محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١٨ من سورة الحج في ١٠٥ كتب من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و١٤ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١٨ من سورة الحج

١٠٥ كتب من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿أَلَمْ تَرَ أَنّ اللّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأرْضِ وَالشّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشّجَرُ وَالدّوَآبّ وَكَثِيرٌ مّنَ النّاسِ وَكَثِيرٌ حَقّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِن مّكْرِمٍ إِنّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾.
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : ألم تر يا محمد بقلبك، فتعلم أن الله يسجد له من في السموات من الملائكة، ومن في الأرض من الخلق من الجنّ وغيرهم، والشمس والقمر والنجوم في السماء، والجبال، والشجر، والدوابّ في الأرض وسجود ذلك ظلاله حين تطلع عليه الشمس وحين تزول إذا تحوّل ظلّ كل شيء فهو سجوده. كما :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قوله : ألَمْ تَرَ أنّ اللّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ والشّمْسُ والقَمَرُ والنّجُومُ والجِبالُ والشّجَرُ والدّوَابّ قال : ظلال هذا كله.
وأما سجود الشمس والقمر والنجوم، فإنه كما :
حدثنا به ابن بشار، قال : حدثنا ابن أبي عديّ ومحمد بن جعفر، قالا : حدثنا عوف، قال : سمعت أبا العالية الرياحي يقول : ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر إلا يقع لله ساجدا حين يغيب، ثم لا ينصرف حتى يؤذن له فيأخذ ذات اليمين وزاد محمد : حتى يرجع إلى مطلعه.
وقوله : وكَثيرٌ منَ النّاسِ يقول : ويسجد كثير من بني آدم، وهم المؤمنون بالله. كما :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد : وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ قال : المؤمنون.
وقوله : وكَثِيرٌ حَقّ عَلَيْهِ العَذَابُ يقول تعالى ذكره : وكثير من بني آدم حق عليه عذاب الله فوجب عليه بكفره به، وهو مع ذلك يسجد لله ظله. كما :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد : وكَثِيرٌ حَقّ عَلَيْهِ العَذَابُ وهو يسجد مع ظله.
فعلى هذا التأويل الذي ذكرناه عن مجاهد، وقع قوله : وكَثِيرٌ حَقّ عَلَيْهِ العَذَابُ بالعطف على قوله : وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ ويكون داخلاً في عداد من وصفه الله بالسجود له، ويكون قوله : حَقّ عَلَيْهِ العَذَابُ من صلة «كثير »، ولو كان «الكثير » الثاني ممن لم يدخل في عداد من وصفه بالسجود كان مرفوعا بالعائد من ذكره في قوله : حَقّ عَلَيْهِ العَذَابُ وكان معنى الكلام حينئذٍ : وكثير أتى السجود، لأن قوله : حَقّ عَلَيْهِ العَذَابُ يدلّ على معصية الله وإبائه السجود، فاستحقّ بذلك العذاب.
يقول تعالى ذكره : ومن يهنه الله من خلقه فَبُشْقِه، فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ بالسعادة يسعده بها لأن الأمور كلها بيد الله، يوفّق من يشاء لطاعته ويخذل من يشاء، ويُشقي من أراد ويسعد من أحبّ.
وقوله : إنّ اللّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ يقول تعالى ذكره : إن الله يفعل في خلقه ما يشاء من إهانة من أراد إهانته وإكرام من أراد كرامته لأن الخلق خلقه والأمر أمره. لا يسأل عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يسألون. وقد ذُكر عن بعضهم أنه قرأه :«فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرَمٍ » بمعنى : فما من إكرام، وذلك قراءة لا أستجيز القراءة بها لإجماع الحجة من القرّاء على خلافه.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
والنيران. والذين أشركوا: يعبدون الأوثان. والأديان ستة: خمسة للشيطان، وواحد للرحمن. وأدخلت "إن" في خبر "إن" الأولى لما ذكرت من المعنى، وأن الكلام بمعنى الجزاء، كأنه قيل: من كان على دين من هذه الأديان، ففصل ما بينه وبين من خالفه على الله والعرب تدخل أحيانا في خبر "إن" "إن" إذا كان خبر الاسم الأوّل في اسم مضاف إلى ذكره، فتقول: إن عبد الله إن الخير عنده لكثير، كما قال الشاعر.
إنَّ الخَلِيفَةَ إن اللهَ سَرْبَلَهُسِرْبالَ مُلْكٍ بِهِ تُرْجَى الخَوَاتِيمُ (١)
وكان الفرّاء يقول: من قال هذا لم يقل: إنك إنك قائم، ولا إن إياك إنه قائم، لأن الاسمين قد اختلفا، فحسن رفض الأوّل، وجعل الثاني كأنه هو المبتدأ، فحسن للاختلاف وقبح للاتفاق.
وقوله: (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) يقول: إن الله على كل شيء من أعمال هؤلاء الأصناف الذين ذكرهم الله جلّ ثناؤه، وغير ذلك من الأشياء كلها شهيد لا يخفى عنه شيء من ذلك.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾
(١) البيت لجرير (ديوانه طبعة الصاوي، ص ٥٢٧) وهو من قصيدة يمدح بها بعض بني مروان وفي روايته: " يكفي " في موضع " إن " الأولى. وتزجى، في موضع ترجى. قال شارح شواهد الكشاف: خاتم الشيء: عاقبته. وتزجى أي تساق خواتيم الإمارة، والخاتم بفتح التاء وكسرها، يقال أزجيت الإبل أي سقتها. والبيت شاهد عند قوله تعالى: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين..... إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ) أدخلت إن على كل واحد من جزأي الجملة، لزيادة التأكيد. وحسن دخول إن الثانية على الجملة الواقعة خبرا، طول الفصل بينهما بالمعاطيف. والمؤلف ساق البيت شاهدا على أنه نظير ما في الآية من دخول إن الثانية على جملة الخبر إذا كان فيه ضمير. ويجوز في البيت وجه آخر، وهو أن تكون جملة إن الله سربله سربال ملك، جملة معترضة بين اسم إن وخبرها، ولا يجوز ذلك في الآية، قاله أبو حيان، ونقله عن شارح شواهد الكشاف. أه. والسربال: القميص والدرع. والمراد هنا الأول.
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم:
ألم تر يا محمد بقلبك، فتعلم أن الله يسجد له من في السماوات من الملائكة، ومن في الأرض من الخلق من الجنّ وغيرهم، والشمس والقمر والنجوم في السماء، والجبال، والشجر، والدوابّ في الأرض، وسجود ذلك ظلاله حين تطلع عليه الشمس، وحين تزول، إذا تحولّ ظلّ كل شيء فهو سجوده.
كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قوله: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ) قال: ظلال هذا كله.
وأما سجود الشمس والقمر والنجوم، فإنه كما حدثنا به ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عديّ ومحمد بن جعفر، قالا ثنا عوف، قال: سمعت أبا العالية الرياحي يقول: ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر، إلا يقع لله ساجدا حين يغيب، ثم لا ينصرف حتى يؤذن له، فيأخذ ذات اليمين، وزاد محمد: حتى يرجع إلى مطلعه.
وقوله: (وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) يقول: ويسجد كثير من بني آدم، وهم المؤمنون بالله.
كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد: (وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) قال: المؤمنون. وقوله: (وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ) يقول تعالى ذكره: وكثير من بني آدم حقّ عليه عذاب الله، فوجب عليه بكفره به، وهو مع ذلك يسجد لله ظله.
كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد (وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ) وهو يسجد مع ظله، فعلى هذا التأويل الذي ذكرناه عن مجاهد، وقع قوله (وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ) بالعطف على قوله (وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) ويكون داخلا في عداد من وصفه الله بالسجود له، ويكون قوله (حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ) من صلة كثير، ولو كان "الكثير الثاني من لم يدخل في عداد من وصف بالسجود كان مرفوعا بالعائد من ذكره في قوله: (حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ) وكان معنى الكلام حينئذ: وكثير أبى السجود، لأن
قوله (حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ) يدلّ على معصية الله وإبائه السجود، فاستحقّ بذلك العذاب.
"١٨"

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٧)﴾


يقول تعالى ذكره: ومن يهنه الله من خلقه فَيُشْقِه، (فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ) بالسعادة يسعده بها، لأن الأمور كلها بيد الله، يوفِّق من يشاء لطاعته، ويخذل من يشاء، ويُشقي من أراد، ويسعد من أحبّ.
وقوله: (إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) يقول تعالى ذكره: إن الله يفعل في خلقه ما يشاء من إهانة من أراد إهانته، وإكرام من أراد كرامته، لأن الخلق خلقه والأمر أمره، (لا يسئل عما يفعل وهم يسألون). وقد ذُكر عن بعضهم أنه قرأه (فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرَمٍ) بمعنى: فما له من إكرام، وذلك قراءة لا أستجيز القراءة بها لإجماع الحجة من القرّاء على خلافه.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٢٢)﴾
اختلف أهل التأويل في المعنيّ بهذين الخصمين اللذين ذكرهما الله، فقال بعضهم: أحد الفريقين: أهل الإيمان، والفريق الآخر: عبدة الأوثان من مشركي قريش الذين تبارزوا يوم بدر.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا
أبو هاشم عن أبي مجلز، عن قيس بن عبادة قال: سمعت أبا ذر يُقْسم قَسَما أن هذه الآية (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ) نزلت في الذين بارزوا يوم بدر: حمزة وعليّ وعبيدة بن الحارث وعتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة، قال: وقال علىّ: إني لأوّل، أو من أوّل من يجثو للخصومة يوم القيامة بين يدي الله تبارك وتعالى.
حدثنا عليّ بن سهل، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن أبي هاشم، عن أبي مجلز، عن قيس بن عباد، قال: سمعت أبا ذرّ يقسم بالله قسما: لنزلت هذه الآية في ستة من قريش حمزة بن عبد المطلب وعليّ بن أبي طالب، وعبيدة بن الحارث رضي الله عنهم، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ)... إلى آخر الآية (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)... إلى آخر الآية.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي هاشم، عن أبي مجلز، عن قيس بن عباد، قال: سمعت أبا ذرّ يقسم، ثم ذكر نحوه.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن محبب، قال: ثنا سفيان، عن منصور بن المعتمر، عن هلال بن يساف، قال: نزلت هذه الآية في الذين تبارزوا يوم بدر (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ).
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة بن الفضل، قال: ثني محمد بن إسحاق، عن بعض أصحابه، عن عطاء بن يسار، قال: نزلت هؤلاء الآيات: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ) في الذين تبارزوا يوم بدر: حمزة، وعلي، وعبيدة بن الحارث، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة. إلى قوله (وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ).
قال: ثنا جرير، عن منصور، عن أبي هاشم، عن أبي مُجَلِّز، عن قيس بن عباد، قال: والله لأنزلت هذه الآية: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ) في الذين خرج بعضهم إلى بعض يوم بدر: حمزة، وعليّ، وعبيدة رحمة الله عليهم، وشيبة، وعتبة، والوليد بن عتبة.
وقال آخرون: ممن قال أحد الفرقين فريق الإيمان، بل الفريق الآخر أهل
الكتاب.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ) قال: هم أهل الكتاب، قالوا للمؤمنين: نحن أولى بالله، وأقدم منكم كتابا، ونبينا قبل نبيكم، وقال المؤمنون: نحن أحقّ بالله، آمنا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وآمنا بنبيكم، وبما أنزل الله من كتاب، فأنتم تعرفون كتابنا ونبينا، ثم تركتموه وكفرتم به حسدا. وكان ذلك خصومتهم في ربهم.
وقال آخرون منهم: بل الفريق الآخر الكفار كلهم من أيّ ملة كانوا.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: ثنا أبو تُمَيلة، عن أبي حمزة، عن جابر، عن مجاهد وعطاء بن أبي رَباح، وأبي قزعة، عن الحسين، قال: هم الكافرون والمؤمنون اختصموا في ربهم.
قال ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد: مثل الكافر والمؤمن. قال ابن جُرَيج: خصومتهم التي اختصموا في ربهم، خصومتهم في الدنيا من أهل كل دين، يرون أنهم أولى بالله من غيرهم.
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، قال: كان عاصم والكلبي يقولان جميعا في (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ) قال: أهل الشرك والإسلام حين اختصموا أيهم أفضل، قال: جعل الشرك ملة.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ) قال: مثل المؤمن والكافر اختصامهما في البعث.
وقال آخرون: الخصمان اللذان ذكرهما الله في هذه الآية: الجنة والنار.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو تميلة، عن أبي حمزة، عن جابر، عن عكرمة في (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ) قال: هما الجنة والنار اختصمتا، فقالت النار: خلقني الله لعقوبته وقالت الجنة:
خلقني الله لرحمته، فقد قصّ الله عليك من خبرهما ما تسمع.
وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، وأشبهها بتأويل الآية، قول من قال: عني بالخصمين جميع الكفار من أيّ أصناف الكفر كانوا وجميع المؤمنين، وإنما قلت ذلك أولى بالصواب، لأنه تعالى ذكره ذكر قبل ذلك صنفين من خلقه: أحدهما أهل طاعة له بالسجود له، والآخر: أهل معصية له، قد حقّ عليه العذاب، فقال: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ) ثم قال: (وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ)، ثم أتبع ذلك صفة الصنفين كليهما وما هو فاعل بهما، فقال: (فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ) وقال الله (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ) ; فكان بيِّنا بذلك أن ما بين ذلك خبر عنهما.
فإن قال قائل: فما أنت قائل فيما رُوي عن أبي ذرّ إنَّ ذَلكَ نزل في الذين بارزوا يوم بدر؟ قيل: ذلك إن شاء الله كما روي عنه، ولكن الآية قد تنزل بسبب من الأسباب، ثم تكون عامة في كل ما كان نظير ذلك السبب، وهذه من تلك، وذلك أن الذين تبارزوا إنما كان أحد الفريقين أهل شرك وكفر بالله، والآخر أهل إيمان بالله وطاعة له، فكل كافر في حكم فريق الشرك منهما في أنه لأهل الإيمان خصم، وكذلك كل مؤمن في حكم فريق الإيمان منهما في أنه لأهل الشرك خصم.
فتأويل الكلام: هذان خصمان اختصموا في دين ربهم، واختصامهم في ذلك معاداة كل فريق منهما الفريق الآخر ومحاربته إياه على دينه.
وقوله: (فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ) يقول تعالى ذكره: فأما الكافر بالله منهما فانه يقطع له قميص من نحاس من نار.
كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد: (فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ) قال: الكافر قطعت له ثياب من نار، والمؤمن يدخله الله جنات تجري من تحتها الأنهار.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، في قوله:
(فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ) قال: ثياب من نحاس، وليس شيء من الآنية أحمى وأشد حرّا منه.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: الكفار قطعت لهم ثياب من نار، والمؤمن يدخل جنات تجري من تحتها الأنهار. وقوله: (يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ) يقول: يصبّ على رءوسهم ماء مُغْلًى.
كما حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا إبراهيم بن إسحاق الطَّالقانيّ، قال: ثنا ابن المبارك، عن سعيد بن زيد، عن أبي السَّمْح، عن ابن جُحيرة، عن أبي هريرة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال:
"إنَّ الحَمِيمَ لَيُصَبُّ على رُءوسِهمْ، فَيَنْفُذُ الجُمْجمَةَ حتى يَخْلُص إلى جَوْفِهِ، فَيَسْلُت ما في جَوْفِهِ حتى يَبْلُغَ قَدَمَيْهِ، وَهِيَ الصَّهْرُ، ثُمَّ يُعادُ كَما كان".
حدثني محمد بن المثنى، قال: ثنا يعمر بن بشر، قال: ثنا ابن المبارك، قال: أخبرنا سعيد بن زيد، عن أبي السمح، عن ابن جحيرة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بمثله، إلا أنه قال: "فَيَنْفُذُ الجُمْجُمَةَ حتى يَخْلُص إلى جَوفِهِ فَيَسْلت (١) مَا في جَوْفِهِ".
وكان بعضهم يزعم أن قوله (وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ) من المؤخَّر الذي معناه التقديم، ويقول: وجه الكلام: فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار، ولهم مقامع من حديد يصبّ من فوق رءوسهم الحميم ويقول: إنما وجب أن يكون ذلك كذلك، لأن الملك يضربه بالمقمع من الحديد حتى يثقب رأسه، ثم يصبّ فيه الحميم الذي انتهى حرّه فيقطع بطنه. والخبر عن رسول الله ﷺ الذي ذكرنا، يدلّ على خلاف ما قال هذا القائل، وذلك أنه ﷺ أخبر أن الحميم إذا صبّ على رءوسهم نفذ الجمجمة حتى يخلص إلى أجوافهم، وبذلك جاء تأويل أهل التأويل، ولو كانت المقامع قد تثقب رءوسهم قبل صبّ الحميم عليها، لم يكن لقوله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الحَمِيمَ يَنْفُذُ الجُمْجُمَة" معنى: ولكن الأمر في ذلك بخلاف ما قال هذا القائل.
وقوله: (يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ) يقول: يذاب بالحميم الذي يصبّ من فوق رءوسهم ما في بطونهم من الشحوم، وتشوى جلودهم منه فتتساقط، والصهر: هو الإذابة، يقال منه: صهرت الألية بالنار: إذا أذبتها أصهرها صهرا؛ ومنه قول الشاعر.
تَرْوِي لَقًى أُلْقِي في صَفْصَفٍتَصْهَرُهُ الشَّمْسُ وَلا يَنْصَهِر (٢)
ومنه قول الراجز:
شَكَّ السَّفافِيدِ الشَّوَاءَ المُصْطَهَرْ (٣)
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: (يُصْهَرُ بِهِ) قال: يُذاب إذابة.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله. قال ابن جُرَيج (يُصْهَرُ بِهِ) قال: ما قطع لهم من العذاب.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة: (يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ) قال: يُذاب به ما في بطونهم.
حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله.
(١) يسلت في جوفه من باب نصر: أي يقطعه ويستأصله.
(٢) البيت لابن أحمر يصف فرخ قطاة (اللسان: صهر) قال: وصهرته الشمس تصهره صهرا، وصهرته: اشتد وقعها عليه وحرها حتى آلم دماغه، وانصهر هو، قال ابن أحمر يصف فرخ قطاة... البيت؛ أي تذيبه الشمس، فيصبر على ذلك. وتروى تسوق إليه الماء، أي تصير له كالرواية؛ يقال: رويت أهلي وعليهم ريا: أتيتهم بالماء. والصهر: إذابة الشحم، صهر الشحم يصهره صهرا: أذابه. وفي التنزيل: يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ أي يذاب. واصطهره: أذابه وأكله. أه. واللقي: كل شيء مطروح متروك كاللقطة. والصفصف: أرض ملساء مستوية، كما في اللسان. أه.
(٣) البيت للعجاج بن رؤبة الراجز المشهور (اللسان: صهر) قال الأزهري: الصهر إذابة الشحم، والصهارة: ما ذاب منه وكذلك الاصطهار في إذابة، أو أكل صهارته. وقال العجاج: (شك السفافيد.... البيت). والبيت شاهد مثل الذي قبله على أن الصهر معناه الإذابة.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ)... إلى قوله: (يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ) يقول: يسقون ما إذا دخل بطونهم أذابها والجلود مع البطون.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر وهارون بن عنترة، عن سعيد بن جبير، قال: قال هارون: إذا عام أهل النار، وقال جعفر: إذا جاع أهل النار استغاثوا بشجرة الزقوم، فيأكلون منها، فاختلست جلود وجوههم، فلو أن مارّا مرّ بهم يعرفهم، يعرف جلود وجوههم فيها، ثم يصبّ عليهم العطش، فيستغيثوا، فيُغاثوا بماء كالمُهل، وهو الذي قد انتهى حرّه، فإذا أدنوه من أفواههم انشوى من حرّه لحوم وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود و (يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ) يعني أمعاءهم، وتساقط جلودهم، ثم يضربون بمقامع من حديد، فيسقط كل عضو على حاله، يدعون بالويل والثبور. وقوله: (وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ) تضرب رءوسهم بها الخزنة إذا أرادوا الخروج من النار حتى ترجعهم إليها. وقوله: (كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا) يقول: كلما أراد هؤلاء الكفار الذين وصف الله صفتهم الخروج من النار مما نالهم من الغم والكرب، ردّوا إليها.
كما حدثنا مجاهد بن موسى، قال: ثنا جعفر بن عون، قال: أخبرنا الأعمش، عن أبي ظبيان، قال: النار سوداء مظلمة، لا يضيء لهبها ولا جمرها، ثم قرأ: (كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا) وقد ذكر أنهم يحاولون الخروج من النار حين تجيش جهنم فتلقي من فيها إلى أعلى أبوابها، فيريدون الخروج فتعيدهم الخزان فيها بالمقامع، ويقولون لهم إذا ضربوهم بالمقامع: (ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ). وعني بقوله: (وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) ويقال لهم ذوقوا عذاب النار، وقيل عذاب الحريق والمعنى: المحرق، كما قيل: العذاب الأليم، بمعنى: المؤلم.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
يخبر تعالى أنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له، فإنه يسجد(١) لعظمته كل شيء طوعا وكرها وسجود [ كل شيء مما ](٢) يختص به، كما قال :﴿أَوَلَمْ يَرَوْا(٣) إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨]. وقال هاهنا :﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ﴾ أي : من الملائكة في أقطار السموات، والحيوانات في جميع الجهات، من الإنس والجن والدواب والطير، ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤].
وقوله :﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ﴾ : إنما ذكر هذه على التنصيص ؛ لأنها قد عُبدت من دون الله، فبين أنها تسجد لخالقها، وأنها مربوبة مسخرة ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧].
وفي الصحيحين عن أبي ذر، رضي الله عنه، قال : قال رسول الله ﷺ :" أتدري أين تذهب هذه الشمس ؟ ". قلت : الله ورسوله أعلم. قال :" فإنها تذهب فتسجد تحت العرش، ثم تستأمر فيوشك أن يقال لها : ارجعي من حيث جئت " (٤).
وفي المسند وسنن أبي داود، والنسائي، وابن ماجه، في حديث الكسوف :" إن الشمس والقمر خَلْقان من خَلْق الله، وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكن الله عز وجل إذا تَجَلى لشيء من خلقه خشع(٥) له " (٦).
وقال أبو العالية : ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر، إلا يقع لله ساجدًا حين يغيب، ثم لا ينصرف حتى يؤذن له، فيأخذ ذات اليمين حتى يرجع إلى مطلعه.
وأما الجبال والشجر فسجودهما بفَيء ظلالهما(٧) عن اليمين والشمائل : وعن ابن عباس قال : جاء رجل فقال : يا رسول الله، إني رأيتني الليلة وأنا نائم، كأني أصلي خلف شجرة، فسجدتُ فسجَدَت الشجرة لسجودي، فسمعتُها وهي تقول : اللهم، اكتب لي بها عندك أجرًا، وضع عني بها وزرًا، واجعلها لي عندك ذخرًا، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود. قال ابن عباس : فقرأ
النبي(٨) ﷺ سجدة ثم سَجَد، فسمعته وهو يقولُ مثلَ ما أخبره الرجل عن قول الشجرة.
رواه الترمذي، وابن ماجه، وابن حبّان في صحيحه(٩).
وقوله :﴿وَالدَّوَابُّ﴾ أي : الحيوانات كلها.
وقد جاء في الحديث عن الإمام أحمد : أن رسول الله ﷺ نهى عن اتخاذ ظهور الدواب(١٠)منابر(١١) فرب مركوبة خير(١٢) وأكثر ذكرًا لله من راكبها.
وقوله :﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ أي : يسجد لله طوعا مختارًا متعبدًا بذلك، ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ أي : ممن امتنع وأبى واستكبر، ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن شيبان الرملي، حدثنا القداح، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي قال : قيل لعلي : إن هاهنا رجلا يتكلم في المشيئة. فقال له علي : يا عبد الله، خلقك الله كما يشاء أو كما شئت(١٣) ؟ قال : بل كما شاء. قال : فيمرضك إذا شاء أو إذا شئت ؟ قال : بل إذا شاء. قال : فيشفيك إذا شاء أو إذا شئت ؟ قال : بل إذا شاء. قال : فيدخلك حيث شئت أو حيث يشاء ؟ قال : بل حيث يشاء. قال : والله لو قلت غير ذلك لضربتُ الذي فيه عيناك بالسيف.
وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ :" إذا قرأ ابنُ آدم السجدة اعتزل(١٤) الشيطان يبكي يقول : يا ويله. أمر ابن آدم بالسجود فسجد، فله الجنة، وأمِرتُ بالسجود فأبيتُ، فلي النار " رواه مسلم(١٥).
وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم وأبو عبد الرحمن المقرئ قالا حدثنا ابن لَهِيعة، حدثنا مَشْرَح بن هاعان(١٦) أبو مُصعب المعافري قال : سمعت عقبة بن عامر يقول : قلت يا رسول الله، أفضلت سورة الحج على سائر القرآن بسجدتين ؟ قال :" نعم، فمن لم يسجد بهما فلا يقرأهما ".
ورواه أبو داود والترمذي، من حديث عبد الله بن لهيعة، به(١٧). وقال الترمذي :" ليس بقوي(١٨) " وفي هذا نظر ؛ فإن ابن لَهِيعة قد صَرح فيه بالسماع، وأكثر ما نَقَموا عليه تدليسه.
وقد قال أبو داود في المراسيل : حدثنا أحمد بن عمرو بن السَّرح، أنبأنا ابن وَهْب، أخبرني معاوية بن صالح، عن عامر بن جَشِب(١٩)، عن خالد بن مَعْدان ؛ أن رسول الله ﷺ قال :" فُضِّلت سورة الحج على القرآن بسجدتين ".
ثم قال أبو داود : وقد أسندَ هذا، يعني : من غير هذا الوجه، ولا يصح(٢٠).
وقال الحافظ أبو بكر الإسماعيلي : حدثنا ابن أبي داود، حدثنا يزيد بن عبد الله، حدثنا الوليد، حدثنا أبو عمرو، حدثنا حفص بن عنان، حدثني نافع، حدثني أبو الجهم : أن عمر سجد سجدتين في الحج، وهو بالجابية، وقال : إن هذه فضلت بسجدتين(٢١).
وروى أبو داود وابن ماجه، من حديث الحارث بن سعيد العُتَقيّ، عن عبد الله بن مُنَين، عن عمرو بن العاص ؛ أن رسول الله ﷺ أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن، منها ثلاث في المُفَصّل، وفي سورة الحج سجدتان(٢٢). فهذه(٢٣) شواهد يَشُدّ بعضها بعضا.
١ - في ت :"سجد"..
٢ - زيادة من ف..
٣ - في ت :"يرى"..
٤ - صحيح البخاري برقم (٤٨٠٣) وصحيح مسلم برقم (١٥٩)..
٥ - في ف، أ :"خضع"..
٦ - المسند (٤/٢٦٧) وسنن أبي داود برقم (١١٧٧) وسنن النسائي (١٤١١٣) وسنن ابن ماجه برقم (١٢٦٢)..
٧ - في ت :"فسجودها على ظلالها"..
٨ - في ت :"رسول الله"..
٩ - سنن الترمذي برقم (٥٧٩) وسنن ابن ماجه برقم (١٠٥٣) وقال الترمذي :"هذا حديث غريب من حديث ابن عباس لا نعرفه إلا من هذا الوجه"..
١٠ - في ف، أ :"الحيوانات"..
١١ - ورواه أبو داود في السنن برقم (٢٥٦٧) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه..
١٢ - في ف :"خيرا"..
١٣ - في ت، ف :"لما يشاء أو لما شئت"..
١٤ - في ف :"فاعتزل"..
١٥ - صحيح مسلم برقم (٨١)..
١٦ - في أ :"عاهان"..
١٧ - المسند (٤/١٥١) وسنن أبي داود برقم (١٤٠٢) وسنن الترمذي برقم (٥٧٨)..
١٨ - في ف :"ليس هو بقوي"..
١٩ - في ف، أ :"جيب"..
٢٠ - المراسيل برقم (٧٨)..
٢١ - ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/٣١٧) من طريق نافع عن رجل من أهل مصر أنه صلى مع عمر بن الخطاب فذكر مثله..
٢٢ - سنن أبي داود برقم (١٤٠١) وسنن ابن ماجه برقم (١٠٥٧)..
٢٣ - في ف :"فهو"..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾.
يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، فَإِنَّهُ يَسْجُدُ (١) لِعَظَمَتِهِ كُلُّ شَيْءٍ طَوْعًا وَكَرْهًا وَسُجُودُ [كُلِّ شَيْءٍ مِمَّا] (٢) يَخْتَصُّ بِهِ، كَمَا قَالَ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا (٣) إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ [النَّحْلِ: ٤٨]. وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ﴾ أَيْ: مِنَ الْمَلَائِكَةِ فِي أَقْطَارِ السموات، وَالْحَيَوَانَاتِ فِي جَمِيعِ الْجِهَاتِ، مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالدَّوَابِّ وَالطَّيْرِ، ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٤٤].
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ﴾ : إِنَّمَا ذَكَرَ هَذِهِ عَلَى التَّنْصِيصِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ عُبدت مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَبَيَّنَ أَنَّهَا تَسْجُدُ لِخَالِقِهَا، وَأَنَّهَا مَرْبُوبَةٌ مُسَخَّرَةٌ ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فُصِّلَتْ: ٣٧].
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ الشَّمْسُ؟ ". قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "فَإِنَّهَا تَذْهَبُ فَتَسْجُدُ تَحْتَ الْعَرْشِ، ثُمَّ تُسْتَأْمَرُ فَيُوشِكُ أَنْ يُقَالَ لَهَا: ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ" (٤).
وَفِي الْمُسْنَدِ وَسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ، فِي حَدِيثِ الْكُسُوفِ: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ خَلْقان مِنْ خَلْق اللَّهِ، وَإِنَّهُمَا لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا تَجَلى لِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ خَشَعَ (٥) لَهُ" (٦).
وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: مَا فِي السَّمَاءِ نَجْمٌ وَلَا شَمْسٌ وَلَا قَمَرٌ، إِلَّا يَقَعُ لِلَّهِ سَاجِدًا حِينَ يَغِيبُ، ثُمَّ لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يُؤْذَنَ لَهُ، فَيَأْخُذَ ذَاتَ الْيَمِينِ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى مَطْلَعِهِ.
وَأَمَّا الْجِبَالُ وَالشَّجَرُ فَسُجُودُهُمَا بفَيء ظِلَالِهِمَا (٧) عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ: وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي رَأَيْتُنِي اللَّيْلَةَ وَأَنَا نَائِمٌ، كَأَنِّي أُصَلِّي خَلْفَ شَجَرَةٍ، فسجدتُ فسجَدَت الشَّجَرَةُ لِسُجُودِي، فسمعتُها وَهِيَ تَقُولُ: اللَّهُمَّ، اكْتُبْ لِي بِهَا عِنْدَكَ أَجْرًا، وَضَعْ عَنِيَ بِهَا وِزْرًا، وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدَكَ ذُخْرًا، وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْتَهَا مِنْ عَبْدِكَ دَاوُدَ. قَالَ ابْنُ عباس: فقرأ
(١) في ت: "سجد".
(٢) زيادة من ف.
(٣) في ت: "يرى".
(٤) صحيح البخاري برقم (٤٨٠٣) وصحيح مسلم برقم (١٥٩).
(٥) في ف، أ: "خضع".
(٦) المسند (٤/٢٦٧) وسنن أبي داود برقم (١١٧٧) وسنن النسائي (١٤١١٣) وسنن ابن ماجه برقم (١٢٦٢).
(٧) في ت: "فسجودها على ظلالها".
النَّبِيُّ (١) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَجْدَةً ثُمَّ سَجَد، فَسَمِعْتُهُ وَهُوَ يقولُ مثلَ مَا أَخْبَرَهُ الرَّجُلُ عَنْ قَوْلِ الشَّجَرَةِ.
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ (٢).
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالدَّوَابُّ﴾ أَيِ: الْحَيَوَانَاتُ كُلُّهَا.
وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ اتِّخَاذِ ظُهُورِ الدَّوَابِّ (٣) مَنَابِرَ (٤) فَرُبَّ مَرْكُوبَةٍ خَيْرٌ (٥) وَأَكْثَرُ ذِكْرًا لِلَّهِ مِنْ رَاكِبِهَا.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ أَيْ: يَسْجُدُ لِلَّهِ طَوْعًا مُخْتَارًا مُتَعَبِّدًا بِذَلِكَ، ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ أَيْ: مِمَّنِ امْتَنَعَ وَأَبَى وَاسْتَكْبَرَ، ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شَيْبَانَ الرَّمْلِيُّ، حَدَّثَنَا الْقَدَّاحُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قِيلَ لَعَلِّيٍّ: إِنَّ هَاهُنَا رَجُلًا يَتَكَلَّمُ فِي الْمَشِيئَةِ. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، خَلَقَكَ اللَّهُ كَمَا يَشَاءُ أَوْ كَمَا شِئْتَ (٦) ؟ قَالَ: بَلْ كَمَا شَاءَ. قَالَ: فَيُمَرِّضُكَ إِذَا شَاءَ أَوْ إِذَا شِئْتَ؟ قَالَ: بَلْ إِذَا شَاءَ. قَالَ: فَيَشْفِيكَ إِذَا شَاءَ أَوْ إِذَا شِئْتَ؟ قَالَ: بَلْ إِذَا شَاءَ. قَالَ: فَيُدْخِلُكَ حَيْثُ شِئْتَ أَوْ حَيْثُ يَشَاءُ؟ قَالَ: بَلْ حَيْثُ يَشَاءُ. قَالَ: وَاللَّهِ لَوْ قُلْتَ غَيْرَ ذَلِكَ لضربتُ الَّذِي فِيهِ عَيْنَاكَ بِالسَّيْفِ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِذَا قَرَأَ ابنُ آدَمَ السَّجْدَةَ اعْتَزَلَ (٧) الشَّيْطَانُ يَبْكِي يَقُولُ: يَا وَيْلَهُ. أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ، فَلَهُ الْجَنَّةُ، وأمِرتُ بِالسُّجُودِ فأبيتُ، فَلِيَ النَّارُ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٨).
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئُ قَالَا حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة، حَدَّثَنَا مَشْرَح بْنُ هَاعَانَ (٩) أَبُو مُصعب الْمُعَافِرِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ عُقَبَةَ بْنَ عَامِرٍ يَقُولُ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفُضِّلَتْ سُورَةُ الْحَجِّ عَلَى سَائِرِ الْقُرْآنِ بِسَجْدَتَيْنِ؟ قَالَ: "نَعَمْ، فَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ بِهِمَا فَلَا يَقْرَأْهُمَا".
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ لَهِيعَةَ، بِهِ (١٠). وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: "لَيْسَ بِقَوِيٍّ (١١) " وَفِي هَذَا نَظَرٌ؛ فَإِنَّ ابْنَ لَهِيعة قَدْ صَرح فِيهِ بِالسَّمَاعِ، وَأَكْثَرُ مَا نَقَموا عَلَيْهِ تدليسه.
(١) في ت: "رسول الله".
(٢) سنن الترمذي برقم (٥٧٩) وسنن ابن ماجه برقم (١٠٥٣) وقال الترمذي: "هذا حديث غريب من حديث ابن عباس لا نعرفه إلا من هذا الوجه".
(٣) في ف، أ: "الحيوانات".
(٤) ورواه أبو داود في السنن برقم (٢٥٦٧) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(٥) في ف: "خيرا".
(٦) في ت، ف: "لما يشاء أو لما شئت".
(٧) في ف: "فاعتزل".
(٨) صحيح مسلم برقم (٨١).
(٩) في أ: "عاهان".
(١٠) المسند (٤/١٥١) وسنن أبي داود برقم (١٤٠٢) وسنن الترمذي برقم (٥٧٨).
(١١) في ف: "ليس هو بقوي".

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
{١٧ - ٢٤} ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ * هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ إلى قوله: -[٥٣٦]- ﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾.
يخبر تعالى عن طوائف أهل الأرض، من الذين أوتوا الكتاب، من المؤمنين واليهود والنصارى والصابئين، ومن المجوس، ومن المشركين أن الله سيجمعهم جميعهم ليوم القيامة، ويفصل بينهم بحكمه العدل، ويجازيهم بأعمالهم التي حفظها وكتبها وشهدها، ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ثم فصل هذا الفصل بينهم بقوله: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ كل يدعي أنه المحق.
﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يشمل كل كافر، من اليهود، والنصارى، والمجوس، والصابئين، والمشركين.
﴿قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ أي: يجعل لهم ثياب من قطران، وتشعل فيها النار، ليعمهم العذاب من جميع جوانبهم.
﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ الماء الحار جدا، يصهر ما في بطونهم من اللحم والشحم والأمعاء، من شدة حره، وعظيم أمره، ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ بيد الملائكة الغلاظ الشداد، تضربهم فيها وتقمعهم، ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ فلا يفتر عنهم العذاب، ولا هم ينظرون، ويقال لهم توبيخا: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ أي: المحرق للقلوب والأبدان، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ﴾ ومعلوم أن هذا الوصف لا يصدق على غير المسلمين، الذين آمنوا بجميع الكتب، وجميع الرسل، ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ أي: يسورون في أيديهم، رجالهم ونساؤهم أساور الذهب.
﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ فتم نعيمهم بذكر أنواع المأكولات اللذيذات المشتمل عليها، لفظ الجنات، وذكر الأنهار السارحات، أنهار الماء واللبن والعسل والخمر، وأنواع اللباس، والحلي الفاخر.
وذلك بسبب أنهم ﴿هُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ الذي أفضله وأطيبه كلمة الإخلاص، ثم سائر الأقوال الطيبة التي فيها ذكر الله، أو إحسان إلى عباد الله، ﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ أي: الصراط المحمود، وذلك، لأن جميع الشرع كله محتو على الحكمة والحمد، وحسن المأمور به، وقبح المنهي عنه، وهو الدين الذي لا إفراط فيه ولا تفريط، المشتمل على العلم النافع والعمل الصالح. أو: وهدوا إلى صراط الله الحميد، لأن الله كثيرا ما يضيف الصراط إليه، لأنه يوصل صاحبه إلى الله، وفي ذكر ﴿الحميد﴾ هنا، ليبين أنهم نالوا الهداية بحمد ربهم ومنته عليهم، ولهذا يقولون في الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ واعترض تعالى بين هذه الآيات بذكر سجود المخلوقات له، جميع من في السماوات والأرض، والشمس، والقمر، والنجوم، والجبال، والشجر، والدواب، الذي يشمل الحيوانات كلها، وكثير من الناس، وهم المؤمنون، ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ أي: وجب وكتب، لكفره وعدم إيمانه، فلم يوفقه للإيمان، لأن الله أهانه، ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ ولا راد لما أراد، ولا معارض لمشيئته، فإذا كانت المخلوقات كلها ساجدة لربها، خاضعة لعظمته، مستكينة لعزته، عانية لسلطانه، دل على أنه وحده، الرب المعبود، والملك المحمود، وأن من عدل عنه إلى عبادة سواه، فقد ضل ضلالا بعيدا، وخسر خسرانا مبينا.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٠٥ كتب)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان معاني القرآن — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام جهود القرافي في التفسير — القرافي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

تذكرة الأريب في تفسير الغريب
وكثير حق عليه العذاب
وهم الكفار سجودهم سجود ظلالهم

إعراب الآية ١٨ من سورة الحج

من كتاب: إعراب القرآن

مثل هذا لم يصل إلى قطع النصر. وقرأ أهل الكوفة بإسكان اللام. وهذا بعيد في العربية لأن ثمّ ليست مثل الواو والفاء لأنها يوقف عليها وتنفرد.

[سورة الحج (٢٢) : آية ١٧]

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧)
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا خبر «إن». إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ قال الفراء «١» ولا يجوز في الكلام: إنّ زيدا إنّ أخاه منطلق، فزعم أنه إنما جاز في الآية لأن في الكلام معنى المجازاة أي من آمن، ومن تهوّد، أو تنصّر، أو صبأ، ففصل ما بينهم وحسابهم على الله عزّ وجلّ، وردّ أبو إسحاق على الفراء هذا واستقبح قوله: إنّ زيدا إنّ أخاه منطلق. قال: لأنه لا فرق بين زيد وبين الذي، «وإنّ» تدخل على كل مبتدأ فتقول: إنّ زيدا هو منطلق، ثم تأتي بإنّ فتقول: إنّ زيدا إنّه منطلق.

[سورة الحج (٢٢) : آية ١٨]

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (١٨)
معطوفة على «من» وكذا وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ثم قال جلّ وعزّ: وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ وهذا مشكل من الإعراب. فيقال: كيف لم ينصب ليعطف ما عمل فيه الفعل على ما عمل فيه الفعل مثل وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً [الإنسان: ٣١] فزعم الكسائي والفراء «٢» أنه لو نصب لكان حسنا. ولكن اختير الرفع لأنّ المعنى: وكثير أبى السجود، وفي رفعه قول آخر، يكون معطوفا على الأول داخلا في السجود لأن السجود هاهنا إنّما هو الانقياد لتدبير الله جل وعز من ضعف وقوّة وصحّة وسقم وحسن وقبح، وهذا يدخل فيه كل شيء. وحكى الكسائي والأخفش والفراء وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ «٣» أي من إكرام.

[سورة الحج (٢٢) : آية ١٩]

هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩)
قرأ ابن كثير وشبل هذانِ خَصْمانِ بتشديد النون، وفي ذلك قولان: أحدهما أن تشديدها عوض مما حذف من هذين، والآخر على أنها غير ساقطة في الإضافة. وتأوّل
(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٢١٨.
(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٢١٩.
(٣) انظر البحر المحيط ٦/ ٣٣٤.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

القراءات في الآية ١٨ من سورة الحج

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

النَّاسِ

بإمالة الألف

الدوري عن أبي عمرو

بفتح الألف

خلف عن حمزة إدريس عن خلف إسحاق عن خلف روح عن يعقوب رويس عن يعقوب ابن جمّاز عن أبي جعفر ابن وردان عن أبي جعفر الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة قالون عن نافع حفص عن عاصم شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر السوسي عن أبي عمرو قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير ورش عن نافع
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ١٨ من سورة الحج

٢٠ موضوعًا تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

١٤ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

آثار متعلقة بالآية

٧ أقوال
١
قال مجاهد بن جبر: يسجد المؤمن طائعًا، ويسجد الكافر كارهًا١
التخريج
  1. ١علَّقه يحيى بن سلّام ١‏/‏٣٥٨.
٢
عن عمرو بن دينار، قال: سمعتُ رجلًا يطوف بالبيت ويبكي، فإذا هو طاووس [بن كيسان]، فقال: أعَجِبْتَ مِن بكائي؟ قلت: نعم. قال: وربِّ هذه البنية، إنّ هذا القمر لَيبكي من خشية الله، ولا ذنب له١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
٣
عن الضحاك بن مزاحم، قال: إذا فاء الفَيْءُ لم يبق شيءٌ مِن دابة ولا طائر إلا خرَّ لله ساجدًا١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
٤
كان الحسن البصري لا يَعُدُّ السجود إلا من المسلمين، ولا يعد ذلك مِن المشركين١
التخريج
  1. ١علَّقه يحيى بن سلّام ١‏/‏٣٥٨.
٥
عن علي -من طريق محمد بن علي بن الحسين- أنّه قيل له: إنّ ههنا رجلًا يتكلم في المشيئة. فقال له علي: يا عبد الله، خلقك الله لما يشاء أو لِما شئتَ؟ قال: بل لما يشاء. قال: فيمرضك إذا شاء أو اذا شئتَ؟ قال: بل إذا شاء. قال: فيشفيك إذا شاء أو إذا شئتَ؟ قال: بل إذا شاء. قال: فيدخلك حيث شاء أو حيث شئتَ؟ قال: بل حيث يشاء. قال: واللهِ، لو قلتَ غير ذلك لضربت الذي فيه عيناك بالسيف١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير ٥‏/‏٣٩٩-، واللالكائي في السنة (١٣١٠). وعزاه السيوطي إلى الخلعي في فوائده.
٦
عن ابن أبي مليكة، قال: مرَّ رجلٌ على عبد الله بن عمرو وهو ساجِدٌ في الحِجر، وهو يبكي، فقال: أتَعْجَبُ أن أبكي مِن خشية الله، وهذا القمر يبكي مِن خشية الله؟!١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى أحمد في الزهد.
٧
عن مجاهد بن جبر، قال: الثوب يسجد١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.

تفسير

٧ أقوال
١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إن الله يفعل ما يشاء﴾ في خلقه. فقرأ النبيُّ ﷺ هذه الآية، فسجد لها هو وأصحابُه رضي الله عنهم١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏١٢٠.
٢
عن أبي العالية الرياحي -من طريق عوف- قال: ما في السماء من شمس ولا قمر ولا نجم إلا يقع ساجدًا حين يغيب، ثم لا ينصرف حتى يُؤذَن له، فيأخذ ذات اليمين حتى يرجع إلى مطلعه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٤٨٧. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
٣
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن جريج- في قوله: ﴿ألم تر أن الله يسجد له من في السموات﴾ الآية، قال: سجود ظل هذا كله، ﴿وكثير من الناس﴾ قال: المؤمنون، ﴿وكثير حق عليه العذاب﴾ قال: هذا الكافر؛ سجود ظله وهو كاره١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٤٨٧-٤٨٨. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّق ابنُ جرير (١٦/٤٨٨) على قول مجاهد بقوله: «فعلى هذا التأويل الذي ذكرناه عن مجاهد وقع قوله: ﴿وكثير حق عليه العذاب﴾ بالعطف على قوله: ﴿وكثير من الناس﴾، ويكون داخلًا في عداد من وصفه الله بالسجود له، ويكون قوله: ﴿حق عليه العذاب﴾ مِن صلة: ﴿كثير﴾، ولو كان الكثير الثاني مِمَّن لم يَدخل في عداد من وُصف بالسجود كان مرفوعًا بالعائد مِن ذكره في قوله: ﴿حق عليه العذاب﴾. وكان معنى الكلام حينئذ: وكثير أبى السجود؛ لأن قوله: ﴿حق عليه العذاب﴾ يدل على معصية الله، وإبائه السجود، فاستحق بذلك العذاب».
٤
عن مجاهد بن جبر، في الآية، قال: سجود كل شيء فَيْئُه، وسجود الجبال فيئها١٢
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
تعليقات المحققين
  1. ٢ساق ابنُ تيمية (٤/٤١٣) هذا القول، وذكر قولًا آخر بأن السجود هنا بمعنى الطاعة؛ لأنه ما من شيء إلا وهو خاضع لله كما قال تعالى: ﴿قالتا أتينا طائعين﴾ [فصلت:١١]، وبَيَّن أن كلا القولين صحيح، فقال: «فإذا كان السجود في هذه الآية ليس عامًّا وهو هناك عام؛ كان السجود المطلق هو سجود الطوع. فهذه المذكورات تسجد تطوعًا هي وكثير من الناس، والكثير الذي حق عليه العذاب إنما يسجد كرهًا، وحينئذ فالكثير الذي حق عليه العذاب لم يقل فيه: إنه يسجد، ولا نفى عنه كل سجود، بل تخصيص مَن سواه بالذكر يدل على أنه ليس مثله، وحينئذ فإذا لم يسجد طائعًا حصل فائدة التخصيص، وهو مع ذلك يسجد كارهًا، فكلا القولين صحيح».
٥
عن طاووس بن كيسان، في الآية، قال: لم يستثنِ من هؤلاء أحدًا حتى إذا جاء ابنُ آدم استثناه، فقال: ﴿وكثير من الناس﴾، قال: والذي كان هو أحق بالشكر هو أكفرُهم١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
٦
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ألم تر﴾ يعني: ألم تعلم ﴿أن الله يسجد له من في السماوات﴾ مِن الملائكة وغيرهم، ﴿ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم﴾ سجود هؤلاء الثلاثة حين تغرب الشمس قبل المغرب لله تعالى تحت العرش، ﴿و﴾يسجد ﴿الجبال والشجر والدواب﴾ ظلهم حين تطلع الشمس، وحين تزول إذا تحول ظِلُّ كل شيء فهو سجوده. ثم قال سبحانه: ﴿و﴾يسجد ﴿كثير من الناس﴾ يعني: المؤمنين، ﴿و﴾يسجد ﴿كثير﴾ ممن ﴿حق عليه العذاب﴾ مِن كُفّار الإنس والجن سجودهم هو سجود ظلالهم، ﴿ومن يهن الله فما له من مكرم﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏١٢٠.
٧
قال يحيى بن سلّام: قوله: ﴿ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض﴾ يعني: أنّ جميع أهل السماء يُسَبِّحون له، وبعض أهل الأرض، يعني: الذين يسجدون له... ، ﴿والشمس والقمر والنجوم﴾ كلها، ﴿والجبال والشجر﴾ كلها، ﴿والدواب﴾. ثم رجع إلى صفة الإنسان، فاستثنى فيه، فقال: ﴿وكثير من الناس﴾ يعني: المؤمنين، ﴿وكثير حق عليه العذاب﴾ يعني: مَن لم يؤمن، وقال: ﴿ومن يهن الله﴾ فيدخله النار، ﴿فما له من مكرم﴾ يدخله الجنة، ﴿إن الله يفعل ما يشاء﴾١٢
التخريج
  1. ١تفسير يحيى بن سلّام ١‏/‏٣٥٨.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابنُ عطية (٦/٢٢٦) قولًا بأن سجودها هو بظهور الصنعة فيها. وانتقده فقال: «وهذا وهم، وإنما خلط هذه الآية بآية التسبيح، وهناك يحتمل أن يقال: هي بآثار الصنعة».
التفسير بالمأثور لسورة الحج كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١٨ من سورة الحج

٤٠ وقفةً في هذه الآية

  • من آثر الحياة الدنيا وزينتها على طاعة الله ورسوله ﷺ فقد هان عند الله، ثم نزعت منه الهيبة والوقار والمودة عند الناس (ومن يهن الله فما له من مكرم).

    — سعود الشريم

  • "وكثير حق عليه العذاب" أنا وأنت علمنا الآن أن هؤلاء المعذبين كثير.. ولكننا لم نعلم حتى اللحظة: هل نحن من هؤلاء الكثير أم لا.

    — علي الفيفي

  • {وأن الله يهدي من يريد} يا رب إنا نريد بلوغ هدايتك فأرد هدايتنا بفضلك ومنتك.

    — محمد الربيعة

  • لا يستطيع أحد من البشر مهما علا شأنه أن يكرم من أهانه الله.. أو يهن من أكرمه الله..! (ومن يهن الله فما له من مكرم)..

    — نايف الفيصل

  • عبادة (المناصب) ذلة وهوان! ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَه يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾.

    — سعد الشهراني

  • نظرت في هذه الآية: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ)، ثم قال: (وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ) فرأيت الجمادات كلها قد وصفت بالسجود، واستثنى من العقلاء، فقلت: هذه قدرة عظيمة، يوهب عقل الشخص، ثم يسلب فائدته! وإلا فكيف يحسن من عاقل ألا يعرف بوجوده، وجود من أوجده؟ غير أنه سبحانه وهب لأقوام من العقل ما يثبت عليهم الحجة، وأعمى قلوبهم كما شاء عن المحجة.

    — ابن الجوزي

  • من لم يعرف الطريق إلى ربه ولم يتعرفها، فهذا هو اللئيم الذي قال الله فيه: (وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ).

    — ابن قيم الجوزية (ابن القيم)

  • قال تعالى في آية سجود المخلوقات له: (وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ) فإنهم لما هان عليهم السجود له، واستخفوا به ولم يفعلوه، أهانهم الله فلم يكن لهم من مكرم بعد أن أهانهم الله، ومن ذا يكرم من أهانه الله؟ أو يهن من أكرمه الله؟

    — ابن قيم الجوزية (ابن القيم)

  • هنا أشجار.. وهناك نجوم.. هذه شمس، وهذا قمر.. وتلك جبال.. هنا وهناك دوابٌّ كبار وصغار، فإذا اجتمعت لك -كلها أو بعضها- وأنت في البرية، أو تسير في طريق، فتذكر أنها كلها تسجد لله، تأمل: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ).

    — عمر المقبل

  • كلُّ الجمادات والنباتات والحيوانات تسجد لله.. بكثرتها.. بعظمتها.. إلا بعضًا من مخلوق ضعيف شذَّ عن منظومة التسبيح في الكون.

    — متدبر

  • ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾.. الهوان القابع في داخل الإنسان، في أعماقه، الذي يمزق كرامته، يسمح به التراب، يطأ قيمته، ومعنى وجوده، ومستقبله.

    — عبدالله بلقاسم

  • سورة الحج (18) كل شيء يسجد لله

    — سعود بن خالد آل سعود الكبير

و٢٨ وقفةً أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

فتاوى متعلقة بالآية ١٨ من سورة الحج

فتوى واحدة تتعلق بهذه الآية

ترجمات معاني الآية ١٨ من سورة الحج

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(18) Do you not see [i.e., know] that to Allāh prostrates whoever is in the heavens and whoever is on the earth and the sun, the moon, the stars, the mountains, the trees, the moving creatures and many of the people? But upon many the punishment has been justified.[920] And he whom Allāh humiliates - for him there is no bestower of honor. Indeed, Allāh does what He wills.
[920]- And therefore decreed.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال