سورة المدثر — الآية ٥٦

عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿هُوَ أهْلُ التَّقْوى وأَهْلُ المَغْفِرَةِ﴾، قال: إنّ ربّنا محقوقٌ أن تُتقى محارمه، وهو أهْلٌ أن يغفر الذّنوب الكثيرة لعباده

سورة الحج — الآية ١٨

قال يحيى بن سلّام: قوله: ﴿ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض﴾ يعني: أنّ جميع أهل السماء يُسَبِّحون له، وبعض أهل الأرض، يعني: الذين يسجدون له... ، ﴿والشمس والقمر والنجوم﴾ كلها، ﴿والجبال والشجر﴾ كلها، ﴿والدواب﴾. ثم رجع إلى صفة الإنسان، فاستثنى فيه، فقال: ﴿وكثير من الناس﴾ يعني: المؤمنين، ﴿وكثير حق عليه العذاب﴾ يعني: مَن لم يؤمن، وقال: ﴿ومن يهن الله﴾ فيدخله النار، ﴿فما له من مكرم﴾ يدخله الجنة، ﴿إن الله يفعل ما يشاء﴾

وجّه ابنُ جرير (٢‏/‏٦٧٨) معنى الآية على هذه القراءة، فقال: «أنه موجه نحوها، ويكون الكل حينئذ غير مسمّى فاعله، ولو سمّي فاعله لكان الكلام: ولكل ذي ملة وجهة الله موليه إياها، بمعنى: مُوَجِّهه إليها». وقال ابنُ كثير (٢‏/‏١٢٢): «وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى مرجعكم جميعًا﴾ [المائدة:٤٨]»

انتقد ابن عطية (١‏/‏٥٤٦) ما نُسِب للإمام مالك من إباحة إتيان المرأة في الدُّبُر فقال: «وروي عن مالك شيء في نحوه، ... وقد كذب ذلك على مالك». وبنحوه ابنُ كثير (١ / ٥٩٨-٥٩٩ بتصرف) فقال: «وقد حُكِي في هذا شيء عن بعض فقهاء المدينة، حتى حكَوْه عن الإمام مالك، وفي صِحَّته عنه نظر... وقد روى الحاكم، والدارقطني، والخطيب البغدادي، عن الإمام مالك من طرق ما يقتضي إباحة ذلك. ولكن في الأسانيد ضعف شديد». وذكر أقوالًا للإمام مالك تَقضي بالتحريم

لم يذكر ابنُ جرير (٩‏/‏١٤٩-١٥٠) غير هذا القول وما في معناه. وساق ابنُ عطية (٣‏/‏٣١٢) هذا القول، ثم نقل عن فرقة أنها قالت: بل المعنى: أنّ النطفة التي يخلق منها الإنسان أصلها من طين، ثم يقلبها الله نطفة. ثم رجَّح القول الأول، وانتقد القول الثاني مستندًا إلى دلالة القرآن، والسنة، فقال: «والقول الأول ألْيَق بالشريعة؛ لأن القول الثاني إنما يترتب على قول مَن يقول بأنّ الطين يرجع بعد التولد والاستحالات الكثيرة نطفة، وذلك مردود عند الأصوليين»

علَّقَ ابنُ كثير (٧‏/‏٢٠٨) على قول الأوزاعيّ هذا بقوله: «هذا تفصيل في المسألة». وعلَّقَ ابنُ عطية (٤‏/‏٣١٩-٣٢٠) على قول الأوزاعيِّ، وقول آخر مفاده: أنّ الخفيف هو الشجاع، والثقيل هو الجبان. فقال: «هذان الوجهان الآخران ينعكسان، وقد قيل ذلك، ولكنه بحسب وطأتهم على العدو، فالشجاع هو الثقيل، وكذلك الفارس، والجبان هو الخفيف، وكذلك الراجل، وكذلك ينعكس الفقير والغني، فيكون الغني هو الثقيل، بمعنى: صاحب الشغل، ومعنى هذا: أنّ الناس أُمِروا جملة»

قال ابنُ عطية (٣‏/‏٤١٤بتصرف): «ومعنى الريبة في هذه الآية: أمرٌ يعمُّ الغيظ والحنق، ويعمُّ اعتقاد صواب فعلهم، ونحو هذا مما يُؤَدِّي كله إلى الريبة في الإسلام، فمقصد الكلام: لا يزال هذا البنيان الذي هُدِم لهم يُبقي في قلوبهم حزازةً وأثرَ سوء. وبالشكِّ فَسَّر ابنُ عباس الرِّيبة هنا، وفَسَّرها السُّدِّيُّ بالكفر. ويحتمل أن يكون المعنى: لا يزالون مريبين بسبب بنائهم الذي اتضح فيه نفاقهم؟ وجملة هذا: أنّ الريبة في الآية تعمُّ معاني كثيرة، يأخذ كلُّ منافق منها بحسب قدْره من النفاق»

علَّق ابنُ عطية (٤‏/‏٤٥٥) على قول مجاهد بقوله: «ويَتَرَكَّب هذا التأويلُ على ما رُوِي عن النبي ﷺ: «إنّ العبد المؤمن إذا قام من قبره للحشر تَمَثَّل له رجلٌ جميل الوجه، طيّب الرائحة، فيقول: مَن أنت؟ فيقول: أنا عملك الصالح. فيقوده إلى الجنة». وبعكس هذا في الكافر». وذكر ابنُ كثير (٧‏/‏٣٣٧) أنّ الباء على قول مجاهد للاستعانة، وأنّها تحتمل أن تكون سببية، والتقدير: بسبب إيمانهم في الدنيا يهديهم الله يوم القيامة على الصراط، حتى يجوزوه ويخلصوا إلى الجنة

قال ابن عطية (٥‏/‏٤٠١ بتصرف): «عهد الله لفظ عام لجميع ما يعقد باللسان، ويلتزمه الإنسان؛ من بيع، أو صلة، أو مواثقة في أمر موافق للديانة، وقوله: ﴿ولا تنقضوا الأيمان﴾ خصَّ في هذه الألفاظ العهود التي تقترن بها أيمان تهمُّمًا بها، وتنبيهًا عليها. وهذا في كل ما كان الثبوت فيه على اليمين طاعة لله، وما كان الانصراف عنه أصوب في الحق، فهو الذي قال فيه رسول الله ﷺ: «مَن حلف على يمين، ثم رأى غيرها خيرًا منها؛ فليكفر عن يمينه، ولْيَأْتِ الذي هو خير»». وبنحوه قال ابنُ كثير (٨‏/‏٣٤٧-٣٤٨)

ذكر ابنُ عطية (٧‏/‏٥١٢) هذا الأثر، ثم علّق قائلًا: «وقريش كلها عندي قربى، وإن كانت تتفاضل، وقد رُوي عن النبي ﷺ أنه قال: «مَن مات على حُبِّ آل محمد مات شهيدًا، ومَن مات على بُغضهم لم يشم رائحة الجنة»». وانتقده ابنُ كثير (١٢‏/‏٢٧١) مستندًا إلى ضعف إسناده، وإلى أحوال النُّزول، فقال: «وذِكْرُ نزول هذه الآية في المدينة بعيد؛ فإنها مكية، ولم يكن إذ ذاك لفاطمة أولاد بالكلية، فإنها لم تتزوج بعلي إلا بعد بدر من السنة الثانية من الهجرة»