سورة النساء — الآية ١٢

عن سعد بن أبي وقاص: أنّه مَرِض مرضًا أشْفى منه، فأتاه النبي ﷺ يعودُه، فقال: يا رسول الله، إنّ لي مالًا كثيرًا، وليس يَرِثُني إلا ابنةٌ لي، أفأَتَصَدَّقُ بالثُّلُثَيْنِ؟ قال: «لا». قال: فالشَّطْر؟ قال: «لا». قال: فالثُّلُث؟ قال: «الثلث، والثلث كثير؛ إنّك أن تَذَرَ ورثتَك أغنياءَ خيرٌ مِن أن تذرَهم عالةً يَتَكَفَّفون الناسَ»

انتَقَدَ ابنُ كثير (٤‏/‏٣٧٠) مستندًا إلى زمن النزول قول محمد القرظي، فقال: «وفي هذا الذي قاله محمد بن كعب القرظي نظر؛ فإن هذه الآية مكية في سورة الأنعام، وهذه الآية التي في سورة النساء مدنية، وهي ردٌّ عليهم لَمّا سألوا النبي ﷺ أن ينزل عليهم كتًابا من السماء، قال الله تعالى: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ﴾»

اختلف في سبب القربان. ورجَّح ابنُ كثير (٥‏/‏١٦٥-١٦٦بتصرف) أنه كان عن غير سبب مستندًا لسياق ظاهر القرآن، فقال: «هذا الأثر يقتضي أنّ تقريب القربان كان لا عن سبب، ولا عن تدارئ في امرأة. وهو ظاهر القرآن: ﴿إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين﴾، فالسياق يقتضي أنه إنما غضب عليه وحسده لقبول قربانه دونه»

علّق ابنُ كثير (٦‏/‏٣٤٠) على قول قتادة، فقال: «وهذا هو الظاهر [يعني: أنهم رضوا جميعا بقتلها]؛ لأنّ الله تعالى يقول: ﴿فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها﴾ [الشمس:١٤]. وقال: ﴿وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها﴾ [الإسراء:٥٩]. وقال: ﴿فعقروا الناقة﴾. فأسند ذلك على مجموع القبيلة، فدلَّ على رضا جميعهم بذلك»

قوله تعالى: ﴿يومَ يَرَوْنَ الملائكةَ﴾ فيه قولان: أحدهما: عند الموت. والآخر: يوم القيامة. وذكر ابنُ كثير (١٠‏/‏٢٩٤-٢٩٥ بتصرف) أنّه لا مُنافاة بين القولين، فقال: «ولا منافاة؛ فإنّ الملائكة في هذين اليومين يوم الممات ويوم المعاد تَتَجَلّى للمؤمنين وللكافرين، فتبشر المؤمنين بالرحمة والرضوان، وتخبر الكافرين بالخيبة والخسران، فلا بشرى يومئذ للمجرمين»

ذكر ابنُ جرير (١٨‏/‏٣٠٦) في الهاء من قوله: ﴿لتسكنوا فيه﴾ وجهين، فقال: «وفي الهاء التي في قوله: ﴿لتسكنوا فيه﴾ وجهان: أحدهما: أن تكون من ذكر الليل خاصة، ويضم للنهار مع الابتغاء هاء أخرى. والثاني: أن تكون من ذكر الليل والنهار، فيكون وجه توحيدها -وهي لهما- وجه توحيد العرب في قولهم: إقبالك وإدبارك يؤذيني. لأن الإقبال والإدبار فعل، والفعل يُوَحَّد كثيره وقليله»

ذكر ابنُ كثير (١١‏/‏١٣٢) أن هؤلاء الذين ﴿يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وما هِيَ بِعَوْرَةٍ إنْ يُرِيدُونَ إلا فِرارًا﴾: «لو دخل عليهم الأعداء مِن كل جانب من جوانب المدينة، وقطر من أقطارها، ثم سئلوا الفتنة -وهي الدخول في الكفر- لكفروا سريعًا، وهم لا يحافظون على الإيمان، ولا يستمسكون به مع أدنى خوف وفزع». ثم علَّق على هذا المعنى بقوله: «وهذا ذمٌّ لهم في غاية الذم»

ذكر ابنُ كثير (١١‏/‏٣٤٨-٣٥٠) في قوله: ﴿وآثارهم﴾ قولين: الأول: أنها الأعمال التي عملوها في حياتهم، وآثارها بعد مماتهم. الثاني: أنها الخطا إلى المساجد. وقال عَقِب ذكره القول الثاني: «وهذا القول لا تنافي بينه وبين الأول، بل في هذا تنبيهٌ ودلالةٌ على ذلك بطريق الأولى والأحرى، فإنه إذا كانت هذه الآثار تكتب فَلَأن تكتبَ تلك التي فيها قدوة بهم من خير أو شر بطريق الأَوْلى»

علَّق ابنُ كثير (١٢‏/‏٣٢٩) على قول مجاهد، بقوله: «وهذا الذي قاله مجاهد كما قال تعالى: ﴿ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون﴾ [النمل:٥٠]، وذلك لأن المشركين كانوا يتحيّلون في ردّ الحق بالباطل بحيل ومكر يسلكونه، فكادهم الله، وردّ وبال ذلك عليهم؛ ولهذا قال: ﴿أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم﴾ أي: سرهم وعلانيتهم»

ساق ابنُ كثير (١٣‏/‏١٨٣) هذا القول، وساق قولين آخرين: الأول: أن معنى ﴿فروج﴾: صدوع. الثاني: أن معناها: فتوق. ثم علَّق بقوله: «والمعنى متقارب، كقوله تعالى: ﴿الذي خلق سبع سموات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور. ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير﴾ [الملك:٣-٤]»