اختُلف في معنى: ﴿وأَنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ على قولين: الأول: أنت حلال بهذا البلد يحلّ لك فيه قتْل مَن شئتَ. الثاني: أنت مُحِلٌّ بهذا البلد غير محرم في دخوله. ووجَّه ابنُ عطية (٨‏/‏٦١٨) القول الأول بقوله: «وكان هذا يوم فتح مكة، وعلى هذا يتركب قول مَن قال: السورة مدنية نزلت عام الفتح. ويتركب على هذا التأويل قول مَن قال: ﴿لا﴾ نافية، أي: إنّ هذا البلد لا يُقسِم الله به، وقد جاء أهله بأعمال توجب إحلال حُرمته. ويتَّجه أيضًا أن تكون ﴿لا﴾ غير نافية». ووجَّه ابنُ القيم (٣‏/‏٣٠٣) القول الثاني بأنه «حلال ساكن البلد، بخلاف المحرم الذي يحج ويعتمر ويرجع، ولأنّ أمْنه إنما تظهر به النعمة عند الحِلّ من الإحرام، وإلا ففي حال الإحرام هو في أمان، والحرمة هناك للفعل لا للمكان، والمقصود هو ذِكْر حرمة المكان، وهي إنما تظهر بحال الحلال الذي لم يتلبس بما يقتضي أمْنه، ولكن على هذا ففيه تنبيه، فإنه إذا أقسم به وفيه الحلال فإذا كان فيه الحرام فهو أولى بالتعظيم والأمن». ونقل ابنُ عطية عن بعض المتأولين أنّ المعنى: «وأنت ساكنٌ بهذا البلد». ثم وجَّهه بقوله: «وعلى هذا يجيء قول مَن قال: هي مكّيّة. والمعنى على إيجاب القسم بيِّن، وعلى نفيه أيضًا يتَّجه على معنى: لا أُقسِم ببلد أنت ساكنه على أذى هؤلاء القوم وكفرهم». ووجَّهه ابنُ القيم (٣‏/‏٣٠٤) بأنه «متضمن لهذا التعظيم، مع تضمّنه أمرًا آخر، وهو الإقسام ببلده المشتمل على رسوله وعبده، فهو خير البقاع وقد اشتمل على خير العباد، فجعل بيته هدًى للناس، ونبيّه إمامًا وهاديًا لهم، وذلك من أعظم نِعمه وإحسانه إلى خَلْقه، كما هو مِن أعظم آياته ودلائل وحدانيته وربوبيته، فمن اعتبر حال بيته وحال نبيّه وجد ذلك من أظهر أدلة التوحيد والربوبية». ثم نقل عن شرحبيل بن سعد -حكاية عن الثعلبي- أنّ المعنى: «قد جعلوك حلالًا مُستَحل الأذى والإخراج والقتل لك لو قدروا»

اختلف القَرَأَةُ في قراءة قوله تعالى: ﴿وأرجلكم إلى الكعبين﴾، فقرأه جماعة بنصب ﴿وأرجلَكم﴾، وقرأه جماعة بخفض ﴿وأرجلِكم﴾، وبحسب هذا اختلف أهل التأويل في بيان معناه: فمن قرأ بالنصب جعل العامل: «اغسلوا»، وبنى على أنّ الفرض في الرجلين الغسل لا المسح، وهذا مذهب الجمهور، والمرويّ من فِعْلِ النبي ﷺ، وهو اللازم من قوله ﷺ وقد رأى قومًا يتوضؤون وأعقابهم تَلُوح، فنادى بأعلى صوته: «ويل للأعْقاب من النار». ومن قرأ بالخفض جعل العامل أقرب العامِلَين، واختلفوا، فقالت فرقة منهم: الفرض في الرجلين المسحُ لا الغسل. وهذا مذهب الشيعة، ومَن وافقهم. وقالت فرقة أخرى منهم: المسح في الرجلين هو الغسل. وروي عن أبي زيد أن العرب تسمي الغسل الخفيف مسحًا، ويقولون: تمسحت للصلاة. بمعنى: غسلت أعضائي"". وذَهَبَ ابنُ عطية (٣‏/‏١١٨)، وابنُ تيمية (١‏/‏٤١٨-٤٢١)، وابنُ كثير (٥‏/‏١٠٩-١١٣) إلى وجوب الغسل، ويفهم ذلك من كلام ابن القيم (١‏/‏٣١٤)، وإلى ذلك ذَهَبَ ابن جرير (٨‏/‏١٩٨-١٩٨) أيضًا؛ استنادًا إلى السُّنَّة، ولغة العرب، ولكنه عبَّرَ بعبارة تجمع بين القراءتين، وتُصَوِّبهما، فقال: «والصواب من القول عندنا في ذلك: أنّ الله -عزّ ذِكْرُه- أمر بعموم مسح الرِّجْلَيْن بالماء في الوضوء، كما أمر بعموم مسح الوجه بالتراب في التيمم. وإذا فعل ذلك بهما المتوضئ كان مُسْتَحِقًّا اسم «ماسحٍ غاسلٍ»؛ لأن غسلهما إمرار الماء عليهما أو إصابتهما بالماء، ومسحهما إمرار اليد أو ما قام مقام اليد عليهما، فإذا فعل ذلك بهما فاعل فهو «ماسح غاسل». ولذلك -مِن احتمال «المسح» المعنيين اللذين وصفتُ من العموم والخصوص، اللذين أحدهما: مسح ببعض، والآخر: مسح بالجميع- اختلفت قراءةُ القَرَأَة في قوله: ﴿وأرجلكم﴾، فنصبها بعضُهم توجيهًا منه ذلك إلى أن الفرض فيهما الغسل، وإنكارًا منه المسح عليهما، مع تظاهر الأخبار عن رسول الله ﷺ بعموم مسحهما بالماء. وخفضها بعضهم توجيهًا منه ذلك إلى أن الفرض فيهما المسح. ولمّا قلنا في تأويل ذلك:»إنه معنيٌّ به عموم مسح الرجلين بالماء«، كرِه مَن كرِه للمتوضِّئ الاجتزاءَ بإدخال رجليه في الماء دون مسحهما بيده، أو بما قام مقام اليد، توجيهًا منه قوله: ﴿وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾ إلى مسح جميعهما عامًّا باليد، أو بما قام مقام اليد، دون بعضهما، مع غسلهما بالماء. وأجاز ذلك من أجاز توجيهًا منه إلى أنه معنيٌّ به الغسل. فإذا كان في»المسح«المعنيان اللذان وصفنا: من عموم الرجلين بالماء، وخصوص بعضهما به، وكان صحيحًا بالأدلّة الدّالِّة التي سنذكرها بعدُ، أنّ مراد الله من مسحهما العموم، وكان لعمومهما بذلك معنى الغسل والمسح، فبيِّنٌ صوابُ القراءتين جميعًا، أعني: النصب في الأرجل والخفض؛ لأن في عموم الرجلين بمَسحهما بالماء غسلَهما، وفي إمرار اليد وما قام مقام اليد عليهما مسحَهما. فوجْهُ صواب قراءة من قرأ ذلك نصبًا: لِما في ذلك من معنى عمومها بإمرار الماء عليهما. ووجْهُ صواب قراءة من قرأه خفضًا: لِما في ذلك من إمرار اليد عليهما، أو ما قام مقام اليد، مسحًا بهما. غير أنّ ذلك وإن كان كذلك، وكانت القراءتان كلتاهما حسنًا صوابًا، فأعجب القراءتين إليّ أن أقرأها قراءةُ من قرأ ذلك خفضًا؛ لِما وصفت من جمع المسحِ المعنيين اللَّذَيْنِ وصفتُ، ولأنه بعد قوله: ﴿وامسحوا برءوسكم﴾ فالعطف به على»الرءوس«مع قربه منه أوْلى من العطف به على»الأيدي«، وقد حيل بينه وبينها بقوله: ﴿وامسحوا برءوسكم﴾. فإن قال قائل: وما الدليل على أن المراد بالمسح في الرجلين العموم، دون أن يكون خصوصًا، نظيرَ قولك في المسح بالرأس؟ قيل: الدليل على ذلك، تظاهرُ الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ويل للأعقاب وبُطون الأقدام من النار». ولو كان مسح بعض القدم مُجْزِئًا من عمومها بذلك؛ لِما كان لها الويل بترك ما تُرك مسحه منها بالماء بعد أن يُمسح بعضها؛ لأنّ من أدّى فرضَ الله عليه فيما لزمه غسلُه منها لم يستحق الويل، بل يجب أن يكون له الثواب الجزيل، وفي وجوب الويل لعَقِب تارك غسلِ عَقِبه في وضوئه أوضحُ الدليل على وجوب فرض العموم بمسح جميع القدم بالماء، وصحةِ ما قلنا في ذلك، وفسادِ ما خالفه». ووجّه ابنُ كثير (٥‏/‏١١٠) كلام ابن جرير هنا بقوله: «ومَن نقل عن أبي جعفر ابن جرير أنه أوجب غسلهما للأحاديث، وأوجب مسحهما للآية؛ فلم يُحَقِّق مذهبه في ذلك، فإنّ كلامه في تفسيره إنما يدل على أنه أراد أنه يجب دَلْكُ الرِّجلين من دون سائر أعضاء الوضوء؛ لأنهما يليان الأرض والطين وغير ذلك، فأوجب دَلْكَهما لِيَذْهَب ما عليهما، ولكنه عَبَّرَ عن الدَّلْك بالمسح، فاعتقد مَن لم يتأمل كلامه أنه أراد وجوب الجمع بين غسلِ الرجلين ومسحِهما، فحكاه من حكاه كذلك؛ ولهذا يستشكله كثير من الفقهاء، وهو معذور؛ فإنه لا معنى للجمع بين المسح والغسل، سواء تقدمه أو تأخر عليه؛ لاندراجه فيه، وإنما أراد الرجل ما ذكرته، والله أعلم. ثم تأملتُ كلامَه أيضًا فإذا هو يحاول الجمع بين القراءتين في قوله: ﴿وأرجلكم﴾ خفضًا على المسح -وهو الدلك-، ونصبًا على الغسل، فأوجبهما أخذًا بالجمع بين هذه وهذه»

اختُلف في مرجع الهاء من قوله تعالى: ﴿عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ في هذه الآية على قولين: القول الأول: أنها تعود إلى الماء، وفي معناها ثلاثة أقوال: أحدها: إنّ الله على ردّ النُّطفة في الإحليل لقادر. ثانيها: على ردّ الماء في الصُّلب لقادر. ثالثها: إنه على حبس ذلك الماء لقادر. القول الثاني: أنها تعود على الإنسان، وفي معناها ثلاثة أقوال: أحدها: أنه على ردّه ماءً كما كان قبل أن يَخلقه منه لَقادر. ثانيها: أنه على رجْعه مِن حال الكِبَر إلى حال الصغر. ثالثها: إنه على إحيائه من بعد مماته لَقادر. ووجَّه ابن عطية (٨‏/‏٥٨٦ بتصرف) قول من قال: إنّ المعنى: يُرْجِعه من حال الكِبَر إلى حال الصغر، ومَن قال: يَرُدُّ النُّطفة في الإحليل بقوله: «والعامل في»يَوْمَ«-على هذين القولين- فعلٌ مضمر تقديره: اذكر يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ». ورجَّح ابن جرير (٢٤‏/‏٣٠٠) المعنى الثالث من القول الثاني -مستندًا إلى السياق- فقال: «إنّ الله على ردِّ الإنسان المخلوق من ماءٍ دافقٍ من بعد مماته حيًّا، كهيئته قبل مماته لقادر»، وعلَّل ذلك بقوله: «وإنما قلتُ: هذا أولى الأقوال في ذلك بالصواب، لقوله: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩]، فكان في إتباعه قولَه: ﴿عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ أنباءً من أنباء القيامة، دلالة على أنّ السابقَ قبلَها أيضًا منه، ومنه: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾، يقول تعالى ذِكْره: إنه على إحيائه بعد مماته لقادرٌ، يوم تبلى السرائر؛ فـ»اليومُ«من صفة»الرَّجْع«؛ لأنّ المعنى: إنه على رجْعه يوم تبلى السرائرُ لقادرٌ». وكذا رجَّحه ابن عطية (٨‏/‏٥٨٦)، قائلًا: «وهو أظهر الأقوال وأبْيَنُها»، ونقل ابن عطية (٨‏/‏٥٨٦ بتصرف) ثلاثة أقوال في العامل في «يَوْمَ» بناءً على هذا المعنى: «الأول: العامل»ناصِرٍ«من قوله تعالى: ﴿ولا ناصِرٍ﴾، والثاني: العامل»الرَّجْعُ«من قوله تعالى: ﴿عَلى رَجْعِهِ﴾، قالوا: وفي المصدر من القوة بحيث يعمل وإنْ حال خبران بينه وبين معموله، والثالث: العامل فعل مضمر تقديره:»إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ يُرجعه يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ«»، ثم علَّق عليها بقوله: «وكلّ هذه الفرق فرَّتْ من أنْ يكون العامل»قادرٌ«؛ لأنّ ذلك يَظهر منه تخصيص القدرة في ذلك اليوم وحده، وإذا تُؤُمِّلَ المعنى وما يقتضيه فصيح كلام العرب جاز أنْ يكون العامل»قادرٌ«، وذلك أنه عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ، أي: على الإطلاق أولًا وآخرًا وفي كل وقت، ثم ذكر تعالى وخصّص من الأوقات الوقت الأهم على الكفار؛ لأنه وقت الجزاء والوصول إلى العذاب، فتجتمع النفوس إلى حذره والخوف منه». وكذا رجَّحه ابن القيم (٣‏/‏٢٨٧، ٢٨٨ بتصرف) وانتقد القول بأن المراد رد الماء في الإحليل، أو الصُّلب، أو ردّ الإنسان من الكِبَر إلى الشباب، ومن الشباب إلى الصِّبا إلى النُّطفة -مستندًا إلى دلالة النظائر والعقل واللغة- فقال: «وهو الصواب لوجوه: أحدها: أنه هو المعهود من طريقة القرآن من الاستدلال بالمبدأ على المعاد. الثاني: أنّ ذلك أدل على المطلوب من القدرة على رد الماء في الإحليل. الثالث: أنه لم يأتِ لهذا المعنى في القرآن نظير في موضع واحد، ولا أنكره أحد حتى يقيم سبحانه الدليل عليه. الرابع: أنه قيّد الفعل بالظرف وهو قوله: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ وهو يوم القيامة، أي: أنّ الله قادر على رجْعه إليه حيًّا في ذلك اليوم. الخامس: أنّ الضمير في ﴿رَجْعِهِ﴾ هو الضمير في قوله: ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ﴾ وهذا للإنسان قطعًا لا للماء. السادس: أنه لا ذِكْر للإحليل، حتى يتعين كون المرجع إليه، فلو قال قائل: على رجْعه إلى الفرج الذي صُبّ فيه لم يكن فرق بينه وبين هذا القول، ولم يكن أولى منه. السابع: أنّ ردّ الماء إلى الإحليل أو الصُّلب بعد خروجه منه غير معروف، ولا هو أمر معتاد جَرتْ به القدرة، وإنْ كان مقدورًا للرّبّ تعالى، ولكن هو لم يُجرِه ولم تَجرِ به العادة، ولا هو مما تكلّم الناس فيه نفيًا أو إثباتًا، ومثل هذا لا يقرّره الرّبّ ولا يستدل عليه وينبّه على منكريه، وهو سبحانه إنما يستدل على أمر واقع ولا بدّ، إمّا قد وقع ووُجد أو سيقع. الثامن: أنه سبحانه دعا الإنسان إلى النظر فيما خُلِق منه ليردّه نظره عن تكذيبه بما أخبر به، وهو لم يخبره بقدرة خالقه على ردّ الماء في إحليله بعد مفارقته له، حتى يدعوه إلى النظر فيما خُلِق منه، ليستقبح منه صحة إمكان ردّ الماء. التاسع: أنه لا ارتباط بين النظر في مبدأ خَلْقه وردّ الماء في الإحليل بعد خروجه، ولا تلازم بينهما، حتى يجعل أحدهما دليلًا على إمكان الآخر بخلاف الارتباط الذي بين المبدأ والمعاد، والخلق الأول والخلق الثاني، والنشأة الأولى والنشأة الثانية، فإنه ارتباط من وجوه عديدة، ويلزم من إمكان أحدهما إمكان الآخر، ومن وقوعه صحة وقوع الآخر، فحَسُن الاستدلال بأحدهما على الآخر. العاشر: أنه سبحانه نبّه بقوله: ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ على أنه قد وكّل عليه مَن يحفظ عليه عمله ويحصيه، فلا يضيع منه شيء، ثم نبّه بقوله: ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ على بعْثه لجزائه على العمل الذي حُفظ وأُحصي عليه، فذكر شأن مبدأ عمله ونهايته، فمبدؤه محفوظ عليه، ونهايته الجزاء عليه، ونبّه على هذا بقوله: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ أي: تُختبر»

سورة المائدة — الآية ٧٢

عن محمد بن كعب القرظي، قال: لَمّا رَفَع اللهُ عيسى ابنَ مريم اجْتَمَع مِن علماءِ بني إسرائيل مائةُ رجل، فقال بعضُهم لبعض: أنتم كثيرٌ؛ نَتَخَوَّفُ الفُرْقةَ، أخْرِجوا عَشَرَةً. فأخرَجوا عَشَرَةً، ثم قالوا: أنتم كثيرٌ، أخرِجُوا عَشَرةً. فأخرَجوا عَشَرةً، ثم قالوا: أنتم كثيرٌ، أخرِجوا عَشَرةً. فأخرَجوا عَشَرةً، حتى بقِي عشرةٌ، فقالوا: أنتم كثيرٌ حتى الآن. فأخرَجوا ستةً، وبقِي أربعةٌ، فقال بعضُهم لبعضٍ: ما تقولون في عيسى؟ فقال رجلٌ منهم: أتَعْلَمون أنّ أحدًا يَعْلَمُ الغيبَ إلا الله؟ قالوا: لا. قال: أتَعْلَمون أن أحدًا يُحْيي الموتى إلا الله؟ قالوا: لا. قال: أتَعْلَمون أن أحدًا يُبْرِئُ الأكمهَ والأبرصَ إلا الله؟ قالوا: لا. فقال الرجل: هو الله، كان في الأرض ما بدا له، ثم صعِد إلى السماء حينَ بدا له. وقال الآخر: قد عرَفنا عيسى، وعرَفنا أُمَّه، هو ولدُه. وقال الآخر: لا أقولُ كما تقولان، أقولُ: بل جاءت به أمُّه مِن عمَلٍ غيرِ صالح. فقال الآخر: لا أقولُ كما تقولون، قد كان عيسى يُخْبِرُنا أنّه عبدُ اللهِ، ورُوحُه، وكلمتُه ألقاها إلى مريم، فنقولُ كما قال لنفسِه، لقد خَشِيتُ أن تكونوا قلتم قولًا عظيمًا. قال: فخرَجوا على الناس، فقالوا لرجلٍ منهم: ماذا قلتَ؟ قال: قلتُ: هو الله، كان في الأرض ما بدا له، ثم صعِد إلى السماء حين بدا له. قال: فاتَّبَعه عُنُقٌ مِن الناس، وهؤلاء على دين الملِك، وقالوا للآخر: ماذا قلتَ؟ قال: قلتُ: بل جاءت به أمُّه مِن عمل غير صالح. فاتَّبَعه عُنُقٌ مِن الناس، ثم خرَج الثالث، فقالوا: ماذا قلتَ؟ قال: قلتُ: هو ولد الله. فاتَّبَعه عُنُقٌ مِن الناس، وهؤلاء النَّسطوريةُ واليَعْقُوبيةُ، فخرج الرابعُ، فقالوا له: ماذا قلتَ؟ قال: قلتُ: هو عبدُ الله، ورُوحُه، وكلمتُه ألقاها إلى مريم. فاتَّبعَه عُنُقٌ مِن الناس. فقال محمد بن كعب: فكلٌّ قد ذكَر الله في القرآن: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم﴾ الآية. ثم قرأ: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة﴾ الآية [المائدة:٧٣]. ثم قرأ: ﴿وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما﴾ [النساء:١٥٦]. ثم قرأ: ﴿ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا﴾ إلى قوله: ﴿منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون﴾ [المائدة:٦٥-٦٦]. قال محمد بن كعب: فهؤلاء أمةٌ مقتصدةٌ؛ الذين قالوا: عيسى عبدُ الله، وكلمتُه، ورُوحُه ألقاها إلى مريم

اخْتُلِفَ في ثبوت حكم هذه الآية أو نسخه على ثلاثة أقوال: أولها: أنّها محكمة، وغير جائز للرجل أخذُ شيء مما آتاها إذا أراد طلاقها، إلا أن تكون هي المريدةَ الطلاقَ. وثانيها: أنّها محكمة، وغير جائز للرجل أخذُ شيء مما آتاها منها بحال، سواء أكانت هي المريدةَ الطلاقَ أو هو. وهذا قول بكر بن عبد الله المزني. وثالثها: أنها منسوخةٌ بقوله تعالى: ﴿ولا يَحِلُّ لَكُمْ أن تَأْخُذُوا مِمّا ءاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلاَّ أن يَخافا ألاَّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ﴾ [البقرة:٢٢٩]. وهذا قول ابن زيد. ورَجَّحَ ابنُ جرير (٦‏/‏٥٤٧-٥٤٨ بتصرف) القولَ الأولَ لعدم ورود دليل للنسخ يعتمد عليه، مع إمكان الجمعِ بينهما، وقال: «ذلك أنّ الناسخ من الأحكام ما نَفى خلافَه من الأحكام، وليس في قوله: ﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج﴾ نَفْيُ حكمِ قوله: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة:٢٢٩]؛ لأنّ الذي حرَّم اللهُ على الرجل بقوله: ﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارًا فلا تأخذوا منه شيئًا﴾ أخذُ ما آتاها منها إذا كان هو المريدَ طلاقَها، وأمّا الذي أباح له أخذَه منها بقوله: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ﴾ فهو إذا كانت هي المريدةَ طلاقَه وهو له كارِهٌ، وليس في حكم إحدى الآيتين نفيُ حكم الأخرى. وإذ كان ذلك كذلك لم يجُز أن يُحكم لإحداهما بأنها ناسخة وللأخرى بأنها منسوخة إلا بحُجَّةٍ يجبُ التسليم لها». وانتَقَدَ القولَ الثاني لمخالفته ما ثبت في السّنّة، فقال: «وأما ما قاله بكر بن عبد الله المزني مِن أنّه ليس لزوج المختلعة أخذُ ما أعطته على فراقه إياها إذا كانت هي الطالبةَ الفرقةَ وهو الكاره فليس بصواب؛ لصحة الخبَرِ عن رسول الله ﷺ بأنه أمرَ ثابت بن قيس بن شماس بأخذ ما كان ساق إلى زوجته وفراقِها إذ طلبت فراقه، وكان النشوز من قِبَلها». وانتَقَدَ ابنُ عطية (٢‏/‏٥٠٥ بتصرف) القولين الثاني والثالث بقوله: «مِن شاذِّ الأقوال في هذه الآية أنّ بكر بن عبد الله المزني قال: لا يجوز أن يؤخذ من المختلعة قليلٌ ولا كثير، وإن كانت هي المريدة للطلاق. ومنها أنّ ابن زيد قال: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله﴾. وليس في شيء من هذه الآيات ناسخٌ ولا منسوخ، وكلها ينبني بعضُها مع بعض»

وجَّه ابن كثير (٧‏/‏٧٤) قولَ ابن عباس والسدي قائلًا: «وهذا يحتمل أن يكون هذا التمييز في الآخرة، كقوله: ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مَكانَكُمْ أنْتُمْ وشُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ﴾ [يونس:٢٨]، وقال تعالى: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم:١٤]، وقال في الآية الأخرى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم:٤٣]، وقال تعالى: ﴿وامْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ﴾ [يس:٥٩]. ويحتمل أن يكون هذا التمييز في الدنيا، بما يظهر من أعمالهم للمؤمنين، وتكون»اللام«مُعَلِّلة لِما جعل الله للكفار من مال ينفقونه في الصد عن سبيل الله، أي: إنما أقْدَرْناهم على ذلك: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾، أي: من يطيعه بقتال أعدائه الكافرين، أو يعصيه بالنكول عن ذلك، كقوله: ﴿وما أصابَكُمْ يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ فَبِإذْنِ اللَّهِ ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ * ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالا لاتَّبَعْناكُمْ﴾ الآية [آل عمران:١٦٦، ١٦٧]، وقال تعالى: ﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلى الغَيْبِ﴾ الآية [آل عمران:١٧٩]، وقال تعالى: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٢]، ونظيرتها في براءة أيضًا». ووجَّهه ابن عطية (٤‏/‏١٨٨) قائلًا: «واللام -على هذا التأويل- من قوله: ﴿لِيَمِيزَ﴾ متعلق بـ﴿يُحْشَرُونَ﴾، والمعنى: أنّ الله يحشر الكافرين إلى جهنم لِيَمِيز الكافرين من المؤمنين بأن يجمع الكافرين جميعًا فيلقيهم في جهنم». وزاد ابن عطية قولًا آخر حكاه عن ابن سلّام والزجاج أنهما قالا: «المعني بـ»الخبيث«المال الذي أنفقه المشركون في الصد عن سبيل الله، والطيب هو ما أنفقه المؤمنون في سبيل الله». ووجّهه بقوله: «واللام على هذا التأويل من قوله ﴿ليميز﴾ متعلقة بـ﴿يغلبون﴾، والمعنى: الكفار ينفقون أموالهم فتكون عليهم حسرة ثم يغلبون مع نفقتها، وذلك ليميز الله الفرق بين الخبيث والطيب فيخذل أهل الخبيث وينصر أهل الطيب، وقوله تعالى -على هذا التأويل-: ﴿ويجعل الخبيث بعضه على بعض﴾ إلى قوله: ﴿في جهنم﴾ مترتب على ما رُوي عن رسول الله ﷺ أن الله تعالى يخرج من الأموال ما كان صدقة أو قربة يوم القيامة ثم يأمر بسائر ذلك فيلقى في النار»

اختُلِف هل الاستثناء متصل أو منقطع؛ فقال قوم: الاستثناء متصل، وهو إخبار عن الأنبياء. وقال آخرون: منقطع، وهو إخبار عن غير الأنبياء، كأنه قال: لكن مَن ظلم مِن الناس ثم تاب فإني غفور رحيم. ونسب ابنُ جرير (١٨‏/‏١٨-١٩) القول الثاني لبعض أهل اللغة، ورجح الأول، وانتقد الثاني مستندًا إلى اللغة، فقال: «والصواب مِن القول في قوله: ﴿إلا من ظلم ثم بدل﴾ عندي غيرُ ما قاله هؤلاء الذين حكينا قولهم مِن أهل العربية، بل هو القول الذي قاله الحسن البصري وابن جريج ومَن قال قولهما، وهو أن قوله: ﴿إلا من ظلم﴾ استثناء صحيح مِن قوله: ﴿لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم﴾ منهم فأتى ذنبًا، فإنه خائف لديه مِن عقوبته. وقد بيَّن الحسن رحمه الله معنى قيل الله لموسى ذلك، وهو قوله: قال: إني إنما أخفتك لقتلك النفس. فإن قال قائل: فما وجه قيله إن كان قوله: ﴿إلا من ظلم﴾ استثناء صحيحًا، وخارجًا مِن عِداد مَن لا يخاف لديه مِن المرسلين؟ وكيف يكون خائفًا مَن كان قد وعد الغفران والرحمة؟ قيل: إن قوله: ﴿ثم بدل حسنا بعد سوء﴾ كلام آخر بعد الأول، وقد تناهى الخبر عن الرسل من ظلم منهم، ومن لم يظلم عند قوله: ﴿إلا من ظلم﴾ ثم ابتدأ الخبر عمَّن ظلم مِن الرسل وسائر الناس غيرهم. وقيل: فمن ظلم ثم بدَّل حسنًا بعد سوء فإني له غفور رحيم. فإن قال قائل: فعلامَ تعطف -إن كان الأمر كما قلت- بـ﴿ثم﴾ إن لم يكن عطفًا على قوله: ﴿ظلم﴾؟ قيل: على متروك استغنى -بدلالة قوله: ﴿ثم بدل حسنا بعد سوء﴾ عليه- عن إظهاره، إذ كان قد جرى قبل ذلك من الكلام نظيره، وهو: فمن ظلم مِن الخلق. وأما الذين ذكرنا قولهم من أهل العربية فقد قالوا على مذهب العربية، غير أنهم أغفلوا معنى الكلمة، وحملوها على غير وجهها من التأويل، وإنما ينبغي أن يُحمَل الكلام على وجهه مِن التأويل، ويلتمس له على ذلك الوجه للإعراب في الصحة مخرج، لا على إحالة الكلمة عن معناها ووجهها الصحيح من التأويل». وساق ابنُ عطية (٦‏/‏٥٢١) القول الأول، ثم علَّق بقوله: «وأجمع العلماء أنّ الأنبياء عليهم السلام معصومون من الكبائر، ومن الصغائر التي هي رذائل، واختُلِف فيما عدا هذا، فعسى أن يشير الحسن وابن جريج إلى ما عدا ذلك، وفي الآية -على هذا التأويل- حذفٌ اقتضى الإيجاز والفصاحة، ترك نصه، تقديره: فمن ظلم ثم بدل حسنًا بعد سوء». وذكر أنّ فرقة قالت: ﴿إلا﴾ بمعنى الواو. وانتقده بقوله: «وهذا قول لا وجه له»

اختلف في معنى: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ في هذه الآية على خمسة أقوال: الأول: معناه أن الأمر ينزل من السماء إلى الأرض، ويصعد من الأرض إلى السماء في يوم واحد، وقدر ذلك ألف سنة مما تعدون من أيام الدنيا، لأن ما بين الأرض إلى السماء خمس مائة عام، وما بين السماء إلى الأرض مثل ذلك، فذلك ألف سنة. الثاني: يُدبِّر الأمر من السماء إلى الأرض، ثم يَعرُج إليه في يوم من الأيام الستة التي خلق الله فيهنَّ الخَلْق، وكل يوم مِن هذه كألف سنة مما تعدون من أيامكم. الثالث: يُدبِّر الأمر من السماء إلى الأرض بالملائكة، تم تَعرُجُ إليه الملائكة في يومٍ كان مقداره ألف سنة من أيام الدنيا. الرابع: يُدبِّر الأمر من السماء إلى الأرض في يومٍ، كان مقدار ذلك التدبير ألف سنة مما تعدون من أيام الدنيا، ثم يَعرُجُ إليه ذلك التدبير الذي دبَّره. الخامس: يُدبِّر الأمر من السماء إلى الأرض، ثم يَعرُجُ إلى الله في يومٍ كان مقداره ألف سنة، مقدار العروج ألف سنة مما تعدون. ووجَّه ابنُ عطية (٧‏/‏٦٧ بتصرف) قول مجاهد من طريق ابن جريج -وهو القول الرابع- بقوله: «فالمعنى أن الأمور تُنَفَّذ عند الله تعالى لهذه المدة، ثم تصير إليه آخرًا؛ لأن عاقبة الأمور إليه». وقد ذكر ابنُ جرير القول الرابع، وأدرج تحته أثر مجاهد، وجعله قولًا واحدًا، وأما ابنُ عطية فقد جعله قولين عن مجاهد، الأول: أن التدبير المنقضي في يوم القيامة ألف سنة لو دبره البشر. والثاني: أن الله تعالى يدبر ويلقي إلى الملائكة أمور ألف سنة من عَدِّنا. ورجَّح ابنُ جرير (١٨‏/‏٥٩٦) مستندًا إلى أنّه الأظهر من اللفظ القول الأول، وهو قول مجاهد من طريق ليث، وابن عباس من طريق أبي الحارث عن عكرمة، والضحاك من طريق جويبر، وعكرمة من طريق سفيان عن سماك، وقتادة، وعلَّل ذلك بقوله: «لأن ذلك أظهر معانيه، وأشبهها بظاهر التنزيل». وانتقد ابنُ عطية (٧‏/‏٦٨) القول الثاني مستندًا إلى ألفاظ الآية والسنة، فقال: «وهذا قولٌ ضعيف مكرهةٌ ألفاظ هذه الآية عليه، رادَّةٌ له الأحاديث التي تُثْبِت أيام خلق الله تعالى المخلوقات». ثم ذكر قولًا غير ما ذُكِر عن فرقة بأن المعنى: يُدبِّر أمر الشمس في أنها تصعد وتنزل في يوم، وذلك قدر ألف سنة. وانتقده قائلًا: «وهذا أيضًا ضعيف»

سورة الأعراف — الآية ٦

عن وهب بن مُنبِّه -من طريق عبد الصمد- قال: إذا كان يومُ القيامة يقولُ الله عز وجل: يا إسرافيلُ، هاتِ ما وكَّلتُك به. فيقولُ: نعم، يا ربِّ، في الصُّور كذا وكذا ثقبةً، وكذا روحٍ؛ للإنس منها كذا وكذا، وللجِنِّ منها كذا وكذا، وللشياطينِ منها كذا وكذا، وللوحوشِ منها كذا وكذا، وللطير منها كذا وكذا، وللبهائم منها كذا وكذا، وللهوامِّ منها كذا وكذا، وللحيتان منها كذا وكذا. فيقولُ اللهُ عز وجل: خُذْه من اللَّوح. فإذا هو مِثْلًا بمِثْلٍ، لا يزيدُ ولا يَنقُصُ، ثم يقولُ اللهُ عز وجل: هاتِ ما وكَّلتُك، يا ميكائيلُ. فيقول: نعم، يا ربِّ، أنزلتُ من السماءِ كذا وكذا كيلةً، وزِنَةَ كذا وكذا مِثْقالًا، وزِنَة كذا وكذا قِيراطًا، وزِنَة كذا وكذا خَرْدَلَةً، وزِنَة كذا وكذا ذرَّةً، أنزلت في سنة كذا وكذا كذا وكذا، وفي شهرِ كذا وكذا كذا وكذا، وفي جمعةِ كذا وكذا كذا وكذا، وفي يوم كذا وكذا كذا وكذا، وفي ساعة كذا وكذا كذا وكذا، أنزلتُ للزرع منه كذا وكذا، وأنزلتُ للشياطين منه كذا وكذا، وأنزلتُ للإنسِ منه كذا وكذا، وأنزلت للبهائم كذا وكذا، وأنزلتُ للوحوشِ كذا وكذا، وللطيرِ كذا وكذا، وللحيتان كذا وكذا، وللهوامِّ كذا وكذا، فذلك كلُّه كذا وكذا. فيقولُ: خذه من اللَّوح. فإذا هو مِثْلًا بمِثْل، لا يزيدُ ولا ينقص. ثم يقول: يا جبريلُ، هاتِ ما وكلتُك به. فيقولُ: نعم، يا ربِّ، أنزلتُ على نبيِّك فلان كذا وكذا آية، في شهر كذا وكذا في جمعة كذا وكذا في يوم كذا وكذا، وأنزلت على نبيك فلان كذا وكذا آية، وكذا وكذا سورة، فيها كذا وكذا آيةً، فذلك كذا وكذا آيةً، فذلك كذا وكذا حرفًا، وأهلكتُ كذا وكذا مدينةً، وخسفتُ بكذا وكذا. فيقول: خُذه من اللَّوح. فإذا هو مِثْلًا بمِثْل، لا يزيدُ ولا ينقص. ثم يقولُ: هاتِ ما وكلتُك به، يا عِزرائيلُ. فيقول: نعم، يا ربِّ، قبضتُ روح كذا وكذا إنسيٍّ، وكذا وكذا جنيٍّ، وكذا وكذا شيطانٍ، وكذا وكذا غريقٍ، وكذا وكذا حريقٍ، وكذا وكذا كافرٍ، وكذا وكذا شهيدٍ، وكذا وكذا هديمٍ، وكذا وكذا لديغٍ، وكذا وكذا في سهلٍ، وكذا وكذا في جبلِ، وكذا وكذا طيرًا، وكذا وكذا هوامٍّ، وكذا وكذا وحش، فذلك كذا وكذا، جملتُه كذا وكذا. فيقولُ: خذه من اللَّوْح. فإذا مِثْلًا بمِثْلٍ، لا يزيدُ ولا ينقص

سورة الإسراء — الآية ١٠٨

قال ابن جريج: قلت لعطاء [بن أبي رباح]: هل بلغك مِن قول يُقال في الركوع؟ قال: لا. قلت: فكيف تقول أنت؟ قال: إذا لم أعجل، ولم يكن معي شيء يشغلني، فإني أقول قولًا إذا بلغته فهو ذلك، أقول: سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت -ثلاث مرات-، سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولًا -ثلاثًا-، سبحان الله العظيم -ثلاثًا-، سبحان الله وبحمده -ثلاث مرات-، سبحان الملك القدوس -ثلاث مرات-، سبوح قدوس رب الملائكة والروح سبقت رحمة ربي غضبه -ثلاث مرات-. قلت: فهل بلغك أنه كان يقول شيئًا مِنهُنَّ في الركوع؟ قال: لا. قلت: فما تتبع في ذلك؟ قال: أما سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت؛ فأخبرني ابن أبي مليكة، عن عائشة، قالت: افتقدت النبي ﷺ ذات ليلة، فظننت أنه ذهب إلى بعض نسائه، فجسست، ثم رجعت فإذا هو راكع وساجد، يقول: «سبحانك وبحمدك، لا إله إلا أنت». قالت: قلت: بأبي أنت وأمي! إني لفي شأن، وإنك لفي آخر. قال: [أما] ﴿سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا﴾ فأتَّبع بها التي في سورة بني إسرائيل. وأما سبحان الله العظيم وسبحان الله وبحمده فأُعظِّم بهما الله. وأما سبحان الملك القدوس فبلغني عن عبيد بن عمير أنه قال: ينزل الرب -تبارك وتعالى- شطر الليل الآخر في السماء، فيقول: مَن يسألني فأعطيه، ومن يستغفرني فأغفر له. ويقول الملك: سبِّحوا الملك القدوس، حتى إذا كان الفجر صعد الرب، فأتبع قول الملك: سبحان الملك القدوس. وأما سبوح قدوس سبقت رحمة ربي غضبه؛ فبلغني: أن النبي ﷺ لما أسري به كان كلما مرَّ قسمًا سلمت عليه الملائكة، حتى إذا جاء السماء السادسة قال له جبريل: هذا ملك، فسلِّم عليه. فبدره الملك، فبدأه بالسلام، فقال النبي ﷺ: «وددت لو أني سلمت عليه قبل أن يسلم علي». فلما جاء السماء السابعة قال له جبريل: إنّ الله عز وجل يصلي. فقال له النبي ﷺ: أهو يصلي؟ قال: نعم، قال: وما صلاته؟ قال: يقول: سبوح قدوس رب الملائكة والروح، سبقتْ رحمتي غضبي. فأتبع ذلك، قال: قلت: أقدِّم بعض ذلك قبل بعض؟ قال: إن شئت