اختُلِف في تأويل قوله تعالى: ﴿وما تعملون﴾ على قولين: الأول: أنّ «ما» مصدرية، والمعنى: والله خلقكم وعملَكم. والثاني: أنّ «ما» موصولة، والمعنى: والله خلقكم والذي تعملونه. وزاد ابنُ عطية (٧‏/‏٢٩٩) قولين آخرين، وهما: الثالث: أنّ «ما» نافية، والمعنى: والله خلقكم وأنتم لا تعملون شيئًا في وقت خلقكم ولا قبله، ولا تقدرون على شيء. والرابع: أنّ «ما» استفهاميّة. وعلَّقَ ابنُ عطية (٧‏/‏٢٩٩) على القول الأول -وهو قول جماعة من المفسرين-، فقال: «هذه الآية عندهم قاعدة في خلق أفعال العباد، وذلك موافق لمذهب أهل السنة في ذلك». وعلَّقَ ابنُ جرير (١٩‏/‏٥٧٥) على القول الثاني بقوله: «معنى الكلام عند ذلك: واللهُ خلقكم والذي تعملونه، أي: والذي تعملون منه الأصنام، وهو الخشب، والنحاس، والأشياء التي كانوا ينحتون منها أصنامهم، وهذا المعنى الثاني قصد -إن شاء الله- قتادة بقوله:... بأيديكم». وبيَّن ابنُ كثير (١٢‏/‏٣٦ بتصرف) أنّ القولين الأول والثاني متلازمان، ولكنه مال إلى الأول، فقال: «كلا القولين متلازم، والأول أظهر؛ لما رواه البخاري في كتاب أفعال العباد... عن حذيفة مرفوعًا، قال: «إن الله تعالى يصنع كل صانع وصنعته»». ورجَّحَ ابنُ القيم (٢‏/‏٣٧٠-٣٧٣) القولَ الثانيَ استنادًا إلى السياق، ونظائرها في القرآن، والدلالة العقلية، وانتَقَدَ القولَ الأولَ، قال ابنُ القيم: «ظن كثير من الناس أن قوله تعالى: ﴿واللَّهُ خَلَقَكُمْ وما تَعْمَلُونَ﴾ أنها مصدرية، واحتجوا بها على خلق الأعمال، وليست مصدرية، وإنما هي موصولة، والمعنى: والله خلقكم وخلق الذي تعملونه وتنحتونه من الأصنام، فكيف تعبدونه وهو مخلوق لله، ولو كانت مصدرية لكان الكلام إلى أن يكون حجة لهم أقرب من أن يكون حجة عليهم؛ إذ يكون المعنى: أتعبدون ما تنحتون والله خلق عبادتكم لها؟ فأي معنى في هذا، وأي حجة عليهم؟ والمقصود أنه كثيرًا ما تدخل إحداهما على الأخرى ويحتملها الكلام سواء. والصواب أنها موصولة، وأنها لا تدل على صحة مذهب القدرية بل هي حجة عليهم مع كونها موصولة... فالله سبحانه أنكر عليهم عبادتهم الأصنام، وبين أنها لا تستحق العبادة، ولم يكن سياق الكلام في معرض الإنكار عليهم ترْك عبادته، وأن ما هو في معرض الإنكار عبادةُ من لا يستحق العبادة. فلو أنه قال: لا تعبدون الله وقد خلقكم وما تعملون. لتعينت المصدرية قطعًا، ولم يحسن أن يكون بمعنى: الذي؛ إذ يكون المعنى: كيف لا تعبدونه وهو الذي أوجدكم وأوجد أعمالكم، فهو المنعم عليكم بنوعي الإيجاد والخلق. فهذا وِزان ما قرروه مِن كونها مصدرية. فأما سياق الآية فإنه في معرض إنكاره عليهم عبادةَ مَن لا يستحق العبادة، فلا بُدَّ أن يبين فيه معنًى ينافي كونه معبودًا، فبيَّن هذا المعنى بكونه مخلوقًا له، ومَن كان مخلوقًا مِن بعض مخلوقاته فإنه لا ينبغي أن يُعْبَد ولا تليق به العبادة، وتأمل مطابقة هذا المعنى لقوله: ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [النحل:٢٠] كيف أنكر عليهم عبادة آلهة مخلوقة له سبحانه وهي غير خالقة، فهذا يبين المراد من قوله: ﴿واللَّهُ خَلَقَكُمْ وما تَعْمَلُونَ﴾، ونظيره قوله في سورة الأعراف [١٩٤]: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكُمْ﴾ أي: هم عباد مخلوقون كما أنتم كذلك فكيف تعبدون المخلوق. وتأمل طريقة القرآن لو أراد المعنى الذي ذكروه مِن حسن صفاته وانفراده بالخلق كقول صاحب يس: ﴿وما لِيَ لا أعبد الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [يس:٢٢] فهنا لما كان المقصود إخبارهم بحسن عبادته واستحقاقه لها ذكر الموجب لذلك، وهي كونه خالقًا لعابده فاطرًا له، وهذا إنعام منه عليه؛ فكيف يترك عبادته؟! ولو كان هذا هو المراد من قوله: ﴿واللَّهُ خَلَقَكُمْ وما تَعْمَلُونَ﴾ كان يقتضي أن يقال: ألا يعبدون الله وهو خالقهم وخالق أعمالهم. فتأمله فإنه واضح». ثم بيَّن كيف يستدل بالآية على خلق الله لأعمال العباد، فقال: «ووجه الاستدلال بها على هذا التقدير: أنّ الله سبحانه أخبر أنه خالقهم وخالق الأصنام التي عملوها، وهي إنما صارت أصنامًا بأعمالهم، فلا يقع عليها ذلك الاسم إلا بعد عملهم، فإذا كان سبحانه هو الخالقُ اقتضى صِحَّة هذا الإطلاق أن يكون خالقها بجملتها، أعني: مادتها وصورتها، فإذا كانت صورتها مخلوقة لله كما أنّ مادتها كذلك لزم أن يكون خالقًا لنفس عملهم الذي حصلت به الصورة؛ لأنه متولد عن نفس حركاتهم، فإذا كان الله خالقها كانت أعمالهم التي تولد عنها ما هو مخلوق لله مخلوقة له، وهذا أحسن استدلالًا وألطف من جعل»ما«مصدرية، ونظيره من الاستدلال سواء قوله: ﴿وآيَةٌ لَهُمْ أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الفُلْكِ المَشْحُونِ وخَلَقْنا لَهُمْ مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ [يس:٤١-٤٢]، والأصح أن المثل المخلوق هنا هو السفن، وقد أخبر أنها مخلوقة، وهي إنما صارت سفنًا بأعمال العباد، ونظير هذا الاستدلال أيضًا قوله تعالى: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمّا خَلَقَ ظِلالًا وجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الجِبالِ أكْنانًا وجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ وسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ [النحل:٨١] والسرابيل التي يلبسونها وهي مصنوعة لهم، وقد أخبر بأنه سبحانه هو جاعلها، وإنما صارت سرابيل بعملهم، ونظيره: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وجَعَلَ لَكُمْ مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا﴾ [النحل:٨٠] والبيوت التي من جلود الأنعام هي الخيام، وإنما صارت بيوتًا بعملهم. فإن قلت: المراد من هذا كله المادة لا الصورة. قلت: المادة لا تستحق هذه الأسماء التي أطلق الخلق عليها، وإنما تستحق هذه الأسماء بعد عملها وقيام صورها بها، وقد أخبر أنها مخلوقة له في هذه الحال. والله أعلم. فالأولى أن تكون»ما«موصولة، أي: والله خلقكم وخلق آلهتكم التي عملتموها بأيديكم، فهي مخلوقة له، لا آلهة شركاء معه، فأخبر أنه خلق معمولهم، وقد حله عملهم وصنعهم، ولا يقال:»المراد مادته«فإن مادته غير معمولة لهم، وإنما يصير معمولًا بعد عملهم». وبنحوه قال ابنُ تيمية (٥‏/‏٣٤٨-٣٥١)، وضعَّفَ القول الأول جدًّا، بل غلَّطه

أفادت الآثارُ اختلاف المفسرين في مرجع الهاء في قوله تعالى: ﴿إلا لَيَؤُمِنَنَّ بِهِ﴾، وقوله: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ على أقوال: الأول: إلا ليؤمنَنَّ بعيسى عليه السلام قبل موت عيسى عليه السلام. الثاني: إلا ليؤمنَنَّ بعيسى عليه السلام قبل موت الكتابيّ. الثالث: إلا ليؤمنَنَّ بمحمد ﷺ قبل موت الكتابيّ. وعَلَّق ابنُ كثير (٤‏/‏٣٤٥) على القول الثاني والثالث قائلًا: «فأمّا من فسَّر هذه الآية بأنّ المعنى: أن كل كتابيٍّ لا يموت حتى يؤمن بعيسى أو بمحمد عليهما الصلاة والسلام فهذا هو الواقع، وذلك أنّ كل أحد عند احتضاره ينجلي له ما كان جاهلًا به، فيؤمن به، ولكن لا يكون ذلك إيمانًا نافعًا له إذا كان قد شاهد المَلَك، كما قال تعالى في هذه السورة: ﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ ولا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهُمْ كُفّارٌ﴾ [النساء:١٨]، وقال تعالى: ﴿فَلَمّا رَأَوْا بَأَْسَنا قالُوا آمَنّا باللهِ وحْدَهُ وكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا﴾ [غافر:٨٤-٨٥]. ومَن تأمل هذا جيِّدًا وأمعن النظر اتَّضَح له أنّ هذا وإن كان هو الواقع، لكن لا يلزم منه أن يكون المراد بهذه الآية هذا». ورَجَّح ابنُ جرير (٧‏/‏٦٧٢-٦٧٥) مستندًا إلى دلالة السنّة، والعقل، والسياق القول الأول، وهو قول ابن عباس، والحسن، وقتادة، وأبي مالك، وابن زيد. وانتَقَدَ (٧‏/‏٦٧٢) القول الثاني بقوله: «لأنّ الله -جلَّ ثناؤه- حَكَمَ لكل مؤمنٍ بمحمد ﷺ بحكم أهل الإيمان في الموارثة، والصلاة عليه، وإلحاق صغار أولاده بحكمه في الملة، فلو كان كلُّ كتابيٍّ يؤمن بعيسى قبل موته لوَجَب أن لا يرث الكتابيَّ إذا مات على ملته إلا أولاده الصغار، أو البالغون منهم مِن أهل الإسلام، إن كان له ولدٌ صغيرٌ، أو بالغٌ مسلمٌ، وإن لم يكن له ولدٌ صغيرٌ ولا بالغٌ مسلمٌ أن يكون ميراثه منصرفًا حيث ينصرف إليه مال المسلم يموت ولا وارث له، وأن يكون حكمُه حكمَ المسلمين في الصلاة عليه وغسله وتقبيره؛ لأن مَن مات مؤمنًا بعيسى فقد مات مؤمنًا بمحمدٍ وبجميع الرسل». وانتَقَدَ ابنُ كثير (٤‏/‏٣٤٥) مستندًا إلى الدلالة العقلية كلام ابن جرير هذا بقوله: «هذا ليس بجيد؛ إذ لا يلزم من إيمانه في حالة لا ينفعه إيمانه أنه يصير بذلك مسلمًا، ألا ترى إلى قول ابن عباس: ولو تردّى مِن شاهق، أو ضرب بسيف، أو افترسه سبع، فإنه لا بد أن يؤمن بعيسى. فالإيمان في مثل هذه الحالات ليس بنافع، ولا ينقل صاحبه عن كفره لما قدَّمناه». ووافق ابنُ كثير (٤‏/‏٣٤٤-٣٤٥ بتصرف) ابنَ جرير في نقده للقول الثاني مستندًا إلى السياق، والسنّة، فقال: «لأنّه المقصود من سياق الآي في تقرير بُطْلان ما ادَّعته اليهود من قَتْل عيسى وصَلْبه، وتسليم مَن سَلَّم لهم من النصارى الجهلة ذلك، فأخبر الله أنّه لم يكن الأمر كذلك، وإنما شُبِّه لهم، فقتلوا الشبيه وهم لا يتبيَّنون ذلك، ثم إنّه رفعه إليه، وإنه باقٍ حيٌّ، وإنه سينزل قبل يوم القيامة، كما دلَّت عليه الأحاديث المتواترة، فأخبرت هذه الآية الكريمة: أنّه يؤمن به جميع أهل الكتاب حينئذٍ، ولا يتخلف عن التصديق به واحد منهم». وانتَقَدَ ابنُ جرير (٧‏/‏٦٧٤، ٦٧٥) القول الثالث بقوله: «وأمّا الذي قال: عنى بقوله: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾: ليؤمنن بمحمد ﷺ قبل موت الكتابي، فما لا وجْه له مفهوم؛ لأنّه مع فساده مِن الوجه الذي دلَّلنا على فساد قول من قال: عنى به: ليؤمنَنَّ بعيسى قبل موت الكتابيّ. يزيده فسادًا أنّه لم يَجْرِ لمحمد ﷺ في الآيات التي قَبْل ذلك ذِكْرٌ، فيجوز صرف الهاء التي في قوله: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ إلى أنها مِن ذكره، وإنّما قوله: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ في سياق ذِكْر عيسى وأمه واليهود، فغيرُ جائزٍ صرْفُ الكلام عما هو في سياقه إلى غيره إلا بحجةٍ يجب التسليم لها من دلالة ظاهر التنزيل، أو خبرٍ عن الرسول تقوم به حجة، فأما الدَّعاوى فلا تتعذر على أحدٍ». وانتَقَدَ ابنُ تيمية (٢‏/‏٣٦٣-٣٦٤) مستندًا إلى ظاهر لفظ الآية، والعموم، ودلالة العقل القول الثاني والثالث بأنه: «لو آمَنَ به قبل الموت لنفعه إيمانه به، فإنّ الله يقبل توبة العبد ما لم يُغَرْغِر. وإن قيل: المراد به الإيمان الذي يكون بعد الغرغرة، لم يكن في هذا فائدة؛ فإنّ كل أحد بعد موته يؤمن بالغيب الذي كان يجحده، فلا اختصاص للمسيح به، ولأنّه قال: ﴿قبل موته﴾، ولم يقل: بعد موته. ولأنّه لا فرق بين إيمانه بالمسيح وبمحمد -صلوات الله عليهما وسلامه-، واليهودي الذي يموت على اليهودية يموت كافرًا بمحمد والمسيح -عليهما الصلاة والسلام-، ولأنه قال: ﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾، وقوله: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ فِعْلٌ مُقْسَمٌ عليه، وهذا إنما يكون في المستقبل، فدلَّ ذلك على أنّ هذا الإيمان بعد إخبار الله بهذا، ولو أريد به قبل موت الكتابي لقال: وإن من أهل الكتاب إلا مَن يؤمن به، لم يقل: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾. وأيضًا فإنّه قال: ﴿وإن مِن أهل الكتاب﴾، وهذا يعم اليهود والنصارى، فدلَّ ذلك على أنّ جميع أهل الكتاب اليهود والنصارى يؤمنون بالمسيح قبل موت المسيح، وذلك إذا نزل آمنت اليهود والنصارى بأنّه رسول الله، ليس كاذبًا كما تقول اليهود، ولا هو الله كما تقوله النصارى. والمحافظة على هذا العموم أولى مِن أن يُدَّعى أنّ كل كتابيّ ليؤمنن به قبل أن يموت الكتابيّ، فإنّ هذا يستلزم إيمان كل يهودي ونصراني، وهذا خلاف الواقع، وهو لَمّا قال: ﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ دلَّ على أنّ المراد بإيمانهم قبل أن يموت هو عُلِم أنّه أُرِيد بالعموم عمومَ مَن كان موجودًا حين نزوله، أي: لا يتخلف منهم أحد عن الإيمان به، لا إيمان من كان منهم ميتًا»

اختُلِف في قوله: ﴿ذلك ليعلم أني لم اخنه بالغيب﴾ على قولين: الأول: أنّه مِن قول يوسف. واختُلِف القائلون بهذا القول على وجهين: الوجه الأول: أنّ هذه المقالة مِن يوسف هي مُتَّصِلة بقوله للرسول: ﴿إن ربي بكيدهن عليم﴾، وفي الكلام تقديم وتأخير وهو قول ابن جريج. وعلَّق عليه ابنُ عطية (٥‏/‏١٠٤) بقوله: «فالإشارة بقوله: ﴿ذلك﴾ -على هذا التأويل- هي إلى بقائه في السجن، والتماسه البراءة، أي: هذا ليعلم سيدي أنِّي لم أخنه. الوجه الثاني: أنّ يوسف قال هذه المقالة حين قالت امرأة العزيز كلامها، إلى قولها: ﴿وإنه لمن الصادقين﴾، وهو قول ابن عباس. ولم يذكر ابنُ جرير غيرَ هذا القولَ، واستشهد له باللغة، والنظائر، وأقوال السلف، فقال:»واتَّصَلَ قوله: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ بقول امرأة العزيز: ﴿أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ المعَرِّفَة السّامِعِين لمعناه، كاتِّصال قول الله تعالى: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ بقول المرأة: ﴿وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً﴾ [النمل:٣٤]، وذلك أنّ قوله: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ خَبَرُ مبتدإٍ. وكذلك قول فرعون لأصحابه في سورة الأعراف: ﴿فَماذا تَأْمُرُونِ﴾، وهو مُتَّصِلٌ بقول المَلَأِ: ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكُمْ مِن أرْضِكُمْ﴾ [الأعراف:١١٠]"". وعلَّق ابنُ عطية على هذا القول بقوله: «فالإشارة -على هذا- إلى إقرارها، وصنع الله تعالى فيه». وانتقده مستندًا للسياق، فقال: «وهذا يضعف؛ لأنّه يقتضي حضورُه مع النسوة عند الملك، وبعد هذا يقول الملك: ﴿ائتوني به﴾». ثم بَيَّن أنه على هذا القول يجيء قوله: ﴿وأن الله لا يهدي كيد الخائنين﴾ «بتقدير: وليعلم أنّ الله لا يهدي كيد الخائنين». الثاني: أنّه مِن قول المرأة، ذكره ابنُ عطية (٥‏/‏١٠٤)، وعلَّق عليه بقوله (٥‏/‏١٠٥): «أي: قولي هذا وإقراري ليعلم يوسف أنِّي لم أخنه في غيبته بأن أكذب عليه أو أرميه بذنب هو بريء منه، والتقدير على هذا التأويل: توبتي وإقراري ليعلم أنِّي لم أخنه، وأنّ الله لا يهدي كيد الخائنين». واختُلِف في قوله: ﴿وما أبرئ نفسي... ﴾، هل هي من كلام يوسف أم من كلام المرأة، حسب التي قبلها، وذكر ابنُ عطية (٥‏/‏١٠٥) أنّ مَن قال إنها من كلام يوسف روى في ذلك: عن أنس بن مالك أنّ رسول الله ﷺ قال: لما قال يوسف: أني لم أخنه بالغيب. قال له جبريل: ولا حين هممت وحللت سراويلك. ومَن قال بأنّه مِن قول المرأة وجَّه كلامَها إلى الاعتذار عن وقوعها فيما يقع فيه البشر من الشهوات، كأنها قالت: وما هذا ببِدْعٍ، ولا ذلك نكير على البشر فأُبرِّئ أنا منه نفسي، والنفوس أمارات بالسوء مائلة إليه. وانتقد ابنُ تيمية (٤‏/‏٤٥-٥٢بتصرف) قولَ مَن قال بأنّ الآيتين مِن قول يوسف، وهو قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والضحاك، والسدي، وغيرهم، فقال: «وهو قول في غاية الفساد، ولا دليل عليه، بل الأدلة تدُلُّ على نقيضه». ورجَّح القولَ بأنّه مِن قول المرأة مستندًا إلى السياق، والدلالة العقلية، وذلك:١- أنّ حال يوسف الظاهر مِن القرآن أنّه صاحب نفس زكية عفيفة لم تستجب للإغراء الشديد، فكيف يقول: ﴿وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء﴾ وهو يعلم أنّ نفسه بريئة زكية غير أمارة. ٢- أنّ قوله: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾ إذا كان معناه على ما زعموه أن يوسف أراد أن يعلم العزيز أني لم أخنه في امرأته على قول أكثرهم؛ أو ليعلم الملك أو ليعلم الله لم يكن هنا ما يشار إليه، فإنه لم يتقدم مِن يوسف كلام يشير به إليه، ولا تقدم أيضًا ذكرَ عفافه واعتصامه؛ فإن الذي ذكره النسوة قولهن: ﴿ما علمنا عليه من سوء﴾. وقول امرأة العزيز: ﴿أنا راودته عن نفسه﴾. وهذا فيه بيان كذبها فيما قالته أوَّلًا، ليس فيه نفس فعله الذي فعله هو. فقول القائل: إنّ قوله: ﴿ذلك﴾ من قول يوسف، مع أنّه لم يتقدم منه هنا قول ولا عمل؛ لا يَصِحُّ بحال. ٣- أنّ المعنى على هذا التقدير -لو كان هنا ما يشار إليه مِن قول يوسف أو عمله-: إنّ عِفَّتي عن الفاحشة كان ليعلم العزيزُ أنِّي لم أخنه، ويوسف عليه السلام إنّما تركها خوفًا مِن الله ورجاء لثوابه؛ لا لأجل مجرد علم مخلوق. قال الله تعالى: ﴿ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين﴾. فأخبر أنّه رأى برهان ربه، وأنّه مِن عباده المخلصين. ومَن ترك المحرمات ليعلم المخلوق بذلك لم يكن هذا لأجل برهان من ربه، ولم يكن بذلك مخلصًا، فهذا الذي أضافوه إلى يوسف إذا فعله آحادُ الناس لم يكن له ثواب من الله؛ بل يكون ثوابه على مَن عمل لأجله. ٤- أنّ الناس عادتهم في مثل هذا يعرفون بما عملوه مَن لذلك عنده قدر، وهذا يناسب لو كان العزيز غيورًا، وللعِفَّة عنده جزاء كثير، والعزيز قد ظهرت عنه مِن قلة الغيرة وتمكين امرأته مِن حبس يوسف مع الظالمين مع ظهور براءته ما يقتضي أنّ مثل هذا ينبغي في عادة الطباع أن يقابل على ذلك بمواقعة أهله، فإنّ النفس الأمارة تقول في مثل هذا: هذا لم يعرف قدر إحساني إليه وصوني لأهله؛ بل سلَّطها ومكَّنها. فكثير من النفوس لو لم يكن في نفسها الفاحشة إذا رأت مَن حاله هذا تفعل الفاحشة؛ إما نكاية فيه ومجازاة له على ظلمه، وإمّا إهمالًا له لعدم غيرته وظهور دياثته، ولا يصبر في مثل هذا المقام عن الفاحشة إلا من يعمل لله خائفًا منه، وراجيًا لثوابه، لا من يريد تعريف الخلق بعمله. ٥- أنّ الخيانة ضد الأمانة، وهما من جنس الصدق والكذب، ولهذا يقال: الصادق الأمين، ويقال: الكاذب الخائن. وهذا حال امرأة العزيز، فإنها لو كذبت على يوسف في مغيبه وقالت: راودني. لكانت كاذبة وخائنة، فلما اعترفت بأنها هي المراودة كانت صادقة في هذا الخبر أمينة فيه، ولهذا قالت: ﴿وإنه لمن الصادقين﴾. فأخبرت بأنه صادق في تبرئته نفسه دونها. فأما فعل الفاحشة فليس من باب الخيانة والأمانة، ولكن هو من باب الظلم والسوء والفحشاء كما وصفها الله بذلك في قوله تعالى عن يوسف: ﴿معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون﴾. ولم يقل هنا: الخائنين، ثم قال تعالى: ﴿كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين﴾. ولم يقل: لنصرف عنه الخيانة. ٦- أنّ النفوس منقسمة إلى مرحومة وأمارة كما قال القرآن: ﴿إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي﴾. وقد علِمنا قطعًا أنّ نفس امرأة العزيز من النفوس الأمارة بالسوء، وأمّا نفس يوسف عليه السلام فإن لم تكن من النفوس المرحومة عن أن تكون أمّارة فما في الأنفس مرحوم؛ فإنّ مَن تدَّبر قصة يوسف علم أن الذي رُحم به وصرف عنه من السوء والفحشاء من أعظم ما يكون، ولولا ذلك لما ذكره الله في القرآن وجعله عبرة، وما من أحد من الصالحين الكبار والصغار إلا ونفسه إذا ابتليت بمثل هذه الدواعي أبعد عن أن تكون مرحومة من نفس يوسف. وعلى هذا التقدير: فإن لم تكن نفس يوسف مرحومة فما في النفوس مرحومة، فإذًا كل النفوس أمارة بالسوء، وهو خلاف ما في القرآن. ٧-أن هذا الكلام فيه -مع الاعتراف بالذنب- الاعتذار بذكر سببه، فإنّ قولها: ﴿أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين﴾ فيه اعتراف بالذنب، وقولها: ﴿وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء﴾ إشارة تطابق لقولها: ﴿أنا راودته﴾، أي: أنا مُقِرَّة بالذنب ما أنا مبرئة لنفسي، ثم بينت السبب فقالت: ﴿إن النفس لأمارة بالسوء﴾ فنفسي من هذا الباب، فلا ينكر صدور هذا منِّي، ثم ذكرت ما يقتضي طلب المغفرة والرحمة، فقالت: ﴿إن ربي غفور رحيم﴾. فإن قيل: فهذا كلام مَن يُقِرُّ بأن الزنا ذنب، وأن الله قد يغفر لصاحبه. قيل: نعم، والقرآن قد دل على ذلك حيث قال زوجها: ﴿واستغفري لذنبك﴾. وهذا دليل أنهم كانوا يرون ذلك ذنبًا ويستغفرون منه وإن كانوا مع ذلك مشركين؛ إذ الفواحش مما اتَّفق اهل الأرض على استقباحها. ٨-أنّ الله لم يذكر عن نبيٍّ ذنبًا إلا ذكر توبته منه، ويوسف لم يذكر القرآن أنه فعل مع المرأة ما يتوب منه، وما نقل عن وقوعه في بعض مقدمات الذنب كحل السراويل ونحوها فهذا ليس مما ينقل عن النبي، بل عن أهل الكتاب، وقولهم في الأنبياء معروف، فلو لم يكن معنا ما يرد نقلهم لم نصدقهم فيما لم نعلم صدقهم فيه، فكيف نصدقهم فيما قد دل القرآن على خلافه. والقرآن قد أخبر عن يوسف مِن الاستعصام والتقوى والصبر في هذه القضية ما لم يذكر عن أحد نظيره، فلو كان يوسف قد أذنب لَكان إما مصرًّا وإما تائبًا، والإصرار ممتنع، فتعيَّن أن يكون تائبًا، واللهُ لم يذكر عنه توبة في هذا ولا استغفارًا كما ذكر عن غيره من الأنبياء؛ فدلَّ ذلك على أن قوله: ﴿إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي﴾ إنما يناسب حال امرأة العزيز لا يناسب حال يوسف. وانتقد ابنُ القيم (٢‏/‏٦٤-٦٥بتصرف) القول بأنه من قول يوسف، ورجَّح أنّه من قول امرأة العزيز مستندًا إلى اللغة، والسياق، وذلك:١- أنّه متصل بكلام المرأة السابق، وهو قولها: ﴿الآن حصحص الحق أنا راودته﴾، ومن جعله من قوله فإنه يحتاج إلى إضمار قول لا دليل عليه في اللفظ بوجه، والقول في مثل هذا لا يُحْذَف لئلا يوقع في اللبس، فإن غايته أن يحتمل الأمرين، فالكلام الأول أولى به قطعًا. ٢- أنّ يوسف لم يكن حاضرًا وقت مقالتها هذه، بل كان في السجن، والسياق صريح في ذلك فإنّه لما أرسل الملك إليه يدعوه قال للرسول: ﴿ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن﴾. ٣- أنّ الضمائر كلها في نسق واحد، وذلك قول النسوة: ﴿ما علمنا عليه من سوء﴾، وقول امرأة العزيز: ﴿أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين﴾، فهذه خمسة ضمائر بين بارز ومستتر، ثم اتصل بها قوله: ﴿ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب﴾، فهذا هو المذكور أولًا بعينه، فلا شيء يفصل الكلام عن نظمه ويضمر فيه قولٌ لا دليل عليه. وبنحوه قال ابنُ كثير (٨‏/‏٥٠-٥١)

سورة الكهف — الآية ١٠

عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- فيما ذُكر من حديث أصحاب الكهف، قال: ثم مَلَكَ أهلَ تلك البلادِ رجلٌ صالح يُقال له: تيذوسيس، فلما ملك بقي ملكه ثمانيًا وستين سنة، فتحزب الناس في ملكه، فكانوا أحزابًا؛ فمنهم من يؤمن بالله ويعلم أن الساعة حق، ومنهم من يكذب بها، فكبر ذلك على الملك الصالح تيذوسيس، وبكى إلى الله، وتضرع إليه، وحزن حزنًا شديدًا لَمّا رأى أهل الباطل يزيدون ويظهرون على أهل الحق، ويقولون: لا حياة إلا الحياة الدنيا، وإنما تبعث النفوس، ولا تبعث الأجساد. ونسوا ما في الكتاب، فجعل تيذوسيس يرسل إلى مَن يظن فيه خيرًا، وأنهم أئمة في الحق، فجعلوا يُكذبون بالساعة، حتى كادوا أن يُحوِّلوا الناس عن الحق وملة الحواريين، فلما رأى ذلك الملك الصالح تيذوسيس دخل بيته، فأغلقه عليه، ولبس مسحًا، وجعل تحته رمادًا، ثم جلس عليه، فدأب ذلك ليلَه ونهارَه زمانًا يتضرع إلى الله، ويبكي إليه مما يرى فيه الناس، ثم إنّ الرحمن الرحيم الذي يكره هَلَكَة العباد أراد أن يُظهر على الفتية أصحاب الكهف، ويبين للناس شأنهم، ويجعلهم آية لهم، وحجة عليهم؛ ليعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن يستجيب لعبده الصالح تيذوسيس، ويتم نعمته عليه، فلا ينزع منه ملكه، ولا الإيمان الذي أعطاه، وأن يعبد الله لا يشرك به شيئًا، وأن يجمع مَن كان تبدد من المؤمنين، فألقى الله في نفس رجل مِن أهل ذلك البلد الذي به الكهف -وكان الجبل بنجلوس الذي فيه الكهف لذاك الرجل، وكان اسم ذلك الرجل: أولياس- أن يهدم البنيان الذي على فم الكهف، فيبني به حظيرة لغنمه، فاستأجر عاملين، فجعلا ينزعان تلك الحجارة، ويبنيان بها تلك الحظيرة، حتى نزعا ما على فم الكهف، حتى فتحا عنهم باب الكهف، وحجبهم الله مِن الناس بالرعب، فيزعمون أنّ أشجع من يريد أن ينظر إليهم غاية ما يمكنه أن يدخل من باب الكهف، ثم يتقدم حتى يرى كلبهم دونهم إلى باب الكهف نائمًا، فلما نزعا الحجارة وفتحا عليهم باب الكهف أذن الله ذو القدرة والعظمة والسلطان محيي الموتى للفتية أن يجلسوا بين ظَهْرَي الكهف، فجلسوا فرحين، مسفرة وجوههم، طيبة أنفسهم، فسلم بعضهم على بعض، حتى كأنما استيقظوا من ساعتهم التي كانوا يستيقظون لها إذا أصبحوا من ليلتهم التي يبيتون فيها، ثم قاموا إلى الصلاة، فصَلُّوا كالذي كانوا يفعلون، لا يرون ولا يُرى في وجوههم ولا أبشارهم ولا ألوانهم شيء ينكرونه، كهيئتهم حين رقدوا بعشي أمس، وهم يرون أنّ ملكهم دقينوس الجبار في طلبهم والتماسهم. فلما قضوا صلاتهم كما كانوا يفعلون قالوا ليمليخا -وكان هو صاحب نفقتهم الذي كان يبتاع لهم طعامهم وشرابهم من المدينة، وجاءهم بالخبر أنّ دقينوس يلتمسهم، ويسأل عنهم-: أنبِئْنا، يا أخي، ما الذي قال الناس في شأننا عشي أمس عند هذا الجبار؟ وهم يظنون أنهم رقدوا كبعض ما كانوا يرقدون، وقد خُيِّل إليهم أنهم قد ناموا كأطول ما كانوا ينامون في الليلة التي أصبحوا فيها، حتى تساءلوا بينهم، فقال بعضهم لبعض: ﴿كم لبثتم﴾ نيامًا؟ ﴿قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم﴾. وكل ذلك في أنفسهم يسير. فقال لهم يمليخا: افتُقِدتم والتُمِسْتم بالمدينة، وهو يريد أن يؤتى بكم اليوم، فتذبحون للطواغيت أو يقتلكم، فما شاء الله بعد ذلك فعل. فقال لهم مكسلمينا: يا إخوتاه، اعلموا أنكم مُلاقَون، فلا تكفروا بعد إيمانكم إذا دعاكم عدو الله، ولا تنكروا الحياة التي لا تبيد بعد إيمانكم بالله، والحياة من بعد الموت. ثم قالوا ليمليخا: انطلق إلى المدينة، فتسمَّع ما يُقال لنا بها اليوم، وما الذي نُذكر به عند دقينوس، وتلطف، ولا تُشعِرَنَّ بنا أحد، وابتع لنا طعامًا فأتنا به، فإنه قد آن لك، وزدنا على الطعام الذي قد جئتنا به؛ فإنّه قد كان قليلًا، فقد أصبحنا جياعًا. ففعل يمليخا كما كان يفعل، ووضع ثيابه، وأخذ الثياب التي كان يتنكر فيها، وأخذ ورِقًا من نفقتهم التي كانت معهم التي ضربت بطابع دقينوس الملك، فانطلق يمليخا خارجًا، فلمّا مر بباب الكهف رأى الحجارة منزوعة عن باب الكهف، فعجب منها، ثم مرَّ فلم يُبالِ بها، حتى أتى المدينة مستخفيًا يصُدُّ عن الطريق تَخَوُّفًا أن يراه أحد من أهلها، فيعرفه، فيذهب به إلى دقينوس، ولا يشعر العبد الصالح أن دقينوس وأهل زمانه قد هلكوا قبل ذلك بثلاث مائة وتسع سنين، أو ما شاء الله من ذلك، إذ كان ما بين أن ناموا إلى أن استيقظوا ثلاث مائة وتسع سنين. فلما رأى يمليخا باب المدينة رفع بصره، فرأى فوق ظهر الباب علامةً تكون لأهل الإيمان، إذا كان ظاهرًا فيها، فلمّا رآها عجِب، وجعل ينظر مستخفيًا إليها، فنظر يمينًا وشمالًا، فتعجَّب بينه وبين نفسه، ثم ترك ذلك الباب، فتحوَّل إلى باب آخر مِن أبوابها، فنظر فرأى من ذلك ما يحيط بالمدينة كلها، ورأى على كل باب مثل ذلك، فجعل يخيل إليه أنّ المدينة ليس بالمدينة التي كان يعرف، ورأى ناسًا كثيرين محدثين لم يكن يراهم قبل ذلك، فجعل يمشي ويعجب، ويخيل إليه أنه حيران، ثم رجع إلى الباب الذي أتى منه، فجعل يعجب بينه وبين نفسه، ويقول: يا ليت شعري، أما هذه عشية أمس فكان المسلمون يخفون هذه العلامة ويستخفون بها، وأما اليوم فإنها ظاهرة! لعلي حالم! ثم يرى أنه ليس بنائم، فأخذ كساءه، فجعله على رأسه، ثم دخل المدينة، فجعل يمشي بين ظهري سوقها، فيسمع أناسًا كثيرًا يحلفون باسم عيسى ابن مريم، فزاده فرقًا، ورأى أنه حيران، فقام مسندًا ظهره إلى جدار مِن جدر المدينة، ويقول في نفسه: واللهِ، ما أدري ما هذا؟ أما عشية أمس فليس على الأرض إنسان يذكر عيسى ابن مريم إلا قتل، وأما الغداة فأسمعهم وكل إنسان يذكر أمر عيسى لا يخاف! ثم قال في نفسه: لعل هذه ليست بالمدينة التي أعرف، أسمع كلام أهلها ولا أعرف أحدًا منهم! واللهِ، ما أعلم مدينةً قرب مدينتنا! فقام كالحيران لا يتوجه وجهًا، ثم لقي فتًى من أهل المدينة، فقال له: ما اسم هذه المدينة، يا فتى؟ قال: اسمها: أفسوس. فقال في نفسه: لعل بي مَسًّا، أو بي أمر أذهب عقلي؟ واللهِ، يحقُّ لي أن أسرع الخروج منها قبل أن أخزى فيها، أو يصيبني شر فأهلك. هذا الذي يحدث به يمليخا أصحابه حين تبين لهم ما به، ثم إنه أفاق، فقال: واللهِ، لو عجلت الخروج من المدينة قبل أن يفطن بي لكان أكيس لي. فدنا مِن الذين يبيعون الطعام، فأخرج الورِق التي كانت معه، فأعطاها رجلًا منهم، فقال: بعني بهذه الورِق -يا عبد الله- طعامًا. فأخذها الرجل، فنظر إلى ضرب الورِق ونقشها، فعجب منها، ثم طرحها إلى رجل مِن أصحابه، فنظر إليها، ثم جعلوا يتطارحونها بينهم مِن رجل إلى رجل، ويتعجبون منها، ثم جعلوا يتشاورون بينهم، ويقول بعضهم لبعض: إنّ هذا الرجل قد أصاب كنزًا خبيئًا في الأرض منذ زمان ودهر طويل. فلما رآهم يتشاورون من أجله فرِق فرَقًا شديدًا، وجعل يرتعد، ويظن أنهم قد فطِنوا به وعرفوه، وأنهم إنّما يريدون أن يذهبوا به إلى ملكهم دقينوس يُسَلِّمونه إليه، وجعل أناس آخرون يأتونه فيتعرفونه، فقال لهم وهو شديد الفرَق منهم: أفضلوا عليَّ، فقد أخذتم ورِقي، فأمسِكوا، وأما طعامكم فلا حاجة لي به. قالوا له: مَن أنت، يا فتى؟ وما شأنك؟ واللهِ، لقد وجدت كنزًا من كنوز الأولين، فأنت تريد أن تخفيه مِنّا، فانطلق معنا فأرِناه، وشاركنا فيه نُخْفِ عليك ما وجدت، فإنّك إن لا تفعل نأتِ بك السلطان، فنسلمك إليه، فيقتلك. فلما سمع قولهم عجب في نفسه، فقال: قد وقعتُ في كل شيء كنت أحذر منه. ثم قالوا: يا فتى، إنّك –واللهِ- ما تستطيع أن تكتم ما وجدت، ولا تظن في نفسك أنه سيخفى حالك. فجعل يمليخا لا يدري ما يقول لهم وما يرجع إليهم، وفَرِق حتى ما يُحِير إليهم جوابًا، فلما رأوه لا يتكلم أخذوا كساءه، فطوقوه في عنقه، ثم جعلوا يقودونه في سِكَك المدينة مُلَبَّبًا، حتى سمع به مَن فيها، فقيل: أُخذ رجل عنده كنز. واجتمع عليه أهل المدينة صغيرهم وكبيرهم، فجعلوا ينظرون إليه، ويقولون: واللهِ، ما هذا الفتى من أهل هذه المدينة، وما رأيناه فيها قط، وما نعرفه. فجعل يمليخا لا يدري ما يقول لهم مع ما يسمع منهم، فلما اجتمع عليه أهل المدينة فَرِق، فسكت فلم يتكلم، ولو أنه قال: إنّه من أهل المدينة؛ لم يُصَدَّق، وكان مستيقنًا أن أباه وإخوته بالمدينة، وأن حسبه من أهل المدينة مِن عظماء أهلها، وأنهم سيأتونه إذا سمعوا، وقد استيقن أنه من عشية أمس يعرف كثيرًا من أهلها، وأنه لا يعرف اليوم من أهلها أحدًا. فبينما هو قائم كالحيران ينتظر متى يأته بعضُ أهله؛ أبوه أو بعض إخوته، فيخلصه من أيديهم، إذ اختطفوه، فانطلقوا به إلى رأسي المدينة ومدبريها اللذين يدبران أمرها، وهما رجلان صالحان، كان اسم أحدهما: أريوس، واسم الآخر: أسطيوس، فلما انطُلق به إليهما ظن يمليخا أنه يُنطلق به إلى دقينوس الجبار ملكهم الذي هربوا منه، فجعل يلتفت يمينًا وشمالًا، وجعل الناس يسخرون منه كما يُسخر من المجنون والحيران، فجعل يمليخا يبكي، ثم رفع رأسه إلى السماء وإلى الله، ثم قال: اللهم إله السماوات والأرض، أوْلِج معي روحًا منك اليوم تؤيدني به عند هذا الجبار. وجعل يبكي، ويقول في نفسه: فرق بيني وبين إخوتي، يا ليتهم يعلمون ما لقيت، وأني يُذهب بي إلى دقينوس الجبار، فلو أنهم يعلمون فيأتون، فنقوم جميعًا بين يدي دقينوس، فإنا كنا تواثقنا لنكونن معًا، لا نكفر بالله، ولا نشرك به شيئًا، ولا نعبد الطواغيت من دون الله، فرق بيني وبينهم، فلن يروني ولن أراهم أبدًا، وقد كنا تواثقنا أن لا نفترق في حياة ولا موت أبدًا، يا ليت شعري ما هو فاعل بي؟ أقاتلي هو أم لا؟ ذلك الذي يحدث به يمليخا نفسه فيما أخبر أصحابه حين رجع إليهم. فلما انتهى إلى الرجلين الصالحين أريوس وأسطيوس، فلما رأى يمليخا أنه لم يذهب به إلى دقينوس أفاق، وسكن عنه البكاء، فأخذ أريوس وأسطيوس الورِق، فنظرا إليها، وعجبا منها، ثم قال أحدهما: أين الكنز الذي وجدت، يا فتى؟ هذا الورِق يشهد عليك أنك قد وجدت كنزًا. فقال لهما يمليخا: ما وجدت كنزًا، ولكن هذه الورِق ورِق آبائي، ونقش هذه المدينة وضربها، ولكن –واللهِ- ما أدري ما شأني، وما أدري ما أقول لكم. فقال له أحدهما: مِمَّن أنت؟ فقال له يمليخا: أما ما أرى فكنت أرى أنِّي من أهل هذه القرية. قالوا: فمَن أبوك؟ ومن يعرفك بها؟ فأنبأهم باسم أبيه، فلم يجدوا أحدًا يعرفه ولا أباه، فقال له أحدهما: أنت رجل كذّاب لا تُنبئنا بالحق. فلم يدر يمليخا ما يقول لهم، غير أنه نكس بصره إلى الأرض. فقال له بعض مَن حوله: هذا رجل مجنون. فقال بعضهم: ليس بمجنون، ولكنه يحمِّق نفسه عمدًا لكي ينفلت منكم. فقال له أحدهما، ونظر إليه نظرًا شديدًا: أتظن أنك إذ تَتَجانَنُ نرسلك ونصدقك بأنّ هذا مال أبيك، وضرب هذه الورِق ونقشها منذ أكثر من ثلاث مائة سنة؟ وإنما أنت غلام شابٌّ تظن أنك تأفكنا، ونحن شُمْط كما ترى، وحولك سراة أهل المدينة وولاة أمرها، إني لأظنني سآمر بك فتعذب عذابًا شديدًا، ثم أوثقك حتى تعترف بهذا الكنز الذي وجدت. فلما قال ذلك قال يمليخا: أنبئوني عن شيء أسألكم عنه، فإن فعلتم صدقتكم عما عندي، أرأيتم دقينوس الملك الذي كان في هذه المدينة عشية أمس ما فعل؟ فقال له الرجل: ليس على وجه الأرض رجل اسمه: دقينوس، ولم يكن إلا ملك قد هلك منذ زمان ودهر طويل، وهلكت بعده قرون كثيرة. فقال له يمليخا: فواللهِ، إني إذًا لحيران، وما هو بمصدقي أحد من الناس بما أقول، واللهِ، لقد علمتُ، لقد فررنا من الجبار دقينوس، وإني قد رأيته عشية أمس حين دخل مدينة أفسوس، ولكن لا أدري أمدينة أفسوس هذه أم لا؟ فانطلقا معي إلى الكهف الذي في جبل بنجلوس أريكم أصحابي. فلما سمع أريوس ما يقول يمليخا قال: يا قوم، لعل هذه آية من آيات الله جعلها لكم على يدي هذا الفتى، فانطلقوا بنا معه يُرِنا أصحابه، كما قال. فانطلق معه أريوس وأسطيوس، وانطلق معهم أهل المدينة كبيرهم وصغيرهم نحو أصحاب الكهف لينظروا إليهم. ولما رأى الفتية أصحاب الكهف يمليخا قد احتبس عليهم بطعامهم وشرابهم عن القدر الذي كان يأتي به ظنوا أنه قد أُخذ فذهب به إلى ملكهم دقينوس الذي هربوا منه، فبينما هم يظنون ذلك ويتخوفونه إذ سمعوا الأصوات وجَلَبَة الخيل مُصْعِدَةً نحوهم، فظنوا أنهم رسل الجبار دقينوس بعث إليهم ليؤتى بهم، فقاموا حين سمعوا ذلك إلى الصلاة، وسلم بعضهم على بعض، وأوصى بعضهم بعضًا، وقالوا: انطلقوا بنا نأت أخانا يمليخا، فإنه الآن بين يدي الجبار دقينوس ينتظر متى نأته. فبينما هم يقولون ذلك وهم جلوس بين ظهري الكهف، فلم يروا إلا أريوس وأصحابه وقوفًا على باب الكهف، وسبقهم يمليخا، فدخل عليهم وهو يبكي، فلما رأوه يبكي بكوا معه، ثم سألوه عن شأنه، فأخبرهم خبره، وقص عليهم النبأ كله، فعرفوا عند ذلك أنهم كانوا نيامًا بأمر الله ذلك الزمان كله، وإنما أوقظوا ليكونوا آية للناس، وتصديقًا للبعث، وليعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيها. ثم دخل على أثر يمليخا أريوس، فرأى تابوتًا من نحاس مختومًا بخاتم من فضة، فقام بباب الكهف، ثم دعا رجالًا من عظماء أهل المدينة، ففتح التابوت عندهم، فوجدوا فيه لوحين من رصاص مكتوبًا فيهما كتاب، فقرأهما، فوجد فيهما: أن مكسلمينا، ومحسلمينا، ويمليخا، ومرطونس، وكشطونس، ويبورس، ويكرنوس، ويطبيونس، وقالوس، كانوا ثمانية هربوا من ملكهم دقينوس الجبار، مخافة أن يفتنهم عن دينهم، فدخلوا هذا الكهف، فلما أُخبر بمكانهم أمر بالكهف فسُد عليهم بالحجارة، وإنا كتبنا شأنهم وقصة خبرهم ليعلمه من بعدهم إن عثر عليهم. فلما قرؤوه عجبوا، وحمدوا الله الذي أراهم آية للبعث فيهم، ثم رفعوا أصواتهم بحمد الله وتسبيحه، ثم دخلوا على الفتية الكهف، فوجدوهم جلوسًا بين ظهريه، مشرقة وجوههم، لم تبل ثيابهم. فخرَّ أريوس وأصحابه سجودًا، وحمدوا الله الذي أراهم آية من آياته، ثم كلم بعضهم بعضًا، وأنبأهم الفتية عن الذي لقوا من ملكهم دقينوس ذلك الجبار الذي كانوا هربوا منه. ثم إن أريوس وأصحابه بعثوا بريدًا إلى ملكهم الصالح تيذوسيس: أن عَجِّل؛ لعلك تنظر إلى آية من آيات الله، جعلها الله على ملكك، وجعلها آية للعالمين، لتكون لهم نورًا وضياء، وتصديقًا بالبعث، فاعجل على فتية بعثهم الله، وقد كان توفاهم منذ أكثر من ثلاث مائة سنة. فلما أتى الملك تيذوسيس الخبر قام من المسندة التي كان عليها، ورجع إليه رأيه وعقله، وذهب عنه همه، ورجع إلى الله عز وجل، فقال: أحمدك اللهَ رب السماوات والأرض، أعبدك، وأحمدك، وأسبح لك، تطولت عليَّ، ورحمتني برحمتك، فلم تطفئ النور الذي كنت جعلته لآبائي، وللعبد الصالح قسطيطينوس الملك. فلما نُبئ به أهل المدينة ركبوا إليه، وساروا معه حتى أتوا مدينة أفسوس، فتلقاهم أهل المدينة، وساروا معه حتى صعدوا نحو الكهف حتى أتوه، فلما رأى الفتية تيذوسيس فرحوا به، وخروا سجودًا على وجوههم، وقام تيذوسيس قدامهم، ثم اعتنقهم وبكى، وهم جلوس بين يديه على الأرض يسبحون الله ويحمدونه، ويقول: واللهِ، ما أشبه بكم إلا الحواريون حين رأوا المسيح. وقال: فرج الله عنكم، كأنكم الذين تُدعون فتحشرون من القبور. فقال الفتية لتيذوسيس: إنا نودعك السلام، والسلام عليك ورحمة الله، حفظك الله، وحفظ لك ملكك بالسلام، ونعيذك بالله من شر الجن والإنس، فآمِن بعيش من خلد وشيك، إنّ أسوأ ما سلك في بطن الإنسان أن لا يعلم شيئًا، لا كرامة إن أُكرم بها، ولا هوان إن أُهين به. فبينما الملك قائم إذ رجعوا إلى مضاجعهم، فناموا، وتوفى الله أنفسهم بأمره. وقام الملك إليهم، فجعل ثيابه عليهم، وأمر أن يجعل لكل رجل منهم تابوتًا من ذهب، فلما أمسوا ونام أتوه في المنام، فقالوا: إنا لم نُخلق من ذهب ولا فضة، ولكنا خلقنا من تراب، وإلى التراب نصير، فاتركنا كما كنا في الكهف على التراب حتى يبعثنا الله منه. فأمر الملك حينئذ بتابوت من ساج، فجعلوهم فيه، وحجبهم الله حين خرجوا من عندهم بالرعب، فلم يقدر أحد على أن يدخل عليهم. وأمر الملك فجعل كهفهم مسجدًا يصلى فيه، وجعل لهم عيدًا عظيمًا، وأمر أن يؤتى كل سنة. فهذا حديث أصحاب الكهف

سورة الزمر — الآية ٦٨

عن أبي هريرة، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول -وعنده طائفة من أصحابه-: «إنّ الله -تبارك وتعالى- لَمّا فرغ مِن خلْق السماوات والأرض خلق الصُّورِ، فأعطاه إسرافيل، فهو واضعه على فِيه، شاخِصٌ بصره إلى العرش، ينتظر متى يُؤمَر فينفخ فيه». قلت: يا رسول الله، وما الصُّورِ؟ قال: «القرن». قلت: فكيف هو؟ قال: «عظيم، والذي بعثني بالحق، إن عِظَم دارَةٍ فيه كعرْض السماوات والأرض، فينفخ فيه النفخة الأولى، فيَصعق من في السماوات ومن في الأرض، ثم يُنفخ فيه أخرى ﴿فَإذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ لرب العالمين، فيأمر الله إسرافيل في النفخة الأولى أن يمُدّها ويُطوِّلها فلا يفتر، وهو الذي يقول الله: ﴿وما يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِن فَواق﴾ [ص:١٥]، فيُسَيِّر اللهُ الجبالَ فتكون سرابًا، وترتجّ الأرضُ بأهلها رجًّا، فتكون كالسفينة المُوثَقة في البحر تضربها الأمواج، تكفَّأ بأهلها كالقنديل المعلّق بالعرش، ترجرجه الأرواح، وهي التي يقول الله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ تَتْبَعُها الرّادِفَةُ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ﴾ [النازعات:٨] فيَمِيدُ الناس على ظهرها، وتَذْهل المراضع، وتضع الحوامل، وتشيب الولدان، وتطير الشياطين هارِبةً مِن الفزع، حتى تأتي الأقطار، فتلقاها الملائكة، فتضرب وجوهها فترجع، ويتولي الناس مُدبرين، ينادي بعضُهم بعضًا، وهو قوله: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ﴾ [غافر:٣٣]، [وقوله: ﴿يَوْمَ التَّنادِ﴾ [غافر:٣٢] يوم يُنادي بعضُهم بعضًا، فبينما هم على ذلك إذ تصدّعت الأرض، كل صِدعٍ مِن قُطر إلى قُطر، فرأوا أمرًا عظيمًا لم يروا مثله، وأخذهم لذلك مِن الكَرْب والهول ما الله به عليم، ثم نظروا إلى السماء فإذا هي كالمُهل، ثم انشقت وانتثرت نجومها، وخسفَ شمسها وقمرها». فقال رسول الله ﷺ: «والأمواتُ لا يعلمون شيئًا مِن ذلك». فقلتُ: يا رسول الله، فمَن استثنى الله حين يقول: ﴿فَصَعِقَ مَن فِي السَّماواتِ ومَن فِي الأَرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ﴾؟ قال: «أولئك الشهداء، وإنما يصل الفزع إلى الأحياء، وهم أحياء عند ربهم يُرزقون، ووقاهم الله فزع ذلك اليوم، وآمنهم منه، وهو الذي يقول الله: ﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ إلى قوله: ﴿ولَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:١-٢] فينفخ نفخة الصعق، فيصعق أهل السماوات وأهل الأرض ﴿إلّا مَن شاءَ اللَّهُ﴾، فإذا هم خمود، ثم يجيء مَلك الموت إلى الجبّار فيقول: يا رب، قد مات أهلُ السماوات وأهل الأرض إلا من شئت. فيقول -وهو أعلم-: فمَن بقي؟ فيقول: يا رب، بقيتَ أنت الحيُّ الذي لا يموت، وبقي حَمَلةُ عرشك، وبقي جبريل وميكائيل وإسرافيل، وبقيتُ أنا. فيقول الله: ليمتْ جبريل وميكائيل وإسرافيل. ويُنطِق اللهُ العرشَ، فيقول: يا ربّ، تميت جبريل وميكائيل وإسرافيل؟! فيقول الله له: اسكت، إني كتبتُ الموت على مَن كان تحت عرشي. فيموتون، ثم يأتي مَلك الموت إلى الجبّار، فيقول: يا رب، قد مات جبريل وميكائيل وإسرافيل. فيقول الله عز وجل وهو أعلم-: فمن بقي؟ فيقول: يا رب، بقيتَ أنت الحي الذي لا يموت، وبقي حملة عرشك، وبقيتُ أنا. فيقول الله له: ليمُت حملة عرشي. فيموتون، ويأمر الله العرش، فيقبض الصُّورَ، ثم يأتي ملك الموت الرّب فيقول: يا ربّ، قد مات حملة عرشك. فيقول الله -وهو أعلم-: فمن بقي؟ فيقول: يا ربّ، بقيتَ أنت الحي الذي لا يموت، وبقيتُ أنا. فيقول الله له: أنت خلْق من خلقي، خلقتُك لِما رأيتَ، فمُت. فيموت، فإذا لم يبق إلا الله الواحد القهار الصمد الذي لم يلد ولم يولد، كان آخرًا كما كان أولًا، طوى السماوات والأرض كطي السِّجل للكتاب، ثم قال: دحاهما، ثم تلقّفهما، ثم قال: أنا الجبار. ثلاث مرات، ثم هتف بصوته: لِمَن الملك اليوم؟ لمن الملك اليوم؟ لمن الملك اليوم؟ فلا يجيبه أحد. ثم يقول لنفسه: لله الواحد القهار. ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ والسَّماواتُ﴾ [إبراهيم:٤٨]، فبسطَها وسطَحها، ثم مدّها مد الأديم العكاظي، ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ [طه:١٠٧]، ثم يزجر الله الخلْق زجرةً واحدة، فإذا هم في هذه المُبدَّلة، مَن كان في بطنها كان في بطنها، ومَن كان على ظهرها كان على ظهرها، ثم يُنزل الله عليكم ماءً مِن تحت العرش، فيأمر الله السماءَ أن تُمطِر، فتُمطر أربعين يومًا، حتى يكون الماءُ فوقكم اثني عشر ذراعًا، ثم يأمر الله الأجسادَ أن تَنبت، فتنبت نبات الطراثيث وكنبات البقْل، حتى إذا تكاملت أجسامهم، وكانت كما كانت، قال الله: لِيَحيى حَمَلَةُ العرش. فيحيون، ويأمر الله إسرافيل فيأخذ الصُّورَ، فيضعه على فيه، ثم يقول الله: لِيَحيى جبريل وميكائيل. فيحييان، ثم يدعو الله بالأرواح، فيؤتى بها توهَّج أرواح المؤمنين نورًا والأخرى ظلمة، فيقبضها الله جميعًا، ثم يلقيها في الصُّورِ، ثم يأمر إسرافيل أن ينفخ نفخة البعث، فتخرج الأرواح كأنها النَّحل قد ملأت ما بين السماء والأرض، فيقول: وعِزَّتي وجلالي، لَيَرْجِعَنَّ كلُّ روح إلى جسده. فتدخل الأرواح في الأرض إلى الأجساد، فتدخل في الخياشيم، ثم تمشي في الأجساد كما يمشي السُّمُّ في اللديغ، ثم تنشق الأرض عنكم، وأنا أول مَن تنشق عنه الأرض، فتخرجون منها سِراعًا إلى ربكم تنسلون، ﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِ يَقُولُ الكافِرُونَ هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر:٨] حُفاة عُراة غُلْفًا غُرلًا. فبينما نحن وقوف إذ سمعنا حِسًّا مِن السماء شديدًا، فينزل أهلُ سماء الدنيا بمثلي مَن في الأرض من الجن والإنس، حتى إذا دَنَوا مِن الأرض أشرقتِ الأرضُ بنورهم، ثم ينزل أهل السماء الثانية بمثلي مَن نزل من الملائكة، ومثلي مَن فيها من الجن والإنس، حتى إذا دَنوا من الأرض أشرقت الأرض بنورهم، وأخذوا مصافّهم، ثم ينزل أهلُ السماء الثالثة بمثلي مَن نزل من الملائكة، ومثلي مَن فيها من الجن والإنس، حتى إذا دَنوا من الأرض أشرقت الأرض بنورهم، وأخذوا مصافَّهم، ثم ينزلون على قَدْر ذلك مِن التضعيف إلى السماوات السبع، ثم ينزل الجبار ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ﴾ [البقرة:٢١٠]، يحمل عرشه يومئذ ثمانية، وهم اليوم أربعة، أقدامهم على تُخُوم الأرض السفلى، والأرضون والسماوات إلى حُجَزهم، والعرش على مناكبهم، لهم زَجَلٌ بالتسبيح فيقولون: سبحان ذي العِزّة والجبروت، سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان الحيِّ الذي لا يموت، سبحان الذي يُميت الخلائق ولا يموت، سُبُّوحٌ قُدُّوس ربُّ الملائكة والروح، سبحان ربنا الأعلى الذي يميت الخلائق ولا يموت. فيضع عرشه حيث يشاء من الأرض، ثم يهتف بصوته فيقول: يا معشر الجن والإنس، إنِّي قد أنصَتُّ لكم منذ يوم خلقتكم إلى يومك هذا؛ أسمع قولكم، وأُبصر أعمالكم، فأنصِتوا لي، فإنما هي أعمالكم وصحفكم تُقرأ عليكم، فمَن وجد خيرًا فليحمد الله، ومَن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نفسه. ثم يأمر اللهُ جهنمَ، فيخرج منها عُنُق ساطِع مظلم، ثم يقول: ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وأَنِ اعْبُدُونِي هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس:٦٠-٦١]، ﴿وامْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ﴾ [يس:٥٩] فيَمِيز بين الناس، وتجثو الأمم، قال: ﴿وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها﴾ [الجاثية:٢٨]، ويقفون موقفًا واحدًا مقدار سبعين عامًا لا يُقضى بينهم، فيبكون حتى تنقطع الدموعُ، ويدمعون دمًا، ويعرقون عرقًا حتى يبلغ ذلك منهم أن يُلْجمهم العرق وأن يبلغ الأذقانَ منهم، فيصيحون ويقولون: مَن يشفع لنا إلى ربِّنا؛ فيقضي بيننا؟ فيقولون: ومَن أحقُّ بذلك مِن أبيكم آدم؟ فيطلبون ذلك إليه، فيأبى ويقول: ما أنا بصاحب ذلك. ثم يستقْرُون الأنبياء نبيًّا نبيًّا، كلما جاءوا نبيًّا أبى عليهم». قال رسول الله ﷺ: «حتى يأتوني، فأنطلِق حتى آتي الفَحْص، فأخرّ ساجدًا». قال: أبو هريرة: يا رسول الله، وما الفَحْص؟ قال: «قُدام العرش، حتى يبعث الله إلَيَّ ملَكًا، فيأخذ بعَضُدي، فيرفعني، فيقول لي: يا محمد. فأقول: نعم، يا ربِّ. ما شأنك؟ -وهو أعلم بي- فأقول: يا ربِّ، وعدتني الشفاعة؛ فشفِّعني في خلقك، فاقْضِ بينهم. قال: قد شفّعتُك، وأقضي بينهم». قال: قال رسول الله ﷺ: «فأرجع، فأقف مع الناس، فيقضي الله بين الخلائق، فيكون أول ما يُقضى فيه في الدماء، ويأتي كل مَن قُتل في سبيل الله يحمل رأسه، وتَشْخُبُ أوداجه دمًا، فيقولون: يا ربَّنا، قتَلَنا فلان وفلان. فيقول الله -وهو أعلم-: لِمَ قُتِلتم؟ فيقولون: يا ربنا، قُتِلنا لتكون العِزَّة لك. فيقول الله لهم: صدقتم. فيجعل الله لوجوههم نورًا مثل نور الشمس، ثم تشيّعهم الملائكة إلى الجنة، ويأتي مَن كان قُتِل على غير ذلك، يحمل رأسه وتَشْخُب أوداجه، فيقولون: يا ربنا، قتَلَنا فلان وفلان. فيقول: لِمَ؟ -وهو أعلم- فيقول: لِتكون العِزَّة لي. فيقول الله: تَعِست. ثم ما يبقى نفس قَتلها إلا قُتِل بها، ولا مظلمة ظَلمها إلا أُخِذ بها، وكان في مشيئة الله؛ إن شاء عذّبه، وإن شاء رحمه، ثم يقضي الله بين مَن بقي مِن خلْقه حتى لا يبقى مظلمة لأحد عند أحد إلا أخذها الله للمظلوم من الظالم، حتى إنّه ليكلَّف يومئذ شائب اللبن للبيع، الذي كان يشوب اللبن بالماء ثم يبيعه، فيُكلّف أن يُخلِّص الماء من اللبن. فإذا فرغ الله مِن ذلك نادى نداءً أسمع الخلائق كلهم: ألا لِيلحقْ كلُّ قوم بآلهتهم وما كانوا يعبدون من دون الله. فلا يبقى أحدٌ عبد مِن دون الله شيئًا إلا مُثِّلَت له آلهته بين يديه، ويُجعل يومئذ مَلَك من الملائكة على صورة عُزَير، ويُجعل مَلَك من الملائكة على صورة عيسى، فيتبع هذا اليهود، وهذا النصارى، ثم يعود بهم آلهتهم إلى النار، فهي التي قال الله: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٩]، فإذا لم يبق إلا المؤمنون وفيهم المنافقون، فيقول: يا أيها الناس، ذهب الناسُ، فالحقوا بآلهتكم وما كنتم تعبدون. فيقولون: واللهِ، ما لنا إله إلا الله، وما كنا نعبد غيره. فيقال لهم الثانية، والثالثة، فيقولون مثل ذلك، فيقول: أنا ربُّكم، فهل بينكم وبين ربكم آيةٌ تعرفونه بها؟ فيقولون: نعم. فيكشِف عن ساق، ويريهم ما شاء الله أن يريهم، فيعرفون أنَّه ربهم، فيخرّون له سُجّدًا لوجوههم، ويخرّ كلُّ منافق على قفاه؛ يجعل الله أصلابهم كصَيَاصِيّ البقر، ثم يأذن الله لهم، فيرفعون رؤوسهم، ويُضرَب الصِّراط بين ظهراني جهنم كدّقة الشعر، أو كحدّ السيف، عليه كلاليب وخطاطيف وحَسَكٌ كحَسَك السَّعْدان، دونه جسر دَحْضٌ مَزَلَّةٌ، فيمرّون كطرْف العين، وكلمْح البرق، وكمرِّ الريح، وكجياد الخيل، وكجياد الركاب، وكجياد الرجال؛ فناجٍ سالم، وناجٍ مخدوش، ومَكْدُوشٌ على وجهه في جهنم، فإذا أفضى أهلُ الجنة إلى الجنة فدخلوها، فوالذي بعثني بالحق، ما أنتم في الدنيا بأعرف بأزواجكم ومساكنكم مِن أهل الجنة بأزواجهم ومساكنهم إذا دخلوا الجنة، فيدخل كلُّ رجل منهم على اثنتين وسبعين زوجة مِمّا ينشىء الله في الجنة، واثنتين آدميتين مِن ولد آدم لهما فضلٌ على مَن أنشأ الله؛ لعبادتهما في الدنيا، فيدخل على الأولى منهنَّ في غُرفة مِن ياقوتة، على سرير من ذهب، مُكلّل باللؤلؤ، عليه سبعون زوجًا مِن سُندس وإستبرق، ثم إنه يضع يده بين كتفيها، فينظر إلى يدها مِن صدرها، ومن وراء ثيابها وجلدها ولحمها، وإنه لينظر إلى مُخِّ ساقها كما ينظر أحدُكم إلى السلك في الياقوتة، كبدها له مرآة، وكبده لها مرآة، فبينما هو عندها لا يملُّها ولا تملّه، ولا يأتيها مرة إلا وجدها عذراء، لا يفتران ولا يألمان، فبينما هو كذلك إذ نُودِي فيُقال له: إنّا قد عرفنا أنك لا تَمَلّ ولا تُملّ، وإنّ لك أزواجًا غيرها. فيخرج فيأتيهنَّ واحدة واحدة، كلما جاء واحدةً قالت له: واللهِ، ما أرى في الجنة شيئًا أحسن منك، ولا شيئًا في الجنة أحب إلَيَّ منك. قال: وإذا وقع أهلُ النار في النار وقع فيها خَلْق مِن خَلْق الله، أوْبقَتهم أعمالهم، فمنهم مَن تأخذه النار إلى ركبتيه، ومنهم مَن تأخذه النار إلى حَقْوَيه، ومنهم من تأخذه النار في جسده كله إلا وجهه؛ حرّم الله صورهم على النار، فينادون في النار فيقولون: مَن يشفع لنا إلى ربنا حتى يُخرجنا مِن النار؟ فيقولون: ومَن أحقُّ بذلك مِن أبيكم آدم؟! فينطلق المؤمنون إلى آدم، فيقولون: خلقك اللهُ بيده، ونَفخَ فيك مِن روحه، وكلّمك قِبَلًا. فيذكر آدمُ ذنبَه، فيقول: ما أنا بصاحب ذلك، ولكن عليكم بنوح؛ فإنّه أول رسل الله. فيؤتى نوح، ويُطلب ذلك إليه، فيذكر ذنبًا، ويقول: ما أنا بصاحب ذلك، ولكن عليكم بإبراهيم؛ فإنّ الله اتخذه خليلًا. فيؤتى إبراهيم، فيُطلب ذلك إليه، فيذكر ذنبًا، فيقول: ما أنا بصاحب ذلك، ولكن عليكم بموسى؛ فإن الله قرّبه نجيًّا وكلّمه، وأنزل عليه التوراة. فيؤتى موسى، فيُطلب ذلك إليه، فيذكر ذنبًا، ويقول: ما أنا بصاحب ذلك، ولكن عليكم بروح الله وكلمته، عيسى ابن مريم. فيؤتى عيسى ابن مريم، فيُطلب ذلك إليه، فيقول: ما أنا بصاحب ذلك، ولكن عليكم بمحمد ﷺ». قال رسول الله ﷺ: «فيأتوني، ولي عند ربي ثلاث شفاعات وعدنيهن، فأنطلق حتى آتيَ باب الجنة، فآخذ بحلقة الباب، فاستفتح، فيُفتح لي، فأخرّ ساجدًا، فيأذن لي من حمده وتمجيده بشيء ما أذن به لأحد من خلْقه، ثم يقول: ارفع رأسك، يا محمد، اشفع تُشفّع، وسل تُعطه. فإذا رفعتُ رأسي قال لي -وهو أعلم-: ما شأنك؟ فأقول: يا رب، وعدتني الشفاعة؛ فشَفِّعْني. فأقول: يا رب، مَن وقع في النار مِن أمتي. فيقول الله: أخْرِجوا مَن عرفتم صورته. فيخرج أولئك حتى لا يبقى منهم أحد، ثم يأذن الله في الشفاعة، فلا يبقى نبيٌّ ولا شهيدٌ إلا شفع، فيقول الله: أخرِجوا مَن وجدتم في قلبه زِنة دينار مِن خير. فيخرج أولئك حتى لا يبقى منهم أحدٌ، ثم يشفع الله، فيقول: أخرِجوا مَن وجدتم في قلبه زِنَة ثلثي دينار. ثم يقول: نصف دينار. ثم يقول: ثلث دينار. ثم يقول: ربع دينار. ثم يقول: قيراط. ثم يقول: مثقال حبة. فيخرج أولئك حتى لا يبقى منهم أحدٌ، وحتى لا يبقى في النار مَن عمل خيرًا قط، ولا يبقى أحدٌ له شفاعة إلا شُفِّع، حتى إنّ إبليس لَيتطاولُ لِما يرى مِن رَحْمَة اللَّه رجاءَ أن يُشفع له، ثم يقول الله: بقيتُ وأنا أرحم الراحمين. فيقبض قبضةً، فيخرج منها ما لا يحصيه غيره، فيبثّهم على نهرٍ يُقال له: نهر الحيوان، فينبتون فيه كما تنبت الحِبَّةُ في حَمِيلِ السَّيْلِ، فما يلي الشمس أُخَيْضِر، وما يلي الظِّل أُصَيْفِر، فينبتون كالذَّرّ، مكتوب في رقابهم: الجهنميون عتقاء الرحمن. لم يعملوا لله خيرًا قط -يقول: مع التوحيد-، فيمكثون في الجنة ما شاء الله وذلك الكتاب في رقابهم، ثم يقولون: يا ربنا، امحُ عنا هذا الكتاب. فيمحوه عنهم»