محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١٩ من سورة الحج في ١١٢ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٤٣ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١٩ من سورة الحج

١١٢ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿هََذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِي رَبّهِمْ فَالّذِينَ كَفَرُواْ قُطّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مّن نّارِ يُصَبّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلّمَآ أَرَادُوَاْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمّ أُعِيدُواْ فِيهَا وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾.
اختلف أهل التأويل في المعنيّ بهذين الخصمين اللذين ذكرهما الله، فقال بعضهم : أحد الفريقين : أهل الإيمان، والفريق الآخر : عبدة الأوثان من مشركي قريش الذين تبارزوا يوم بدر. ذكر من قال ذلك :
حدثني يعقوب، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا أبو هاشم عن أبي مجاز، عن قيس بن عبادة قال : سمعت أبا ذرّ يُقْسم قَسَما أن هذه الآية : هَذَان خَصْمان اخْتَصَمُوا فِي رَبّهِمْ نزلت في الذين بارزوا يوم بدر : حمزة وعليّ وعبيدة بن الحارث، وعتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة. قال : وقال عليّ : إني لأوّل أو من أوّل من يجثو للخصومة يوم القيامة بين يدي الله تبارك وتعالى.
حدثنا عليّ بن سهل، قال : حدثنا مؤمل، قال : حدثنا سفيان، عن أبي هاشم، عن أبي مجاز، عن قيس بن عباد، قال : سمعت أبا ذرّ يقسم بالله قسما لنزلت هذه الاَية في ستة من قريش : حمزة بن عبد المطلب وعليّ بن أبي طالب وعبيدة بن الحارث رضي الله عنهم، وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة هَذَان خَصْمان اخْتَصَمُوا في رَبّهِمْ. . . إلى آخر الاَية : إنّ اللّهَ يُدْخِلُ الّذِينَ آمَنُوا وَعملُوا الصّالحاتِ. . . إلى آخر الاَية.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن أبي هاشم، عن أبي مجاز، عن قيس بن عباد، قال : سمعت أبا ذرّ يقسم، ثم ذكر نحوه.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا محمد بن محبب، قال : حدثنا سفيان، عن منصور بن المعتمر، عن هلال بن يساف، قال : نزلت هذه الاَية في الذين تبارزوا يوم بدر : هَذَانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبّهِمْ.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة بن الفضل، قال : ثني محمد بن إسحاق، عن بعض أصحابه، عن عطاء بن يسار، قال : نزلت هؤلاء الآيات : هَذَان خَصْمان اخْتَصَمُوا فِي رَبّهِمْ في الذين تبارزوا يوم بدر : حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث، وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة. إلى قوله : وَهُدُوا إلى صِرَاطِ الحَمِيدِ.
قال : حدثنا جرير، عن منصور، عن أبي هاشم، عن أبي مُجَلّز، عن قيس بن عباد، قال : والله لأُنزلت هذه الاَية : هَذَانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبّهِمْ في الذين خرج بعضهم إلى بعض يوم بدر : حمزة وعليّ وعُبيدة رحمة الله عليهم، وشيبة وعتبة والوليد بن عتبة.
وقال آخرون ممن قال أحد الفرقين فريق الإيمان : بل الفريق الاَخر أهل الكتاب. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : هَذَانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبّهِمْ قال : هم أهل الكتاب، قالوا للمؤمنين : نحن أولى بالله، وأقدم منكم كتابا، ونبينا قبل نبيكم. وقال المؤمنون : نحن أحقّ بالله، آمنا بمحمد ﷺ، وآمنا بنبيكم وبما أنزل الله من كتاب، فأنتم تعرفون كتابنا ونبينا، ثم تركتموه وكفرتم به حسدا. وكان ذلك خصومتهم في ربهم.
وقال آخرون منهم : بل الفريق الاَخر الكفار كلهم من أيّ ملة كانوا. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، قال : حدثنا أبو تُمَيلة، عن أبي حمزة، عن جابر، عن مجاهد وعطاء بن أبي رَياح وأبي قَزَعة، عن الحسين، قال : هم الكافرون والمؤمنون اختصموا في ربهم.
قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد : مثل الكافر والمؤمن قال ابن جُرَيج : خصومتهم التي اختصموا في ربهم، خصومتهم في الدنيا من أهل كل دين، يرون أنهم أولى بالله من غيرهم.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا أبو بكر بن عياش، قال : كان عاصم والكلبي يقولان جميعا في : هَذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبّهِمْ قال : أهل الشرك والإسلام حين اختصموا أيهم أفضل، قال : جعل الشرك ملة.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى. وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله : هَذَانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبّهِمْ قال : مثل المؤمن والكافر اختصامهما في البعث.
وقال آخرون : الخصمان اللذان ذكرهما الله في هذه الاَية : الجنة والنار. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا أبو تميلة، عن أبي حمزة، عن جابر، عن عكرِمة : هَذَانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبّهِمْ قال : هما الجنة والنار اختصمتا، فقالت النار : خلقني الله لعقوبته وقالت الجنة : خلقني الله لرحمته فقد قصّ الله عليك من خبرهما ما تسمع.
وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب وأشبهها بتأويل الاَية، قول من قال : عُني بالخصمين جميع الكفار من أيّ أصناف الكفر كانوا وجميع المؤمنين. وإنما قلت ذلك أولى بالصواب، لأنه تعالى ذكره ذكر قبل ذلك صنفين من خلقه : أحدهما أهل طاعة له بالسجود له، والآخر : أهل معصية له، قد حقّ عليه العذاب، فقال : ألَمْ تَرَ أنّ اللّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ والشّمْسُ والقَمَرُ ثم قال : وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ وكَثِيرٌ حَقّ عَلَيْهِ العَذَابُ، ثم أتبع ذلك صفة الصنفين كليهما وما هو فاعل بهما، فقال : فالذين كَفرُوا قُطّعتْ لهُمْ ثيابٌ منْ نارٍ وقال الله : إنّ اللّهَ يُدْخِلُ الّذِينَ آمَنُوا وَعمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأنهارُ فكان بيّنا بذلك أن ما بين ذلك خبر عنهما.
فإن قال قائل : فما أنت قائل فيما رُوي عن أبي ذرّ في قوله : إنّ ذَلكَ نزل في الذين بارزوا يوم بدر ؟ قيل : ذلك إن شاء الله كما رُوي عنه ولكن الاَية قد تنزل بسبب من الأسباب، ثم تكون عامة في كل ما كان نظير ذلك السبب. وهذه من تلك، وذلك أن الذين تبارزوا إنما كان أحد الفريقين أهل شرك وكفر بالله، والاَخر أهل إيمان بالله وطاعة له، فكل كافر في حكم فريق الشرك منهما في أنه لأهل الإيمان خصم، وكذلك كل مؤمن في حكم فريق الإيمان منهما في أنه لأهل الشرك خصم.
فتأويل الكلام : هذان خصمان اختصموا في دين ربهم، واختصامهم في ذلك معاداة كل فريق منهما الفريق الاَخر ومحاربته إياه على دينه.
وقوله : فالّذِينَ كَفَرُوا قُطّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يقول تعالى ذكره : فأما الكافر بالله منهما فإنه يقطع له قميص من نحاس من نار. كما :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد : فالّذِينَ كَفَرُوا قُطّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ قال : الكافر قطعت له ثياب من نار، والمؤمن يدخله الله جنات تجري من تحتها الأنهار.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، في قوله : فالّذِينَ كَفَرُوا قُطّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ قال : ثياب من نحاس، وليس شيء من الآنية أحمى وأشد حرّا منه.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال : الكفار قطعت لهم ثياب من نار، والمؤمن يدخل جنات تجري من تحتها الأنهار.
وقوله : يُصَبّ مِنْ فَوْقِ رؤسِهِمُ الحَمِيمُ يقول : يصبّ على رؤسهم ماء مُغْلًي. كما :
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا إبراهيم بن إسحاق الطال قاني، قال : حدثنا ابن المبارك، عن سعيد بن زيد، عن أبي السّمْح، عن ابن حجيرة، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ، قال :«إنّ الحَمِيمَ لَيُصَبّ عَلى رُؤُسِهِمْ، فَيَنْفُذُ الجُمْجَمَةَ حتى يَخْلُصَ إلى جَوْفِهِ، فَيَسْلُتَ ما فِي جَوْفِهِ حتى يَبْلُغَ قَدَمَيْهِ، وَهِيَ الصّهْرُ، ثُمّ يُعادُ كَما كانَ ».
حدثني محمد بن المثنى، قال : حدثنا يعمر بن بشر، قال : حدثنا ابن المبارك، قال : أخبرنا سعيد بن زيد، عن أبي السمح، عن ابن حجيرة، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ بمثله، إلا أنه قال :«فَيَنْفُذُ الجُمْجُمَةَ حَى يَخْلُصَ إلى جَوْفِهِ فَيَسْلُتَ مَا في جَوْفِهِ ».
وكان بعضهم يزعم أن قوله : ولَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ من المؤخّر الذي معناه التقديم، ويقول : وجه الكلام : فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار ولهم مقامع من حديد يصبّ من فوق رؤسهم الحميم ويقول : إنما وجب أن يكون ذلك كذلك، لأن الملك يضربه بالمقمع من الحديد حتى يثقب رأسه، ثم يصبّ فيه الحميم الذي انتهى حرّه فيقطع بطنه. والخبر عن رسول الله ﷺ الذي ذكرنا، يدلّ على خلاف ما قال هذا القائل وذلك أنه ﷺ أخبر أن الحميم إذا صبّ على رؤسهم نفذ الجمجمة حتى يخلص إلى أجوافهم، وبذلك جاء تأويل أهل التأويل، ولو كانت المقامع قد تثقب رؤوسهم قبل صبّ الحميم عليها، لم يكن لقوله ﷺ :«إنّ الحَميمَ يَنْفُذُ الجُمْجُمَةَ » معنى ولكن الأمر في ذلك بخلاف ما قال هذا القائل.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
والنيران. والذين أشركوا: يعبدون الأوثان. والأديان ستة: خمسة للشيطان، وواحد للرحمن. وأدخلت "إن" في خبر "إن" الأولى لما ذكرت من المعنى، وأن الكلام بمعنى الجزاء، كأنه قيل: من كان على دين من هذه الأديان، ففصل ما بينه وبين من خالفه على الله والعرب تدخل أحيانا في خبر "إن" "إن" إذا كان خبر الاسم الأوّل في اسم مضاف إلى ذكره، فتقول: إن عبد الله إن الخير عنده لكثير، كما قال الشاعر.
إنَّ الخَلِيفَةَ إن اللهَ سَرْبَلَهُسِرْبالَ مُلْكٍ بِهِ تُرْجَى الخَوَاتِيمُ (١)
وكان الفرّاء يقول: من قال هذا لم يقل: إنك إنك قائم، ولا إن إياك إنه قائم، لأن الاسمين قد اختلفا، فحسن رفض الأوّل، وجعل الثاني كأنه هو المبتدأ، فحسن للاختلاف وقبح للاتفاق.
وقوله: (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) يقول: إن الله على كل شيء من أعمال هؤلاء الأصناف الذين ذكرهم الله جلّ ثناؤه، وغير ذلك من الأشياء كلها شهيد لا يخفى عنه شيء من ذلك.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾
(١) البيت لجرير (ديوانه طبعة الصاوي، ص ٥٢٧) وهو من قصيدة يمدح بها بعض بني مروان وفي روايته: " يكفي " في موضع " إن " الأولى. وتزجى، في موضع ترجى. قال شارح شواهد الكشاف: خاتم الشيء: عاقبته. وتزجى أي تساق خواتيم الإمارة، والخاتم بفتح التاء وكسرها، يقال أزجيت الإبل أي سقتها. والبيت شاهد عند قوله تعالى: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين..... إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ) أدخلت إن على كل واحد من جزأي الجملة، لزيادة التأكيد. وحسن دخول إن الثانية على الجملة الواقعة خبرا، طول الفصل بينهما بالمعاطيف. والمؤلف ساق البيت شاهدا على أنه نظير ما في الآية من دخول إن الثانية على جملة الخبر إذا كان فيه ضمير. ويجوز في البيت وجه آخر، وهو أن تكون جملة إن الله سربله سربال ملك، جملة معترضة بين اسم إن وخبرها، ولا يجوز ذلك في الآية، قاله أبو حيان، ونقله عن شارح شواهد الكشاف. أه. والسربال: القميص والدرع. والمراد هنا الأول.
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم:
ألم تر يا محمد بقلبك، فتعلم أن الله يسجد له من في السماوات من الملائكة، ومن في الأرض من الخلق من الجنّ وغيرهم، والشمس والقمر والنجوم في السماء، والجبال، والشجر، والدوابّ في الأرض، وسجود ذلك ظلاله حين تطلع عليه الشمس، وحين تزول، إذا تحولّ ظلّ كل شيء فهو سجوده.
كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قوله: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ) قال: ظلال هذا كله.
وأما سجود الشمس والقمر والنجوم، فإنه كما حدثنا به ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عديّ ومحمد بن جعفر، قالا ثنا عوف، قال: سمعت أبا العالية الرياحي يقول: ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر، إلا يقع لله ساجدا حين يغيب، ثم لا ينصرف حتى يؤذن له، فيأخذ ذات اليمين، وزاد محمد: حتى يرجع إلى مطلعه.
وقوله: (وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) يقول: ويسجد كثير من بني آدم، وهم المؤمنون بالله.
كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد: (وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) قال: المؤمنون. وقوله: (وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ) يقول تعالى ذكره: وكثير من بني آدم حقّ عليه عذاب الله، فوجب عليه بكفره به، وهو مع ذلك يسجد لله ظله.
كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد (وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ) وهو يسجد مع ظله، فعلى هذا التأويل الذي ذكرناه عن مجاهد، وقع قوله (وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ) بالعطف على قوله (وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) ويكون داخلا في عداد من وصفه الله بالسجود له، ويكون قوله (حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ) من صلة كثير، ولو كان "الكثير الثاني من لم يدخل في عداد من وصف بالسجود كان مرفوعا بالعائد من ذكره في قوله: (حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ) وكان معنى الكلام حينئذ: وكثير أبى السجود، لأن
قوله (حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ) يدلّ على معصية الله وإبائه السجود، فاستحقّ بذلك العذاب.
"١٨"

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٧)﴾


يقول تعالى ذكره: ومن يهنه الله من خلقه فَيُشْقِه، (فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ) بالسعادة يسعده بها، لأن الأمور كلها بيد الله، يوفِّق من يشاء لطاعته، ويخذل من يشاء، ويُشقي من أراد، ويسعد من أحبّ.
وقوله: (إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) يقول تعالى ذكره: إن الله يفعل في خلقه ما يشاء من إهانة من أراد إهانته، وإكرام من أراد كرامته، لأن الخلق خلقه والأمر أمره، (لا يسئل عما يفعل وهم يسألون). وقد ذُكر عن بعضهم أنه قرأه (فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرَمٍ) بمعنى: فما له من إكرام، وذلك قراءة لا أستجيز القراءة بها لإجماع الحجة من القرّاء على خلافه.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٢٢)﴾
اختلف أهل التأويل في المعنيّ بهذين الخصمين اللذين ذكرهما الله، فقال بعضهم: أحد الفريقين: أهل الإيمان، والفريق الآخر: عبدة الأوثان من مشركي قريش الذين تبارزوا يوم بدر.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا
أبو هاشم عن أبي مجلز، عن قيس بن عبادة قال: سمعت أبا ذر يُقْسم قَسَما أن هذه الآية (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ) نزلت في الذين بارزوا يوم بدر: حمزة وعليّ وعبيدة بن الحارث وعتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة، قال: وقال علىّ: إني لأوّل، أو من أوّل من يجثو للخصومة يوم القيامة بين يدي الله تبارك وتعالى.
حدثنا عليّ بن سهل، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن أبي هاشم، عن أبي مجلز، عن قيس بن عباد، قال: سمعت أبا ذرّ يقسم بالله قسما: لنزلت هذه الآية في ستة من قريش حمزة بن عبد المطلب وعليّ بن أبي طالب، وعبيدة بن الحارث رضي الله عنهم، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ)... إلى آخر الآية (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)... إلى آخر الآية.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي هاشم، عن أبي مجلز، عن قيس بن عباد، قال: سمعت أبا ذرّ يقسم، ثم ذكر نحوه.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن محبب، قال: ثنا سفيان، عن منصور بن المعتمر، عن هلال بن يساف، قال: نزلت هذه الآية في الذين تبارزوا يوم بدر (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ).
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة بن الفضل، قال: ثني محمد بن إسحاق، عن بعض أصحابه، عن عطاء بن يسار، قال: نزلت هؤلاء الآيات: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ) في الذين تبارزوا يوم بدر: حمزة، وعلي، وعبيدة بن الحارث، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة. إلى قوله (وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ).
قال: ثنا جرير، عن منصور، عن أبي هاشم، عن أبي مُجَلِّز، عن قيس بن عباد، قال: والله لأنزلت هذه الآية: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ) في الذين خرج بعضهم إلى بعض يوم بدر: حمزة، وعليّ، وعبيدة رحمة الله عليهم، وشيبة، وعتبة، والوليد بن عتبة.
وقال آخرون: ممن قال أحد الفرقين فريق الإيمان، بل الفريق الآخر أهل
الكتاب.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ) قال: هم أهل الكتاب، قالوا للمؤمنين: نحن أولى بالله، وأقدم منكم كتابا، ونبينا قبل نبيكم، وقال المؤمنون: نحن أحقّ بالله، آمنا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وآمنا بنبيكم، وبما أنزل الله من كتاب، فأنتم تعرفون كتابنا ونبينا، ثم تركتموه وكفرتم به حسدا. وكان ذلك خصومتهم في ربهم.
وقال آخرون منهم: بل الفريق الآخر الكفار كلهم من أيّ ملة كانوا.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: ثنا أبو تُمَيلة، عن أبي حمزة، عن جابر، عن مجاهد وعطاء بن أبي رَباح، وأبي قزعة، عن الحسين، قال: هم الكافرون والمؤمنون اختصموا في ربهم.
قال ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد: مثل الكافر والمؤمن. قال ابن جُرَيج: خصومتهم التي اختصموا في ربهم، خصومتهم في الدنيا من أهل كل دين، يرون أنهم أولى بالله من غيرهم.
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، قال: كان عاصم والكلبي يقولان جميعا في (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ) قال: أهل الشرك والإسلام حين اختصموا أيهم أفضل، قال: جعل الشرك ملة.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ) قال: مثل المؤمن والكافر اختصامهما في البعث.
وقال آخرون: الخصمان اللذان ذكرهما الله في هذه الآية: الجنة والنار.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو تميلة، عن أبي حمزة، عن جابر، عن عكرمة في (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ) قال: هما الجنة والنار اختصمتا، فقالت النار: خلقني الله لعقوبته وقالت الجنة:
خلقني الله لرحمته، فقد قصّ الله عليك من خبرهما ما تسمع.
وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، وأشبهها بتأويل الآية، قول من قال: عني بالخصمين جميع الكفار من أيّ أصناف الكفر كانوا وجميع المؤمنين، وإنما قلت ذلك أولى بالصواب، لأنه تعالى ذكره ذكر قبل ذلك صنفين من خلقه: أحدهما أهل طاعة له بالسجود له، والآخر: أهل معصية له، قد حقّ عليه العذاب، فقال: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ) ثم قال: (وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ)، ثم أتبع ذلك صفة الصنفين كليهما وما هو فاعل بهما، فقال: (فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ) وقال الله (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ) ; فكان بيِّنا بذلك أن ما بين ذلك خبر عنهما.
فإن قال قائل: فما أنت قائل فيما رُوي عن أبي ذرّ إنَّ ذَلكَ نزل في الذين بارزوا يوم بدر؟ قيل: ذلك إن شاء الله كما روي عنه، ولكن الآية قد تنزل بسبب من الأسباب، ثم تكون عامة في كل ما كان نظير ذلك السبب، وهذه من تلك، وذلك أن الذين تبارزوا إنما كان أحد الفريقين أهل شرك وكفر بالله، والآخر أهل إيمان بالله وطاعة له، فكل كافر في حكم فريق الشرك منهما في أنه لأهل الإيمان خصم، وكذلك كل مؤمن في حكم فريق الإيمان منهما في أنه لأهل الشرك خصم.
فتأويل الكلام: هذان خصمان اختصموا في دين ربهم، واختصامهم في ذلك معاداة كل فريق منهما الفريق الآخر ومحاربته إياه على دينه.
وقوله: (فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ) يقول تعالى ذكره: فأما الكافر بالله منهما فانه يقطع له قميص من نحاس من نار.
كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد: (فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ) قال: الكافر قطعت له ثياب من نار، والمؤمن يدخله الله جنات تجري من تحتها الأنهار.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، في قوله:
(فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ) قال: ثياب من نحاس، وليس شيء من الآنية أحمى وأشد حرّا منه.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: الكفار قطعت لهم ثياب من نار، والمؤمن يدخل جنات تجري من تحتها الأنهار. وقوله: (يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ) يقول: يصبّ على رءوسهم ماء مُغْلًى.
كما حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا إبراهيم بن إسحاق الطَّالقانيّ، قال: ثنا ابن المبارك، عن سعيد بن زيد، عن أبي السَّمْح، عن ابن جُحيرة، عن أبي هريرة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال:
"إنَّ الحَمِيمَ لَيُصَبُّ على رُءوسِهمْ، فَيَنْفُذُ الجُمْجمَةَ حتى يَخْلُص إلى جَوْفِهِ، فَيَسْلُت ما في جَوْفِهِ حتى يَبْلُغَ قَدَمَيْهِ، وَهِيَ الصَّهْرُ، ثُمَّ يُعادُ كَما كان".
حدثني محمد بن المثنى، قال: ثنا يعمر بن بشر، قال: ثنا ابن المبارك، قال: أخبرنا سعيد بن زيد، عن أبي السمح، عن ابن جحيرة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بمثله، إلا أنه قال: "فَيَنْفُذُ الجُمْجُمَةَ حتى يَخْلُص إلى جَوفِهِ فَيَسْلت (١) مَا في جَوْفِهِ".
وكان بعضهم يزعم أن قوله (وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ) من المؤخَّر الذي معناه التقديم، ويقول: وجه الكلام: فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار، ولهم مقامع من حديد يصبّ من فوق رءوسهم الحميم ويقول: إنما وجب أن يكون ذلك كذلك، لأن الملك يضربه بالمقمع من الحديد حتى يثقب رأسه، ثم يصبّ فيه الحميم الذي انتهى حرّه فيقطع بطنه. والخبر عن رسول الله ﷺ الذي ذكرنا، يدلّ على خلاف ما قال هذا القائل، وذلك أنه ﷺ أخبر أن الحميم إذا صبّ على رءوسهم نفذ الجمجمة حتى يخلص إلى أجوافهم، وبذلك جاء تأويل أهل التأويل، ولو كانت المقامع قد تثقب رءوسهم قبل صبّ الحميم عليها، لم يكن لقوله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الحَمِيمَ يَنْفُذُ الجُمْجُمَة" معنى: ولكن الأمر في ذلك بخلاف ما قال هذا القائل.
وقوله: (يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ) يقول: يذاب بالحميم الذي يصبّ من فوق رءوسهم ما في بطونهم من الشحوم، وتشوى جلودهم منه فتتساقط، والصهر: هو الإذابة، يقال منه: صهرت الألية بالنار: إذا أذبتها أصهرها صهرا؛ ومنه قول الشاعر.
تَرْوِي لَقًى أُلْقِي في صَفْصَفٍتَصْهَرُهُ الشَّمْسُ وَلا يَنْصَهِر (٢)
ومنه قول الراجز:
شَكَّ السَّفافِيدِ الشَّوَاءَ المُصْطَهَرْ (٣)
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: (يُصْهَرُ بِهِ) قال: يُذاب إذابة.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله. قال ابن جُرَيج (يُصْهَرُ بِهِ) قال: ما قطع لهم من العذاب.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة: (يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ) قال: يُذاب به ما في بطونهم.
حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله.
(١) يسلت في جوفه من باب نصر: أي يقطعه ويستأصله.
(٢) البيت لابن أحمر يصف فرخ قطاة (اللسان: صهر) قال: وصهرته الشمس تصهره صهرا، وصهرته: اشتد وقعها عليه وحرها حتى آلم دماغه، وانصهر هو، قال ابن أحمر يصف فرخ قطاة... البيت؛ أي تذيبه الشمس، فيصبر على ذلك. وتروى تسوق إليه الماء، أي تصير له كالرواية؛ يقال: رويت أهلي وعليهم ريا: أتيتهم بالماء. والصهر: إذابة الشحم، صهر الشحم يصهره صهرا: أذابه. وفي التنزيل: يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ أي يذاب. واصطهره: أذابه وأكله. أه. واللقي: كل شيء مطروح متروك كاللقطة. والصفصف: أرض ملساء مستوية، كما في اللسان. أه.
(٣) البيت للعجاج بن رؤبة الراجز المشهور (اللسان: صهر) قال الأزهري: الصهر إذابة الشحم، والصهارة: ما ذاب منه وكذلك الاصطهار في إذابة، أو أكل صهارته. وقال العجاج: (شك السفافيد.... البيت). والبيت شاهد مثل الذي قبله على أن الصهر معناه الإذابة.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ)... إلى قوله: (يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ) يقول: يسقون ما إذا دخل بطونهم أذابها والجلود مع البطون.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر وهارون بن عنترة، عن سعيد بن جبير، قال: قال هارون: إذا عام أهل النار، وقال جعفر: إذا جاع أهل النار استغاثوا بشجرة الزقوم، فيأكلون منها، فاختلست جلود وجوههم، فلو أن مارّا مرّ بهم يعرفهم، يعرف جلود وجوههم فيها، ثم يصبّ عليهم العطش، فيستغيثوا، فيُغاثوا بماء كالمُهل، وهو الذي قد انتهى حرّه، فإذا أدنوه من أفواههم انشوى من حرّه لحوم وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود و (يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ) يعني أمعاءهم، وتساقط جلودهم، ثم يضربون بمقامع من حديد، فيسقط كل عضو على حاله، يدعون بالويل والثبور. وقوله: (وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ) تضرب رءوسهم بها الخزنة إذا أرادوا الخروج من النار حتى ترجعهم إليها. وقوله: (كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا) يقول: كلما أراد هؤلاء الكفار الذين وصف الله صفتهم الخروج من النار مما نالهم من الغم والكرب، ردّوا إليها.
كما حدثنا مجاهد بن موسى، قال: ثنا جعفر بن عون، قال: أخبرنا الأعمش، عن أبي ظبيان، قال: النار سوداء مظلمة، لا يضيء لهبها ولا جمرها، ثم قرأ: (كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا) وقد ذكر أنهم يحاولون الخروج من النار حين تجيش جهنم فتلقي من فيها إلى أعلى أبوابها، فيريدون الخروج فتعيدهم الخزان فيها بالمقامع، ويقولون لهم إذا ضربوهم بالمقامع: (ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ). وعني بقوله: (وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) ويقال لهم ذوقوا عذاب النار، وقيل عذاب الحريق والمعنى: المحرق، كما قيل: العذاب الأليم، بمعنى: المؤلم.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
ثبت في الصحيحين، من(١) حديث أبي مِجْلَز، عن قيس بن عُبَاد، عن أبي ذر ؛ أنه كان يقسم قسما أن هذه الآية :﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ نزلت في حمزة وصاحِبَيه، وعتبةَ وصاحبيه، يوم برزوا في بدر(٢).
لفظ البخاري عند تفسيرها، ثم قال البخاري :
حدثنا الحجاج بن مِنْهَال، حدثنا المعتمر بن سليمان، سمعت أبي، حدثنا أبو مِجْلز عن قيس بن عُبَاد، عن علي بن أبي طالب أنه قال : أنا أول من يَجثُو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة. قال قيس : وفيهم نزلت :﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾، قال : هم الذين بارزوا يوم بدر : عليّ وحمزة وعبيدة، وشيبة ابن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة. انفرد به البخاري(٣).
وقال سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة في قوله :﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ قال : اختصم المسلمون وأهل الكتاب، فقال أهل الكتاب : نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم. فنحن أولى بالله منكم. وقال المسلمون : كتابنا يقضي على الكتب كلها، ونبينا خاتم الأنبياء، فنحن أولى بالله منكم. فأفلج الله الإسلامَ على من ناوأه، وأنزل :﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾. وكذا روى العَوفي، عن ابن عباس.
وقال شعبة، عن قتادة في قوله :﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ قال : مُصدق ومكذب.
وقال ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد في هذه الآية : مثل الكافر والمؤمن اختصما في البعث. وقال - في رواية : هو وعطاء في هذه الآية - : هم المؤمنون والكافرون.
وقال عكرمة :﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ قال : هي الجنة والنار، قالت النار : اجعلني للعقوبة، وقالت الجنة : اجعلني للرحمة.
وقولُ مجاهد وعطاء : إن المراد بهذه الكافرون والمؤمنون، يشمل الأقوال كلها، وينتظم فيه قصة يوم بدر وغيرها ؛ فإن المؤمنين يريدون نصرة دين الله، والكافرون يريدون إطفاء نور الإيمان وخذلانَ الحق وظهور الباطل. وهذا اختيار ابن جرير، وهو حَسَن ؛ ولهذا قال :﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ أي : فصلت لهم مقطعات من نار.
قال سعيد بن جبير : من نحاس وهو أشد الأشياء حرارة إذا حمي.
﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾. ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ أي : إذا صب على رءوسهم الحميم، وهو الماء الحار في غاية الحرارة.
وقال سعيد [ بن جبير ](٤) هو النحاس المذاب، أذاب ما في بطونهم من الشحم والأمعاء. قاله ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وغيرهم. وكذلك تذوب(٥) جلودهم، وقال ابن عباس وسعيد : تساقط.
وقال ابن جرير : حدثني محمد بن المثنى، حدثنا إبراهيم أبو إسحاق الطالَقاني، حدثنا ابن المبارك عن سعيد بن زيد(٦)، عن أبي السَّمْح، عن ابن(٧) حُجَيرة، عن أبي هُرَيرة، عن النبي ﷺ قال :" إن الحميم ليُصَب على رءوسهم، فينفُد الجمجمةَ حتى يخلص إلى جوفه، فيسلت(٨) ما في جوفه، حتى يبلغ قدميه، وهو الصهر، ثم يعاد كما كان ".
ورواه الترمذي من حديث ابن المبارك(٩)، وقال : حسن صحيح. وهكذا رواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن أبي نعيم، عن ابن المبارك، به ثم قال ابن أبي حاتم :
حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن أبي الحَوَاريّ، سمعت عبد الله ابن السُّرِّيّ قال : يأتيه الملك يحمل الإناء بِكَلْبتين من حرارته، فإذا أدناه من وجهه تكرهه، قال : فيرفع مِقْمَعَة معه فيضرب
بها رأسه، فَيُفرغ(١٠) دماغه، ثم يُفرغ(١١) الإناء من دماغه، فيصل إلى جوفه من دماغه، فذلك قوله :﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾
١ - في ت :"عن"..
٢ - صحيح البخاري برقم (٤٧٤٣) وصحيح مسلم برقم (٣٠٣٣)..
٣ - صحيح البخاري برقم (٤٧٤٤)..
٤ - زيادة من ف، أ..
٥ - في ف :"يذوب"..
٦ - في ت، ف :"زيد"..
٧ - في ت :"أبي"..
٨ - في أ :"فيسلت"..
٩ - تفسير الطبري (١٧/١٠٠) وسنن الترمذي برقم (٢٥٨٢)..
١٠ - في ت، ف :"فيقرع"..
١١ - في ت :"يقرع"..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
وَقَدْ قَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرح، أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْب، أَخْبَرَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ جَشِب (١)، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدان؛ أَنَّ رسول الله ﷺ قال: "فُضِّلت سُورَةُ الْحَجِّ عَلَى الْقُرْآنِ بِسَجْدَتَيْنِ".
ثُمَّ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقَدْ أسندَ هَذَا، يَعْنِي: مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ، وَلَا يَصِحُّ (٢).
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عَنَانٍ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ، حَدَّثَنِي أَبُو الْجَهْمِ: أَنَّ عُمَرَ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ فِي الْحَجِّ، وَهُوَ بِالْجَابِيَةِ، وَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ فُضِّلَتْ بِسَجْدَتَيْنِ (٣).
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ الْحَارِثِ بْنِ سَعِيدٍ العُتَقيّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُنَين، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْرَأَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَجْدَةً فِي الْقُرْآنِ، مِنْهَا ثَلَاثٌ فِي المُفَصّل، وَفِي سُورَةِ الْحَجِّ سَجْدَتَانِ (٤). فَهَذِهِ (٥) شَوَاهِدُ يَشُدّ بَعْضُهَا بَعْضًا.
﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٢٢)﴾.
ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ (٦) حَدِيثِ أَبِي مِجْلَز، عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَاد، عَنِ أَبِي ذَرٍّ؛ أَنَّهُ كَانَ يُقْسِمُ قَسَمًا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ نَزَلَتْ فِي حَمْزَةَ وصاحِبَيه، وعتبةَ وَصَاحِبَيْهِ، يَوْمَ بَرَزُوا فِي بَدْرٍ (٧).
لَفْظُ الْبُخَارِيِّ عِنْدَ تَفْسِيرِهَا، ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ:
حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ مِنْهَال، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، سَمِعْتُ أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو مِجْلز عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَاد، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ: أَنَا أَوَّلُ مَنْ يَجثُو بَيْنَ يَدَيِ الرَّحْمَنِ لِلْخُصُومَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَالَ قَيْسٌ: وَفِيهِمْ نَزَلَتْ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾، قَالَ: هُمُ الَّذِينَ بَارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ: عليّ وحمزة وعبيدة، وشيبة ابن رَبِيعَةَ وَعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ. انْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ (٨).
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبة، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ قَالَ: اخْتَصَمَ الْمُسْلِمُونَ وَأَهْلُ الْكِتَابِ، فَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ: نَبِيُّنَا قَبْلَ نَبِيِّكُمْ، وَكِتَابُنَا قبل كتابكم. فنحن أولى بالله
(١) في ف، أ: "جيب".
(٢) المراسيل برقم (٧٨).
(٣) ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/٣١٧) من طريق نافع عن رجل من أهل مصر أنه صلى مع عمر بن الخطاب فذكر مثله.
(٤) سنن أبي داود برقم (١٤٠١) وسنن ابن ماجه برقم (١٠٥٧).
(٥) في ف: "فهو".
(٦) في ت: "عن".
(٧) صحيح البخاري برقم (٤٧٤٣) وصحيح مسلم برقم (٣٠٣٣).
(٨) صحيح البخاري برقم (٤٧٤٤).
مِنْكُمْ. وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: كِتَابُنَا يَقْضِي عَلَى الْكُتُبِ كُلِّهَا، وَنَبِيُّنَا خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ، فَنَحْنُ أَوْلَى بِاللَّهِ مِنْكُمْ. فَأَفْلَجَ اللَّهُ الإسلامَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُ، وَأَنْزَلَ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾. وَكَذَا رَوَى العَوفي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَقَالَ شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ قَالَ: مُصدق وَمُكَذِّبٌ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: مَثَلُ الْكَافِرِ وَالْمُؤْمِنِ اخْتَصَمَا فِي الْبَعْثِ. وَقَالَ -فِي رِوَايَةٍ: هُوَ وَعَطَاءٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ-: هُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَالْكَافِرُونَ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ قَالَ: هِيَ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، قَالَتِ النَّارَ: اجْعَلْنِي لِلْعُقُوبَةِ، وَقَالَتِ الْجَنَّةُ: اجْعَلْنِي لِلرَّحْمَةِ.
وقولُ مُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ: إِنَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ الْكَافِرُونَ وَالْمُؤْمِنُونَ، يَشْمَلُ الْأَقْوَالَ كُلَّهَا، وَيَنْتَظِمُ فِيهِ قِصَّةُ يَوْمِ بَدْرٍ وَغَيْرُهَا؛ فَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ يُرِيدُونَ نُصْرَةَ دِينِ اللَّهِ، وَالْكَافِرُونَ يُرِيدُونَ إِطْفَاءَ نُورِ الْإِيمَانِ وخذلانَ الْحَقِّ وَظُهُورَ الْبَاطِلِ. وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، وَهُوَ حَسَن؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ أَيْ: فُصِّلَتْ لَهُمْ مُقَطَّعَاتٌ مِنْ نَارٍ.
قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مِنْ نُحَاسٍ وَهُوَ أَشَدُّ الْأَشْيَاءِ حَرَارَةً إِذَا حَمِيَ.
﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ. يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ أَيْ: إِذَا صُبَّ عَلَى رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ، وَهُوَ الْمَاءُ الْحَارُّ فِي غَايَةِ الْحَرَارَةِ.
وَقَالَ سَعِيدُ [بْنُ جُبَيْرٍ] (١) هُوَ النُّحَاسُ الْمُذَابُ، أَذَابَ مَا فِي بُطُونِهِمْ مِنَ الشَّحْمِ وَالْأَمْعَاءِ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَغَيْرُهُمْ. وَكَذَلِكَ تَذُوبُ (٢) جُلُودُهُمْ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدٌ: تَسَاقَطَ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ أَبُو إِسْحَاقَ الطالَقاني، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ (٣)، عَنِ أَبِي السَّمْح، عَنِ ابْنِ (٤) حُجَيرة، عَنْ أَبِي هُرَيرة، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم قال: "إِنْ الْحَمِيمَ ليُصَب عَلَى رُءُوسِهِمْ، فينفُد الجمجمةَ حَتَّى يَخْلُصَ إِلَى جَوْفِهِ، فَيَسْلِتُ (٥) مَا فِي جَوْفِهِ، حَتَّى يَبْلُغَ قَدَمَيْهِ، وَهُوَ الصِّهْرُ، ثُمَّ يُعَادُ كَمَا كَانَ".
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ الْمُبَارَكِ (٦)، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، بِهِ ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ:
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الحَوَاريّ، سَمِعْتُ عَبْدَ الله ابن السُّرِّيّ قَالَ: يَأْتِيهِ الْمَلَكُ يَحْمِلُ الْإِنَاءَ بِكَلْبتين مِنْ حَرَارَتِهِ، فَإِذَا أَدْنَاهُ مِنْ وَجْهِهِ تَكَرَّهَهُ، قال: فيرفع مِقْمَعَة معه فيضرب
(١) زيادة من ف، أ.
(٢) في ف: "يذوب".
(٣) في ت، ف: "زيد".
(٤) في ت: "أبي".
(٥) في أ: "فيسلت".
(٦) تفسير الطبري (١٧/١٠٠) وسنن الترمذي برقم (٢٥٨٢).

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ كل يدعي أنه المحق.
﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يشمل كل كافر، من اليهود، والنصارى، والمجوس، والصابئين، والمشركين.
﴿قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ أي : يجعل لهم ثياب من قطران، وتشعل فيها النار، ليعمهم العذاب من جميع جوانبهم.
﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ الماء الحار جدا،
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١٧ - ٢٤} ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ * هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ إلى قوله: -[٥٣٦]- ﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾.
يخبر تعالى عن طوائف أهل الأرض، من الذين أوتوا الكتاب، من المؤمنين واليهود والنصارى والصابئين، ومن المجوس، ومن المشركين أن الله سيجمعهم جميعهم ليوم القيامة، ويفصل بينهم بحكمه العدل، ويجازيهم بأعمالهم التي حفظها وكتبها وشهدها، ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ثم فصل هذا الفصل بينهم بقوله: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ كل يدعي أنه المحق.
﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يشمل كل كافر، من اليهود، والنصارى، والمجوس، والصابئين، والمشركين.
﴿قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ أي: يجعل لهم ثياب من قطران، وتشعل فيها النار، ليعمهم العذاب من جميع جوانبهم.
﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ الماء الحار جدا، يصهر ما في بطونهم من اللحم والشحم والأمعاء، من شدة حره، وعظيم أمره، ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ بيد الملائكة الغلاظ الشداد، تضربهم فيها وتقمعهم، ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ فلا يفتر عنهم العذاب، ولا هم ينظرون، ويقال لهم توبيخا: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ أي: المحرق للقلوب والأبدان، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ﴾ ومعلوم أن هذا الوصف لا يصدق على غير المسلمين، الذين آمنوا بجميع الكتب، وجميع الرسل، ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ أي: يسورون في أيديهم، رجالهم ونساؤهم أساور الذهب.
﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ فتم نعيمهم بذكر أنواع المأكولات اللذيذات المشتمل عليها، لفظ الجنات، وذكر الأنهار السارحات، أنهار الماء واللبن والعسل والخمر، وأنواع اللباس، والحلي الفاخر.
وذلك بسبب أنهم ﴿هُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ الذي أفضله وأطيبه كلمة الإخلاص، ثم سائر الأقوال الطيبة التي فيها ذكر الله، أو إحسان إلى عباد الله، ﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ أي: الصراط المحمود، وذلك، لأن جميع الشرع كله محتو على الحكمة والحمد، وحسن المأمور به، وقبح المنهي عنه، وهو الدين الذي لا إفراط فيه ولا تفريط، المشتمل على العلم النافع والعمل الصالح. أو: وهدوا إلى صراط الله الحميد، لأن الله كثيرا ما يضيف الصراط إليه، لأنه يوصل صاحبه إلى الله، وفي ذكر ﴿الحميد﴾ هنا، ليبين أنهم نالوا الهداية بحمد ربهم ومنته عليهم، ولهذا يقولون في الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ واعترض تعالى بين هذه الآيات بذكر سجود المخلوقات له، جميع من في السماوات والأرض، والشمس، والقمر، والنجوم، والجبال، والشجر، والدواب، الذي يشمل الحيوانات كلها، وكثير من الناس، وهم المؤمنون، ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ أي: وجب وكتب، لكفره وعدم إيمانه، فلم يوفقه للإيمان، لأن الله أهانه، ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ ولا راد لما أراد، ولا معارض لمشيئته، فإذا كانت المخلوقات كلها ساجدة لربها، خاضعة لعظمته، مستكينة لعزته، عانية لسلطانه، دل على أنه وحده، الرب المعبود، والملك المحمود، وأن من عدل عنه إلى عبادة سواه، فقد ضل ضلالا بعيدا، وخسر خسرانا مبينا.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١١٢ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان معاني القرآن — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى تفسير القرآن — الصنعاني معاني القرآن — الأخفش غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري تفسير النسائي — النسائي تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي آراء ابن حزم الظاهري في التفسير — ابن حزم تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب أضواء البيان — محمد الأمين الشنقيطي تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير سفيان الثوري — عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
خَصْمَانِ
فَرِيقَانِ مُخْتَلِفَانِ، وَهُمْ أَهْلُ إِيمَانٍ، وَأَهْلُ كُفْرَانٍ.
قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ
جُعِلَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنَ النَّارِ يَلْبَسُونَهَا.
الْحَمِيمُ
المَاءُ المُتَنَاهِي فِي حَرِّهِ.

إعراب الآية ١٩ من سورة الحج

من كتاب: إعراب القرآن

مثل هذا لم يصل إلى قطع النصر. وقرأ أهل الكوفة بإسكان اللام. وهذا بعيد في العربية لأن ثمّ ليست مثل الواو والفاء لأنها يوقف عليها وتنفرد.

[سورة الحج (٢٢) : آية ١٧]

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧)
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا خبر «إن». إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ قال الفراء «١» ولا يجوز في الكلام: إنّ زيدا إنّ أخاه منطلق، فزعم أنه إنما جاز في الآية لأن في الكلام معنى المجازاة أي من آمن، ومن تهوّد، أو تنصّر، أو صبأ، ففصل ما بينهم وحسابهم على الله عزّ وجلّ، وردّ أبو إسحاق على الفراء هذا واستقبح قوله: إنّ زيدا إنّ أخاه منطلق. قال: لأنه لا فرق بين زيد وبين الذي، «وإنّ» تدخل على كل مبتدأ فتقول: إنّ زيدا هو منطلق، ثم تأتي بإنّ فتقول: إنّ زيدا إنّه منطلق.

[سورة الحج (٢٢) : آية ١٨]

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (١٨)
معطوفة على «من» وكذا وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ثم قال جلّ وعزّ: وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ وهذا مشكل من الإعراب. فيقال: كيف لم ينصب ليعطف ما عمل فيه الفعل على ما عمل فيه الفعل مثل وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً [الإنسان: ٣١] فزعم الكسائي والفراء «٢» أنه لو نصب لكان حسنا. ولكن اختير الرفع لأنّ المعنى: وكثير أبى السجود، وفي رفعه قول آخر، يكون معطوفا على الأول داخلا في السجود لأن السجود هاهنا إنّما هو الانقياد لتدبير الله جل وعز من ضعف وقوّة وصحّة وسقم وحسن وقبح، وهذا يدخل فيه كل شيء. وحكى الكسائي والأخفش والفراء وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ «٣» أي من إكرام.

[سورة الحج (٢٢) : آية ١٩]

هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩)
قرأ ابن كثير وشبل هذانِ خَصْمانِ بتشديد النون، وفي ذلك قولان: أحدهما أن تشديدها عوض مما حذف من هذين، والآخر على أنها غير ساقطة في الإضافة. وتأوّل
(١) انظر معاني الفراء ٢/ ٢١٨.
(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٢١٩.
(٣) انظر البحر المحيط ٦/ ٣٣٤.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ١٩ من سورة الحج

من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي

قوله تعالى: ﴿هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ...﴾ الآية. [١٩].
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم المُزَكّي، قال: أخبرنا عبد الملك بن الحسن بن يوسف، قال: أخبرنا يوسف بن يعقوب القاضي، قال: حدثنا عمر بن مرزوق، قال: أخبرنا شعبة، عن أبي هاشم، عن أبي مجْلَز، عن قيس بن عُبادٍ قال:
سمعت أبا ذَرّ يقول: أقسم بالله لنزلت هذه الآية: ﴿هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ﴾ في هؤلاء الستة: حمزة، وعُبَيْدَةُ، وعلي بن أبي طالب، وعُتْبَة، وشَيْبَةُ والوليد بن عتبة.
رواه البخاري، عن حجّاج بن مِنْهال، عن هُشَيم، عن أبي هاشم.
أخبرنا أبو بكر [ابن] الحرث قال: أخبرنا أبو الشيخ الحافظ، قال: أخبرنا محمد بن سليمان قال: حدثنا هلال بن بشر، قال: حدثنا يوسف بن يعقوب، قال: حدثنا سليمان التَّيْمِيّ، عن أبي مجلز عن قيس بن عباد، عن علي قال:
فينا نزلت هذه الآية وفي مبارزتنا يوم بدر: ﴿هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿ٱلْحَرِيقِ﴾.
وقال ابن عباس هم أهل الكتاب، قالوا للمؤمنين: نحن أولى بالله منكم، وأقدم منكم كتاباً، ونبينا قبل نبيكم، وقال المؤمنون: نحن أحق بالله، آمنا بمحمد عليه السلام، وآمنا بنبيكم، وبما أنزل الله من كتاب، فأنتم تعرفون نبينا ثم تركتموه، وكفرتم به حسداً. وكانت هذه خصومتهم [في ربهم]، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية. وهذا قول قتادة.

القراءات في الآية ١٩ من سورة الحج

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

رُءُوسِهِمُ

(رُءُوسِهِمُ) بثلاثة البدل وكسر الهاء وضم الميم

ورش عن نافع

(رُءُوسِهُمُ) بقصر البدل وضم الهاء والميم

خلاد عن حمزة خلف عن حمزة أبو الحارث عن الكسائي إدريس عن خلف الدوري عن الكسائي إسحاق عن خلف

(رُءُوسِهِمِ) بقصر البدل وكسر الهاء والميم

رويس عن يعقوب السوسي عن أبي عمرو الدوري عن أبي عمرو روح عن يعقوب

(رُءُوسِهِمُ) بقصر البدل وكسر الهاء وضم الميم

ابن وردان عن أبي جعفر شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر ابن جمّاز عن أبي جعفر حفص عن عاصم هشام عن ابن عامر قالون عن نافع قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير

نَّارٍ يُصَبُّ

إمالة الألف وإدغام التنوين في الياء بغنة

السوسي عن أبي عمرو الدوري عن أبي عمرو الدوري عن الكسائي

تقليل الألف وإدغام التنوين في الياء بغنة

ورش عن نافع

فتح الألف وإدغام التنوين في الياء بغنة

ابن جمّاز عن أبي جعفر رويس عن يعقوب ابن وردان عن أبي جعفر روح عن يعقوب إسحاق عن خلف أبو الحارث عن الكسائي إدريس عن خلف خلاد عن حمزة قالون عن نافع البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير هشام عن ابن عامر حفص عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر شعبة عن عاصم

فتح الألف وإدغام التنوين في الياء بلا غنة

خلف عن حمزة

هَذَانِ

(هَذَآنِّ) بتشديد النون ومد الألف 6 حركات

البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير

(هَذَانِ) بتخفيف النون ومد الألف حركتين

رويس عن يعقوب إدريس عن خلف قالون عن نافع ورش عن نافع إسحاق عن خلف خلف عن حمزة روح عن يعقوب خلاد عن حمزة شعبة عن عاصم الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو ابن جمّاز عن أبي جعفر حفص عن عاصم هشام عن ابن عامر ابن وردان عن أبي جعفر أبو الحارث عن الكسائي ابن ذكوان عن ابن عامر الدوري عن الكسائي
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

عدّ الآي — ترقيم الآية عند مذاهب العدّ

كيف رقّمت مذاهب العدّ الستة هذه الآية

عَدُّ هذه الآية في مذاهبِ العدِّ الستَّة

سورة الحج، الآيةُ ١٩ في العدِّ الكوفيّ

رقمُ الآية في كلِّ عدّ

١٩ المذاهبُ الستَّةُ جميعًا المرجِع

مواضعُ الخلافِ في هذه الآية

عند آخِرِها ﴿ الحميم

يَعُدُّه رأسَ آية

الكوفيّ

لا يَعُدُّه رأسَ آية

المدَنيّ الأوَّل المدَنيّ الأخير المكِّيّ البصريّ الدِمَشقيّ

﴿الحميم﴾ آخِرُ هذه الآية: يَعُدُّه الكوفيّ رأسَ آية، ولا يَعُدُّه المدَنيَّان والمكِّيّ والبصريّ والدِمَشقيّ؛ فيَجعَلُها مع ما بعدَها آيةً واحدة.

مصادرُ التوثيق "نفائس البيان — شرح الفرائد الحسان" (ص 47-48) "الفرائد الحسان في عدّ آي القرآن" (ص 47)
ما مذاهبُ العدِّ الستَّة؟

مذاهبُ العدِّ الستَّةُ أوجُهٌ مرويَّةٌ في عدِّ آي القرآن الكريم عن أهلِ المدينةِ ومكَّةَ والكوفةِ والبصرةِ والشام، والخلافُ بينها إنَّما هو في مواضعِ الفواصلِ ورؤوسِ الآي، لا في شيءٍ من حروفِ القرآن ولا كلماتِه.

القراءاتُ التي تأخُذُ بكلِّ عدّ

  • الكوفيّ: عاصم (شعبة وحفص) وحمزة (خلف وخلّاد) والكسائي (أبو الحارث والدوري الكسائي) وخلف العاشر (إسحاق وإدريس)
  • المدَنيّ الأخير: نافع (قالون وورش)
  • المدَنيّ الأوَّل: أبو جعفر (عيسى بن وردان وابن جمّاز)
  • المكِّيّ: ابن كثير (البزي وقنبل)
  • البصريّ: أبو عمرو (الدوري والسوسي) ويعقوب (رويس وروح)
  • الدِمَشقيّ: ابن عامر (هشام وابن ذكوان)

والرقمُ المعتمَدُ في الموسوعة هو رقمُ العدِّ الكوفيّ؛ وهو عدُّ مصحفِ المدينةِ النبويَّةِ برواية حَفصٍ عن عاصم.

الموضوعات القرآنية للآية ١٩ من سورة الحج

١١ موضوعًا تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٤٣ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

٢١ قولًا
١
عن سعيد بن جبير، في قوله: ﴿يصب من فوق رؤوسهم الحميم﴾ قال: النحاس يُذاب على رؤوسهم، وفي قوله: ﴿يصهر به ما في بطونهم﴾ قال: تسيل أمعاؤهم، ﴿والجلود﴾ قال: تتناثر جلودهم حتى يقوم كل عُضْوٍ بحِيالِهِ١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
٢
عن سعيد بن جبير -من طريق جعفر، وهارون بن عنترة- قال: إذا جاع أهلُ النار في النار استغاثوا بشجرة الزقوم، فأكلوا منها، فاختلست جلود وجوههم، فلو أنّ مارًّا يَمُرُّ بهم يعرفهم لَعَرَف جلود وجوههم فيها، ثم يُصَبُّ عليهم العطش، فيستغيثون، فيُغاثون بماء كالمهل؛ وهو الذي قد انتهى حرُّه، إذا أدْنَوْه مِن أفواههم انشوى مِن حَرِّه لحومُ وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود، و﴿يصهر به ما في بطونهم﴾: يمشون وأمعاؤهم تساقط وجلودهم، ثم يُضرَبون بمقامع من حديد، فيسقط كلُّ عُضْوٍ على حِياله، يدعون بالويل والثبور١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٥‏/‏٢٥١-٢٥٢، ١٦‏/‏٤٩٧، وابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير ٧‏/‏١٨-، وأبو نعيم في الحلية ٤‏/‏٢٨٥. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٣
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح، وابن جُرَيج- في قوله: ﴿يصهر به﴾، قال: يُذاب إذابةً١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٤٩٦. وعلَّقه يحيى بن سلام ١‏/‏٣٦٠. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
٤
عن الضحاك بن مزاحم -من طريق جُوَيْبر-، مثله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة ١٣‏/‏٥٨٠.
٥
قال الحسن البصري، في قوله: ﴿يصهر به﴾: يُقطَع به١
التخريج
  1. ١علَّقه يحيى بن سلام ١‏/‏٣٦٠.
٦
عن قتادة -من طريق معمر- ﴿يصهر به﴾، قال: يُذاب به١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏٣٤، وابن جرير ١٦‏/‏٤٩٧.
٧
عن عطاء الخراساني، في قوله: ﴿يصهر به﴾، قال: يُذاب كما يُذاب الشحم١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
٨
قال الكلبي، في قوله: ﴿يصهر به﴾: يُنضَح به١
التخريج
  1. ١علَّقه يحيى بن سلام ١‏/‏٣٦٠. والفظ كذا ورد في، ولعله تصحَّف عن: ينضج. بالجيم.
٩
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يصب من فوق رؤوسهم الحميم﴾ إذا ضربه الملَك بالمِقْمَعة١ ثقب رأسه، ثم صبَّ فيه الحميم الذي قد انتهى حره، ﴿يصهر﴾ يعني: يُذاب ﴿به﴾ يعني: بالحميم ﴿ما في بطونهم والجلود﴾ يقول: وتنضج الجلود٢
التخريج
  1. ١المِقْمَعة: واحدة المَقامِع، وهي سِياطٌ تُعْمَلُ من حَدِيدٍ، رُءُوسُها معوجَّة. النهاية (قمع).
  2. ٢تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏١٢٠.
١٠
قال عبد الملك ابن جُرَيج -من طريق حجاج- ﴿يصهر به﴾، قال: ما قُطِع لهم من العذاب١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٤٩٧.
تعليقات المحققين
  1. ٢لم يذكر ابنُ جرير (١٦/٤٩٦-٤٩٧) في معنى: ﴿يُصْهَرُ بِهِ﴾ سوى قول مجاهد، وابن جريج، وقتادة، وابن عباس من طريق العوفي، وما في معناه. ونقل ابنُ عطية (٦/٢٢٨-٢٢٩) قولًا أنّ معنى ﴿يُصهَر﴾: يُعْصَر، وانتقده قائلًا: «وهذه العبارة قلقة». غير أنه التمس له وجْهًا يمكن أن يُحمَل عليه، فقال: «وإنما يُشْبِه -فيمن قال: يعصر- أنه أراد أن الحميم بحرارته يهبط -كلما يُلْقى- في الجوف ويكشطه ويَسْلِتُه».
١١
عن فضيل بن عبد الوهاب، قال: سمعت شَرِيك [بن عبد الله القاضي]، في قوله: ﴿يصهر﴾، قال: ينضج١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب صفة النار -موسوعة الإمام ابن أبي الدنيا ٦‏/‏٤٢٨ (١٣١)، ٦‏/‏٤٥٢ (٢٤٤)-.
١٢
عن عبد الله بن السري، قال: يأتيه الملَك يحمل الإناء بكلبتين مِن حرارته، فاذا أدناه من وجهه يكرهه، فيرفع مِقْمَعَةً معه، فيضرب بها رأسَه، فيُفْرِغ دماغه، ثم يُفرِغ الإناء مِن دماغه، فيَصِلُ إلى جوفه مِن دماغه، فذلك قوله: ﴿يصهر به ما في بطونهم والجلود﴾١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير ٥‏/‏٤٠٢-.
تعليقات المحققين
  1. ٢انتقد ابنُ جرير (١٦/٤٩٥-٤٩٦) مستندًا إلى مخالفة السنة وأقوال السلف قولَ عبد الله بن السري، ومقاتل، ويحيى بن سلام في تفسيره لقوله تعالى: ﴿ولَهُمْ مَقامِعُ﴾، فقال مستدلًّا بحديث أبي هريرة: «والخبر عن رسول الله ﷺ الذي ذكرنا يدُلُّ على خلاف ما قال هذا القائل، وذلك أنّه ﷺ أخبر أن الحميم إذا صُبَّ على رءوسهم نَفَذَ الجُمْجُمة حتى يَخْلُص إلى أجوافهم، وبذلك جاء تأويل أهل التأويل، ولو كانت المقامع قد ثقبتْ رءوسهم قبل صَبِّ الحميم عليها لم يكن لقوله ﷺ: «إنّ الحميم يَنفُذُ الجمجمة» معنًى، ولكن الأمر في ذلك بخلاف ما قال هذا القائل».
١٣
قال يحيى بن سلّام: قوله: ﴿يصب من فوق رءوسهم الحميم﴾ وهو الحارُّ الشديد الحَرِّ، ﴿يصهر به﴾ يُحْرَق به ﴿ما في بطونهم والجلود﴾ يعني: وتحرق به الجلود. وهو الذي قال الحسن: يقطع به. ﴿ولهم مقامع من حديد﴾ يعني: مِن نار، يَقْمَعُ رأسه بالمقمعة، فيحترق رأسه، فيصب في١ الحميم حتى يبلغ جوفه٢
التخريج
  1. ١كذا في المصدر، ولعلها: فيه.
  2. ٢تفسير يحيى بن سلام ١‏/‏٣٦٠.
١٤
عن سعيد بن جبير -من طريق جعفر- في قوله: ﴿قطعت لهم ثياب من نار﴾: من نحاس، وليس مِن الآنية شيء إن أُحْمِي أشدَّ حَرًّا مِنه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٤٩٤. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
١٥
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح، وابن جريج- ﴿فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار﴾، قال: الكافر قُطِّعت له ثياب من نار، والمؤمن يُدخِله الله جناتٍ تجري من تحتها الأنهار١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٤٩٤.
١٦
قال مقاتل بن سليمان: ثُمَّ بَيَّن ما أُعِدَّ للخصمين، فقال: ﴿فالذين كفروا﴾ يعني: اليهود والنصارى ﴿قطعت لهم﴾ يعني: جعلت لهم ﴿ثياب من نار﴾ يعني: قُمُصًا من نحاس ﴿من نار﴾ فيها تقديم١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏١٢١.
١٧
قال يحيى بن سلّام: قوله: ﴿فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار﴾، وقال في آية أخرى: ﴿سرابيلهم﴾ أي: قمصهم، ﴿من قطران﴾ [إبراهيم:٥٠]. قال الحسن: القطران: الذي يُطْلى به الإبل. وقال مجاهد: مِن صُفْرٍ. قال الحسن: وهي من نار١
التخريج
  1. ١تفسير يحيى بن سلام ١‏/‏٣٥٩.
١٨
عن أبي هريرة، أنّه تلا هذه الآية، فقال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الحميم لَيُصَبُّ على رؤوسهم، فينفذ الجمجمة، حتى يخلص إلى جوفه، فيسلت ما في جوفه حتى يمرق من قدميه، وهو الصَّهْر، ثم يُعاد كما كان»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ١٤‏/‏٤٥٢-٤٥٣ (٨٨٦٤)، والترمذي ٤‏/‏٥٣٨ (٢٧٦٢)، والحاكم ٢‏/‏٤١٩ (٣٤٥٨)، وابن جرير ١٦‏/‏٤٩٥، وابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير ٥‏/‏٤٠٦-. وأورده الثعلبي ٧‏/‏١٤. قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح غريب». وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه». وقال الألباني في الصحيحة ٧‏/‏١٣٨٣ (٣٤٧٠): «حسن».
١٩
عن عبد الله بن عباس، في قوله: ﴿يصهر به ما في بطونهم والجلود﴾، قال: يمشون وأمعاؤُهم تساقط، وجلودُهم١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
٢٠
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- في قوله: ﴿يصهر به ما في بطونهم والجلود﴾، قال: يُسْقَون ماءً إذا دخل بطونَهم أذابها، والجلود مع البطون١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٤٩٧.
٢١
عن عبد الله بن عباس: أنّ نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿يصهر﴾. قال: يُذاب ما في بطونهم إذا شربوا الحميم. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر: سَخُنتْ صُهارَتُه فظلَّ عُثانُه١ في سَيْطَلٍ٢ كُفِئتْ له يتَرَدَّدُ؟ وقال: فظلَّ مُرْتَبِئًا٣ للشمس تصهره حتى إذا الشمس قامت جانبًا عدلا؟٤
التخريج
  1. ١العُثان: الدخان. اللسان (عثن).
  2. ٢السَّيْطَل: لغة في السَّطْل. اللسان (سطل).
  3. ٣مُرْتَبِئا: ربأ الرجل على شَرَفٍ إذا صعد عليه ليكون طليعة للقوم لئلا يدهمهم العدو. النهاية واللسان (ربأ).
  4. ٤أخرجه الطستي -كما في الإتقان ٢‏/‏١٠١-، كما أخرجه ابن الأنباري في الوقف والابتداء ١‏/‏٩٣ (١١٦) ما عدا الشاهد الأول، فقد ذكر شاهدًا آخر، وهو: ""قال: قال فيه مياس المرادي:فظللنا بعد ما امتد الضحى بين ذي قدر ومنال مُصْهِرُ"".

نزول الآية، وتفسيرها

٢٠ قولًا
١
عن [أبي مِجْلَز] لاحق بن حميد، قال: نزلت هذه الآية يوم بدر: ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار﴾ في عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، ونزلت: ﴿ان الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ إلى قوله: ﴿وهدوا إلى صراط الحميد﴾ في علي بن أبي طالب، وحمزة، وعبيدة بن الحارث١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٢
عن هلال بن يِساف -من طريق ابن المعتمر- قال: نزلت هذه الآيةُ في الذين تَبارَزُوا يوم بدر: ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٤٩٠.
٣
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قال: اختصم المسلمون وأهلُ الكتاب، فقال أهلُ الكتاب: نبيُّنا قبل نبيكم، وكتابُنا قبل كتابكم، ونحن أولى بالله منكم. وقال المسلمون: كتابنا يقضي على الكتب كلها، ونبيُّنا خاتم الأنبياء، فنحن أولى بالله منكم. فأَفْلَجَ اللهُ أهل الإسلام على من ناوأهم؛ فأنزل الله: ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾ إلى قوله: ﴿عذاب الحريق﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه يحيى بن سلام ١‏/‏٣٥٩. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
٤
عن أبي بكر بن عياش، قال: كان عاصم [بن أبي النجود]، ومحمد بن السائب الكلبي يقولان جميعًا في: ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾، قال: أهلُ الشرك والإسلامِ حين اختصموا أيهم أفضل؟ قال: جعل الشرك ملة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦/ ٤٩٢.
٥
قال مقاتل بن سليمان: ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾ نزلت في المؤمنين وأهل الكتاب١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏١٢٠.
٦
قال مقاتل بن سليمان: ﴿لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ﴾ [النساء:١٢٣] نزلت في المؤمنين واليهود والنصارى... ، وأنزل الله عز وجل فيهم: ﴿هذان خصمان﴾ يعني: كفار أهل الكتاب ﴿اختصموا﴾ يعني: ثلاثتهم: المسلمين واليهود والنصارى ﴿في ربهم﴾ أنهم أولياء الله، ثم أخبر بمستقر الكافر، فقال: ﴿فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار﴾ يعني: جُعِلت لهم ثياب من نار، إلى آخر الآية، ثم أخبر سبحانه بمستقر المؤمنين، فقال: ﴿إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ إلى آخر الآية١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٠٨، ٤١٠.
٧
عن عبد الملك ابن جُرَيْج -من طريق حجّاج- قال: خصومتهم التي اختصموا في ربهم، خصومتهم في الدنيا مِن أهل كل دِين يَرَوْن أنّهم أولى بالله مِن غيرهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٤٩٢.
٨
قال يحيى بن سلّام: وقال بعضُهم: كلُّ مؤمن وكافر إلى يوم القيامة قد اختصموا في الله، وإن لم يلتقوا في الدنيا قطُّ لاختلاف المِلَّتَيْن؛ أما المؤمن فوَحَّد الله، فأخبره الله بثوابه، وأمّا الكافر فأَلْحَد في الله، فعبد غيره، فأخبره الله بثوابه. وقال بعضهم: نزلت في ثلاثة من المؤمنين وثلاثة من المشركين الذين تبارزوا يوم بدر؛ فأما الثلاثة من المؤمنين: فعبيدة بن الحارث، وحمزة، وعلي. وأما الثلاثة من المشركين: فعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة١٢
التخريج
  1. ١تفسير يحيى بن سلام ١‏/‏٣٥٩.
تعليقات المحققين
  1. ٢أفادت الآثار اختلاف المفسرين في المعنيِّ بهذين الخصمين على أقوال: الأول: أنهما فريق المسلمين وفريق المشركين الذين تبارزوا يوم بدر. الثاني: أنهما فريق الإيمان، والفريق الآخر هم أهل الكتاب. الثالث: أنهما فريق الإيمان وفريق الكفار كلهم من أي ملة كانوا. الرابع: أنهما الجنة والنار اختصمتا. ورجَّح ابنُ جرير (١٦/٤٩٣) وابنُ عطية (٦/٢٢٨) استنادًا إلى السياق القول الثالث، وهو قول مجاهد، والحسن من طريق أبي قزعة، وعطاء، وابن جريج، وعلَّل ابنُ جرير ذلك بقوله: «لأنه -تعالى ذِكْرُه- ذَكَر قبل ذلك صنفين من خلقه: أحدهما: أهل طاعةٍ له بالسجود له. والآخر: أهل معصيةٍ له، قد حَقَّ عليه العذاب، فقال: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَواتِ ومَن فِي الأَرْضِ والشَّمْسُ والقَمَرُ﴾، ثم قال: ﴿وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ﴾، ثم أتْبَع ذلك صفة الصنفين كليهما وما هو فاعلٌ بهما، فقال: ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِن نارٍ﴾، وقال الله: ﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأَنْهارُ﴾، فكان بيِّنًا بذلك أنّ ما بين ذلك خبرٌ عنهما». ثم وجه قول أبي ذرٍّ بنزولها في الذين بارزوا يوم بدر بأن «ذلك -إن شاء الله- كما روي عنه، ولكن الآية قد تنزل بسبب من الأسباب ثم تكون عامَّةً في كل ما كان نظير ذلك السبب، وهذه مِن تلك، وذلك أن الذين تبارزوا إنما كان أحد الفريقين أهل شركٍ وكفرٍ بالله، والآخر أهل إيمان بالله وطاعة له، فكل كافر في حكم فريق الشرك منهما في أنه لأهل الإيمان خَصْمٌ، وكذلك كل مؤمن في حكم فريق الإيمان منهما في أنه لأهل الشرك خَصْمٌ». ووافقهما ابنُ كثير (١٠/٣٠)، وعلَّق على القول الثالث بأنه «يشمل الأقوال كلها، وينتظم فيه قصة يوم بدر وغيرها؛ فإن المؤمنين يريدون نصرة دين الله، والكافرون يريدون إطفاء نور الإيمان، وخذلان الحق، وظهور الباطل». وذكر ابنُ عطية (٦/٢٢٨) أن قوله تعالى: ﴿اخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ﴾ «معناه: في شأن ربهم وصفاته وتوحيده». وذكر احتمالًا آخر، فقال: «ويحتمل أن يريد: في رضى ربهم، وفي ذاته».
٩
عن أبي ذرٍّ -من طريق قيس بن عُباد- أنّه كان يُقْسِم قَسَمًا أن هذه الآية: ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾ نزلت في الثلاثة والثلاثة الذين بارزوا يوم بدر، وهم: حمزة بن عبد المطلب، وعبيدة بن الحارث، وعلي بن أبي طالب، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٥‏/‏٧٥ (٣٩٦٦، ٣٩٦٨، ٣٩٦٩)، ٦‏/‏٩٨ (٤٧٤٣)، ومسلم ٤‏/‏٢٣٢٣ (٣٠٣٣)، وعبد الرزاق ٢‏/‏٣٩٩ (١٩٠٥)، وابن جرير ١٦‏/‏٤٨٩-٤٩٠.
١٠
عن علي بن أبي طالب -من طريق قيس بن عُباد- قال: نزلت ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾ في الذين بارزوا يوم بدر؛ حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث، وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة. قال علي: وأنا أولُ مَن يجثو في الخصومة على ركبتيه بين يدي الله يوم القيامة١
التخريج
  1. ١أخرجه الحاكم ٢‏/‏٤١٩ (٣٤٥٦). قال الحاكم بعد ذكره عدة روايات ومنها هذه: «لقد صحَّ الحديثُ بهذه الروايات عن علي، كما صحَّ عن أبي ذر الغفاري، وإن لم يخرجاه».
١١
عن علي بن أبي طالب -من طريق قيس بن عُباد- قال: أنا أول مَن يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة. قال قيس: فيهم نزلت: ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾. قال: هم الذين بارزوا يوم بدر؛ علي وحمزة وعبيدة، وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٦‏/‏٩٨ (٤٧٤٤)، ٥‏/‏٧٥ (٣٩٦٥)، وعبد الرزاق ٢‏/‏٣٩٩ (١٩٠٥)، وابن جرير ١٦‏/‏٤٩٠.
١٢
عن عبد الله بن عباس، قال: لَمّا بارز عليٌّ وحمزةُ وعبيدةُ، وعتبة وشيبة والوليد، قالوا لهم: تَكَلَّموا نعرفْكم. قال: أنا عليٌّ، وهذا حمزة، وهذا عبيدة. فقالوا: أكفاء كرام. فقال علي: أدعوكم إلى الله وإلى رسوله. فقال عتبة: هَلُمَّ للمبارزة. فبارز عليٌّ شيبةَ فلم يلبث أن قتله، وبارز حمزةُ عتبة فقتله، وبارز عبيدةُ الوليد فصعب عليه، فأتى عليٌّ فقتله؛ فأنزل الله: ﴿هذان خصمان﴾الآية١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
١٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العوفي- في قوله: ﴿هذان خصمان اخصتموا في ربهم﴾، قال: هم أهل الكتاب، قالوا للمؤمنين: نحن أوْلى بالله، وأَقْدَمُ منكم كتابًا، ونبينا قبل نبيكم. وقال المؤمنون: نحن أحقُّ بالله، آمَنّا بمحمد، وآمَنّا بنبيكم، وبما أنزل الله من كتاب، وأنتم تعرفون كتابنا ونبيَّنا، ثم تركتموه وكفرتم به حسدًا. فكان ذلك خصومتهم في ربهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٤٩١. وأورده الثعلبي ٧‏/‏١٣، من طريق محمد بن سعد، عن أبيه، قال: حدَّثني عمي الحسين بن الحسن، عن أبيه، عن جدِّه عطية العوفي، عن ابن عباس به. الإسناد ضعيف، لكنها صحيفة صالحة ما لم تأت بمنكر أو مخالفة. وينظر: مقدمة الموسوعة.
١٤
عن قيس بن عُباد -من طريق أبي مجلز- قال: واللهِ، لأنزلت هذه الآية: ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾ في الذين خَرَج بعضهم إلى بعض يوم بدر؛ حمزة، وعلي، وعبيدة -رحمة الله عليهم-، وشيبة، وعتبة، والوليد بن عتبة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٤٩١ مرسلًا.
١٥
عن أبي العالية الرياحي، قال: لَمّا التَقَوْا يوم بدر قال لهم عتبة بن ربيعة: لا تقتلوا هذا الرجل؛ فإنه إن يكن صادقًا فأنتم أسعد الناس بصدقه، وإن يك كاذبًا فأنتم أحقُّ مَن حَقَن دمه. فقال أبو جهل بن هشام: لقد امتلأتَ رعبًا. فقال عتبة: ستعلم أيَّنا الجبان المفسد لقومه. قال: فبرز عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة، فنادَوُا النبيَّ ﷺ وأصحابَه، فقالوا: ابعث إلينا أكفاءنا نقاتلْهم. فوثب غلمة مِن الأنصار من بني الخزرج، فقال لهم رسول الله ﷺ: «اجلسوا، قوموا، يا بني هاشم». فقام حمزةُ بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب وعبيدة بن الحارث، فبرزوا لهم، فقال لهم عتبة: تكلَّموا نعرفْكم، إنّكم إن تكونوا أكفاءنا قاتلناكم. قال حمزة: أنا حمزة بن عبد المطلب، أنا أسد الله وأسد رسوله. فقال عتبة: كُفء كريم. فقال علي بن أبي طالب: أنا عليُّ. فقال: كفء كريم. وقال عبيدة: أنا عبيدة بن الحارث. فقال عتبة: كفء كريم. فأخذ حمزةُ شيبةَ بن ربيعة، وأخذ عليُّ بن أبي طالب عتبةَ بن ربيعة، وأخذ عبيدةُ بن الحارث الوليدَ، فأمّا حمزةُ فأجاز على شيبة، وأما عليٌّ فاختلفا ضربتين فأقام فأجاز على عتبة، وأما عبيدة فأصيبت رجله. قال: فرجع هؤلاء، وقُتِل هؤلاء، فنادى أبو جهل وأصحابُه: لنا العُزّى ولا عُزّى لكم. فنادى مُنادي رسول الله ﷺ: اللهُ مولانا ولا مولى لكم. ونادى منادي النبي ﷺ: قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار. فأنزل الله: ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾الآية١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
١٦
عن عطاء بن يسار -من طريق ابن إسحاق، عن بعض أصحابه- قال: نزلت هؤلاء الآيات: ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾ في الذين تَبارَزوا يوم بدر؛ حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث، وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة. إلى قوله: ﴿وهدوا إلى صراط الحميد﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٤٩٠.
١٧
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿هذا خصمان اختصموا في ربهم﴾، قال: مَثَلُ المؤمن والكافر اختصامُهما في البَعْث١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٤٩٢. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
١٨
عن مجاهد بن جبر، وعطاء بن أبي رباح -من طريق جابر-، والحسن البصري -من طريق أبي قزعة- قال: هم الكافرون والمؤمنون اختصموا في ربهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦/ ٤٩٢. وفي تفسير الثعلبي ٧/ ١٣: قال عطاء بن أبي رباح: هم المؤمنون والكافرون كلهم مِن أيِّ مِلَّة كانوا.
١٩
عن الحسن البصري -من طريق عمرو [بن عبيد]- في قوله: ﴿خصمان اختصموا﴾، قال: أهل الكتاب والمؤمنون خصم، ﴿اختصموا﴾ يعني: جماعتهم١
التخريج
  1. ١أخرجه يحيى بن سلام ١‏/‏٣٥٩.
٢٠
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق جابر- في قوله: ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾، قال: هما الجنةُ والنارُ اخْتَصَمَتا، فقالت النار: خلقني الله لعقوبته. وقالت الجنة: خلقني الله لرحمته. فقد قصَّ اللهُ عليك مِن خبرهما ما تسمع١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٦‏/‏٤٩٣.

آثار متعلقة بالآية

قولانِ
١
عن إبراهيم التيمي أنّه قرأ قوله: ﴿قطعت لهم ثياب من نار﴾. قال: سُبحان مَن قَطَّع مِن النار ثيابًا١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
٢
عن وهب بن مُنَبِّه -من طريق رجاء بن أبي سلمة- قال: كُسِي أهل النار والعُرِيُّ كان خيرًا لهم، وأعطوا الحياة والموت كان خيرًا لهم١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو نعيم في الحلية ٤‏/‏٧١.
التفسير بالمأثور لسورة الحج كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١٩ من سورة الحج

٩ وقفات في هذه الآية

  • (يُصَبُّ من فوق رؤوسهم الحميم!) بعض وساوس الرأس، للأسف لا يُذهبها سوى الحميم!

    — وليد العاصمي

  • فرق بين : " عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة " وبين : " قطعت لهم ثياب من نار " ( البس / البسِ ) ما يرضيه ؛ ( ليُلبسك / ليُلبسكِ ) ما يرضيك ..

    — ابو حمزة الكناني

  • ﴿ فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رءوسهم الحميم﴾ النار هي لباسُ أهل النار فلنستعذ بالله من عذاب جهنم

    — مجالس التدبر

  • الفرق بين ( الثياب واللباس) في تعبير القرآن

    — صالح التركي / من لطائف القرآن

  • آية (١٩) : (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ) * استعمال صيغة الجمع مع أن الخصمان مثنى: كلمة الخصم تستخدم في القرآن الكريم للدلالة على المفرد والمثنى والجمع نقول: هذا خصم، هذان خصم،هؤلاء خصم ويمكن أن نقول هؤلاء خصوم. لما استعمل خصمان أي فئتان وليس بمعنى فرد بدليل ما أتبع ذلك. هذان خصمان مجموعتان الأولى (فالذين كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ ... وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) هذا الخصم الأول، هذا جمع ما قال فالذي كفر وإنما قال (فالذين كَفَرُوا)، والثانية (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ ... وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ) هذا الخصم الثاني. * منظر حافل بالحركة المتكررة المليء بالتخييل الذي يبعثه النَسَق، فلا يكاد ينتهي الخيال من تتبعه لأنه مشهد متجدد. فها هي الثياب من النار تُقطّع وتفصّل وهذا حميم يُصب من فوق الرؤوس يُصهر به ما في البطون والجلود. وهذه مقامع من حديد وهذا هو العذاب يشتد ويتجاوز الطاقة فيهبّ الذين كفروا من الوهج والحميم والضرب الأليم. يهبّون للخروج من هذا الغمّ وإذا بهم يُردّون بعنف (وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) . * (قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ) التقطيع فيه مبالغة القطع، وقد جاء (قُطِّعَتْ) مضعّفًا لرصد صورة القطع القاسي ولرسم ملامح السرعة في إعداد ثياب من نار من شانها إحراق الجلود ولا سيما وأن مادة الثياب التي نسجت منها هي نار تتلظى. * (يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ) (من) يسموها ابتداء الغاية ملاصق لا يسمح لأحد بأن يدخل مثلاً (لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ (١٦) الزمر) مباشرة عليهم لو قال فوقهم تحتمل بُعد المسافة، (يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ) مباشرة على رؤوسهم.

    — مختصر لمسات بيانية

  • *ما دلالة استعمال صيغة الجمع مع أن الخصمان مثنى في قوله تعالى (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ (19) الحج)؟(د.حسام النعيمي) لو نظرنا في السياق ولو أكملنا الآية لتبين لنا ذلك هما هذان خصمان لم يكونا شخصين وإنما مجموعتين مجموعة هنا (فالذين كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (19) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (22)) إذن هذا الخصم الأول، هذا جمع ما قال فالذي كفر وإنما قال (فالذين كَفَرُوا). بعدها (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (23) وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (24)) هذا الخصم الثاني. كلمة الخصم تستخدم في القرآن الكريم للدلالة على المفرد والمثنى والجمع نقول: هذا خصم، هذان خصم،هؤلاء خصم ويمكن أن نقول هؤلاء خصوم فتستعمل كلمة خصم للإفراد والتثنية والجمع. لما استعمل خصمان أي فئتان وليس بمعنى فرد بدليل ما أتبع ذلك. صحيح قال خصمان لكن قال اختصموا لأنهم جماعتان. من أسباب النزول للآية موضع السؤال يقولون أنها نزلت في بدايات غزوة بدر. سبب الخصام هو من أجل الله سبحانه وتعالى وفي سبيل الله تعالى. يقولون هي نزلت فيما وقع في أول معركة بدر لما خرج الإمام علي رضي الله عنه وكرم الله وجهه وسيد الشهداء حمزة وشيبة هؤلاء قال المشركون أخرجوا لنا نظراءنا من قريش فهؤلاء خصم ويقابلهم الثلاثة الذين هم من قريش. هذا في الأصل لكن كما نقول دائماً خصوص السبب لا يقيّد عموم اللفظ فالآية عامة وإن كانت نزلت في هذين الخصمين.

    — حسام النعيمي

  • *ما دلالة (من) في قوله تعالى(يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (19) الحج) ؟ (من) يسموها ابتداء الغاية. لو حذف (من) يقول يسلك بين يديه. ما الفرق بينهما؟ بين يديه يعني أمامه قد يكون الرصد قريباً أو بعيداً والخلف قد يكون بعيداً أو قريباً، خلفك يمتد إلى ما لا نهاية. بينما (من) إبتداء الغاية ملاصق لا يسمح لأحد بأن يدخل مثلاً (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا (10) فصلت) من فوقها الرواسي ملاصقة للأرض لو قال فوقها تحتمل (أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ (6) ق) (وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّور (63) البقرة) ليس ملاصقاً لهم وإنما فوق رؤسهم، (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ (19) الملك)، (وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ (75) الزمر) ليس هنالك فراغ بين العرش والملائكة. (لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ (16) الزمر) مباشرة عليهم لو قال فوقهم تحتمل بُعد المسافة. (يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (19) الحج) مباشرة على رؤوسهم، (وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا (9) يس) ملتصق حتى لا يتحرك ولو قال بين أيديهم يحتمل أن يكون قريباً أو بعيداً، (وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ (5) فصلت) كل المسافة بيننا مملوءة ولو قال بيننا قد يكون أي حاجز أما من بيننا يعني المسافة أكبر، من بيننا يعني كل المسافة. إذن (من) لابتداء الغاية وبهذا نفهم (جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) من تحتها درجة أعلى من تحتها (وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ (100) التوبة). كل (من تحتها) معهم الرسل أما تحتها ليس معهم الرسل (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ) هؤلاء ليس معهم الرسل. سؤال: هل هنالك معاني للحروف في اللغة العربية؟ هناك كتب كثيرة مؤلفة في معاني الحروف مثل المغني اللبيب وغيره.

    — فاضل السامرائي

  • * (ورتل القرآن ترتيلاً ) : (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ (19)) لقد بُني السياق على التثنية (هَذَانِ خَصْمَانِ) لكن الإخبار جاء بضمير الجمع (اخْتَصَمُوا) فهل تظن أن البيان القرآني هنا أغفل موضوع العائد في الضمير؟ أليس الأصل من حيث الظاهر أن يقال "هذان خصمان اختصما في ربهم"؟ الحقيقة إنها من مقومات البلاغة القرآنية الفصيحة. فاسم الخصم يُطلق على الواحد وعلى الجماعة إذا اتّحدت خصومتهم. فأنت يقول "إن الظالمين هم خصمٌ لي يوم القيامة وأنا خصم لهم". فلمراعاة التثنية في اللفظ جيء باسم الإشارة الموضوع للمثنّى (هَذَانِ). ولمراعاة العدد جيء بضمير الجماعة في قوله (اخْتَصَمُوا) وهذه دِقَةٌ متناهية يغفل عنها كثير من الفصحاء. (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (19)) التقطيع فيه مبالغة القطع وهو فصل بعض أجزاء الشيء عن بقيّته. وقد جعل القرآن الفعل (قُطِّعَتْ) مضعّفاً ولم يقل "فالذين كفروا قُطعت لهم ثياب من نار" وذاك لرصد صورة القطع القاسي. وقد استطاعت كلمة (قُطِّعَتْ) أن ترسم ملامح السرعة في إعداد ثياب من نار من شانها إحراق الجلود. وهذه الطريقة غايتها إثارة خيالك. ولا سيما وأن مادة الثياب التي نسجت منها هي نار تتلظى. (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (19) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20) وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21) كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (22)) تأمل هذا المشهد العنيف الصاخب. انظر إلى هذا المنظر الحافل بالحركة المتكررة المليء بالتخييل الذي يبعثه النَسَق. فلا يكاد ينتهي الخيال من تتبعه لأنه مشهد متجدد. فها هي الثياب من النار تُقطّع وتفصّل وهذا حميم يُصب من فوق الرؤوس يُصهر به ما في البطون والجلود. وهذه مقامع من حديد وهذا هو العذاب يشتد ويتجاوز الطاقة فيهبّ الذين كفروا من الوهج والحميم والضرب الأليم. يهبّون للخروج من هذا الغمّ وإذا بهم يُردّون بعنف (وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ).

    — برنامج ورتل القران ترتيلا

  • استعذ بالله من عذاب جهنم؛ فإن عذابها لا يطاق، ﴿ فَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ ﴿١٩﴾ يُصْهَرُ بِهِۦ مَا فِى بُطُونِهِمْ وَٱلْجُلُودُ ﴿٢٠﴾ وَلَهُم مَّقَٰمِعُ مِنْ حَدِيدٍ ﴾

    — القرآن تدبر وعمل

ترجمات معاني الآية ١٩ من سورة الحج

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(19) These[921] are two adversaries who have disputed over their Lord. But those who disbelieved will have cut out for them garments of fire. Poured upon their heads will be scalding water
[921]- i.e., the believers and the disbelievers.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال