الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله :﴿وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ﴾ : فيه أوجهٌ أحدُها : أنه مرفوعٌ بفعلٍ مضمرٍ تقديرُه : ويَسْجُدُ له كثيرٌ من الناس. وهذا عند مَنْ يمنعُ استعمالَ المشتركِ في معَنيْيه، أو الجمعَ بين الحقيقة والمجازِ، في كلمةٍ واحدةٍ ؛ وذلك أنَّ السجودَ المسندَ لغيرِ العقلاءِ غيرُ السجود المسندِ للعقلاءِ، فلا يُعْطَفُ " كثيرٌ من الناس " على ما قبلَه لاختلافِ الفعلِ المسندِ إليهما في المعنى. ألا ترى أنَّ سجودَ غيرِ العقلاءِ هو الطَّواعيةُ والإِذعانُ لأمرِه، وسجودَ العقلاءِ هو هذه الكيفيةُ المخصوصةٌ.
الثاني : أنَّه معطوفٌ على ما تقدَّمه. وفي ذلك ثلاثةُ تأويلاتٍ أحدُها : أنَّ المرادَ بالسجودِ القَدْرُ المشتركُ بين الكلِّ العقلاءِ وغيرِهم وهو الخضوعُ والطواعيةُ، وهو من بابِ الاشتراكِ المعنويِّ. والتأويلُ الثاني : أنه مشتركٌ اشتراكاً لفظياً، ويجوز استعمالُ المشتركِ في معنييه. والتأويلُ الثالث : أنَّ السجودَ المسندَ للعقلاءِ حقيقةٌ ولغيرِهم مجازٌ. ويجوز الجمعُ بين الحقيقةِ والمجازِ. وهذه الأشياءُ فيها خلافٌ، لتقريرِه موضوعٌ هو أليقُ به من هذا.
الثالثُ من الأوجه المتقدمة : أن يكونَ " كثيرٌ " مرفوعاً بالابتداء. وخبرُه محذوفٌ وهو " مُثابٌ " لدلالة خبرِ مقابلِه عليه، وهو قولُه :﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ كذا قَدَّره الزمخشريُّ. وقَدَّره أبو البقاء :" مُطيعون أو مُثابون أو نحوُ ذلك ".
الرابع : أَنْ يرتفعَ " كثيرٌ " على الابتداءِ أيضاً، ويكون خبرُه " من الناس " أي : من الناس الذين هم الناسُ على الحقيقةِ، وهم الصالحون والمتَّقون.
والخامسُ : أن يرتفعَ بالابتداءِ أيضاً. ويُبالَغَ في تكثير المحقوقينِ بالعذاب، فيُعطفَ " كثيرٌ " على " كثير " ثم يُخْبَرَ عنهم ب ﴿حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ ذكر ذلك الزمخشري. قال الشيخ : بعد أن حكى عن الزمخشريِّ الوجهين الآخرين قال :" وهذان التخريجان ضعيفان " ولم يُبَيِّنْ وجهَ ضعفِهما.
قلت : أمَّا أوَّلُهما فلا شكَّ في ضعفِه ؛ إذ لا فائدةَ طائلةٌ في الإِخبارِ بذلك. / وأمَّا الثاني فقد يظهر : وذلك أنَّ التكريرَ يفيد التكثيرَ، وهو قريبٌ مِنْ قولِهم :" عندي ألفٌ وألفٌ "، وقوله :
لو عُدَّ قبرٌ وقبرٌ كنتَ أَكْرَمَهم ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقرأ الزهري " والدَّوابُ " مخففَ الباءِ. قال أبو البقاء :" ووجهُها : أنه حَذَف الباءَ الأولى كراهيةَ التضعيفِ والجمعِ بين ساكنين ". وقرأ جناح بن حبيش و " كبيرٌ " بالباء الموحدة. وقرىء " وكثيرٌ حَقَّاً " بالنصب.
وناصبُه محذوفٌ وهو الخبرُ، تقديرُه : وكثير حَقَّ عليه العذابُ حقاً. " والعذابُ " مرفوع بالفاعلية. وقُرِىء " حُقَّ " مبنياً للمفعولِ.
وقال ابن عطية :﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ يحتمل أن يكونةَ معطوفاً على ما تقدَّم أي : وكثير حَقَّ عليه العذابُ يسجد أي كراهيةً وعلى رَغْمِه : إما بظلِّه، وإمَّا بخضوعِه عند المكاره ". قلت : فقولُه :" معطوفٌ على ما تقدَّم " يعني عطفَ الجملِ لا أنه هو وحدَه عطفٌ على ما قبله، بدليلِ أنه قَدَّره مبتدأً. وخبرُه قوله :" يَسْجد ".
قوله :﴿وَمَن يُهِنِ اللَّهُ﴾ " مَنْ " مفعولٌ مقدمٌ، وهي شرطيةٌ. جوابُها الفاءُ مع ما بعدها. والعامَّةُ على " مُكْرِمٍ " بكسرِ الراء اسمَ فاعل. وقرأ ابن أبي عبلة بفتحِها، وهو اسمُ مصدرٍ أي : فما له مِنْ إكرام.
الثاني : أنَّه معطوفٌ على ما تقدَّمه. وفي ذلك ثلاثةُ تأويلاتٍ أحدُها : أنَّ المرادَ بالسجودِ القَدْرُ المشتركُ بين الكلِّ العقلاءِ وغيرِهم وهو الخضوعُ والطواعيةُ، وهو من بابِ الاشتراكِ المعنويِّ. والتأويلُ الثاني : أنه مشتركٌ اشتراكاً لفظياً، ويجوز استعمالُ المشتركِ في معنييه. والتأويلُ الثالث : أنَّ السجودَ المسندَ للعقلاءِ حقيقةٌ ولغيرِهم مجازٌ. ويجوز الجمعُ بين الحقيقةِ والمجازِ. وهذه الأشياءُ فيها خلافٌ، لتقريرِه موضوعٌ هو أليقُ به من هذا.
الثالثُ من الأوجه المتقدمة : أن يكونَ " كثيرٌ " مرفوعاً بالابتداء. وخبرُه محذوفٌ وهو " مُثابٌ " لدلالة خبرِ مقابلِه عليه، وهو قولُه :﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ كذا قَدَّره الزمخشريُّ. وقَدَّره أبو البقاء :" مُطيعون أو مُثابون أو نحوُ ذلك ".
الرابع : أَنْ يرتفعَ " كثيرٌ " على الابتداءِ أيضاً، ويكون خبرُه " من الناس " أي : من الناس الذين هم الناسُ على الحقيقةِ، وهم الصالحون والمتَّقون.
والخامسُ : أن يرتفعَ بالابتداءِ أيضاً. ويُبالَغَ في تكثير المحقوقينِ بالعذاب، فيُعطفَ " كثيرٌ " على " كثير " ثم يُخْبَرَ عنهم ب ﴿حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ ذكر ذلك الزمخشري. قال الشيخ : بعد أن حكى عن الزمخشريِّ الوجهين الآخرين قال :" وهذان التخريجان ضعيفان " ولم يُبَيِّنْ وجهَ ضعفِهما.
قلت : أمَّا أوَّلُهما فلا شكَّ في ضعفِه ؛ إذ لا فائدةَ طائلةٌ في الإِخبارِ بذلك. / وأمَّا الثاني فقد يظهر : وذلك أنَّ التكريرَ يفيد التكثيرَ، وهو قريبٌ مِنْ قولِهم :" عندي ألفٌ وألفٌ "، وقوله :
لو عُدَّ قبرٌ وقبرٌ كنتَ أَكْرَمَهم ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقرأ الزهري " والدَّوابُ " مخففَ الباءِ. قال أبو البقاء :" ووجهُها : أنه حَذَف الباءَ الأولى كراهيةَ التضعيفِ والجمعِ بين ساكنين ". وقرأ جناح بن حبيش و " كبيرٌ " بالباء الموحدة. وقرىء " وكثيرٌ حَقَّاً " بالنصب.
وناصبُه محذوفٌ وهو الخبرُ، تقديرُه : وكثير حَقَّ عليه العذابُ حقاً. " والعذابُ " مرفوع بالفاعلية. وقُرِىء " حُقَّ " مبنياً للمفعولِ.
وقال ابن عطية :﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ يحتمل أن يكونةَ معطوفاً على ما تقدَّم أي : وكثير حَقَّ عليه العذابُ يسجد أي كراهيةً وعلى رَغْمِه : إما بظلِّه، وإمَّا بخضوعِه عند المكاره ". قلت : فقولُه :" معطوفٌ على ما تقدَّم " يعني عطفَ الجملِ لا أنه هو وحدَه عطفٌ على ما قبله، بدليلِ أنه قَدَّره مبتدأً. وخبرُه قوله :" يَسْجد ".
قوله :﴿وَمَن يُهِنِ اللَّهُ﴾ " مَنْ " مفعولٌ مقدمٌ، وهي شرطيةٌ. جوابُها الفاءُ مع ما بعدها. والعامَّةُ على " مُكْرِمٍ " بكسرِ الراء اسمَ فاعل. وقرأ ابن أبي عبلة بفتحِها، وهو اسمُ مصدرٍ أي : فما له مِنْ إكرام.