عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس -من طريق ابن إسحاق- أنه حدّث: أنّهم نظروا إلى الهَضَبَة حين دعا اللهَ صالحٌ بما دَعا به، تَتَمَخَّض بالناقة تَمَخُّض النَّتُوجُ بولدها، فتحركت الهضبة، ثم انتَفَضَت بالناقة، فانصَدَعَتْ عن ناقةٍ -كما وصفوا- جَوْفاء وبْراء نَتُوجًا، ما بين جنبيها لا يعلمه إلا الله عِظَمًا، فآمن به جُندَعُ بن عمرو ومَن كان معه على أمره مِن رَهْطِه، وأراد أشرافُ ثمود أن يؤمنوا به ويُصَدِّقوا، فنهاهم ذُؤابُ بن عمرو بن لبيد، والحُبابُ صاحب أوثانهم، ورَبابُ بن صَمْعَرِ بن جَلْهسٍ، وكانوا من أشراف ثمود، فردُّوا أشرافَها عن الإسلام، والدخول فيما دعاهم إليه صالح من الرحمة والنجاة. وكان لجُندَعٍ ابنُ عمٍّ يُقال له: شهاب بن خليفة بن مخلاةَ بن لبيد بن جَوّاسٍ، فأراد أن يُسْلِم، فنهاه أولئك الرهط عن ذلك، فأطاعهم، وكان من أشراف ثمود وأفاضلها، فقال رجل من ثمود يُقال له: مهْرَشُ بنُ غَنمةَ بنِ الدُّمَيلِ، وكان مسلمًا: وكانت عُصبة من آل عمرو إلى دين النبيِّ دعوا شهابا عزيز ثمود كلهم جميعًا فهَمَّ بأن يُجِيب ولو أجابا لأصبح صالحًا فينا عزيزًا وما عدلوا بصاحبهم ذُؤابا ولكن الغُواةَ مِنَ الِ حُجْرٍ تولوا بعد رشدهم ذئابا فمكثت الناقة التي أخرجها الله لهم معها سَقْبُها في أرض ثمود، ترعى الشجر، وتشرب الماء، فقال لهم صالح عليه السلام: ﴿هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم﴾. وقال الله لصالح: إنّ الماء ﴿قسمة بينهم كل شرب محتضر﴾ [القمر:٢٨]. أي: أنّ الماء نصفان: لهم يوم، ولها يوم، وهي مُحْتَضَرَة، فيومها لا تَدَعُ شُرْبَها. وقال: ﴿لها شرب ولكم شرب يوم معلوم﴾ [الشعراء:١٥٥]. فكانَتْ -فيما بلغني، والله أعلم- إذا ورَدَتْ -وكانت تَرِدُ غِبًّا- وضَعَتْ رأسها في بئر في الحِجْر، يُقال لها: بئر الناقة، فيزعمون أنّها منها كانت تشرب، إذا وردت تضع رأسها فيها، فما ترفعه حتى تشرب كُلَّ قطرةِ ماءٍ في الوادي، ثم ترفع رأسها فتفشَّحُ -يعني: تَفَحَّجُ لهم-، فيحتلبون ما شاءوا من لبن، فيشربون، ويَدَّخِرون، حتى يملئوا كُلَّ آنيتهم، ثم تصدر مِن غير الفجِّ الذي منه ورَدْت، لا تقدر على أن تصدر من حيث تَرِد؛ يضيق عنها، فلا ترجع منه، حتى إذا كان الغدُ كان يومهم، فيشربون ما شاءوا من الماء، ويدَّخرون ما شاءوا ليوم الناقة، فهم من ذلك في سَعَة. وكانت الناقة -فيما يذكرون- تصيفُ إذا كان الحرُّ ظهرَ الوادي، فتهرب منها المواشي؛ أغنامهم وأبقارهم وإبلهم، فتهبط إلى بطن الوادي في حرِّه وجَدْبِه، وذلك أنّ المواشي تنفر منها إذا رأتها، وتشتو في بطن الوادي إذا كان الشتاء، فتهرب مواشيهم إلى ظهر الوادي في البرد والجدب، فأضرَّ ذلك بمواشيهم؛ للبلاء والاختبار. وكانت مراتِعُها -فيما يزعمون- الجَنابَ وحِسْمى، كل ذلك ترعى مع وادي الحِجْر، فكَبُر ذلك عليهم، فعَتَوْا عن أمر ربهم، وأجمعوا في عَقْرِ الناقة رأيَهم. وكانت امرأةٌ من ثمود يُقال لها: عُنَيزةُ بنت غُنمٍ بن مِجْلَزِ، تُكنى بأم غُنمٍ، وهي من بني عبيد بن المهلِ أخي زُمَيلِ بن المهلِ، وكانت امرأة ذُؤابِ بن عمرو، وكانت عجوزًا مُسِنَّة، وكانت ذات بنات حِسان، وكانت ذات مال مِن إبل وبقر وغنم، وامرأة أخرى يُقال لها: صَدُوفُ بنتُ المحيّا بن زهير بن المحيّا سيد بني عبيد وصاحب أوثانهم في الزمن الأول، وكان الوادي يُقال له: وادي المحيّا، وهو المحيّا الأكبر جد المحيّا الأصغر أبي صَدُوفَ. وكانت صَدُوفُ مِن أحسن الناس، وكانت غنيةً ذات مال من إبل وغنم وبقر، وكانتا مِن أشد امرأتين في ثمود عداوةً لصالحٍ، وأعظمه به كُفْرًا، وكانتا تحتالان أن تُعقر الناقة مع كفرهما به لِما أضَرَّت به من مواشيهما. وكانت صَدُوفُ عند ابنِ خالٍ لها يُقال له: صنيمُ بن هراوةَ بن سعد بن الغطريفِ من بني هليلٍ، فأسلم، فحسُن إسلامُه، وكانت صَدُوفُ قد فَوَّضت إليه مالَها، فأنفقه على من أسلم معه مِن أصحاب صالح حتى رَقَّ المالُ، فاطَّلعت على ذلك من إسلامه صَدُوفُ، فعاتبته على ذلك، فأظهر لها دينه، ودعاها إلى الله وإلى الإسلام، فأَبَتْ عليه، وسَبَّتْ له، فأخذت بنيه وبناته منه، فغيَّبَتْهم في بني عبيد؛ بطنها الذي هي منه، وكان صنيم زوجها من بني هليلٍ، وكان ابنَ خالها، فقال لها: رُدِّي عَلَيَّ ولدي. فقالت: حتى أُنافِرَك إلى بني صنعان بن عبيد أو إلى بني جُندَعِ بن عبيد. فقال لها صنيمٌ: بل أنا أقول إلى بني مِرْداس بن عبيد. وذلك أن بني مِرْداس بن عبيد كانوا قد سارعوا في الإسلام، وأبطأ عنه الآخرون، فقالت: لا أُنافِرُك إلّا إلى مَن دعوتُك إليه. فقال بنو مِرْداس: واللهِ، لَتُعْطِيَنَّه ولده طائعةً أو كارهة، فلمّا رَأَتْ ذلك أعْطَتْهُ إياهم. ثم إن صَدوف وعُنيزة محَلتا في عقر الناقة للشَّقاء الذي نزل، فدعت صَدُوفُ رجلًا من ثمود يُقال له: الحبابُ، لِعَقْر الناقة، وعرضت عليه نفسَها بذلك إن هو فعل، فأبى عليها، فدعت ابنَ عمٍّ لها يُقال [له]: مِصْدَعُ بن مَهْرَجِ بن المحيّا، وجعلت له نفسَها على أن يعقر الناقة، وكانت من أحسن الناس، وكانت غنِيَّةً كثيرة المال، فأجابها إلى ذلك. ودعت عُنَيزةُ بنتُ غُنْمٍ قُدارَ بن سالفِ بن جُنْدَعِ؛ رجلًا من أهل قُرْحَ، وكان قُدارُ رجلًا أحمر أزرق قصيرًا، يزعمون أنّه كان لِزَنْيَةٍ مِن رجل يُقال له: صهيادُ، ولم يكن لأبيه سالف الذي يُدعى إليه، ولكنه قد وُلِد على فراش سالف، وكان يُدعى له، ويُنسَب إليه، فقالت: أعطيك أيَّ بناتي شئت على أن تعقر الناقة. وكانت عُنَيزةُ شريفة من نساء ثمود، وكان زوجها ذؤاب بن عمرو من أشراف رجال ثمود، وكان قُدار عزيزًا منيعًا في قومه، فانطلق قُدار بن سالف ومِصْدَعُ بن مَهْرَجٍ، فاستنفرا غُواةً من ثمود، فاتَّبعهما سبعة نفر، فكانوا تسعة نفر، أحد النفر الذين اتبعوهما رجل يُقال له: هويلُ بن ميلغٍ خال قدار بن سالف، أخو أُمِّه لأبيها وأمها، وكان عزيزًا من أهل حِجْرٍ، ودُعَيرُ بن غنم بن داعر، وهو من بني حلاوة بن المهل، ودأب بن مَهْرَجٍ أخو مِصْدَعِ بن مَهْرَجٍ، وخمسة لم تُحْفَظ لنا أسماؤهم. فرصدوا الناقة حين صَدَرت عن الماء، وقد كمَن لها قدار في أصل صخرة على طريقها، وكمَن لها مِصْدَعٌ في أصلِ أخرى، فمَرَّت على مصدع فرماها بسهم، فانتظم به عضلة ساقها، وخرجت أم غُنْمٍ؛ عُنَيزة، وأمرت ابنتها، وكانتْ مِن أحسن الناس وجهًا، فأسفرت عنه لقُدار، وأَرَتْه إيّاه، ثم ذمَّرَتْه، فشدَّ على الناقة بالسيف، فكسف عرقوبها، فخرَّت، ورغت رغاة واحدة تحذر سَقْبَها. ثم طعن في لُبَّتها فنحرها، وانطلق سقبها حتى أتى جبلًا منيعًا، ثم أتى صخرة في رأس الجبل فرَغا، ولاذ بها، واسم الجبل فيما يزعمون: صور، فأتاهم صالح، فلما رأى الناقة قد عقرت قال: انتهكتم حرمة الله، فأبشِروا بعذاب الله -تبارك وتعالى- ونقمته. فاتبع السَّقْبَ أربعةُ نفر من التسعة الذين عقروا الناقة، وفيهم مِصْدَعُ بن مَهْرَجٍ، فرماه مِصْدَعٌ بسهم، فانتظَمَ قلبه، ثم جَرَّ برجله فأنزله، ثم ألقوا لحمه مع لحم أمه. فلمّا قال لهم صالح: أبشروا بعذاب الله ونقمته؛ قالوا له وهم يهزءون به: ومتى ذلك يا صالح؟ وما آية ذلك؟ وكانوا يسمون الأيام فيهم: الأحد: أول، والاثنين: أهون، والثلاثاء: دُبار، والأربعاء: جُبارَ، والخميس: مُؤْنِسَ، والجمعة: العروبة، والسبت: شِيارَ، وكانوا عقروا الناقة يوم الأربعاء، فقال لهم صالح حين قالوا ذلك: تصبحون غداة يوم مُؤْنِسَ -يعني: يوم الخميس- وجوهكم مُصْفَرَّة، ثم تصبحون يوم العروبة -يعني: يوم الجمعة- ووجوهكم مُحْمَرَّة، ثم تصبحون يوم شيار –يعني: يوم السبت- ووجوهكم مُسْوَدَّة، ثم يُصَبِّحُكم العذاب يوم الأول -يعني: يوم الأحد-. فلما قال لهم صالح ذلك، قال التسعة الذين عقروا الناقة: هلُمُّوا فلْنَقْتُلْ صالحًا؛ إن كان صادقًا عَجَّلْناه قبلنا، وإن كان كاذبًا يكون قد ألحقناه بناقته. فأتوه ليلًا لِيُبَيِّتُوه في أهله، فدَمَغَتْهم الملائكةُ بالحجارة، فلمّا أبْطَئُوا على أصحابهم أتوا منزل صالح، فوجدوهم مُشَدَّخِين، قد رُضِخوا بالحجارة، فقالوا لصالح: أنت قتلتهم. ثم هَمُّوا به، فقامت عشيرتُه دونه، ولبسوا السلاح، وقالوا لهم: واللهِ، لا تقتلونه أبدًا، فقد وعدكم أنّ العذاب نازِلٌ بكم في ثلاث، فإن كان صادقًا لم تزيدوا ربَّكم عليكم إلا غضبًا، وإن كان كاذبًا فأنتم من وراء ما تريدون. فانصرفوا عنهم ليلتهم تلك، والنفر الذين رضختهم الملائكة بالحجارة التسعة الذين ذكرهم الله تعالى في القرآن بقوله تعالى: ﴿وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون﴾ إلى قوله: ﴿لآية لقوم يعلمون﴾ [النمل:٤٨-٥٢]، فأصبحوا من تلك الليلة التي انصرفوا فيها عن صالح وجوههم مصفرة، فأيقنوا بالعذاب، وعرفوا أنّ صالحًا قد صَدَقَهم، فطلبوه ليقتلوه، وخرج صالح هاربًا منهم حتى لجأ إلى بطنٍ من ثمود يُقال لهم: بنو غنم، فنزل على سيِّدهم؛ رجل منهم يُقال له: نفيل، يكنى بأبي هُدْبٍ، وهو مشرك، فغَيَّبَه، فلم يقدروا عليه، فغدوا على أصحاب صالح، فعذَّبوهم لِيَدُلُّوهم عليه، فقال رجل من أصحاب صالح -يقال له: ميدعُ بن هرمٍ-: يا نبيَّ الله، إنّهم لَيُعَذِّبوننا لِنَدُلَّهم عليك، أفَنَدُلُّهم عليك؟ قال: نعم. فدلهم عليه ميدع بن هرم، فلما علموا بمكان صالح أتَوا أبا هدب، فكلَّموه، فقال لهم: عندي صالح، وليس لكم إليه سبيل. فأعرضوا عنه، وتركوه، وشغلهم عنه ما أنزل الله بهم من عذابه، فجعل بعضهم يُخْبِر بعضًا بما يرون في وجوههم حين أصبحوا من يوم الخميس، وذلك أنّ وجوههم أصبحت مصفرة، ثم أصبحوا يوم الجمعة ووجوههم محمرة، ثم أصبحوا يوم السبت ووجوههم مسودة، حتى إذا كان ليلة الأحد خرج صالح من بين أظهرهم ومَن أسلم معه إلى الشام، فنزل رملةَ فلسطين، وتخلَّف رجل من أصحابه يُقال له: ميدعُ بن هرمٍ، فنزل [قُرْحًا]، وهي وادي القرى، وبين القُرْحِ وبين الحِجْر ثمانية عشر ميلًا، فنزل على سيِّدهم؛ رجل يقال له: عمرو بن غُنْمٍ، وقد كان أكل من لحم الناقة، ولم يَشْرَكْ في قتلها، فقال له ميدعُ بن هرمٍ: يا عمرو بن غُنْمٍ، اخرُجْ من هذا البلد، فإن صالحًا قال: من أقام فيه هلك، ومن خرج منه نجا. فقال عمرو: ما شَرِكتُ في عَقْرِها، وما رَضِيتُ ما صُنِع بها. فلمّا كانت صبيحة الأحد أخذتهم الصيحة، فلم يبق منهم صغير ولا كبير إلا هلك، إلا جارية مُقْعَدَة يُقال لها: الزُّريْعة، وهي الكلبةُ ابنةُ السِّلْقِ، كانت كافرةً شديدة العداوة لصالح، فأطلق الله لها رجليها بعدما عاينت العذاب أجمع، فخرجت كأسرع ما يُرى شيء قط، حتى أتت أهل قُرْحَ، فأخبرتهم بما عاينت من العذاب، وما أصاب ثمود منه، ثم استسقت من الماء فسُقيت، فلما شَرِبَت ماتت
عن عائشة، قالت: كان رسولُ الله ﷺ إذا أراد أن يخرج سفرًا أقْرَع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمُها خرج بها رسول الله ﷺ معه. قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها، فخرج سهمي، فخرجتُ مع رسول الله ﷺ بعد ما نزل الحجاب، فأنا أُحْمَل في هَوْدَجِي، وأنزل فيه، فسِرنا حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ من غزوته تلك وقَفَلَ ودَنَوْنا من المدينة قافِلين آذَنَ ليلةً بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيشَ، فلمّا قضيت شأني أقبلت إلى رَحْلي، فإذا عِقْدٌ لي من جَزْع ظَفارٍ قد انقطع، فالتمست عِقْدي، وحَبَسَني ابتغاؤه، وأقبل الرَّهْطُ الذين كانوا يُرَحِّلُون لي، فاحتملوا هَوْدَجي، فرَحَّلوه على بعيري الذي كنتُ ركبتُ، وهم يحسبون أنِّي فيه، وكان النساء إذ ذاك خِفافًا لم يثقلهن اللحمُ، إنما تأكل المرأة العُلْقَةَ من الطعام، فلم يستنكر القومُ خِفَّةَ الهَوْدَج حين رفعوه، وكنت جاريةً حديثةَ السِّنِّ، فبعثوا الجمل، فساروا، فوجدت عِقْدي بعد ما اسْتَمَرَّ الجيشُ، فجئت منازلَهم، وليس بها داعٍ ولا مُجِيب، فأَمَمْتُ منزلي الذي كنتُ به، فظننتُ أنّهم سيفقدوني، فيرجعون إلَيَّ، فبينا أنا جالسةٌ في منزلي غَلَبَتْني عيني، فنِمْتُ، وكان صفوان بن المُعَطِّل السُّلَمي ثم الذَّكْوانِي مِن وراء الجيش، فأَدْلَجَ، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني، فعرفني حين رآني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظتُ باسترجاعه حين عرفني، فخمَّرْتُ وجهي بجلبابي، واللهِ، ما كَلَّمَنِي كلمةً، ولا سمعت منه كلمةً غيرَ استرجاعه، حتى أناخ راحلته، فوَطِىء على يدَيْها، فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلةَ حتى أتينا الجيشَ بعد ما نزلوا مُوغِرين في نَحْرِ الظَّهِيرَة، فهلك فِيَّ مَن هلك. وكان الذي تَوَلّى الإفكَ عبدُ الله بن أُبَيّ بن سَلُول، فقدمنا المدينة، فاشتكيت حين قدمت شهرًا، والناسُ يُفيضون في قول أصحاب الإفك، لا أشعر بشيء من ذلك، وهو يَرِيبُني في وجعي أنِّي لا أعرف مِن رسول الله ﷺ اللُّطْفَ الذي كنت أرى منه حين أشتكى، إنّما يدخل عَلَيَّ، فيُسَلِّم، ثم يقول: «كيف تيكم؟». ثم ينصرف، فذاك الذي يَرِيبُني، ولا أشعر بالشرِّ حتى خرجت بعدما نَقَهْتُ، وخرجت معي أمُّ مِسْطَح قِبَل المناصِع، وهي مُتَبَرَّزُنا، وكُنّا لا نخرج إلا ليلًا إلى ليل، وذلك قبل أن نتَّخِذ الكُنُف قريبًا مِن بيوتنا، وأَمْرُنا أمْرُ العربِ الأول في التَّبَرُّز قبل الغائط؛ فكُنّا نتأذى بالكُنُف أن نتَّخذها عند بيوتنا، فانطلقت أنا وأمُّ مِسْطَح، فأقبلتُ أنا وأمُّ مسطح قِبَل بيتي قد فرغنا مِن شأننا، فعَثَرَت أمُّ مِسْطَح في مِرْطها، فقالت: تَعِس مِسْطَحُ. فقلتُ لها: بِئْسَ ما قلتِ، أتسبين رجلًا شهد بدرًا؟! قالت: أيْ هَنَتاهُ، أوَلَمْ تسمعي ما قال؟ قلتُ: وما قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددتُ مرضًا على مرضي، فلمّا رجعتُ إلى بيتي دَخَل عَلَيَّ رسولُ الله ﷺ، فسَلَّم، ثم قال: «كيف تيكم؟». فقلتُ: أتأذن لي أن آتي أبَوَيَّ؟ قالت: وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر مِن قِبَلِهما. قالت: فأذِنَ لي رسولُ الله ﷺ، فجئتُ أبَوَيَّ، فقلتُ لأمي: يا أُمَّتاهُ، ما يتحدثُ الناسُ؟ قالت: يا بُنَيَّةُ، هَوِّني عليكِ، فواللهِ، لقَلَّما كانتِ امرأةٌ قَطُّ وضيئة عند رجل يحبها ولها ضَرائِرُ إلّا أكْثَرْن عليها. فقلت: سبحان الله، ولقد تحدث الناسُ بهذا؟! فبكيتُ تلك الليلةَ حتى أصبحتُ لا يَرْقَأُ لي دَمْعٌ، ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحتُ أبكي. ودعا رسولُ الله ﷺ عليَّ بن أبي طالب وأسامةَ بن زيد حين اسْتَلْبَثَ الوحيُ، يَسْتَأْمِرُهما في فراق أهله، فأمّا أسامةُ فأشار على رسول الله ﷺ بالَّذي يعلم مِن براءة أهله، وبالذي يعلم لهم في نفسه مِن الوُدِّ، فقال: يا رسول الله، أهلُك، ولا نعلم إلا خيرًا. وأما عليُّ بن أبي طالب فقال: يا رسول الله، لم يُضَيِّق اللهُ عليك، والنساءُ سواها كثيرٌ، وإن تسأل الجاريةَ تصدُقْكَ. فدعا رسولُ الله ﷺ بَرِيرَةَ، فقال: «أيْ بريرةُ، هل رأيتِ شيئًا يَريبُكِ؟». قالت بريرةُ: لا، والذي بعثك بالحق، إن رأيت عليها أمرًا أغْمِصُه أكثرَ مِن أنّها جاريةٌ حديثةُ السِّنِّ، تنامُ عن عجين أهلها، فتأتي الدِّاجِنُ فتأكله. فقام رسول الله ﷺ، فاسْتَعْذَرَ يومئذٍ مِن عبد الله بن أُبَيٍّ، فقال وهو على المنبر: «يا معشرَ المسلمين، مَن يعذرني مِن رجل بلغني أذاهُ في أهل بيتي؟ فواللهِ، ما علمتُ على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلًا ما علمتُ عليه إلا خيرًا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي». فقام سعدُ بن معاذ الأنصاريُّ، فقال: يا رسول الله، أنا أعذرك منه، إن كان مِن الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا مِن الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرَك. فقام سعد بن عبادة -وهو سيِّدُ الخزرج، وكان قبلَ ذلك رجلًا صالحًا، ولكن احتملته الحَمِيَّةُ- فقال لسعد: كذبتَ، لَعَمْرُ اللهِ، ما تقتلُه، ولا تقدر على قتله. فقام أُسَيْد بن حُضَيْر، وهو ابنُ عمِّ سعد، فقال لسعد بن عبادة: كذبتَ، لَعَمْرُ الله، لنَقْتُلَنَّه، فإنّك مُنافِق تُجادِل عن المنافقين. فتَثاوَر الحيّانِ الأوسُ والخزرج، حتى همُّوا أن يقتتلوا، ورسولُ الله ﷺ قائِم على المنبر، فلم يزل رسولُ الله ﷺ يُخَفِّضهم حتى سكتوا وسَكَت. فمكثتُ يومي ذلك فلا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، فأصبح أبواي عندي، وقد بكيت ليلتين ويومًا لا أكتحل بنوم، ولا يرقأ لي دمع، وأبواي يظُنّانِ أنّ البكاءَ فالِقٌ كَبِدِي، فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي، فاستأذَنَتْ عَلَيَّ امرأةٌ مِن الأنصار، فأذِنتُ لها، فجلست تبكي معي، فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسولُ الله ﷺ، ثم جلس، ولم يجلس عندي مُنذ قيل فِيَّ ما قيل قبلها، وقد لَبِث شهرًا لا يُوحى إليه في شأني بشيء، فتَشَهَّد حين جلس، ثم قال: «أمّا بعدُ، يا عائشة، فإنّه بلغني عنكِ كذا وكذا، فإن كنتِ بريئة فسَيُبَرِّئُكِ اللهُ، وإن كنتِ ألْممتِ بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه؛ فإنّ العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب اللهُ عليه». فلمّا قضى رسولُ الله ﷺ مقالتَه قَلَصَ دمعي حتى ما أُحِسُّ منه قطرةً، فقلتُ لأبي: أجِبْ عَنِّي رسولَ الله ﷺ. قال: واللهِ، ما أدري ما أقولُ لرسول الله ﷺ! فقلتُ لأمي: أجيبي عَنِّي رسولَ الله ﷺ. قالت: ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ! فقلتُ وأنا جاريةٌ حديثةُ السِّنِّ لا أقرأ كثيرًا مِن القرآن: إني -واللهِ- لقد علمتُ أنّكم سمعتُم هذا الحديثَ حتى اسْتَقَرَّ في أنفسكم، وصدَّقْتُم به، فلَئِن قلتُ لكم: إني بريئة. واللهُ يعلم أنِّي بريئة، لا تُصَدِّقوني، ولئن اعترفتُ لكم بأمرٍ، واللهُ يعلم أنِّي منه بريئة، لتُصَدِّقُنِّي، واللهِ، لا أجد لي ولكم مَثَلًا إلا قول أبي يوسف: ﴿فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون﴾ [يوسف:١٨]. ثم تَحَوَّلتُ، فاضطجعتُ على فراشي، وأنا حينئذ أعلمُ أنِّي بريئة، وأنّ الله مُبَرِّئي ببراءتي، ولكن -واللهِ- ما كنتُ أظُنَّ أنّ الله مُنزِلٌ في شأني وحيًا يُتْلى، ولَشأني في نفسي كان أحقرَ مِن أن يتكلم اللهُ فِيَّ بأمر يُتْلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسولُ الله ﷺ في النوم رؤيا يُبَرِّئني الله بها. قالت: فواللهِ، ما رام رسول الله ﷺ مجلسَه ولا خرج أحدٌ مِن أهل البيت حتى أُنزِل عليه، فأخذه ما كان يأخذه مِن البُرَحاء عند الوحي، حتى إنّه لَيَتَحَدَّر مِنه مِثْلُ الجُمانِ مِن العَرَق وهو في يوم شاتٍ، مِن ثِقَل القول الذي أُنزِل عليه، فلمّا سُرِّي عن رسول الله ﷺ سُرِّي عنه وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال: «أبشري، يا عائشة، أمّا اللهُ فقد برأك». فقالت أمي: قومي إليه. فقلت: واللهِ، لا أقوم إليه، ولا أحمدُ إلا اللهَ الذي أنزل براءتي. وأنزل الله: ﴿ان الذين جاءوا بالافك عصبة منكم﴾ العشرَ الآياتِ كلَّها. فلمّا أنزل الله هذا في براءتي قال أبو بكر -وكان يُنفِق على مِسْطَح بن أثاثة لقرابته منه وفقره-: واللهِ، لا أُنفِق على مِسْطَح شيئًا أبدًا بعد الذي قال لعائشة ما قال. فأنزل الله: ﴿ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربي والمساكين﴾ إلى قوله: ﴿رحيم﴾. قال أبو بكر: بلى، واللهِ، إنِّي أُحِبُّ أن يغفر الله لي. فرَجَع إلى مِسْطَحٍ النفقة التي كان يُنفِق عليه، وقال: واللهِ، لا أنزعها منه أبدًا. قالت عائشة: فكان رسول الله ﷺ يسأل زينبَ ابنةَ جحش عن أمري، فقال: «يا زينبُ، ماذا علمتِ أو رأيتِ؟». فقالت: يا رسول الله، أحمي سمعي وبصري، ما علمت إلا خيرًا. قالت: وهي التي كانت تُسامِينِي مِن أزواج النبيِّ ﷺ، فعصمها اللهُ بالوَرَع، وطَفِقَتْ أختُها حَمْنَةُ تُحارِب لها؛ فهلكت فيمن هلك مِن أصحاب الإفك
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- قال: كان يعقوبُ نازلًا بالشام، وكان ليس له هَمٌّ إلا يوسف وأخوه بنيامين، فحَسَدَه إخوتُه مِمّا رأَوْا مِن حُبِّ أبيه له، ورأى يوسفُ في النوم رُؤْيا أنّ ﴿أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر﴾ ساجدين له، فحدَّث أباه بها، فقال له يعقوب: ﴿يا بنُى لا تَقصُص رءياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدًا﴾. فبلغ إخوةَ يوسف الرُّؤْيا، فحسدوه، فقالوا: ﴿ليوسف وأخوه﴾ بنيامين ﴿أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة﴾ كانوا عشرة، ﴿إن أبانا لفي ضلال مبين﴾. قالوا: في ضلالٍ مِن أمرِنا. ﴿اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضًا يخلُ لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قومًا صالحين﴾. يقول: تتوبون مِمّا صنعتم. ﴿قال قائل منهم﴾ وهو يهوذا: ﴿لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابت الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين﴾. فلمّا أجمعوا أمرَهم على ذلك أتَوْا أباهم، فقالوا: ﴿يا أبانا ما لك لا تَأمَنّا على يوسف﴾. قال: لن أُرْسِلَه معكم إني ﴿أخاف أن يأكُلَه الذئب وأنتم عنه غافلون*قالوا لئن أكله الذئب ونحن عُصْبَةٌ إنا إذا لخاسرون﴾. فأَرسَلَه معهم، فأخرَجوه وبه عليه كرامة، فلمّا بَرَزوا به إلى البَرِّيَّةِ أظهَروا له العداوة، فجعَل يضرِبُه أحدُهم، فيستغيث بالآخَر فيضربه، فجعل لا يرى منهم رحيمًا، فضربوه حتى كادوا يقتُلونه، فجعل يصيح ويقول: يا أبتاه، يا يعقوب، لو تعلم ما صنَع بابنك بنو الإماء. فلما كادوا يقتلونه قال يهوذا: أليس قد أعْطَيْتُمُوني مَوْثِقًا ألّا تقتلوه؟! فانطَلَقُوا به إلى الجُبِّ لِيَطرَحوه فيه، فجعلوا يُدْلُونه في البئر، فيَتَعَلَّق بشَفِير البئر، فربطوا يديه، ونزعوا قميصه، فقال: يا إخوتاه، رُدُّوا عليَّ قميصي أتَوارى به في الجُبِّ. فقالوا له: ادْعُ الأحدَ عشرَ كوكبًا والشمس والقمر يُؤْنِسوك. قال: فإنِّي لم أرَ شيئًا. فدَلَّوْهُ في البئر، حتى إذا بلغ نصفها ألْقَوْه إرادةَ أن يموت، فكان في البئر ماءٌ، فسَقَط فيه، فلم يَضُرَّه، ثم أوى إلى صخرةٍ في البئر، فقام عليها، فجعل يبكى، فناداه إخوتُه، فظَنَّ أنّها رِقَّةٌ أدركتْهم، فأجابهم، فأرادوا أن يَرْضَخوه بصخرةٍ فيقتلوه، فقام يهوذا فمنعهم، وقال: قد أعْطيتُموني مَوثِقًا ألّا تقتلوه. فكان يهوذا يأتيه بالطعام. ثم إنّهم رجعوا إلى أبيهم، فأخذوا جَدْيًا مِن الغنم، فذبحوه، ونضَحوا دمَه على القميص، ثم أقْبَلوا إلى أبيهم عشًاء يبكون، فلمّا سمع أصواتهم فزِعَ، وقال: يا بَنِيَّ، ما لكم؟ هل أصابكم في غنمِكم شيء؟ قالوا: لا. قال: فما فعل يوسف؟ ﴿قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نَسْتَبِقُ وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمنِ لنا﴾ يعني: بمُصَدِّق لنا ﴿ولو كنا صادقين﴾. فبكى الشيخ، وصاح بأعلى صوته، ثم قال: أين القميص؟ ثم جاءوا بقميصه وعليه دَمٌ كَذِب، فأخذ القميصَ، وطرَحه على وجهه، ثم بكى حتى خُضِّبَ وجهُه مِن دمِ القميص، ثم قال: إنّ هذا الذِّئْب يا بَنِيَّ لَرحيم، فكيف أكل لحمه ولم يُخَرِّق قميصه؟! ﴿وجاءت سيارة فأرسلوا وارِدَهُم فأدلى دلوه﴾، فتعلَّق يوسف بالحبل، فخرج، فلمّا رآه صاحبُ الدَّلْوِ دعا رجلًا مِن أصحابه يُقال له: بُشْرى، فقال: ‹يا بُشْرايَ هَذا غُلامٌ›. فسَمِع به إخوةُ يوسف، فجاءوا، فقالوا: هذا عبدٌ لنا آبِقٌ، ورَطَنوا له بلسانهم، فقالوا: لَئِن أنكرت أنّك عبدٌ لنا لَنَقْتُلنَّكَ، أتُرانا نَرْجِعُ بك إلى يعقوب وقد أخبَرناه أنّ الذئب قد أكلك؟! قال: يا إخوتاه، ارجِعوا بي إلى أبي يعقوب، فأنا أضمن لكم رضاه، ولا أذكر لكم هذا أبدًا. فأَبَوْا، فقال الغلام: أنا عبدٌ لهم. فلمّا اشتراه الرجلان فَرِقا مِن الرُّفْقةِ أن يقولا: اشترَيْناه. فيسألونهما الشرَّكِةَ فيه، فقالا: نقول إن سألونا: ما هذا؟ نقول: هذا بضاعةٌ استَبْضَعْناها أهلَ البئر. فذلك قوله: ﴿وأَسَرُّوهُ بِضاعَة﴾، ﴿وشَروه بثمن بخس دراهم معدودة﴾ كانت عشرين درهمًا، وكانوا في يوسف من الزاهدين. فانطلقوا به إلى مصر، فاشتراه العزيز مَلِك مصر، فانطلق به إلى بيته، فقال لامرأته: ﴿أكرمى مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدًا﴾. فأَحَبَّتْهُ امرأتُه، فقالت له: يا يوسف، ما أحْسَنَ شَعرَك! قال: هو أول ما يتناثر مِن جسدي. قالت: يا يوسف، ما أحسن عينيك! قال: هما أول ما يسيلان إلى الأرض مِن جسدي. قالت: يا يوسف، ما أحسن وجهَك! قال: هو للتراب يأكله. قالت: ﴿هيت لك﴾: هلم لك -وهي بالقِبْطِيَّة-. ﴿قال معاذ الله إنه ربى﴾ قال: سيدي ﴿أحسن مثواى﴾؛ فلا أخونه في أهله. فلم تزل به حتى أطْمَعَها، فهمَّت به وهَمَّ بها، فدخلا البيت، ﴿وغلقت الأبواب﴾، فذهب لِيَحُلَّ سراويلَه، فإذا هو بصورة يعقوب قائمًا في البيت قد عَضَّ على أصبُعه، يقول: يا يوسف، لا تُواقِعْها، فإنّما مَثَلُك مَثَلُ الطَّيْر في جَوِّ السماء لا يُطاق، ومَثَلُك إذا وقَعْتَ عليها مَثَلُه إذا مات فوقع على الأرض؛ لا يستطيع أن يدفع عن نفسه، ومَثَلُك ما لم تُواقِعْها مَثَلُ الثَّوْر الصَّعْب الذي لم يُعمَل عليه، ومَثَلُك إذا واقَعْتَها مَثَلُه إذا مات فدخل النملُ في أصل قَرْنَيْه، لا يستطيع أن يدفع عن نفسه. فربط سراويله، وذهب ليخرج، فأَدْرَكَتْه، فأخذت بمُؤَخَّر قميصه مِن خلفه، فخرقته حتى أخرجته منه، وسَقَط، وطرحه يوسف، واشْتَدَّ نحوَ الباب، وألفيا سيدها جالسًا عند الباب هو وابنُ عمِّ المرأة، فلمّا رأته قالت: ﴿ما جزاء من أراد بأهلك سوءًا إلا أن يسجن أو عذاب أليم﴾، إنّه راودني عن نفسي، فدفعته عَنِّي، فشَقَقْتُ قميصَه. فقال يوسف: لا، بل هي راودتني عن نفسي، فأَبَيْتُ وفَرَرْتُ منها، فأَدْرَكَتْنِي، فأَخَذَتْ بقميصي، فشَقَّتْهُ عَلَيَّ. فقال ابنُ عمِّها: في القميص تبيان الأمر؛ انظروا إن كان القميصُ قُدَّ مِن قبُل فصَدَقت وهو من الكاذبين، وإن كان قُدَّ من دُبُرٍ فكذبت وهو من الصادقين. فلما أُتِي بالقميص وجَده قد قُدَّ مِن دُبُر، فقال: ﴿إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم*يوسف أعرض عن هذا واستغفرى لذنبك﴾. يقول: لا تعودي لذنبك. ﴿وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبًا﴾. والشَّغاف: جِلْدَةٌ على القلب، يُقال لها: لِسان القلب. يقول: دَخَلَ الحُبُّ الجِلْدَ حتى أصاب القلب. ﴿فلما سمعت بمكرهن﴾ يقول: بِقَوْلِهِنَّ ﴿أرسلت إليهن وأَعتَدَت لهن متكئًا﴾ يَتَّكِئْن عليه، ﴿وآتت كل واحدة منهن سكينًا﴾ وأُتْرُجًّا يَأْكُلْنَه، وقالت ليوسف: ﴿اخرج عليهن﴾. فلمّا خرج ورأى النسوةُ يوسفَ أعْظَمْنَه، وجعلن يَحزُزْن أيديَهن وهُم يحسبن أنّهُنَّ يُقَطِّعن الأُتْرُجَّ، ويقلن: ﴿حاش لله ما هذا بشرًا إن هذا إلا ملك كريم﴾. قالت: ﴿فذلكن الذى لمتننى فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم﴾ بعدما كان حَلَّ سراويله، ثم لا أدري ما بدا له. قال يوسف: ﴿رب السجن أحب إلى مما يدعوننى إليه﴾. يقول: الحبسُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يدعونني إليه مِن الزِّنا. ثُمَّ إنّ المرأة قالت لزوجها: إنّ هذا العبد العبرانيَّ قد فَضَحَنِي في الناس، إنّه يعتذر إليهم ويُخبِرُهم أنِّي راودته عن نفِسه، ولستُ أُطيق أن أعتذر بعذري، فإما أن تأذن لي فأخرج فأعتذر كما يعتذر، وإما أن تحبسه كما حبستني. فذلك قوله: ﴿ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات﴾ وهو شَقُّ القميص، وقطع الأيدي ﴿ليسجننه حتى حين﴾. ﴿ودخل معه السجن فتيان﴾، غَضِب الملِكُ على خبّازِه؛ بلغه أنّه يريد أن يَسُمَّه، فحبسه، وحبس الساقي، وظَنَّ أنّه مالأه على السُّمِّ، فلمّا دخل يوسفُ السجنَ قال: إنِّي أُعَبِّر الأحلام. فقال أحد الفَتَيَيْن لصاحبه: هَلُمَّ، فلْنُجرِّب قولَ هذا العبد العبراني. فتراءيا مِن غير أن يكونا رأيا شيئًا، ولكنهما خَرَصا، فعبَّر لهما يوسفُ خَرْصَهما، فقال الساقي: رأيتُني أعصِر خمرًا. وقال الخبّاز: رأيتني أحمل فوق رأسي خبزًا تأكل الطير منه. قال يوسف: ﴿لا يأتيكما طعام تُرْزَقانِهِ﴾ في النوم ﴿إلا نبأتكما بتأويله﴾ في اليَقَظَة. ثم قال: ﴿يا صاحبى السجن أما أحَدُكُما فيسقى ربه خمرًا﴾؛ فيُعادُ على مكانه، ﴿وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه﴾. ففزِعا، وقالا: واللهِ، ما رأينا شيئًا. قال يوسف: ﴿قضى الأمر الذى فيه تستفتيان﴾، إنّ هذا كائِنٌ لا بُدَّ منه. وقال يوسف عليه السلام للساقي: ﴿اذكرنى عند ربك﴾. ثم إنّ الله أرى الملكَ رؤيا في منامه هالَتْهُ، فرأى سبع بقرات سِمان يأكلهن سبع عجاف، وسبع سنبلات خضر يأكلهن سبعٌ يابسات، فجمع السَّحَرَة والكهنة والعافة -وهم القافَة- والحازَة -وهم الذين يزجُرون الطير-، فقصَّها عليهم، فقالوا: ﴿أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين﴾. ﴿وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون﴾. قال ابن عباس: لم يكن السجنُ في المدينة، فانطلق الساقي إلى يوسف، فقال: ﴿أفتنا في سبع بقرات﴾ إلى قوله: ﴿لعلى أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون﴾ تأويلها. قال: ﴿تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله﴾. قال: هو أبقى له، ﴿إلا قليلًا مما تأكلون*ثم يأتى من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلًا مما تحصنون﴾ قال: مِمّا ترفعون، ﴿ثم يأتى من بعد ذلك عام فيه يُغاث الناس وفيه يعصرون﴾ قال: العِنَب. فلمّا أتى المَلِكَ الرسولُ وأخبره قال: ﴿ائتونى به فلما جاءه الرسول﴾ فأمره أن يخرج إلى المَلِك أبى يوسف، وقال: ﴿ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتى قطعن أيديَهُن﴾. قال السدي: قال ابن عباس: لو خرج يوسفُ يومئذ قبل أن يعلم المَلِك بشأنه ما زالت في نفس العزيز منه حاجة؛ يقول: هذا الذي راود امرأته. قال الملك: ائتوني بِهِنَّ. قال: ﴿ما خطبُكُنَّ إذ راوَدتُّنَّ يوسف عن نفسه قلن: حاش لله ما علمنا عليه من سوء﴾، ولكن امرأة العزيز أخْبَرَتْنا أنّها راودته عن نفسه، ودخل معها البيت، وحلَّ سراويله، ثُمَّ شَدَّه بعد ذلك، ولا تدري ما بدا له. فقالت امرأة العزيز: ﴿الآن حصحص الحق﴾ قال: تَبَيَّنَ، ﴿أنا راودته عن نفسه﴾. قال يوسف وقد جيء به: ﴿ذلك لِيَعْلَمَ﴾ العزيزُ ﴿أنى لم أخنه بالغيب﴾ في أهله، ﴿وأن الله لا يهدى كيد الخائنين﴾. فقالت امرأة العزيز: يا يوسف، ولا حين حللتَ السراويل؟! قال يوسف: ﴿وما أُبَرِئُ نفسى﴾. فلمّا وجد الملِك له عُذرًا قال: ﴿ائتونى به أستخلصه لنفسى﴾. فاستعمله على مصر، فكان صاحبَ أمرها؛ هو الذى يلي البيع والأمر، فأصاب الأرضَ الجوعُ، وأصاب بلادَ يعقوب التي كان فيها، فبعث بنيه إلى مصر، وأمسك بنيامين أخا يوسف، فلمّا دخلوا على يوسف ﴿فَعَرَفَهُم وهم له منكرون﴾. فلمّا نظر إليهم أخذهم، وأدخلهم الدار، وأدخل المَكُّوك، وقال لهم: أخبروني، ما أمرُكم، فإني أُنكِرُ شأنَكم؟ قالوا: نحن مِن أرض الشام. قال: فما جاء بكم؟ قالوا: نَمْتارُ طعامًا. قال: كذبتم، أنتم عيون، كم أنتم؟ قالوا: نحن عشرة. قال: أنتم عشرة آلاف؛ كل رجل منكم أميرُ ألف، فأخبروني خبركم. قالوا: إنّا أخوة، بنو رجل صدِّيقٍ، وإنّا كنا اثني عشر، فكان يحب أخًا لنا، وإنّه ذهب معنا إلى البَرِّيَّة فهلك مِنّا فيها، وكان أحبَّنا إلى أبينا. قال: فإلى مَن يسكن أبوكم بعده؟ قالوا: إلى أخٍ له أصغر منه. قال: كيف تحدثوني أنّ أباكم صِدِّيق وهو يُحِبُّ الصغير منكم دون الكبير؟ ائتونى بأخيكم هذا حتى أنظر إليه، ﴿فإن لم تأتونى به فلا كيل لكم عندى ولا تقربون﴾. قالوا: ﴿سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون﴾. قال: فإني أخشى ألا تأتوني به، فضعوا بعضَكم رهينةً حتى ترجعوا. فارْتَهَن شمعون عنده، فقال لفتيته وهو يكيل لهم: ﴿اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون﴾ إلَيَّ. فلمّا رجع القوم إلى أبيهم كلَّموه فقالوا: يا أبانا، إنّ ملِك مصر أكرَمنا كرامة، لو كان رجلًا مِنّا مِن بني يعقوب ما أكرَمنا كرامته، وإنّه ارتهن شمعون، وقال: ائتوني بأخيكم هذا الذي عطف عليه أبوكم بعد أخيكم الذي هلك حتى أنظر إليه، فإن لم تأتوني به فلا تقربوا بلادي أبدًا. فقال لهم يعقوب: إذا أتيتم ملِك مصر فأقرِئوه مِنِّي السلام، وقولوا: إن أبانا يصلِّى عليك ويدعو لك بما أوليتنا. ﴿ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم رُدَّت إليهم﴾، أتَوا أباهم ﴿قالوا يا أبانا ما نبغى هذه بضاعتنا ردت إلينا﴾. فقال أبوهم حين رأى ذلك: ﴿لن أُرسِلَهُ معكم حتى تُؤْتُونِ مَوثِقًا من الله لَتَأْتُنَّنِى به إلا أن يحاط بكم﴾. فحلفوا له، ﴿فلما آتوه مَوْثِقَهُم﴾ قال يعقوب: ﴿الله على ما نقول وكيل﴾. ورَهِب عليهم أن تُصِيبَهم العين إن دخلوا مصر فيُقال: هؤلاء لرجل واحد. قال: ﴿يا بنى لا تدخلوا من باب واحد﴾. يقول: مِن طريق واحد. فلمّا دخلوا على يوسف عرف أخاه، فأنزلهم منزلًا، وأجرى عليهم الطعام والشراب، فلما كان الليل أتاهم بمُثُلٍ، قال: لِيَنَم كلُّ أخوين منكم على مِثال. حتى بقي الغلامُ وحده، فقال يوسف: هذا ينام معي على فراشي. فبات مع يوسف، فجعل يَشُمُّ ريحَه، ويَضُمُّه إليه حتى أصبح، وجعل يقول روبيل: ما رأينا رجلًا مثل هذا إن نحن نجونا منه. ﴿فلما جَهَّزَهُم بِجَهازِهِم جعل السقاية في رحل أخيه﴾، والأخ لا يشعر، فلمّا ارتحلوا ﴿أذن مؤذن﴾ قبل أن يرتحل العير: ﴿أيتها العير إنكم لسارقون﴾. فانقطعت ظهورهم، ﴿وأقبلوا عليهم﴾ يقولون: ﴿ماذا تفقدون﴾ إلى قوله: ﴿قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين*قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه﴾ يقول: تأخذونه فهو لكم. ﴿فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه﴾، فلمّا بَقِي رَحْلُ الغلام قال: ما كان هذا الغلامُ لِيَأْخُذَها. قالوا: واللهِ، لا يُتْرَكُ حتى تنظر في رحله، ونذهب وقد طابت نفسُك. فأدخل يدُه في رحله، فاستخرَجها مِن رحل أخيه. يقول الله: ﴿كذلك كدنا ليوسف﴾ يقول: صنعنا ليوسف، ﴿ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك﴾ يقول: في حُكْم الملك ﴿إلا أن يشاء الله﴾، ولكن صنعنا لشأنِهم؛ قالوا: ﴿فهو جزاؤه﴾. قال: فلمّا استخرجها مِن رحل الغلام انقطعت ظهورهم، وهلكوا، وقالوا: ما يزال لنا منكم بلاءٌ يا بني راحيل، متى أخَذْتَ هذا الصُّواع؟! قال بنيامين: بل بنو راحيل الذين لا يزال لهم منكم بلاء، ذهبتم بأخي فأهلكتموه في البَرِّيَّة، وما وضع هذا الصواع في رحلي إلا الذى وضع الدراهم في رِحالكم. قالوا: لا تَذْكُرِ الدراهم فنُؤْخَذ بها. فوقعوا فيه، وشتموه، فلمّا أدخلوهم على يوسف دعا بالصُّواع، ثُمَّ نَقَرَ فيه، ثُمَّ أدناه مِن أُذُنِه، ثُمَّ قال: إنّ صُواعي هذا لَيُخبِرني أنّكم كنتم اثني عشر أخًا، وأنّكم انطلقتم بأخٍ لكم فبعتموه. فلمّا سمعها بنيامين قام فسجد ليوسف، وقال: أيها الملك، سل صواعك هذا، أحَيٌّ أخي ذاك أم لا؟ فنقرها يوسف، ثم قال: نعم هو حيٌّ، وسوف تراه. قال: اصنع بي ما شئت، فإنّه إن عَلِم بي استنقذني. فدخل يوسف، فبكى، ثم توضأ، ثم خرج. فقال بنيامين: أيها الملِك، إني أراك تضرب بصواعك فيُخبِرُكَ بالحق، فسله مَن صاحبه؟ فنقر فيه، ثم قال: إنّ صواعي هذا غضبان، يقول: كيف تسألني مَن صاحبي وقد رأيتَ مَعَ مَن كنت؟ وكان بنو يعقوب إذا غضبوا لم يُطاقُوا، فغَضِب روبيل، فقام، فقال: أيُّها الملك، واللهِ، لَتَتْرُكَنّا أو لَأَصِيحَنَّ صيحةً لا تَبْقى امرأةٌ حامِلٌ بمصر إلا طَرَحَتْ ما في بطنها. وقامت كلُّ شعرة مِن جسد روبيل، فخرجت من ثيابه، فقال يوسف لابنه: مُرَّ إلى جنب روبيل، فمَسَّهُ. وكان بنو يعقوب إذا غضِب أحدُهم فمَسَّه الآخَرُ ذَهَب غضبُه، فمَرَّ الغلام إلى جانبه، فمَسَّه، فذهب غضبُه، فقال روبيل: من هذا؟! إنَّ في هذه البِلاد لَبَزْرًا مِن بَزْر يعقوب. قال يوسف: ومَن يعقوب؟ فغضب روبيل، فقال: أيُّها الملِك، لا تَذْكُرَنَّ يعقوب، فإنّه سَرِيُّ الله، ابن ذبيح الله، ابن خليل الله. فقال يوسف: أنت إذن إن كنت صادقًا، فإذا أتيتم أباكم فاقرءوا عليه مِنِّي السلام، وقولوا له: إنّ مَلِك مصر يدعو لك ألّا تموت حتى ترى ابنك يوسف؛ حتى يعلم أبوكم أنّ في الأرض صِدِّيقين مثله. فلمّا أيِسُوا منه، وأخرَج لهم شمعون وقد كان ارْتَهَنَه؛ خلوا بينهم ﴿نجيًا﴾ يتناجون بينهم، قال كبيرهم -وهو روبيل، ولم يكن بأكبرهم سِنًّا، ولكن كان كبيرهم في العلم-: ﴿ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقًا من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبى أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين﴾. فأقام روبيل بمصر، وأقبل التسعة إلى يعقوب، فأخبروه الخبر، فبكى، وقال: يا بَنِيَّ، ما تذهبون مِن مَرَّةِ إلا نقصتم واحدًا؟! ذهبتم فنقصتم يوسف، ثم ذهبتم الثانية فنقصتم شمعون، ثم ذهبتم الثالثة فنقصتم بنيامين وروبيل، ﴿فصبر جميل عسى الله أن يأتينى بهم جميعًا إنه هو العليم الحكيم*وتولى عنهم وقال يا أسفي على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم﴾ من الغيظ، ﴿قالوا تالله تفتؤا تذكر يوسف﴾ قال: لا تزال تذكر يوسف ﴿حتى تكون حرضًا﴾: باليًا، ﴿أو تكون مِن الهالكين﴾: المَيِّتين. ﴿قال إنما أشكو بثى وحزنى إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون﴾. قال: أتى جبريلُ يوسفَ وهو في السجن، فسَلَّم عليه، وجاءه في صورة رجل حسن الوجه، طيب الريح، نَقِيَّ الثياب، فقال له يوسف: أيها الملك الحسن الوجه، الكريم على ربه، الطيب ريحه، حدِّثني كيف يعقوب؟ قال: حَزِن عليك حُزنًا شديدًا. قال: فما بلغ مِن حُزْنِه؟ قال: حُزْنُ سبعين مُثْكَلَةً. قال: فما بلغ مِن أجره؟ قال: أجر سبعين شهيدًا. قال يوسف: فإلى مَن أوى بعدي؟ قال: إلى أخيك بنيامين. قال: فتُراني ألقاه؟ قال: نعم. فبكى يوسف لَمّا لقي أبوه بعده، ثم قال: ما أُبالي بما لقيت إنِ اللهُ أرانِيهِ. قال: فلمّا أخبروه بدعاء المَلِك أحَسَّت نفسُ يعقوب، وقال: ما يكون في الأرض صِدِّيقٌ إلا ابني. فطمِع، وقال: لعله يوسف. ثم قال: ﴿يا بنى اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه﴾ بمصر، ﴿ولا تيأسوا من روح الله﴾. قال: مِن فرج الله أن يَرُدَّ يوسف. فلما رجعوا إليه قالوا: ﴿يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مُزجاة فأوف لنا الكيل﴾ بها كما كنت تعطينا بالدراهم الجيِّدة، ﴿وتصدق علينا﴾ بفضل ما بين الجياد والرَّديئة. قال لهم يوسف -ورَحِمَهم عند ذلك-: ﴿هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون قالوا: أءِنك لأنت يوسف قال: أنا يوسف وهذا أخى قد مَنَّ الله علينا﴾. فاعتذروا إليه، وقالوا: ﴿تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين﴾. قال: ﴿لا تثريب عليكم اليوم﴾: لا أذكر لكم ذنبكم، ﴿يغفر الله لكم﴾. ثم قال: ما فعل أبي بعدي؟ قالوا: عَمِي مِن الحُزن. فقال: ﴿اذهبوا بقميصى هذا فألقوه على وجه أبى يأت بصيرًا وأتونى بأهلكم أجمعين﴾. فقال يهوذا: أنا ذهبتُ بالقميص إلى يعقوب وهو مُتَلَطِّخ بالدماء، وقلت: إنّ يوسف قد أكله الذئب، وأنا اليوم أذهب بالقميص وأُخْبِرُه أنّ يوسف حيٌّ، فأُفْرِحه كما أحزنته. فهو كان البشير. ﴿ولما فصلت العير﴾ من مصر مُنطَلِقَةً إلى الشام؛ وجد يعقوب ريح يوسف، فقال لبني بنيه: ﴿إنى لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون﴾. قال له بنو بنيه: ﴿تالله إنك لفي ضلالك القديم﴾ مِن شأن يوسف. ﴿فلما أن جاء البشير﴾ وهو يهوذا؛ ألقى القميص على وجهه ﴿فارتد بصيرًا﴾. قال يعقوب لبنيه: ﴿ألم أقل لكم إنى أعلم من الله ما لا تعلمون﴾؟!. ثُمَّ حملوا أهلهم وعيالهم، فلمّا بلغوا مصر كلَّم يوسفُ المَلِك الذي فوقه، فخرج معه هو والمَلِك يَتَلَقَّوْنَهم، فلمّا لقيهم قال: ﴿ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين﴾. فلمّا دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه؛ أباه وخالته، ورفعهما ﴿على العرش﴾ قال: السرير. فلما حضر يعقوب الموت أوصى إلى يوسف أن يدفنه عند إبراهيم وإسحاق، فمات، فنفخ فيه المُرَّ، ثم حمله إلى الشام، وقال يوسف عليه السلام: ﴿رب قد آتيتنى من الملك﴾ إلى قوله: ﴿توفنى مسلمًا وألحقنى بالصالحين﴾. قال ابن عباس: هذا أول نبيٍّ سأل الله الموت
اختُلِف في قوله: ﴿ذلك ليعلم أني لم اخنه بالغيب﴾ على قولين: الأول: أنّه مِن قول يوسف. واختُلِف القائلون بهذا القول على وجهين: الوجه الأول: أنّ هذه المقالة مِن يوسف هي مُتَّصِلة بقوله للرسول: ﴿إن ربي بكيدهن عليم﴾، وفي الكلام تقديم وتأخير وهو قول ابن جريج. وعلَّق عليه ابنُ عطية (٥/١٠٤) بقوله: «فالإشارة بقوله: ﴿ذلك﴾ -على هذا التأويل- هي إلى بقائه في السجن، والتماسه البراءة، أي: هذا ليعلم سيدي أنِّي لم أخنه. الوجه الثاني: أنّ يوسف قال هذه المقالة حين قالت امرأة العزيز كلامها، إلى قولها: ﴿وإنه لمن الصادقين﴾، وهو قول ابن عباس. ولم يذكر ابنُ جرير غيرَ هذا القولَ، واستشهد له باللغة، والنظائر، وأقوال السلف، فقال:»واتَّصَلَ قوله: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ بقول امرأة العزيز: ﴿أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ المعَرِّفَة السّامِعِين لمعناه، كاتِّصال قول الله تعالى: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ بقول المرأة: ﴿وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً﴾ [النمل:٣٤]، وذلك أنّ قوله: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ خَبَرُ مبتدإٍ. وكذلك قول فرعون لأصحابه في سورة الأعراف: ﴿فَماذا تَأْمُرُونِ﴾، وهو مُتَّصِلٌ بقول المَلَأِ: ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكُمْ مِن أرْضِكُمْ﴾ [الأعراف:١١٠]"". وعلَّق ابنُ عطية على هذا القول بقوله: «فالإشارة -على هذا- إلى إقرارها، وصنع الله تعالى فيه». وانتقده مستندًا للسياق، فقال: «وهذا يضعف؛ لأنّه يقتضي حضورُه مع النسوة عند الملك، وبعد هذا يقول الملك: ﴿ائتوني به﴾». ثم بَيَّن أنه على هذا القول يجيء قوله: ﴿وأن الله لا يهدي كيد الخائنين﴾ «بتقدير: وليعلم أنّ الله لا يهدي كيد الخائنين». الثاني: أنّه مِن قول المرأة، ذكره ابنُ عطية (٥/١٠٤)، وعلَّق عليه بقوله (٥/١٠٥): «أي: قولي هذا وإقراري ليعلم يوسف أنِّي لم أخنه في غيبته بأن أكذب عليه أو أرميه بذنب هو بريء منه، والتقدير على هذا التأويل: توبتي وإقراري ليعلم أنِّي لم أخنه، وأنّ الله لا يهدي كيد الخائنين». واختُلِف في قوله: ﴿وما أبرئ نفسي... ﴾، هل هي من كلام يوسف أم من كلام المرأة، حسب التي قبلها، وذكر ابنُ عطية (٥/١٠٥) أنّ مَن قال إنها من كلام يوسف روى في ذلك: عن أنس بن مالك أنّ رسول الله ﷺ قال: لما قال يوسف: أني لم أخنه بالغيب. قال له جبريل: ولا حين هممت وحللت سراويلك. ومَن قال بأنّه مِن قول المرأة وجَّه كلامَها إلى الاعتذار عن وقوعها فيما يقع فيه البشر من الشهوات، كأنها قالت: وما هذا ببِدْعٍ، ولا ذلك نكير على البشر فأُبرِّئ أنا منه نفسي، والنفوس أمارات بالسوء مائلة إليه. وانتقد ابنُ تيمية (٤/٤٥-٥٢بتصرف) قولَ مَن قال بأنّ الآيتين مِن قول يوسف، وهو قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والضحاك، والسدي، وغيرهم، فقال: «وهو قول في غاية الفساد، ولا دليل عليه، بل الأدلة تدُلُّ على نقيضه». ورجَّح القولَ بأنّه مِن قول المرأة مستندًا إلى السياق، والدلالة العقلية، وذلك:١- أنّ حال يوسف الظاهر مِن القرآن أنّه صاحب نفس زكية عفيفة لم تستجب للإغراء الشديد، فكيف يقول: ﴿وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء﴾ وهو يعلم أنّ نفسه بريئة زكية غير أمارة. ٢- أنّ قوله: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ إذا كان معناه على ما زعموه أن يوسف أراد أن يعلم العزيز أني لم أخنه في امرأته على قول أكثرهم؛ أو ليعلم الملك أو ليعلم الله لم يكن هنا ما يشار إليه، فإنه لم يتقدم مِن يوسف كلام يشير به إليه، ولا تقدم أيضًا ذكرَ عفافه واعتصامه؛ فإن الذي ذكره النسوة قولهن: ﴿ما علمنا عليه من سوء﴾. وقول امرأة العزيز: ﴿أنا راودته عن نفسه﴾. وهذا فيه بيان كذبها فيما قالته أوَّلًا، ليس فيه نفس فعله الذي فعله هو. فقول القائل: إنّ قوله: ﴿ذلك﴾ من قول يوسف، مع أنّه لم يتقدم منه هنا قول ولا عمل؛ لا يَصِحُّ بحال. ٣- أنّ المعنى على هذا التقدير -لو كان هنا ما يشار إليه مِن قول يوسف أو عمله-: إنّ عِفَّتي عن الفاحشة كان ليعلم العزيزُ أنِّي لم أخنه، ويوسف عليه السلام إنّما تركها خوفًا مِن الله ورجاء لثوابه؛ لا لأجل مجرد علم مخلوق. قال الله تعالى: ﴿ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين﴾. فأخبر أنّه رأى برهان ربه، وأنّه مِن عباده المخلصين. ومَن ترك المحرمات ليعلم المخلوق بذلك لم يكن هذا لأجل برهان من ربه، ولم يكن بذلك مخلصًا، فهذا الذي أضافوه إلى يوسف إذا فعله آحادُ الناس لم يكن له ثواب من الله؛ بل يكون ثوابه على مَن عمل لأجله. ٤- أنّ الناس عادتهم في مثل هذا يعرفون بما عملوه مَن لذلك عنده قدر، وهذا يناسب لو كان العزيز غيورًا، وللعِفَّة عنده جزاء كثير، والعزيز قد ظهرت عنه مِن قلة الغيرة وتمكين امرأته مِن حبس يوسف مع الظالمين مع ظهور براءته ما يقتضي أنّ مثل هذا ينبغي في عادة الطباع أن يقابل على ذلك بمواقعة أهله، فإنّ النفس الأمارة تقول في مثل هذا: هذا لم يعرف قدر إحساني إليه وصوني لأهله؛ بل سلَّطها ومكَّنها. فكثير من النفوس لو لم يكن في نفسها الفاحشة إذا رأت مَن حاله هذا تفعل الفاحشة؛ إما نكاية فيه ومجازاة له على ظلمه، وإمّا إهمالًا له لعدم غيرته وظهور دياثته، ولا يصبر في مثل هذا المقام عن الفاحشة إلا من يعمل لله خائفًا منه، وراجيًا لثوابه، لا من يريد تعريف الخلق بعمله. ٥- أنّ الخيانة ضد الأمانة، وهما من جنس الصدق والكذب، ولهذا يقال: الصادق الأمين، ويقال: الكاذب الخائن. وهذا حال امرأة العزيز، فإنها لو كذبت على يوسف في مغيبه وقالت: راودني. لكانت كاذبة وخائنة، فلما اعترفت بأنها هي المراودة كانت صادقة في هذا الخبر أمينة فيه، ولهذا قالت: ﴿وإنه لمن الصادقين﴾. فأخبرت بأنه صادق في تبرئته نفسه دونها. فأما فعل الفاحشة فليس من باب الخيانة والأمانة، ولكن هو من باب الظلم والسوء والفحشاء كما وصفها الله بذلك في قوله تعالى عن يوسف: ﴿معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون﴾. ولم يقل هنا: الخائنين، ثم قال تعالى: ﴿كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين﴾. ولم يقل: لنصرف عنه الخيانة. ٦- أنّ النفوس منقسمة إلى مرحومة وأمارة كما قال القرآن: ﴿إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي﴾. وقد علِمنا قطعًا أنّ نفس امرأة العزيز من النفوس الأمارة بالسوء، وأمّا نفس يوسف عليه السلام فإن لم تكن من النفوس المرحومة عن أن تكون أمّارة فما في الأنفس مرحوم؛ فإنّ مَن تدَّبر قصة يوسف علم أن الذي رُحم به وصرف عنه من السوء والفحشاء من أعظم ما يكون، ولولا ذلك لما ذكره الله في القرآن وجعله عبرة، وما من أحد من الصالحين الكبار والصغار إلا ونفسه إذا ابتليت بمثل هذه الدواعي أبعد عن أن تكون مرحومة من نفس يوسف. وعلى هذا التقدير: فإن لم تكن نفس يوسف مرحومة فما في النفوس مرحومة، فإذًا كل النفوس أمارة بالسوء، وهو خلاف ما في القرآن. ٧-أن هذا الكلام فيه -مع الاعتراف بالذنب- الاعتذار بذكر سببه، فإنّ قولها: ﴿أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين﴾ فيه اعتراف بالذنب، وقولها: ﴿وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء﴾ إشارة تطابق لقولها: ﴿أنا راودته﴾، أي: أنا مُقِرَّة بالذنب ما أنا مبرئة لنفسي، ثم بينت السبب فقالت: ﴿إن النفس لأمارة بالسوء﴾ فنفسي من هذا الباب، فلا ينكر صدور هذا منِّي، ثم ذكرت ما يقتضي طلب المغفرة والرحمة، فقالت: ﴿إن ربي غفور رحيم﴾. فإن قيل: فهذا كلام مَن يُقِرُّ بأن الزنا ذنب، وأن الله قد يغفر لصاحبه. قيل: نعم، والقرآن قد دل على ذلك حيث قال زوجها: ﴿واستغفري لذنبك﴾. وهذا دليل أنهم كانوا يرون ذلك ذنبًا ويستغفرون منه وإن كانوا مع ذلك مشركين؛ إذ الفواحش مما اتَّفق اهل الأرض على استقباحها. ٨-أنّ الله لم يذكر عن نبيٍّ ذنبًا إلا ذكر توبته منه، ويوسف لم يذكر القرآن أنه فعل مع المرأة ما يتوب منه، وما نقل عن وقوعه في بعض مقدمات الذنب كحل السراويل ونحوها فهذا ليس مما ينقل عن النبي، بل عن أهل الكتاب، وقولهم في الأنبياء معروف، فلو لم يكن معنا ما يرد نقلهم لم نصدقهم فيما لم نعلم صدقهم فيه، فكيف نصدقهم فيما قد دل القرآن على خلافه. والقرآن قد أخبر عن يوسف مِن الاستعصام والتقوى والصبر في هذه القضية ما لم يذكر عن أحد نظيره، فلو كان يوسف قد أذنب لَكان إما مصرًّا وإما تائبًا، والإصرار ممتنع، فتعيَّن أن يكون تائبًا، واللهُ لم يذكر عنه توبة في هذا ولا استغفارًا كما ذكر عن غيره من الأنبياء؛ فدلَّ ذلك على أن قوله: ﴿إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي﴾ إنما يناسب حال امرأة العزيز لا يناسب حال يوسف. وانتقد ابنُ القيم (٢/٦٤-٦٥بتصرف) القول بأنه من قول يوسف، ورجَّح أنّه من قول امرأة العزيز مستندًا إلى اللغة، والسياق، وذلك:١- أنّه متصل بكلام المرأة السابق، وهو قولها: ﴿الآن حصحص الحق أنا راودته﴾، ومن جعله من قوله فإنه يحتاج إلى إضمار قول لا دليل عليه في اللفظ بوجه، والقول في مثل هذا لا يُحْذَف لئلا يوقع في اللبس، فإن غايته أن يحتمل الأمرين، فالكلام الأول أولى به قطعًا. ٢- أنّ يوسف لم يكن حاضرًا وقت مقالتها هذه، بل كان في السجن، والسياق صريح في ذلك فإنّه لما أرسل الملك إليه يدعوه قال للرسول: ﴿ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن﴾. ٣- أنّ الضمائر كلها في نسق واحد، وذلك قول النسوة: ﴿ما علمنا عليه من سوء﴾، وقول امرأة العزيز: ﴿أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين﴾، فهذه خمسة ضمائر بين بارز ومستتر، ثم اتصل بها قوله: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾، فهذا هو المذكور أولًا بعينه، فلا شيء يفصل الكلام عن نظمه ويضمر فيه قولٌ لا دليل عليه. وبنحوه قال ابنُ كثير (٨/٥٠-٥١)
عن محمد ابن شهاب الزهري -من طريق موسى بن عُقْبَة-، وموسى بن عُقْبَة -من طريق إسماعيل بن إبراهيم بن عُقْبَة-، قالا: مكث رسول الله - ﷺ - بعد قَتْل ابن الحضْرمي شَهْرين، ثم أقبل أبو سفيان بن حرب في عِير لقريش من الشام، ومعه سبعون راكبًا من بطون قريش كلِّها، وفيهم مَخْرَمةُ بن نَوْفَل، وعمرُو بن العاصي، وكانوا تُجّارًا بالشام، ومعهم خزائن أهل مكة، ويقال: كانت عِيرُهم ألفَ بعير، ولم يكن لأحدٍ من قريش أُوقيَّةٌ فما فوقها إلا بعث بها مع أبي سفيان، إلا حُوَيطِبَ بن عبد العُزّى، فلذلك كان تخلَّفَ عن بدر فلم يشهده، فذُكِروا لرسول الله - ﷺ - وأصحابه، وقد كانت الحربُ بينهم قبل ذلك، وقتْلُ ابن الحضْرمي، وأَسْرُ الرجلين؛ عثمان والحكم، فلما ذُكِرت عِيرُ أبي سفيان لرسول الله - ﷺ - بعَث رسول الله - ﷺ - عَدِيَّ بن أبي الزَّغْباءِ الأنصاري من بني غَنْمٍ -وأصلُه من جُهَينة- وبَسْبَسًا -يعني: ابن عمرو- إلى العِير عَيْنًا له، فسارا حتى أتَيا حيًّا من جُهَيْنة قريبًا من ساحل البحر، فسألُوهم عن العِير وعن تجار قريش، فأخبَرُوهما بخبر القوم، فرجعا إلى رسول الله - ﷺ -، فأخبراه، فاستنفَرَ المسلمين للعير، وذلك في رمضان. وقدم أبو سفيان على الجُهَنِيِّين وهو مُتَخَوِّفٌ من رسول الله - ﷺ - وأصحابه، فقال: أحِسُّوا من محمد. فأخبَروه خبر الراكبين؛ عدي بن أبي الزَّغْباءِ وبَسبَسٍ، وأشاروا له إلى مُناخِهِما، فقال أبو سفيان: خُذوا من بَعْرِ بعيرِهما. ففَتَّه فوجَد فيه النَّوى، فقال: هذه علائفُ أهل يثرب، وهذه عيون محمدٍ وأصحابه. فسارُوا سِراعًا خائفين للطلب، وبعَثَ أبو سفيان رجلًا من بني غِفار -يقال له: ضَمْضمُ بن عمرو- إلىقريش: أن انفِرُوا، فاحمُوا عِيرَكم من محمد وأصحابه؛ فإنه قد استَنْفَر أصحابَه ليَعرِضُوا لنا. وكانت عاتكة بنتُ عبد المطلب ساكنةً بمكة، وهي عمة رسول الله - ﷺ -، وكانت مع أخيها العباس بن عبد المطلب، فرأت رؤيا قبل بدر، وقبل قدوم ضَمْضَمٍ عليهم، ففزِعتْ منها، فأرسلت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب من ليلتها، فجاءها العباس، فقالت: رأيتُ الليلة رُؤْيا قد أشفَقتُ منها، وخشِيتُ على قومِك منها الهَلَكة. قال: وماذا رأيتِ؟ قالت: لن أُحدِّثَك حتى تعاهِدَني أنك لا تذكُرُها؛ فإنهم إن سمِعوها آذَوْنا، وأسمعُونا ما لا نحبُّ. فعاهَدَها العباس، فقالت: رأيتُ راكبًا أقبَل من أعلى مكة على راحلته، يصيح بأعلى صوته: يا لَغُدُرُ، اخرُجوا في ليلتين أو ثلاث. فأقبَل يصيحُ حتى دخل المسجد على راحلتِه، فصاح ثلاث صيحات، ومال عليه الرجال والنساء والصبيان، وفزِعَ له الناس أشدَّ الفزع، قالت: ثم أُراهُ مَثَلَ على ظهر الكعبة على راحلتِه، فصاح ثلاث صيحات، فقال: يا لَغُدُرُ، ويا لَفُجَرُ، اخرُجوا في ليلتين أو ثلاث. ثم أُراهُ مَثَلَ على ظهر أبي قُبَيْسٍ كذلك يقول: يا لَغُدُرُ، ويا لَفُجَرُ. حتى أسمَعَ مَن بينَ الأخْشَبَيْن من أهل مكة، ثم عمَدَ إلى صخرة فنزعها مِن أصلها، ثم أرْسَلَها على أهل مكة، فأقبلت الصخرة لها حسٌّ شديد، حتى إذا كانت عند أصل الجبل ارفَضَّت، فلا أعلمُ بمكة دارًا ولا بيتًا إلا وقد دخَلَتها فِلْقةٌ من تلك الصخرة، فقد خشيتُ على قومك. ففزِعَ العباس من رؤياها، ثم خرج من عندها فلَقِيَ الوليد بن عتبة بن ربيعة من آخر تلك الليلة، وكان الوليد خليلًا للعباس، فقصَّ عليه رؤيا عاتكة، وأمره ألا يذكُرها لأحد، فذكَرَها الوليد لأبيه عتبة، وذكَرَها عتبة لأخيه شيبة، فارتفَعَ الحديث حتى بلَغَ أبا جهل بن هشام، واستفاض في أهل مكة. فلما أصبحوا غدا العباس يطوف بالبيت، فوجد في المسجد أبا جهل، وعتبة وشيبة ابنيْ ربيعة، وأميةَ وأُبَيًّا ابنيْ خَلَف، وزَمْعَةَ بن الأسود، وأبا البَخْتريّ في نفرٍ من قريش يتحدَّثون، فلما نظروا إلى العباس ناداه أبو جهل: يا أبا الفضل، إذا قضيتَ طوافَك فهلُمَّ إلينا. فلما قضى طوافه جاء فجلس إليهم، فقال له أبو جهل: مارؤيا رأَتْها عاتكة؟ فقال: ما رأَتْ من شيء. فقال أبو جهل: أما رضِيتُم يا بني هاشم بكذب الرجال حتى جئتُمونا بكذب النساء؟ إنّا وإياكم كفَرَسَيْ رِهانٍ، فاسْتَبَقْنا المجدَ منذُ حين، فلما تحاكَّتِ الرُّكَبُ قلتُم: منّا نبيٌّ. فما بقِيَ إلا أن تقولوا: مِنّا نَبِيَّةٌ. فما أعلمُ في قريش أهل بيتٍ أكذبَ امرأة ولا رجلًا منكم. وآذاهُ أشدَّ الأذى، وقال أبو جهل: زعمتْ عاتكة أن الراكب قال: اخرُجوا في ليلتين أو ثلاث. فلو قد مضتْ هذه الثلاثُ تبيَّنتْ قريشٌ كذِبَكم، وكتَبْنا سِجِلًّا أنكم أكذَبُ أهل بيت في العرب رجلًا وامرأة، أما رضيتمُ يا بني قُصَيٍّ إن ذهَبتم بالحِجابة، والنَّدوة، والسِّقاية، واللواء، والرِّفادة، حتى جئتُمونا بنبيٍّ منكم؟! فقال العباس: هل أنتَ مُنتهٍ؟ فإنّ الكذبَ منك وفي أهل بيتك. فقال مَن حضَرَهما: ما كنتَ يا أبا الفضل جهولًا ولا خَرِقًا. ولقِيَ العباس من عاتكة فيما أفْشى عليها من رؤياها أذىً شديدًا. فلما كان مساءُ الليلة الثالثة من الليلة التي رأتْ عاتكة فيها الرؤيا، جاءَهم الراكب الذي بعَثَ أبو سفيان، وهو ضَمْضَمُ بن عمرو الغِفاري، فصاح وقال: يا آل غالب بن فِهْرٍ، انفِرُوا، فقد خرَجَ محمد وأهل يثرب يعترِضُون لأبي سفيان، فأحرِزُوا عِيرَكم. ففَزِعتْ قريشٌ أشدَّ الفزع، وأشفقُوا مِن رؤيا عاتكة. وقال العباس: هذا زعمتم كذا، وكذَّبَ عاتكة. فنفرُوا على كلِّ صَعْبٍ وذَلول، وقال أبو جهل: أيظُنُّ محمدٌ أن يصيبَ مثلَ ما أصابَ بِنَخْلَةَ؟! سيعلمُ أنمنعُ عيرَنا أم لا. فخرجوا بخمسين وتسعمائة مقاتل، وساقُوا مائة فرس، ولم يَتْرُكوا كارهًا للخروج يظنُّون أنه في صَغْوِ محمدٍ وأصحابه، ولا مسلمًا يعلمُون إسلامَه، ولا أحدًا من بني هاشم -إلا مَن لا يتَّهمون- إلا أشْخَصُوه معهم، فكان مِمَّن أشْخَصُوا العباس بن عبد المطلب، ونوفل بن الحارث، وطالب بن أبي طالب، وعقيلُ بن أبي طالب في آخرين. فهنالك يقول طالب بن أبي طالب: لاهُمَّ إمّا يخرُجَنَّ طالبْ بمِقْنَبٍ من هذه المقانِبْ في نفَرٍ مُقاتلٍ يُحاربْوليكن المسلوبَ غيرَ السّالبْ والرّاجعَ المغْلوبَ غيرَ الغالبْ فسارُوا حتى نزَلُوا الجُحْفَة، نزلُوها عِشاءً يتزوَّدُون من الماء، وفيهم رجل من بني المطلب بن عبد مَناف، يقال له: جُهَيْمُ بن الصَّلت بن مَخْرَمة. فوَضَعَ جُهَيْمٌ رأسَه فأغْفى، ثم فزِع، فقال لأصحابه: هل رأيتم الفارس الذي وقَفَ عَلَيَّ آنِفًا؟ فقالوا: لا، إنك مجنون. فقال: قد وقَفَ عَلَيَّ فارسٌ آنِفًا، فقال: قُتِل أبو جهل، وعُتبة، وشيبة، وزَمْعَة، وأبو البَخْتَرِيّ، وأُميَّةُ بن خلف. فعدَّ أشرافًا مِن كفار قريش، فقال له أصحابه: إنما لعِب بك الشيطان. ورُفِع حديثُ جُهَيمٍ إلى أبي جهل، فقال: قد جئتُم بكذِب بني المطلب مع كذب بني هاشم، سَتَرَوْنَ غدًا مَن يُقتَلُ. ثم ذُكرَ لرسول الله - ﷺ - عِيرُ قريش، جاءتْ من الشام وفيها أبو سفيان بن حرب، ومَخْرَمةُ بن نَوْفَل، وعمرو بن العاصي، وجماعةٌ مِن قريش، فخرَج إليهم رسول الله - ﷺ -، فسلَك حينَ خرج إلى بدر على نَقْبِ بني دينار، ورجَعَ حين رجَعَ من ثَنِيَّة الوَداع، فنَفَر رسول الله - ﷺ - حين نَفَرَ ومعه ثلاثُمائةٍ وستةَ عشرَ رجلًا -وفي رواية ابن فُلَيْح: ثلاثُمائةٍ وثلاثةَ عشرَ رجلًا-، وأَبْطَأَ عنه كثير من أصحابه، وتَرَبَّصُوا، وكانت أولَ وقْعةٍ أعزَّ الله فيها الإسلام. فخرج في رمضان على رأس ثمانيةَ عشرَ شهرًا من مَقْدَمِه المدينة، ومعه المسلمون لا يُريدون إلا العِير، فسَلَك على نَقْبِ بني دينار، والمسلمون غيرُ مُقْوِين من الظَّهْر، إنما خرَجُوا على النَّواضِح، يعتقِبُ النفرُ منهم على البعير الواحد، وكان زَميلُ رسول الله - ﷺ - عَلِيَّ بن أبي طالب، ومَرْثَدَ بن أبي مَرْثَدٍ الغَنَوي حليفَ حمزة، فهم معه ليس معهم إلا بعيرٌ واحد، فسارُوا، حتى إذا كانوا بعِرْقِ الظُّبْيَة لَقِيَهم راكبٌ من قِبَلِ تِهامة، والمسلمون يسيرُون، فوافَقَه نفرٌ من أصحاب رسول الله - ﷺ -، فسألُوه عن أبي سفيان، فقال: لا عِلمَ لي به. فلما يَئِسُوا مِن خبره قالوا له: سلِّم على النبي - ﷺ -. فقال: وفيكم رسول الله؟! قالوا: نعم. قال: أيُّكم هو؟ فأشاروا له إليه، فقال الأعرابي: أنتَ رسول الله كما تقول؟ قال: «نعم». قال: إن كنتَ رسول الله كما تزعُمُ فحدِّثنيبما في بطن ناقتي هذه؟ فغضب رجل من الأنصار ثم من بني عبد الأشهل يقال له: سلمةُ بن سلامةَ بن وقْشٍ. فقال للأعرابي: وقَعْتَ على ناقتِك فحمَلتْ منك. فكَرِه رسول الله - ﷺ - ما قال سلمةُ حينَ سمِعَه أفْحَشَ، فأَعْرَضَ عنه، ثم سار رسول الله - ﷺ - لا يلقاه خبرٌ، ولا يعلمُ بنَفْرة قريش، فقال رسول الله - ﷺ -: «أشِيرُوا علينا في أمرنا ومسيرنا». فقال أبو بكر: يا رسول الله، أنا أعلمُ الناس بمسافة الأرض، أخْبَرنا عدي بن أبي الزَّغْباءِ أن العِيرَ كانت بوادِي كذا وكذا، فكأَنّا وإيّاهم فرسا رهانٍ إلى بدر. ثم قال: «أشيروا عَلَيَّ». فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، إنها قريشٌ وعِزُّها، واللهِ ما ذلَّت منذُ عزَّت، ولا آمنتْ منذ كفرت، والله لتُقاتِلَنَّك، فتأهَّبْ لذلك أُهْبَتَه، وأعِددْ له عُدَّتَه. فقال رسول الله - ﷺ -: «أشِيروا عَلَيَّ». فقال المِقْداد بن عمرو: إنا لا نقولُ لك كما قال أصحاب موسى: اذهبْ أنت وربُّك فقاتِلا، إنا هاهنا قاعدون. ولكن اذهب أنت وربُّك فقاتِلا، إنّا معكم مُتَّبِعون. فقال رسول الله - ﷺ -: «أشِيروا عَلَيَّ». فلما رأى سعد بن معاذ كثرةَ استشارة النبي - ﷺ - أصحابَه، فيُشيرون، فيَرجِعُ إلى المشورة، ظنَّ سعدٌ أنه يستنطِقُ الأنصار شَفَقًا ألّا يَسْتَحْوِذُوا معه على ما يريدُ من أمره، فقال سعد بن معاذ: لعلك يا رسول الله تخشى ألا تكون الأنصار يريدون مواساتَك، ولا يرَوْنها حقًّا عليهم إلا بأن يرَوْا عدوًّا في بيوتهم وأولادهم ونسائهم، وإني أقول عن الأنصار وأُجيب عنهم يا رسول الله، فاظْعَنْ حيث شئتَ، وخُذْ من أموالنا ما شِئْتَ، ثم أعْطِنا ما شئتَ، وما أخَذتَه منّا أحبُّ إلينا مما ترَكتَ، وما ائتمَرْتَ من أمر فأَمْرُنا بأمرِك فيه تَبَعٌ، فوالله لو سِرْتَ حتى تبلغَ البَرْكَ من غِمْدِ ذي يَمَنٍ لَسِرْنا معك. فلما قال ذلك سعد قال رسول الله - ﷺ -: «سيروا على اسم الله، فإني قد رأيتُ مَصارِعَ القوم». فعَمَد لبدرٍ. وخفَض أبو سفيان فلَصِقَ بساحل البحر، وكتب إلى قريش حين خالف مسيرَ رسول الله - ﷺ -، ورأى أنه قد أحرَز ما معه، وأمرهم أن يرجعوا؛ فإنما خرَجتُم لتُحرِزوا رَكْبَكم فقد أُحرِزَ لكم. فلَقِيَهم هذا الخبر بالجُحْفَة، فقال أبو جهل: والله لا نرجعُ حتى نَقدَمَ بدرًا، فنُقيم بها، ونُطعِم مَن حَضَرَنا من العرب؛ فإنه لن يرانا أحدٌ فيُقاتلَنا. فكَرِه ذلك الأَخْنَسُ بن شَرِيقٍ، فأحبَّ أن يرجِعوا، وأشار عليهم بالرجعة، فأبَوْا وعَصَوْا، وأخَذَتهم حَمِيَّةُ الجاهلية، فلما يئِسَ الأخنسُ من رجوع قريش أكَبَّ على بني زُهْرةَ، فأطاعوه فرجَعوا، فلم يشهَد أحد منهم بدرًا، واغْتَبَطُوا برأي الأخنس، وتَبَرَّكوا به، فلم يزَلْ فيهم مُطاعًا حتى مات، وأرادَتْ بنو هاشم الرجوعَفيمن رجَع، فاشتَدَّ عليهم أبو جهل، وقال: والله لا تُفارِقُنا هذه العصابة حتى نرجع. وسار رسول الله - ﷺ - حتى نزل أدنى شيء من بدر، ثم بعث عليَّ بن أبي طالب، والزبير بن العوّام، وبَسْبَسًا الأنصاري، في عصابةٍ من أصحابه، فقال لهم: «اندفِعوا إلى هذه الظِّرابَ». وهي في ناحية بدر، «فإني أرجو أن تجدُوا الخبرَ عندَ القَلِيبِ الذي يلى الظِّرابَ». فانطَلَقوا متوشِّحِي السيوف، فوجدوا وارِدَ قريشٍ عند القَلِيبِ الذي ذكَر رسول الله - ﷺ -، فأخَذوا غلامين؛ أحدُهما لبني الحجاج بن أسود، والآخرُ لأبي العاصي يقال له: أسلَم، وأفلَت أصحابُهما قِبَلَ قريش، فأقبَلوا بهما حتى أتَوا بهما رسول الله - ﷺ - وهو في مُعَرَّسِهِ دونَ الماء، فجعَلوا يسأَلون العَبدَينِ عن أبي سفيان وأصحابه، لا يرَوْن إلا أنهما لهم، فطَفِقا يُحدِّثانِهم عن قريش ومَن خرج منهم وعن رءُوسهم فيكذِّبونهما، وهم أكرَهُ شيء للذي يُخبرانِهم، وكانوا يطمَعون بأبي سفيان وأصحابِه ويكرَهون قريشًا، وكان رسول الله - ﷺ - قائمًا يصلِّي، يسمعُ ويرى الذي يصنعون بالعبدَيْن، فجعل العبدان إذا أذلَقُوهما بالضرب يقولان: نعم، هذا أبو سفيان. والرَّكبُ كما قال الله تعالى: ﴿أسفل منكم﴾. قال الله: ﴿إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا﴾ [الأنفال: ٤٢]. قال: فطفِقوا إذا قال العبدان: هذه قريشٌ قد جاءَتْكم. كذَّبوهما، وإذا قالا: هذا أبو سفيان. ترَكوهما، فلما رأى رسول الله - ﷺ - صَنِيعَهم بهما سلَّم من صلاته، وقال: «ماذا أخبَراكم؟». قالوا: أخبرانا أن قريشًا قد جاءت. قال: «فإنهما قد صدَقا، والله إنكم لتضرِبونهما إذا صدَقا، وتترُكونهما إذا كذَبا، خرَجت قريش لتُحرِزَ رَكْبَها، وخافوكم عليهم». ثم دعا رسول الله - ﷺ - العبدَين، فسأَلهما، فأخبَراه بقريش، وقالا: لا عِلْمَ لنا بأبي سفيان. فسألهما رسول الله - ﷺ -: «كم القوم؟». قالا: لا ندري، والله هم كثير. فزعموا أن رسول الله - ﷺ - قال: «مَن أطعَمَهم أمس؟». فَسَمَّيا رجلًا من القوم، قال: «كم نَحَر لهم؟». قالا: عشْرَ جزائرَ. قال: «فمن أطعمهم أولَ أمس؟». فسمَّيا رجلًا آخرَ من القوم، قال: «كم نَحَر لهم؟». قالا: تسعًا. فزعَموا أن رسول الله - ﷺ - قال:«القومُ ما بينَ التسعِمائة والألف». يعتبرُ ذلك بتسع جزائرَ ينحَرونها يومًا، وعشرٍ ينحَرونها يومًا، فقام رسول الله - ﷺ - فقال: «أشيروا عليَّ في المنزل». فقام الحُبابُ بن المنذر، أحد بني سَلِمة، فقال: يا رسول الله، أنا عالمٌ بها وبقُلُبِها، إن رأيتَ أن تسيرَ إلى قَلِيبٍ منها قد عرَفتُها كثيرةَ الماء عذبة، فتنزِلَ إليها، وتَسْبِقَ القومَ إليها، وتُغَوِّرَ ما سِواها. فقال رسول الله - ﷺ -: «سِيروا، فإن الله قد وعدكم إحدى الطائفتين أنها لكم». فوقع في قلوب ناس كثير الخوف، وكان فيهم شيء من تخاذل من تخويف الشيطان، فسار رسول الله - ﷺ - والمسلمون مُسابِقين إلى الماء، وسار المشركون سِراعًا يريدون الماء، فأنزل الله عليهم في تلك الليلة مطرًا واحدًا؛ فكان على المشركين بلاءً شديدًا منعهم أن يسيروا، وكان على المسلمين دِيمةً خفيفة، لَبَّد لهم المسيرَ والمَنزلَ، وكانت بَطْحاءُ، فسبَق المسلمون إلى الماء، فنزَلوا عليه شَطرَ الليل، فاقْتَحَم القوم في القليبِ فماحُوها حتى كثُر ماؤُها، وصنَعوا حوضًا عظيمًا، ثم غَوَّروا ما سواه من المياه، وقال رسول الله - ﷺ -: «هذه مَصارِعُهم -إن شاء الله- بالغداة». وأنزَل الله: «إذْ يَغْشاكُمُ النُّعاسُ أمَنَةً مِّنْهُ ويُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ ويُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ ولِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ ويُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدامَ». ثم صفَّ رسول الله - ﷺ - على الحِياضِ، فلما طلَع المشركون قال رسول الله - ﷺ -: «اللهمّ هذه قريش قد جاءت بِخُيَلائِها وفخرِها، تُحادُّك وتكذِّبُ رسولك، اللهمَّ إني أسألك ما وعَدتَني». ورسول الله - ﷺ - ممسكٌ بعَضُدِ أبي بكر، يقول: «اللهم إني أسألك ما وعَدتَني». فقال أبو بكر: أبشِرْ، فوالذي نفسي بيده، ليُنجِزَنَّ اللهُ لك ما وعَدَك. فاستنصَرَ المسلمون الله واستغاثوه، فاستجاب الله لنبيِّه وللمسلمين. وأقبل المشركون ومعهم إبليس في صورة سُراقةَ بن جُعْشُمٍ المُدْلِجِيِّ يحدِّثُهم أن بني كِنانَةَ وراءهم قد أقبلوا لنصرهم، وأنه لا غالب لكم اليوم من الناس، وإني جار لكم، لما أخبَرهم من مَسِير بني كِنانَةَ، وأنزل الله: ﴿ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس﴾. هذه الآية والتي بعدها [الأنفال: ٤٧ - ٤٨]، وقال رجال من المشركين لَمّا رأوا قِلَّةَ مَن مع محمد - ﷺ -: غَرَّ هؤلاء دينُهم. فأنزل الله: ﴿ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم﴾ [الأنفال: ٤٩]. وأقبل المشركون حتى نزلوا وتَعَبَّوْا للقتال، والشيطان معهم لا يُفارقُهم، فسعى حكيمُ بن حِزام إلى عُتْبَةَ بن رَبِيعَة، فقال له: هل لك أن تكون سيدَ قريش ما عِشْتَ؟ قال عتبة: فأفعلُ ماذا؟ قال: تُجِيرُ بينَ الناس، وتَحْمِلُ دمَ ابن الحضرمي وبما أصاب محمدٌ من تلك العير، فإنهم لا يطلُبون من محمدٍ غيرَ هذه العير ودم هذا الرجل. قال عتبة: نعم، قد فعَلتُ، ونِعِمّا قلتَ ونِعمّا دَعَوتَ إليه، فاسعَ في عشيرتِك فأنا أتحمَّلُ بها. فسعى حكيمٌ في أشراف قريش بذلك يدعوهم إليه، وركِبَ عُتْبَة جملًا له، فسار عليه في صفوف المشركين في أصحابه، فقال: يا قومِ، أطيعوني، فإنكم لا تطلُبون عندهم غير دم ابن الحضرمي وما أصابوا من عِيرِكم تلك، وأنا أتحمَّلُ بوفاءِ ذلك، ودَعُوا هذا الرجل؛ فإن كان كاذبًا ولِيَ قتلَه غيرُكم من العرب، فإنّ فيهم رجالًا لكم فيهم قرابةٌ قَرِيبَةٌ، وإنكم إن تقتلوهم لا يزال الرجل منكم ينظر إلى قاتل أخيه، أو ابنه، أو ابن أخيه، أو ابن عمِّه، فيُوَرِّثُ ذلك فيهم إحَنًا وضَغائِن، وإن كان هذا الرجلُ مَلِكًا كنتم في مُلْكِ أخيكم، وإن كان نَبِيًّا لِمَ تَقتُلوا النبي فتُسَبُّوا به؟! ولن تَخْلُصُوا إليهم حتى يُصِيبوا أعدادَهم، ولا آمَنُ أن تكونَ لهم الدَّبْرَةُ عليكم. فحسده أبو جهل على مقالته، وأبى الله إلا أن يُنفِذَ أمره، وعَمَد أبو جهل إلى ابن الحَضْرَمِيّ، وهو أخو المقتول، فقال: هذا عتبةُ يُخَذِّلُ بين الناس، وقد تحمَّلَ بدِيَةِ أخيك يزعمُ أنك قابلُها، أفلا تَسْتَحْيُون من ذلك أن تَقْبَلوا الدِّيَة؟! فزعَموا أن النبي - ﷺ - قال وهو ينظر إلى عتبة: «إن يكن عند أحد من القوم خيرٌ فهو عند صاحب الجمل الأحمر، وإن يطيعوه يَرشُدوا». فلما حَرَّض أبو جهلقريشًا على القتال أمَر النساء يُعْوِلْنَ عَمْرًا، فقُمْن يَصِحْنَ: واعَمْراه، واعَمْراه. تحريضًا على القتال، فاجتمَعت قريشٌ على القتال، فقال عتبة لأبي جهل: ستَعلمُ اليوم أيّ الأمرين أرشد. وأخَذَت قريش مَصافَّ هذا القتال، وقالوا لعُمَير بن وهب: اركَبْ فاحْزُرْ لنا محمدًا وأصحابَه. فقعَد عُميرٌ على فرسِه، فأطاف برسول الله - ﷺ - وأصحابه، ثم رجع إلى المشركين، فقال: حَزَرْتُهم بثلاثمائة مقاتل، زادوا شيئًا أو نقَصوا شيئًا، وحزَرتُ سبعين بعيرًا أو نحوَ ذلك، لكن أنظِروني حتى أنظرَ هل لهم مَدَد أو كَمِين؟ فأطاف حولَهم، وبعَثوا خيلهم معه فأطافوا حولهم، ثم رجعوا فقالوا: لا مَدَدَ لهم ولا كَمِينَ، وإنما هم أكَلَةُ جَزُورٍ. وقالوا لعمير: حَرِّشْ بينَ القوم. فحمَل عُمَيرٌ على الصفِّ بمائةِ فارس، واضطجَع رسول الله - ﷺ -، وقال لأصحابه: «لا تُقاتِلوا حتى أُوذِنَكم». وغَشِيَه نومٌ فغلبه، فلما نظر بعضُ القوم إلى بعض، جعل أبو بكر يقول: يا رسول الله، قد دنا القومُ ونالوا مِنّا. فاستيقظ رسول الله - ﷺ -، وقد أراه الله إياهم في منامه قليلًا، وقلَّل المسلمين في أعين المشركين، حتى طَمِع بعضُ القوم في بعض، ولو أراه عددًا كثيرًا لفشِلوا وتنازَعوا في الأمر كما قال الله. وقام رسول الله - ﷺ - في الناس فوعَظهم، وأخبَرهم أن الله قد أوجَب الجنة لمن استُشهِد اليوم، فقام عُمَيْرُ بن الحُمامِ عن عجينٍ كان يعجنُه لأصحابه حين سمع قول النبي - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، إن لي الجنة إن قُتِلتُ؟ قال: «نعم». فشَدَّ على أعداء الله مكانَه فاستُشهِد، وكان أولَ قتيلٍ قُتِل. ثم أقبَل الأسود بن عبد الأسد المخزومي يحلفُ بآلهته لَيَشْرَبَنَّ من الحوض الذي صنَع محمدٌ، ولَيَهْدِمَنَّه، فلما دنا من الحوض لَقِيَه حمزة بن عبد المطلب، فضَرَب رِجْلَه، فقطَعها، فأقبَل يحبو حتى وقَع في جَوْف الحوض، وأَتْبَعه حمزة حتى قتله، ثم نزل عتبة بن ربيعة عن جمله، ونادى: هل من مُبارِز؟ ولَحِقَه أخوه شيبة والوليد ابنُه، فنادَيا يسألان المُبارزة، فقام إليهم ثلاثةٌ من الأنصار، فاسْتَحْيا النبي - ﷺ - من ذلك، فناداهم: أن ارجِعوا إلى مَصافِّكم، ولْيَقُمْ إليهم بنو عمِّهم. فقام حمزة، وعلي بن أبي طالب، وعُبيدةُ بن الحارث بن المطلب؛ فقتَل حمزةُ عتبة، وقتَل عبيدةُ شيبة، وقتَل عليٌّ الوليد، وضرَب شيبةُ رِجْلَ عبيدة فقطَعها، فاستَنْقَذه حمزة وعلي، فحُمِل حتى تُوفِّيَ بالصَّفْراء، وعندَ ذلك نذَرت هند بنتُ عتبة لَتَأْكُلَنَّ من كَبِدِ حمزة إن قَدرت عليها، فكان قَتْلُهؤلاء النفر قبل التقاءِ الجَمْعَين، وعَجَّ المسلمون إلى الله يسألونه النصر حين رأَوُا القتال قد نَشِبَ، ورفع رسول الله - ﷺ - يَدَيْه إلى الله يسأله ما وعَدَه، ويسأله النصر، ويقول: «اللهمَّ إن ظُهِر على هذه العصابة ظَهَر الشِّرْكُ، ولم يقُمْ لك دينٌ». وأبو بكر يقول: يا رسول الله، والذي نفسي بيده لَيَنصُرَنَّك الله، ولَيُبَيِّضَنَّ وجهَك. فأنزل الله من الملائكة جُندًا في أكْنافِ العدو، فقال رسول الله - ﷺ -: «قد أنزل الله نصره، ونزلت الملائكة، أبشِرْ يا أبا بكر، فإني قد رأيتُ جبريل مُعْتَجِرًا يقود فرسًا بين السماء والأرض، فلما هبَط إلى الأرض جلس عليها، فتَغيَّب عني ساعة، ثم رأيتُ على شَفَتِه غُبارًا». وقال أبو جهل: اللهمَّ انصُرْ خيرَ الدِّينَيْن، اللهم ديننا القديم ودين محمد الحديث. ونكَص الشيطان على عَقِبَيه حين رأى الملائكة، وتَبَرَّأ من نُصرة أصحابه، وأخذ رسول الله - ﷺ - مِلءَ كفِّه من الحَصْباءِ، فرمى بها وجوهَ المشركين، فجعل الله تلك الحَصْباءَ عظيمًا شأنُها، لم تترُكْ من المشركين رجلًا إلا ملأَت عينيه، والملائكة يقتُلونهم ويأسِرونهم، ويجِدون النفرَ كلَّ رجلٍ منهم مُنكَبًّا على وجهه لا يدري أين يتوجَّهُ، يُعالِجُ التراب ينزِعُه من عينيه. ورجَعت قريش إلى مكة مُنهَزِمين مَغلوبين، وأذلَّ الله بوقعة بدر رقابَ المشركين والمنافقين، فلم يبقَ بالمدينة منافقٌ ولا يهوديٌّ إلا وهو خاضعٌ عنقُه لوقعة بدر، وكان ذلك يوم الفرقان، يوم فرَّق الله بين الشرك والإيمان، وقالت اليهود تيقُّنًا: إنه النبي الذي نجد نعته في التوراة، والله لا يرفعُ رايةً بعد اليوم إلا ظهرت. ورجع رسول الله - ﷺ - إلى المدينة، فدخل من ثَنِيَّةِ الوداع، ونزَل القرآن يُعَرِّفُهم الله نعمتَه فيما كرِهوا من خروج رسول الله - ﷺ - إلى بدر، فقال: ﴿كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون﴾ هذه الآية وثلاثَ آيات معها، وقال فيما استجاب للرسول وللمؤمنين: ﴿إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم﴾ الآية وأخرى معها، وأنزَل فيما غشِيَهم من النُّعاس: «إذْ يَغْشاكُمُ النُّعاسُ» الآية، ثم أخبَرهم بما أوحى إلى الملائكة من نصرِهم، فقال: ﴿إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم﴾ الآية والتي بعدها، وأنزَل في قتلِ المشركين والقبضةِ التي رمى بها رسول الله - ﷺ -: ﴿فلم تقتلوهم ولكنالله قتلهم﴾ الآية والتي بعدها [الأنفال: ١٧، ١٨]، وأنزل في استفتاحِهم: ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾ [الأنفال: ١٩]، ثم أنزل: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله﴾ في سبعِ آيات منها [الأنفال: ٢٠ - ٢٦]، وأنزل في منازلهم: ﴿إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى﴾ الآية والتي بعدها [الأنفال: ٤٢، ٤٣]، وأنزل فيما يَعِظُهم به: ﴿يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا﴾ الآية وثلاث آيات معها [الأنفال: ٤٥ - ٤٨]، وأنزل فيما تكلَّم به مَن رأى قِلَّة المسلمين: ﴿غر هؤلاء دينهم﴾ الآية [الأنفال: ٤٩]، وأنزل في قتلى المشركين ومَن اتَّبَعَهم: ﴿ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة﴾ الآية وثمانَ آياتٍ معها [الأنفال: ٥٠ - ٥٨]