قال ابن كثير (٣/٤١١): «استدل جمهور العلماء على تحريم المخلوقة من ماء الزاني عليه بعموم قوله تعالى: ﴿وبناتكم﴾؛ فإنها بنتٌ فتدخل في العموم، كما هو مذهب أبي حنيفة، ومالك، وأحمد بن حنبل. وقد حكي عن الشافعي شيءٌ في إباحتها؛ لأنها ليست بنتًا شرعية، فكما لم تدخل في قوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ فإنها لا ترث بالإجماع، فكذلك لا تدخل في هذه الآية»
قرأ عبد الله بن عباس، والحسن البصري، ويحيى بن أبي كثير: (المَلِكَيْنِ) بكسر اللام. وقالوا: هما رجلان ساحران كانا ببابل. وقال الحسن: عِلْجان؛ لأن الملائكة لا يُعَلِّمون السحر
عن أنس بن مالك: أنّ سائلًا أتى النَّبِيَّ ﷺ، فأعطاه تمرةً، فقال السائل: نبي من الأنبياء يتصدق بتمرة! فقال النبيُّ ﷺ: «أما علِمتَ أنّ فيها مثاقيل ذرٍّ كثير»
ذكر ابن عطية (١/٣٠٣) أن المهدوي حكى أن قولهما: ﴿إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾ استهزاء، لأنهما إنما يقولانه لمن قد تحققا ضلاله. وعلَّقَ ابن كثير (١/٥٣٦) على الاستدلال بهذه الآية على تكفير مَن تعلَّم السحر بقوله: «ويستشهد له بالحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام، عن عبد الله، قال: «من أتى كاهنًا أو ساحرًا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ». وهذا إسناد جيد، وله شواهد أُخَر»
وجَّه ابنُ عطية (٥/٢٤٨) قول ابن عباس: أنّ هذه الآية في جَبَلَة بن الأَيْهَم. بقوله: «ولم يُرِد ابنُ عباس أنها فيه نزلت؛ لأن نزول الآية قبل قصته، وإنما أراد أنها تخص مَن فَعَلَ فِعْلَ جَبَلَة إلى يوم القيامة». وذكر ابنُ كثير (٨/٢١٩) قول ابن عباس مِن طريق عطاء أنّ الذين بدَّلوا نعمة الله كفرًا هم كفار أهل مكة، وذكر قول ابن عباس من طريق العوفي أن المقصود بالآية جَبَلَة بن الأيْهم، ثم علَّق عليهما بقوله: «والمشهور الصحيح عن ابن عباس هو القول الأول، وإن كان المعنى يعمُّ جميع الكفار؛ فإنّ الله تعالى بعث محمدًا ﷺ رحمة للعالمين، ونعمة للناس، فمَن قَبِلَها وقام بشكرها دَخَل الجنة، ومَن ردَّها وكَفَرَها دخل النار»
اختُلِف في قوله: ﴿ولبثوا في كهفهم... ﴾ على قولين: الأول: أن هذا قول أهل الكتاب، فرده الله تعالى عليهم بقوله: ﴿قل الله أعلم بما لبثوا﴾. والثاني: أن هذا إخبار من الله تعالى عن مدة بقائهم في الكهف. ورجَّح ابنُ جرير (١٥/٢٣١-٢٣٢ بتصرف) مستندًا إلى ظاهر القرآن، ودلالة العقل القولَ الثاني الذي قاله مجاهد، وابن عمير، وابن إسحاق، والضحاك، وانتقد الأول، فقال: «الدالُّ على أنه -جلّ ثناؤه- ابتدأ الخبر عن قدر لبثهم في كهفهم ابتداء، فقال: ﴿ولَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وازْدادُوا تِسْعًا﴾، ولم يضع دليلًا على أن ذلك خبر منه عن قول قوم قالوه، وغير جائز أن يضاف خبره عن شيء إلى أنه خبر عن غيره بغير برهان؛ لأنّ ذلك لو جاز جاز في كل أخباره، وإذا جاز ذلك في أخباره جاز في أخبار غيره أن يضاف إليه أنها أخباره، وذلك قلب أعيان الحقائق وما لا يخيل فساده». وبنحوه ابنُ كثير (٩/١٢٦). وكذا رجَّحه ابنُ عطية (٥/٥٩٣). وانتقد ابنُ كثير (٩/١٢٦) ما استدل به أصحاب القول الأول مستندًا إلى الدلالات العقلية، وشذوذ قراءة ابن مسعود، فقال: «وفي هذا الذي زعمه قتادة نظر؛ فإن الذي بأيدي أهل الكتاب أنهم لبثوا ثلاثمائة سنة من غير تسع، يعنون بالشمسية، ولو كان الله قد حكى قولهم لما قال: ﴿وازْدادُوا تِسْعًا﴾... ورواية قتادة قراءة ابن مسعود منقطعة، ثم هي شاذة بالنسبة إلى قراءة الجمهور فلا يُحْتَجُّ بها»
اختُلف في قوله تعالى: ﴿قالوا ربّنا أمتّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين﴾ على أقوال: الأول: أنه خلَقهم أمواتًا في أصلاب آبائهم، ثم أحياهم بإخراجهم، ثم أماتهم عند انقضاء آجالهم، ثم أحياهم للبعث. الثاني: أنه أحياهم نسمًا عند أخْذ العهد عليهم وقت أخذهم من صلب آدم عليه السلام، ثم أماتهم بعد ذلك، ثم أحياهم في الدنيا، ثم أماتهم، ثم أحياهم. الثالث: أنه أحياهم في الدنيا، ثم أماتهم، ثم أحياهم في القبر وقت سؤال منكر ونكير، ثم أماتهم فيه، ثم أحياهم في الحشر. وانتقد ابنُ عطية (٧/٤٢٦) القول الثاني الذي قاله ابن زيد، والثالث الذي قاله السُّدّيّ، -مستندًا لظاهر الآية- وذلك أن الإحياء فيهما ثلاث مرّات. وبنحوه قال ابنُ كثير (١٢/١٧٦). ورجَّح ابنُ عطية القول الأول الذي قاله ابن مسعود، وابن عباس، وقتادة، والضَّحّاك، وأبو مالك، والكلبي، فقال: «والأول أثبت الأقوال». ولم يذكر مستندًا. وكذا رجَّحه ابنُ تيمية (٥/٤٣١) مستندًا إلى النظائر، فقال: «والصحيح أن هذه الآية كقوله: ﴿وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم﴾ [البقرة:٢٨]، فالموتة الأولى قبل هذه الحياة، والموتة الثانية بعد هذه الحياة، وقوله تعالى: ﴿ثم يحييكم﴾ بعد الموت: قال تعالى: ﴿منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى﴾ وقال: ﴿قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون﴾ [الأعراف:٢٥]». وبنحوه قال ابنُ كثير (١٢/١٧٦)
تشير هذه القراءة إلى أن هزيمة المشركين كانت باقتتال علي وعمرو بن عبد ود، كما روي في بعض الآثار. وقد انتقد ابنُ تيمية (٥/٢١٨) هذا، ورجّح أن هزيمة المشركين لم تكن باقتتال، فقال: «قوله: ﴿وكفى الله المؤمنين القتال﴾ يبين أن المؤمنين لم يقاتلوا فيها، وأن المشركين ما ردهم الله بقتال، وهذا هو المعلوم المتواتر عند أهل العلم بالحديث والتفسير والمغازي والسير والتاريخ؛ فكيف يقال بأنه باقتتال علي وعمرو بن عبد ود وقتله له انهزم المشركون؟!». وأورد ابنُ تيمية في هذا المعنى حديثًا مرفوعًا إلى النبي ﷺ، وحكم عليه بالوضع
أفادت الآثار اختلاف السلف في تفسير قوله: ﴿وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب﴾ على قولين: الأول: أن ذلك شيطان. الثاني: أن ذلك ولد لسليمان مات. وقد رجّح ابنُ عطية (٧/٣٤٨) القول الأول؛ لأنه الأظهر معنىً بقوله: «وهذا أصح الأقوال، وأبينها معنى». وذكر ابنُ عطية القول الثاني، وقولًا أن ذلك كان شق الولد الذي وُلِد له حين أقسم ليطوفن على نسائه ولم يستثن في قسمه. وقولًا أن ذلك كان مرضًا كالإغماء أصاب سليمان حتى صار على كرسيه كأنه بلا روح. وانتقد مستندًا لدلالة الآية الثلاثة بقوله: «وهذا كله غير متصل بمعنى هذه الآية»
عن عكرمة، قال: جاء نفرٌ مِن أهلِ اليمنِ إلى عبد الله بن عباس، فسأله رجلٌ: أرأيت قوله: ﴿ومَن كان فِي هَذِهِ أعمى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أعمى﴾؟ فقال ابنِ عباس: لم تُصِبِ المسألةَ، اقرأْ ما قبلَها: ﴿رَّبُكُمُ الذِي يُزجِي لَكُمُ الفُلكَ فِي البَحرِ﴾ حتى بلَغ: ﴿وفَضَّلناهُم عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلقنا تَفضِيلًا﴾. فقال ابن عباس: مَن كان أعمى عن هذا النعيم الذي قد رأى وعايَن؛ فهو في أمرِ الآخرة التي لم يَرَ ولم يُعايِنْ أعْمى وأَضَلُّ سَبِيلًا