قال مقاتل بن سليمان: ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ هُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ يقول: إنّ قرآن محمد ﷺ يُصَدِّق ما قبله مِن الكتب التي أنزلها اللَّه عز وجل على الأنبياء عليهم السلام، ﴿إنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ﴾ بأعمالهم، ﴿بَصِيرٌ﴾ بها
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ يعني: القرآن ﴿لِلنّاسِ بِالحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى﴾ بالقرآن ﴿فَلِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ﴾ عن الإيمان بالقرآن ﴿فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ يقول: فضلالته على نفسه، يعني: إثم ضلالته على نفسه، ﴿وما أنْتَ﴾ يا محمد ﴿عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ يعني: بمسيطر
عن عبد الله بن عباس -من طريق ورقاء، عن عطاء بن السائب، عن مقسم- قال: ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالحَقِّ إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، تستنسخ الحَفَظة مِن أُمِّ الكتاب ما يعمل بنو آدم، فإنّما يعمل الإنسانُ على ما استنسخ الملَك مِن أُمِّ الكتاب
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا﴾ بالعذاب ﴿أشْياعَكُمْ﴾ يعني: عذّبنا إخوانكم أهل مِلّتكم، يا أهل مكة، يعني: الأمم الخالية حين كذّبوا رسلهم، ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ يقول: فهل من مُتَذَكِّر فيعلم أنّ ذلك حقٌّ فيعتبر ويخاف، فلا يكذّب محمدًا ﷺ
علَّق ابنُ عطية (٢/١٣١) على قول ابن عباس بقوله: «وهذا عندي بحسب قرينة حال الشاهد، والمشهود فيه، والنازلة، لا سيما مع فساد الزمن، وأرذال الناس، ونفاق الحيلة، وأغراض الدنيا عند الحكام، فرُبَّ شهادة إن صرح بها في غير موضع النفوذ كانت سببًا لتخدم باطلًا ينطمس به الحق»
لم يذكر ابنُ جرير (١٨/٥٠٠) غير قول قتادة. وذكره ابنُ عطية (٧/٢٧)، وعلّق عليه فقال: «﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾ معناه: أنه يُظهر حجتهم، ويُغَلب مذهبهم، وينطق بشركهم. قاله قتادة، فيقوم بذلك مقام الكلام، كما قال تعالى: ﴿هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالحَقِّ﴾ [الجاثية:٢٩]»
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن إسحاق بسنده- قال: جاء رافعُ بن حارثة، وسلامُ بن مِشْكَم، ومالك بن الصَّيف، ورافعُ بن حُرَيْمِلة، فقالوا: يا محمد، ألستَ تَزْعُمُ أنك على ملة إبراهيم ودينِه، وتُؤمِنُ بما عندَنا مِن التوراة، وتَشْهَدُ أنها مِن الله حقٌّ؟ فقال النبي ﷺ: «بلى، ولكنَّكم أحْدَثْتم وجحَدْتُم ما فيها مما أُخِذ عليكم مِن الميثاق، وكتَمتم منها ما أُمِرْتم أن تُبَيِّنوه للناس، فبَرِئتُ مِن إحداثِكم». قالوا: فإنّا نأخُذُ بما في أيدينا؛ فإنّا على الهدى والحقِّ، ولا نُؤمِنُ بك، ولا نَتَّبِعُك. فأنزل الله فيهم: ﴿قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل﴾ إلى قوله: ﴿القوم الكافرين﴾
عن أبي جُحَيْفَة، قال: آخى النبي ﷺ بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمانُ أبا الدرداء، فرأى أُمَّ الدرداء مُتَبَذِّلةً، فقال لها: ما شأنُكِ؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا. فجاء أبو الدرداء، فصنَع له طعامًا، فقال: كُلْ، فإنِّي صائم. قال: ما أنا بآكلٍ حتى تأكُل. فأكَل، فلما كان الليلُ ذهب أبو الدرداء يقوم، قال: نَمْ. فنام، ثم ذهب يقوم، فقال: نَمْ. فلما كان من آخر الليل قال سلمان: قُمِ الآن. فصلَّيا، فقال له سلمانُ: إنّ لربَّك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، فأعطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه. فأتى النبي ﷺ، فذكَر ذلك له، فقال النبي ﷺ: «صدَق سلمان»
رجَّحَ ابن جرير (٢/٤٨٦-٤٨٧) أنّ المراد من التلاوة في هذه الآية الاتِّباع؛ لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك، فقال: «والصواب من القول في تأويل ذلك أنّه بمعنى: يتبعونه حق اتباعه؛ لإجماع الحجة من أهل التأويل على أن ذلك تأويله، وإذ كان ذلك تأويله فمعنى الكلام: الذين آتيناهم الكتاب -يا محمد- من أهل التوراة الذين آمنوا بك وبما جئتهم به من الحق من عندي؛ يَتَّبِعُون كتابي الذي أنزلته على رسولي موسى، فيؤمنون به، ويُقِرُّون بما فيه من نعتك وصفتك، وأنّك رسولي، فرضٌ عليهم طاعتي في الإيمان بك والتصديق بما جئتهم به من عندي، ويعملون بما أحللت لهم، ويجتنبون ما حرمت عليهم فيه، ولا يحرفونه عن مواضعه، ولا يبدلونه، ولا يغيرونه -كما أنزلته عليهم- بتأويل ولا غيره». وبنحوه قال ابن تيمية (١/٣٣٩)
نقل ابنُ عطية (٥/١٩٧) عن ابن عباس أن «قوله تعالى: ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ يريد به: الشَّرْعَ والدِّين، وقوله تعالى: ﴿فَسالَتْ أوْدِيَةٌ﴾ يريد به: القلوب، أي: أخذ النبيل بحظِّه، والبليد بحظِّه». ثم انتقده مستندًا إلى ضعف إسناد الأثر، وإلى مخالفة لغة العرب قائلًا: «وهذا قول لا يصح -والله أعلم- عن ابن عباس؛ لأنه ينحو إلى أقوال أصحاب الرموز، وقد تمسَّك به الغزاليُّ وأهل ذلك الطريق، ولا وجه لإخراج اللفظ عن مفهوم كلام العرب لغير عِلَّةٍ تدعو إلى ذلك». إلا أنه وجَّهه على فرض صحته بقوله: «وإن صَحَّ هذا القول عن ابن عباس فإنما قصد أنّ قوله تعالى: ﴿كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ والباطِلَ﴾ معناه: الحق الذي يتقرر في القلوب، والباطل الذي يعتريها»