نقل ابنُ عطية (٥‏/‏٤٦٠) عن الضحاك قوله: «تصحَّف على قوم (وصّى) بـ»قضى«حين اختلطت الواو بالصاد وقت كتْب المصحف». ثم انتقده مستندًا إلى القراءة الصحيحة، ودلالة العقل قائلًا: «وهذا ضعيف، وإنما القراءة مرويَّةٌ بسند، وقد ذكر أبو حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما مثل قول الضحاك، وقال عن ميمون بن مهران: إنه قال: إنّ على قول ابن عباس رضي الله عنهما لَنورًا، قال الله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ [الشورى:١٣]». ثم ضعَّف أبو حاتم أن يكون ابن عباس قال ذلك، وقال: «لو قلنا هذا لطعن الزنادقة في مصحفنا»

قال ابنُ عطية (٦‏/‏٩٩): «وقول فرعون: ﴿فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ يحتمل أن يريد محاجته بحسب ما تقدم من القول ومناقضته فيه، فليس يتجه على هذا أن يريد إلا: ما بال القرون الأولى لم تُبعث إليها، ولم يوجد أمرك عندها؟ فَرَدَّ موسى عليه السلام علم ذلك إلى الله تعالى. ويحتمل أن يريد فرعون قطع الكلام الأول، والرجوع إلى سؤال موسى عمَّن سلف من الناس روغانًا في الحجة وحَيْدَةً». وقال ابنُ كثير (٩‏/‏٣٤٤) في معنى الآية: «أصحُّ الأقوال في معنى ذلك: أنّ فرعون لَمّا أخبره موسى بأن ربه الذي أرسله هو الذي خلق ورزق وقدَّر فهدى؛ شرع يحتج بالقرون الأولى، أي: الذين لم يعبدوا الله، أي: فما بالهم إذا كان الأمر كما تقول، لم يعبدوا ربك بل عبدوا غيره؟»

اختُلف في المراد بالآية على أقوال: الأول: أنها عامة. الثاني: النبي ﷺ. الثالث: المؤذّنين. ورجَّح ابنُ عطية (٧‏/‏٤٨٣) القول بالعموم الذي قاله قتادة، والحسن، فقال: «والأصوب أن يُعتقد أن الآية نزلت عامة». ولم يذكر مستندًا. وبنحوه ابنُ كثير (١٢‏/‏٢٤٢) مستندًا إلى أحوال النُّزول، فقال: «والصحيح أن الآية عامة في المؤذّنين وفي غيرهم، فأما حال نزول هذه الآية فإنه لم يكن الأذان مشروعًا بالكلية؛ لأنها مكية، والأذان إنما شُرع بالمدينة بعد الهجرة، حين أريه عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري في منامه، فقصّه على رسول الله ﷺ، فأمره أن يلقيه على بلال فإنه أندى صوتًا، كما هو مقرّر في موضعه، فالصحيح إذًا أنها عامة»

ذكر ابن عطية (٧‏/‏٥٧٣) اختلافًا في الشيء المؤدى على قولين: الأول: أنه طلب منهم أن يؤدوا إليه بني إسرائيل. الثاني: أن يؤدوا إليه الطاعة والإيمان والأعمال. وقد علّق عليهما، فقال: «والظاهر مِن شرع موسى عليه السلام أنه بُعث إلى دعاء فرعون إلى الإيمان، وأن يرسل بني إسرائيل، فلما أبى أن يؤمن بقيت المكافحة في أن يرسل بني إسرائيل، وفي إرسالهم هو قوله: ﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ﴾ أي: بني إسرائيل، ويقوي ذلك قوله بعدُ: ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾، وهذا قريب نص في أنه إنما يطلب بني إسرائيل فقط، ويؤيد ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِعِبادِي﴾، فيظهر أنه إياهم أراد موسى بقوله: ﴿عِبادَ اللَّهِ﴾»

أفادت الآثارُ اختلافَ أهل التأويل في المعنيِّ بقوله: ﴿لكلٍ جعلنا منكم﴾ على قولين: أحدهما: المعنيُّ بذلك: أهل الملل المختلفة، أي: أنّ الله جعل لكل مِلّةٍ شريعةً ومنهاجًا. والآخر: المعنيُّ بذلك: أمَّةَ محمد ﷺ. ومعنى الكلام: قد جعلنا الكتاب الذي أنزلناه إلى نبينا محمدٍ ﷺ أيها الناس لكُلِّكم -أي: لكل مَن دخل في الإسلام، وأقرّ بمحمد ﷺ أنه لي نبيٌّ- شرعةً ومنهاجًا. ورجَّحَ ابنُ جرير (٨‏/‏٤٩٥) القول الأول، وهو قول عليّ، وقتادة، ومَن تبعهما بدلالة السياق، فقال: «إنما قلنا ذلك أولى بالصواب لقوله: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾. ولو كان عنى بقوله: ﴿لكل جعلنا منكم﴾ أمة محمد -وهم أمّة واحدةٌ-لم يكن لقوله: ﴿ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة﴾ -وقد فعل ذلك فجعلهم أمة واحدة- معنىً مفهوم. ولكن معنى ذلك على ما جرى به الخطاب من الله لنبيه محمد ﷺ أنّه ذكر ما كتب على بني إسرائيل في التوراة، وتقدَّم إليهم فيها بالعمل بما فيها، ثم ذكر أنه قفّى بعيسى ابن مريم على آثار الأنبياء قبله، وأنزل عليه الإنجيل، وأمر من بَعثه إليه بالعمل بما فيه. ثم ذكر نبيَّنا محمدًا ﷺ، وأخبره أنه أنزل إليه الكتابَ مصدِّقًا لما بين يديه من الكتاب، وأمره بالعمل بما فيه، والحكم بما أنزل إليه فيه دون ما في سائر الكتب غيره، وأعلمه أنه قد جعل له ولأمته شريعةً غيرَ شرائع الأنبياء والأمم قبلَه الذين قصَّ عليهم قصصَهم، وإن كان دينه ودينهم -في توحيد الله، والإقرار بما جاءهم به من عنده، والانتهاء إلى أمره ونهيه- واحدًا، فهم مختلفو الأحوال فيما شرع لكل واحد منهم ولأمته فيما أُحِلّ لهم وحُرِّم عليهم». وبنحوه قال ابنُ كثير (٥‏/‏٢٤٩). وعلَّقَ ابنُ عطية (٣‏/‏١٨٤) مُوَضِّحًا المراد مِن ذلك القول، فقال: «وهذا عندهم في الأحكام، وأما في المعتقد فالدين واحد لجميع العالم، توحيد وإيمان بالبعث وتصديق للرسل، وقد ذكر الله تعالى في كتابه عددًا من الأنبياء شرائعهم مختلفة، ثم قال لنبيه ﷺ: ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ [الأنعام:٩٠]، فهذا عند العلماء في المعتقدات فقط، وأما في الشرائع فهذه الآية هي القاضية فيها: ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا﴾». وبيَّن أن قوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكُمْ﴾ يحتمل احتمالين: الأول: الأمم. الثاني: أن يكون المراد: الأنبياء لا سيما وقد تقدم ذكرهم وذكر ما أنزل عليهم. ثم قال: «وتجيء الآية -مع هذا الاحتمال في الأنبياء- تنبيهًا لمحمد ﷺ، أي: فاحفظ شرعتك ومنهاجك لئلا يستزلك اليهود وغيرهم في شيء منه»

سورة البقرة — الآية ١٩٩

عن محمد بن إسحاق -من طريق يونس- قال: وأنزل الله عز وجل على نبيه محمد ﷺ حين أحكم أمره وشرع له سُنَنَ حَجِّه: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله﴾ الآية، يعني: قريشًا. و﴿الناس﴾: العرب، في سنة الحج إلى عرفات، والوقوف عليها، والإفاضة منها. وأنزل الله تعالى فيما كانوا حَرَّموا على الناس من طعامهم ولباسهم عند البيت حين طافوا عراة، وحَرَّمُوا ما جاءوا به من الطعام من الحل: ﴿يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين. قل من حرم زينة الله﴾ إلى آخر الآية [الأعراف:٣١-٣٢]. فوضع الله تعالى أمر الحُمْس، وما كانت قريش ابْتَدَعَتْ من ذلك على الناس في الإسلام حين بعث الله عز وجل رسوله محمدًا ﷺ

علَّق ابنُ عطية (٤‏/‏٣٥-٣٦ بتصرف) على هذا الحديث قائلًا: «ولم يقصد أبو واقد بمقالته فسادًا، وإنما أراد أبو واقد وغيرُه أن يشرع ذلك رسول الله ﷺ في الإسلام، فرأى رسولُ الله ﷺ أنها ذريعة إلى عبادة تلك السرحة، فأنكره، وعلى هذا الذي قلتُ يقع التشابه الذي قَصَّه النبيُّ ﷺ وبين مقالة بني إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنا إلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ﴾. فالظاهر أنّهم استحسنوا ما رأوه من آلهة أولئك القوم، فأرادوا أن يكون ذلك في شرع موسى، وفي جملة ما يُتَقَرَّب به إلى الله، وإلا فبعيد أن يقولوا لموسى: اجعل لنا صنمًا نُفْرِده بالعبادة، ونكفر بربك. فعرَّفهم موسى أنّ هذا جهلٌ منهم؛ إذ سألوا أمرًا حرامًا فيه الإشراك في العبادة، ومنه يتطرق إلى إفراد الأصنام بالعبادة والكفر بالله عز وجل»

ذكر ابنُ جرير (١١‏/‏٦٢١-٦٢٢) هذا القول، ثم علَّق بقوله: «فقد أخبر من ذكرنا مِن هؤلاء: أنّ هؤلاء القوم إنما كانوا أهل اعتذار بالباطل لا بالحق، فغير جائز أن يوصفوا بالإعذار، إلا أن يوصفوا بأنهم أعْذَرُوا في الاعتذار بالباطل. فأمّا بالحق -على ما قاله مَن حكينا قوله من هؤلاء- فغيرُ جائز أن يوصَفوا به». وعلَّق ابنُ عطية (٤‏/‏٣٨٢-٣٨٣) على هذا القول بقوله: «وكلُّ هذه الفرقة قرأ: ﴿المعذّرون﴾ بشد الذال، فمنهم مَن قال: أصله: المعتذرون، نقلت حركة التاء إلى العين، وأدغمت التاء في الذال، والمعنى: معتذرون بكذب، ومنهم من قال: هو من التعذير، أي: الذين يعذرون الغزو ويدفعون في وجه الشرع». ثم قال: «فالآية إلى آخرها في هذا القول إنما وصَفَت صنفًا واحدًا في الكفر ينقسم إلى أعرابيٍّ وحضريٍّ»

على هذا القول الذي قاله ابن زيد، وابن إسحاق، ومقاتل فقوله تعالى: ﴿ألا يسجدوا﴾ إلى قوله: ﴿العرش العظيم﴾ من كلام الهدهد، وهو ما استدركه ابنُ عطية (٦‏/‏٥٣١) مستندًا إلى الدلالة العقلية بقوله: «ويعترض بأنّه غير مخاطب [أي: الهدهد]، فكيف يتكلم في معنى شرْع». ثم ذكر أنّ الآيات تحتمل احتمالين: أحدهما: أن تكون من قول سليمان لما أخبره الهدهد عن القوم. والآخر: أن تكون من قول الله تعالى اعتراضًا بين الكلامين. ورجح الثاني، فقال: «وهو الثابت مع التأمل». ولم يذكر مستندًا. ثم قال: «وقراءة التشديد في ﴿ألّا﴾ تعطي أن الكلام للهدهد، وقراءة التخفيف تمنعه وتقوي الآخر حسب ما سمع، ويتأمل». وبيَّن (٦‏/‏٥٣٤) أنّ قراءة ‹ويَعْلَمُ ما يُخْفُونَ› بياء الغائب تُعطي أنّ الآية من كلام الهدهد، وأن قراءتها بتاء المخاطبة تُعْطِي أنه من كلام الله

لم يذكر ابن جرير (٢٠‏/‏٥٠٧) في قوله: ﴿ويزيدهم من فضله﴾ غير قول معاذ. على هذا القول الذي قاله معاذ وابن عباس فقوله: ﴿يستجيب﴾ بمعنى: يجيب، وهو ما ذكره ابنُ عطية (٧‏/‏٥١٥-٥١٦)، ثم علَّق عليه بقوله: ""والعرب تقول: أجاب واستجاب؛ بمعنىً، ومنه قول الشاعر:وداع دعا يا مَن يجيب إلى الندى فلم يستجبه عند ذاك مجيب. و﴿الَّذِينَ﴾ -على هذا القول- مفعول بـ﴿يَسْتَجِيبُ﴾«. ثم أورد في معنى قوله: ﴿ويستجيب﴾ قولين آخرين: الأول: ويستدعي الذين آمنوا الإجابة من ربهم بالأعمال الصالحة. وعلَّق عليه قائلًا:»وحملت هذه الفرقة استجاب على المعهود من باب استفعل، أي: طلب الشيء، و﴿الَّذِينَ﴾ على هذا القول فاعل بـ﴿يَسْتَجِيبُ﴾«. الثاني: ويجيب الذين آمنوا ربهم. وعلّق عليه قائلًا:»فـ﴿الذين﴾ فاعل بمعنى: يجيبون شرعه ورسالته""