهو يوم القيامة- حين يفرغ من مخاصمة الرسل، فينادي: أين عيسى ابن مريم؟ فيقوم عيسى ﷺ شَفِقٌ فَرِقٌ، يَرْعُد رِعْدةً حتى يقف بين يدي الله عز وجل: يا عيسى ﴿أأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّي إلهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾. وكما قال سبحانه: ﴿ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:٤٣]، فلما دخلوا الجنة قال: ﴿ونادى أصحابُ النّارِ﴾ [الأعراف:٤٤]، فنسق بالماضي على الماضي والمعنى مستقبل، ولو لم يذكر الجنة قبل بدئهم بالكلام الأول لقال في الكلام الأول: وينادي أصحاب الجنة أصحاب النّار. وكل شيء في القرآن على هذا النحو. ثم قال عيسى ﷺ لربه عز وجل في الآخرة: يا ربِّ، غبتُ عنهم، وتركتهم على الحق الذي أمرتني به، فلم أدرِ ما أحدثوا بعدي

عن جابر بن عبد الله -من طريق الذَّيّال بن حَرْمَلَة - قال: اجتمع قريشٌ يومًا، فقالوا: انظروا أعلمكم بالسِّحر والكهانة والشِّعر، فليأتِ هذا الرجلَ الذي قد فرَّق جماعتنا، وشتَّتَ أمرنا، وعاب ديننا، فليكلّمه، ولينظر ماذا يردّ عليه؟ فقالوا: ما نعلم أحدًا غير عُتبة بن ربيعة. قالوا: أنت، يا أبا الوليد. فأتاه، فقال: يا محمد، أنت خير أم عبد الله؟ أنت خير أم عبد المطلب؟ فسكت رسول الله ﷺ، قال: فإن كنتَ تزعم أنّ هؤلاء خيرٌ منك فقد عبدوا الآلهة التي عِبتَ، وإن كنتَ تزعم أنّك خير منهم فتكلّم حتى نسمع قولك، أما -واللهِ- ما رأينا سَخْلَةً قطّ أشأم على قومك منك؛ فرّقتَ جماعتنا، وشتّتَ أمرنا، وعِبتَ ديننا، وفضَحْتنا في العرب، حتى لقد طار فيهم أنّ في قريش ساحرًا، وأنّ في قريش كاهنًا، واللهِ، ما ننتظر إلا مثل صيحة الحُبلى أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف، يا أيها الرجل، إن كان إنّما بك الحاجةُ جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلًا واحدًا، وإن كان إنّما بك الباءة فاختر أيَّ نساء قريش شئتَ، فلنَزوّجك عشرًا. فقال رسول الله ﷺ: «فرغتَ؟». قال: نعم. فقال رسول الله ﷺ: «بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾» حتى بلغ: «﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾». فقال عُتبة: حسْبك حسْبك، ما عندك غير هذا؟ قال: «لا». فرجع إلى قريش، فقالوا: ما وراءك؟ قال: ما تركتُ شيئًا أرى أنكم تكلّمونه إلا كلّمتُه. قالوا: فهل أجابك؟ قال: والذي نَصَبها بَنِيَّةً، ما فهمتُ شيئًا مما قال، غير أنه أنذركم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود. قالوا: ويلك! يكلّمك الرجل بالعربية ولا تدري ما قال! قال: لا، واللهِ، ما فهمتُ شيئًا مما قال غير ذكر الصاعقة

أفادت الآثارُ الاختلاف في تأويل الآية، والمخاطب بها، على ثلاثة أقوال: أولها: أنّ الخطاب في الآية للأزواج، ونزلت الآيةُ تأمرُهم بإعطاء النساءِ مهورَهن عطيةً واجبةً. وهذا قول ابن عباس من طريق عليّ بن أبي طلحة، وقتادة، وابن جُريج، وابن زيد. وثانيها: أنّ الخطاب في الآية لأولياء النساء، ونزلت الآية تنهاهم عن أكل مُهورِهن. وهذا قول أبي صالح. وثالثها: أنّ الخطاب في الآية لأولياء النساء، ونزلت الآية تنهاهم عن نكاح الشِّغارِ؛ وذلك أنّ الرجل كان يُعْطِي أختَه لرجل، على أن يعطيه الآخرُ أختَه، دُون مهرٍ بينهما، فنهوا عن ذلك، وأُمِرُوا بالمهور. وهذا قول سليمان بن جعفر بن أبي المعتمر. ورَجَّحَ ابنُ جرير (٦‏/‏٣٨٢) القولَ الأولَ استنادًا إلى السياق، وقال: «وذلك أنّ الله -تبارك وتعالى- ابتدأ ذكر هذه الآية بخطاب الناكحين النساءَ، ونهاهم عن ظلمهنَّ والجَوْر عليهنَّ، وعرَّفهم سبيلَ النجاة مِن ظُلْمِهِنَّ. ولا دلالة في الآية على أنّ الخطاب قد صُرِف عنهم إلى غيرهم. فإذْ كان ذلك كذلك فمعلومٌ أنّ الذين قيل لهم: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ هم الذين قيل لهم: ﴿وآتوا النساء صدقاتهن﴾، وأنّ معناه: وآتوا مَن نكحتم مِن النساء صدقاتهن نحلةً؛ لأنّه قال في أوَّل الآية: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾، ولم يقل: فأنكحوا؛ فيكون قوله: ﴿وآتوا النساء صدقاتهن نحلة﴾ مصروفًا إلى أنه معنيٌّ به أولياءَ النساء دون أزواجهن. وهذا أمرٌ من الله أزواجَ النساء المدخول بهن، أوالمسمّى لهن الصداق، بإيتائهن صدُقاتهن، دون المطلقات قبل الدخول بهن، ممن لم يُسمَّ لها في عقد النكاح صداق». وبيّنَ ابنُ عطية (٢‏/‏٤٦٩) أنّ الآية عامَّةٌ، فقال: «والآيةُ تتناول هذه الفِرَقَ الثلاث»

اختلف السلف في كيفية التحية التي تكون أحسن من المُحَيّى به على قولين: الأول: أنّ معناه: الزيادة على دعاء المُسلِّم بالدعاء. الثاني: أن معناه: فحيوا بأحسن منها أهل الإسلام، أو ردوها على أهل الكفر. وقد رجّح ابنُ جرير (٧‏/‏٢٧٦-٢٧٧) مستندًا إلى السنة القول الثاني، فقال: «وأولى التأويلين بتأويل الآية قولُ مَن قال: ذلك في أهل الإسلام. ووجَّه معناه إلى أنّه يرد السلام على المسلم إذا حياه تحية أحسن من تحيته أو مثلها. وذلك أن الصحاح من الآثار عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «إذا سلَّم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم». فبيَّن أنّه واجب على كل مسلم ردَّ تحية كل كافر أحسن من تحيته، وقد أمر الله برد الأحسن أو المثل في هذه الآية، من غير تمييز منه بين المستوجب رد الأحسن من تحيته عليه، والمردود عليه مثلها، بدلالة يُعلم بها صحة قول مَن قال: عنى برد الأحسن: المسلم. وبرد المثل: أهل الكفر. والصواب إذ لم يكن في الآية دلالة على صحة ذلك ولا بصحته أثر لازم عن الرسول ﷺ أن يكون الخيار في ذلك إلى المسلم عليه بين رد الأحسن أو المثل، إلا في الموضع الذي خص شيئًا من ذلك سنة من رسول الله ﷺ، فيكون مسلمًا لها. وقد خصت السنة أهل الكفر بالنهي عن رد الأحسن من تحيتهم عليهم أو مثلها، إلا بأن يقال: وعليكم. فلا ينبغي لأحد أن يتعدى ما حد في ذلك رسول الله ﷺ. فأما أهل الإسلام، فإن لمن سلم عليه منهم في الرد من الخيار ما جعل الله له من ذلك. وقد روي عن رسول الله ﷺ في تأويل ذلك بنحو الذي قلنا خبر». وزاد ابنُ عطية (٢‏/‏٦١٨) في معنى الآية قولًا آخر، فقال: «وقالت فرقة: إنما معنى الآية تخيير الراد، فإذا قال البادئ: السلام عليك، فللراد أن يقول: وعليك السلام. فقط، وهذا هو الرد، وله أن يقول: وعليك السلام ورحمة الله. وهذا هو التحية بأحسن منها»

اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿أكاد أخفيها﴾ على قولين: الأول: أكاد أخفيها من نفسي، فلا أُظْهِر عليها أحدًا من خلقي. الثاني: أكاد أظهرها. وقد رجّح ابن جرير (١٦‏/‏٣٧-٣٨ بتصرف) مستندًا إلى أقوال السلف وإلى اللغة القول الأول، فقال: «والذي هو أولى بتأويل الآية من القول قولُ مَن قال: معناه: أكاد أخفيها مِن نفسي. لأن تأويل أهل التأويل بذلك جاء، ولأنّ المعروف من معنى الإخفاء في كلام العرب: الستر. يقال: قد أخفيت الشيء: إذا سترته، فلما كان معروفًا في كلامهم أن يقول أحدهم إذا أراد المبالغة في الخبر عن إخفائه شيئًا هو له مُسِرٌّ: قد كدت أن أخفي هذا الأمر عن نفسي مِن شدة استسراري به، ولو قدرت أخفيه عن نفسي أخفيته. خاطبهم على حسب ما قد جرى به استعمالُهم في ذلك من الكلام بينهم، وما قد عرفوه في منطقهم». وأمّا ابنُ عطية (٦‏/‏٨٦) فقد ذكر قولًا عن بعض المفسرين لم يُسمِّه، ورجّحه مستندًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «وقالت فرقة: ﴿أكادُ﴾ على بابها، بمعنى أنها مقاربة ما لم يقع، لكن الكلام جارٍ على استعارة العرب ومجازها، فلما كانت الآية عبارة عن شدة خفاء أمر القيامة ووقتها، وكان القَطْع بإتيانها مع جهل الوقت أهيب على النفوس؛ بالغ قوله تعالى في إعتام وقتها، فقال: ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ حتى لا تظهر البتة، ولكن ذلك لا يقع، ولا بد من ظهورها، هذا تلخيص هذا المعنى الذي أشار إليه بعض المفسرين، وهو الأقوى عندي. ورأى بعضُ القائلين بأن المعنى: أكادُ أُخْفِيها من نفسي. ما في القول من القلق، فقالوا: معنى من نفسي: من تلقائي، ومن عندي، وهذا رفض للمعنى الأول، ورجوع إلى هذا القول الذي اخترناه أخيرًا. فتأمله». وذكر ابن جرير (١٦‏/‏٣٨-٤١) عدة أقوال أخر لم ينسبها إلى أحد، وكذا فعلَ ابنُ عطية، وانتقد هو وابن جرير بعضَ تلك الأقوال لمخالفتها لغة العرب، وقولَ الحجة من أهل التأويل، ودلالة العقل

اختُلف في المعنيّ بقوله تعالى: ﴿إلا المُطَهَّرُونَ﴾ بناءً على اختلافهم في معنى: «الكتاب المكنون» على أقوال: الأول: مَن قال: إنّ «الكتاب المكنون» هو الذي في السماء، ذكروا في «المطهَّرين» عدة أقوال: أحدها: هم الملائكة. ثانيها: هم الذين قد طُهِّروا من الذنوب كالملائكة والرسل. ثالثها: لا يمسُّه عند الله إلا المطهَّرون من الأحداث والأنجاس. الثاني: ومَن قال: إن «الكتاب المكنون» هو التوراة والإنجيل، قال: «المطهَّرون» هم حملة التوراة والإنجيل. الثالث: ومَن قال: إنّ «الكتاب المكنون» هو مصاحف المسلمين، قال: «المطهَّرون» هم المطهَّرون من الكفر والجنابة والحَدَث الأصغر. ووجَّه ابنُ عطية (٨‏/‏٢١٠) القول الأول بقوله: «وليس في الآية -على هذا القول- حكم مسّ المصحف لسائر بني آدم». ورجَّح ابنُ جرير (٢٢‏/‏٣٦٧) -مستندًا إلى ظاهر الآية- شمول المعنى لجميع الأقوال، فقال: «والصواب من القول في ذلك عندنا: أنّ الله -جلَّ ثناؤه- أخبر أن لا يَمَسُّ الكتاب المكنون إلا المطهَّرون، فعمَّ بخبره المطَهَّرين، ولم يَخْصُصْ بعضًا دون بعض؛ فالملائكة من المطَهَّرين، والرُّسُل والأنبياء مِن المطَهَّرين، وكلُّ من كان مُطَهَّرًا مِن الذنوب فهو مِمَّن استُثْنِي، وعني بقوله: ﴿إلا المُطَهَّرُونَ﴾». وذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٢١٠) أنّ «مَن قال بأنها مصاحف المسلمين، قال: إنّ قوله: لا يَمَسُّهُ إخبار مضمّنه النهي، وضمة السين على هذا ضمة إعراب، وقال بعض هذه الفرقة: بل الكلام نهي، وضمة السين ضمة بناء». ثم انتقد (٨‏/‏٢١١) -مستندًا إلى اللغة- مَن قال بأنه نهي، فقال: «والقول بأن ﴿لا يَمَسُّهُ﴾ نهيٌ قول فيه ضعف، وذلك أنه إذا كان خبرًا فهو في موضع الصفة، وقوله تعالى بعد ذلك: ﴿تَنْزِيلٌ﴾ صفة أيضًا، فإذا جعلناه نهيًا جاء معنًى أجنبيًّا مُعْتَرَضًا بين الصفات، وذلك لا يحسن في رصف الكلام فتدبَّره، وفي حرف ابن مسعود رضي الله عنهما: (ما يَمَسُّهُ)، وهذا يقوِّي ما رجَّحته مِن الخبر الذي معناه: حَقُّهُ وقَدْرُه أن لا يمسَّه إلا طاهر»

اختُلِف في السبب الذي من أجله قيل للنبي ﷺ: قل لهؤلاء الأعراب: قولوا أسلمنا، ولا تقولوا آمنا، على ثلاثة أقوال: الأول: أنه أُمِرَ ﷺ بذلك لأن القوم كانوا صدَّقوا بألسنتهم، ولم يصدِّقوا قولَهم بفعلِهم، فقيل لهم: قولوا أسلمنا؛ لأن الإسلام قول، والإيمان قول وعمل. والثاني: أنه أُمِرَ ﷺ بذلك لأنهم أرادوا أن يتسمَّوا بأسماء المهاجرين قبل أن يهاجروا، فأعلمهم الله أن لهم أسماء الأعراب، لا أسماء المهاجرين. والثالث: أنه أُمِرَ ﷺ بذلك لأن القوم مَنُّوا على رسول الله ﷺ بإسلامهم، فقال الله لنبيّه ﷺ: قل لهم لم تؤمنوا، ولكن استسلمتم خوف السباء والقتل. وعلَّقَ ابنُ كثير (١٣‏/‏١٧٥) على القول الأول بقوله: «هذا معنى قول ابن عباس رضي الله عنهما، وإبراهيم النخعي، وقتادة، واختاره ابن جرير». ورجَّحَ ابن جرير (٢١‏/‏٣٩٢)، وكذا ابنُ كثير القولَ الأولَ -وهو قول الزُّهريّ، وإبراهيم النخعيّ، وغيرهما- استنادًا إلى ظاهر الآيات، والدلالة العقلية، فقال ابنُ جرير: «وأولى الأقوال بالصواب في تأويل ذلك القول الذي ذكرناه عن الزُّهريّ، وهو أنّ الله تقدم إلى هؤلاء الأعراب الذين دخلوا في الملة إقرارًا منهم بالقول، ولم يحقّقوا قولهم بعملهم أن يقولوا بالإطلاق: آمنّا. دون تقييد قولهم بذلك بأن يقولوا: آمنا بالله ورسوله. ولكن أمرهم أن يقولوا القول الذي لا يُشْكِل على سامعيه، والذي قائله فيه محق، وهو أن يقولوا: أسلمنا. بمعنى: دخلنا في الملة، وحقنّا الدماء والأموال، بشهادة الحقّ». وقال ابنُ كثير (١٣‏/‏١٧٥): «الصحيح الأول، أنهم قوم ادَّعوا لأنفسهم مقام الإيمان، ولم يحصل لهم بعد، فأُدِّبوا وأُعلِمُوا أن ذلك لم يصلوا إليه بعد، ولو كانوا منافقين لعُنِّفوا وفُضِحُوا كما ذكر المنافقون في سورة براءة، وإنما قيل لهؤلاء تأديبًا: ﴿قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم﴾ أي: لم تصلوا إلى حقيقة الإيمان بعد». وهو ظاهر كلام ابن القيم (٣‏/‏٩ بتصرف)، حيث قال: «قوله تعالى: ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾ نفيًا للإيمان المطلق، لا لمطلق الإيمان؛ لوجوه: منها: أنه أمرهم أو أذن لهم أن يقولوا: أسلمنا. والمنافق لا يقال له ذلك. ومنها: أنه قال: ﴿قالَتِ الأعْرابُ﴾ ولم يقل: قال المنافقون. ومنها: أن هؤلاء الجُفاة الذين نادوا رسول الله ﷺ من وراء الحُجرات ورفعوا أصواتهم فوق صوته غلظةً منهم وجفًاء لا نفاقًا وكفرًا. ومنها: أنه قال: ﴿ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ولم ينفِ دخول الإسلام في قلوبهم، ولو كانوا منافقين لنفى عنهم الإسلام كما نفى الإيمان. ومنها: أن الله تعالى قال: ﴿وإنْ تُطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِن أعْمالِكُمْ شَيْئًا﴾ أي: لا ينقصكم، والمنافق لا طاعة له. ومنها: أنه قال: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكُمْ﴾ فأثبت لهم إسلامهم، ونهاهم أن يمنّوا على رسول الله ﷺ، ولو لم يكن إسلامًا صحيحًا لقال: لم تسلموا بل أنتم كاذبون. كما كذّبهم في قولهم: ﴿نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون:١] لَمّا لم تطابق شهادتُهم اعتقادهم. ومنها: أنه قال: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ﴾ ولو كانوا منافقين لما منّ عليهم. ومنها: أنه قال: ﴿أنْ هَداكُمْ لِلإيمانِ﴾ ولا ينافي هذا قوله: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ فإنّه نفى الإيمان المطلق، ومَنَّ عليهم بهدايتهم إلى الإسلام الذي هو متضمن لمطلق الإيمان. ومنها: أن النبي ﷺ لما قسم القسم قال له سعد: أعطيتَ فلانًا وتركت فلانًا وهو مؤمن! فقال: «أو مسلم» ثلاث مرات. وأثبت له الإسلام دون الإيمان. والمقصود: الفرق بين الإيمان المطلق ومطلق الإيمان؛ فالإيمان المطلق يمنع دخول النار، ومطلق الإيمان يمنع الخلود فيها». وبنحوه قال ابنُ تيمية (٦‏/‏٧١-٧٥)

سورة يوسف — الآية ١٠٠

عن محمد بن إسحاق، قال: إنّ أبا بكر لَمّا حدَّث نفسَه بأن يغزو الروم فلم يُطْلِع عليه أحدًا، إذ جاءه شُرَحْبيل بن حَسَنَة، فجلس إليه، فقال: يا خليفةَ رسول الله، أتُحَدِّثُ نفسَك أنّك تبعثُ إلى الشام جُندًا؟ فقال: نعم، قد حدَّثْتُ نفسي بذلك، وما أطْلَعْتُ عليه أحدًا، وما سألتني عنه إلا لشيء. قال: أجل، إنِّي رأيت -يا خليفة رسول الله- فيما يرى النائمُ كأنّك تمشي في الناس فوق خَرْشَفَةٍ مِن الجبل، ثم أقبلتَ تمشي حتى صعدت قُنَّةً من القِنان العالية، فأَشْرَفْتَ على الناس ومعك أصحابك، ثم إنّك هبطت مِن تلك القِنان إلى أرض سهلة دَمِثَةٍ فيها الزَّرع والقرى والحصون، فقلتَ للمسلمين: شُنُّوا الغارةَ على أعداء الله، وأنا ضامِنٌ لكم بالفتح والغنيمة. فشدَّ المسلمون، وأنا فيهم معي راية، فتوجهت بها إلى أهل قرية، فسألوني الأمان، فأمَّنتُهم، ثم جئتُ فأجدُك قد انتهيتَ إلى حصن عظيم، ففَتَحَ اللهُ لك، وأَلْقَوْا إليك السلم، ووضع اللهُ لك مجلسًا، فجلست عليه، ثم قيل لك: يفتح الله عليك وتُنصَر، فاشكر ربك، واعمل بطاعته. ثم قرأ: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا﴾ [النصر:١-٣]، ثم انتبهتُ. فقال له أبو بكر: نامت عيناك، خيرًا رأيتَ، وخيرًا يكون إن شاء الله. ثم قال: بَشَّرْتَ بالفتح، ونَعَيْتَ إلَيَّ نفسي. ثم دَمَعَتْ عينا أبي بكر، ثم قال: أمّا الخَرْشَفَة التي رأيتَنا نمشي عليها حتى صعدنا إلى القُنَّةِ العالية فأَشْرَفْنا على الناس؛ فإنّا نُكابِدُ مِن أمر هذا الجند والعدو مَشَقَّةً ويُكابِدونه، ثم نعلو بعدُ ويعلو أمرُنا، وأمّا نزولنا مِن القُنَّةِ العالية إلى الأرض السهلة الدَّمِثَة والزرع والعيون والقرى والحصون؛ فإنّا ننزل إلى أمر أسهل مِمّا كنا فيه مِن الخصب والمعاش، وأمّا قولي للمسلمين: شُنُّوا على أعداء الله الغارة فإنِّي ضامن لكم الفتح والغنيمة؛ فإنّ ذلك دُنُوُّ المسلمين إلى بلاد المشركين، وترغيبِي إيّاهم على الجهاد والأجر والغنيمة التي تقسم لهم وقبولهم، وأمّا الراية التي كانت معك فتوجهتَ بها إلى قرية من قراهم ودخلتها واستأمنوا فأمَّنتَهم؛ فإنّك تكون أحدَ أمراء المسلمين، ويفتح الله على يديك، وأمّا الحصن الذي فتح الله لي؛ فهو ذلك الوجه الذي يفتح الله لي، وأمّا العرش الذي رأيتني عليه جالسًا؛ فإنّ الله يرفعني ويضع المشركين، وقال الله -تبارك وتعالى- ليوسف: ﴿ورفع أبويه على العرش﴾، وأمّا الذي أمرني بطاعة الله وقرأ عَلَيَّ السورة؛ فإنّه نَعى إلَيَّ نفسي، وذلك أنّ النبي ﷺ نعى اللهُ إليه نفسَه حين نزلت هذه السورة، وعلم أنّ نفسَه قد نُعِيَت إليه. ثم سالتا عيناه، فقال: لَآمُرَنَّ بالمعروف، ولَأَنْهَيَنَّ عن المنكر، ولأجهدن فيمَن نزل أمر الله، ولَأُجَهِّزَنَّ الجنود إلى العادلين بالله في مشارق الأرض ومغاربها، حتى يقولوا: الله أحدٌ أحدٌ لا شريك له. أو يُؤَدُّوا الجزيةَ عن يدٍ وهم صاغرون، هذا أمرُ الله وسنةُ رسول الله ﷺ، فإذا تَوَفّاني الله عز وجل لا يجدني اللهُ عاجِزًا ولا وانِيًا ولا في ثواب المجاهدين زاهِدًا. فعند ذلك أمر الأمراء، وبعث إلى الشام البُعُوث

رجَّح ابنُ القيم (١‏/‏٣٤٥-٣٤٦) أنّ المراد: أنّ ما كان يخفيه المشركون فبدا لهم يوم القيامة هو حقيقة ما انطووا عليه من علمهم أنهم على باطل، وأن الرسل على حق. وانتَقَد (١‏/‏٣٤٤) مستندًا إلى السياق، والدلالات العقلية، ولغة العرب القولَ بأنّ الذي بدا لهم هو العذاب، وبأنهم كانوا يخفون الشرك في بعض المواطن يوم القيامة فلما وقفوا على النار بدا لهم جزاء ما أخفوه، وهو موافق لقول مقاتل، فقال: «وظنوا أنّ الذي بدا لهم العذاب، فلما لم يروا ذلك ملتئمًا مع قوله: ﴿ما كانوا يخفون من قبل﴾ قدَّروا مضافًا محذوفًا، وهو خبر ما كانوا يخفون من قبل، فدخل عليهم أمرٌ آخر لا جواب لهم عنه، وهو أنّ القوم لم يكونوا يخفون شركهم وكفرهم، بل كانوا يظهرونه ويدعون إليه، ويحاربون عليه، ولَمّا علموا أنّ هذا وارد عليهم، قالوا: إنّ القوم في بعض موارد القيامة ومواطنها أخفوا شركهم وجحدوه، وقالوا: ﴿والله ربنا ما كنا مشركين﴾. فلما وقفوا على النار بدا لهم جزاء ذلك الذي أخفوه». وذكر ابنُ عطية (٣‏/‏٣٤٣) نقلًا عن الزهراوي أنّ هناك من قال بأن الآية في المنافقين؛ لأنهم كانوا يخفون الكفر فبان لهم وباله يوم القيامة. وانتقده مستندًا للسياق بقوله: «وتقلق العبارة على هذا التأويل؛ لأنه قال: ﴿وقفوا﴾ يريد جماعة كفار، ثم قال: ﴿بدا لهم﴾ يريد: المنافقين من هؤلاء الكفار، والكلام لا يعطي هذا إلا على تحامل». ووجَّهه ابنُ كثير (٦‏/‏٢٣) بقوله: «ويحتمل أن يكون المراد بهؤلاء المنافقين: الذين كانوا يظهرون للناس الإيمان ويبطنون الكفر، ويكون هذا إخبارًا عما يكون يوم القيامة من كلام طائفة من الكفار، ولا ينافي هذا كون هذه السورة مكية، والنفاق إنما كان من بعض أهل المدينة ومَن حولها من الأعراب، فقد ذكر الله وقوع النفاق في سورة مكية، وهي العنكبوت، فقال: ﴿وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين (١١)﴾؛ وعلى هذا فيكون إخبارًا عن حال المنافقين في الدار الآخرة، حين يعاينون العذاب يظهر لهم حينئذ غب ما كانوا يبطنون من الكفر والشقاق والنفاق». وذكر ابنُ عطية (٣‏/‏٣٤٣-٣٤٤) أنّ الزهراوي قال: وقيل: إنّ الكفار كانوا إذا وعظهم النبي ﷺ خافوا، وأخفوا ذلك الخوف؛ لئلا يشعر به أتباعهم، فظهر لهم ذلك يوم القيامة. ثم قال: «ويصِحُّ أن يكون مقصد الآية الإخبار عن هول ما لقوه والتعظيم لما شقوا به، فعبر عن ذلك بأنهم ظهرت لهم مستوراتهم في الدنيا من معاص وغير ذلك، فكيف الظن -على هذا- بما كانوا يعلنون من كفر ونحوه، وينظر إلى هذا التأويل قوله تعالى في تعظيم شأن يوم القيامة: ﴿يوم تبلى السرائر﴾ [الطارق:٩]، ويصح أن يقدر الشيء الذي كانوا يخفونه في الدنيا نبوة محمد ﷺ وأقواله، وذلك أنّهم كانوا يخفون ذلك في الدنيا بأن يحقروه عند مَن يرد عليهم ويصفوه بغير صفته ويتلقوا الناس على الطرق، فيقولون لهم: هو ساحر، هو يفرق بين الأقارب. يريدون بذلك إخفاء أمره وإبطاله، فمعنى هذه الآية -على هذا-: بل بدا لهم يوم القيامة أمرك وصدقك وتحذيرك وإخبارك بعقاب مَن كفر الذي كانوا يخفونه في الدنيا، ويكون الإخفاء على ما وصفناه». ثم نقل عن الزجاج أنّه قال: المعنى: ظهر للذين اتبعوا الغواة ما كان الغواة يخفون من البعث. وعلَّق عليه بقوله: «فالضميران على هذا ليسا لشيء واحد». ثم ذكر أن المهدويَّ حكى عن الحسن نحو هذا