بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي

عن الكتاب
قوله عز وجل :﴿هذان خَصْمَانِ﴾، يعني : أهل دينين ﴿اختصموا فِى رَبّهِمْ﴾، يعني : احتجوا في دين ربهم. قال أبو ذر الغفاري رضي الله عنه نزلت هذه الآية في الذين بارزوا يوم بدر، يعني : حمزة، وعلي بن أبي طالب، وعبيدة بن الحارث من المؤمنين رضي الله عنهم وشيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة من المشركين، يعني : أن المؤمنين يخاصمون الكفار ويجاهدونهم ويقاتلونهم.
ثم بيَّن مصير كلا الفريقين بقوله :﴿فالذين كَفَرُواْ﴾ ؛ وقال مجاهد :﴿هذان خَصْمَانِ﴾، يعني : المؤمنين والكافرين اختصما في البعث، فالكافرون ﴿قُطّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مّن نَّارِ﴾، والمؤمنون يدخلون ﴿جنات تجري من تحتها الأنهار﴾، وقال عكرمة :﴿هذان خَصْمَانِ اختصموا﴾، أي اختصمت الجنة والنار، فقالت الجنة : خلقت للرحمة، وقالت النار : خلقت للعذاب.
وروي عن ابن عباس أنه قال :﴿هذان خَصْمَانِ﴾، وذلك أن اليهود قالوا : كتابنا ونبينا أفضل، وقالت النصارى : ونبينا كان يحيي الموتى وهو أفضل من نبيكم، فنحن أولى بالله ؛ وقال المؤمنون : نحن آمنا بالله وبجميع الأنبياء عليهم السلام وبجميع الكتب، وأنتم كفرتم ببعض الرسل وببعض الكتب، فديننا أولى من دينكم، فنزل :﴿هذان خَصْمَانِ﴾ الآية ؛ وقال :﴿هذان خَصْمَانِ اختصموا﴾، ولم يقل اختصما، لأن كل واحد من الخصمين جمع. قرأ ابن كثير ﴿هذان﴾ بتشديد النون، والباقون بالتخفيف. وفي الآية دليل أن الكفر كله ملة واحدة، لأنه ذكر ستة ملل من الأديان.
ثم قال :﴿هذان خَصْمَانِ﴾ ثم بيَّن مصير كلا الفريقين، فقال :﴿فالذين كَفَرُواْ قُطّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مّن نَّارِ﴾، أي جحدوا بمحمد ﷺ والقرآن، هيئت لهم ثياب أي قُمُصٌ من نار، ويقال : نحاس. ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسَهُم الحميم﴾ ؛ قال مقاتل : يضرب الملك رأسَه بالمقمع، فيثقب رأسه. ثم يصب من فوق رؤوسهم الحميم، الذي قد انتهى حَرُّهُ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى