سورة الليل — الآية ٥

عن عبد الله بن عباس، قال: نزلتْ هذه الآية في أبي بكر الصِّدِّيق: ﴿حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي﴾ الآية [الأحقاف:١٥]، فاستجاب الله له، فأسلم والداه جميعًا وإخوانه وولده كلّهم، ونزلت فيه أيضًا: ﴿فَأَمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ إلى آخر السورة

ذَكَر ابنُ عطية (١‏/‏٥٧٧-٥٧٨) أن هذه الآية هي في عِدَّة المتوفى عنها زوجها، وظاهرها العموم ومعناها الخصوص في الحرائر غير الحوامل، وأنها لم تعن لما يشذ من مرتابة ونحوها. ثم ذكر أنّ المهدويَّ حكى عن بعض العلماء أنّ الآية تناولت الحوامل، ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿وأولات الأحمال﴾ [الطلاق:٤]

ذكر ابنُ عطية (٢‏/‏٤٤٢) أن الزجّاج قال بأن الآية نزلت في قوم من اليهود، دخلوا على النبي ﷺ وكلموه في أشياء ثم خرجوا، فقالوا لمن لقوا من المسلمين: إن النبي أخبرهم بأشياء قد عرفوها فحمدهم المسلمون على ذلك وطمعوا بإسلامهم وكانوا قد أبطنوا خلاف ما أظهروا، وتمادوا على كفرهم، فنزلت الآية فيهم

رجَّحَ ابنُ جرير (٨‏/‏٩١) أنّ الآية نزلت يوم عرفة يوم الجمعة؛ مستندًا إلى ما صحّ من أقوال السلف، قائلًا: «وأَوْلى الأقوال في وقت نزول الآية القولُ الذي رُوِيَ عن عمر بن الخطّاب: أنّها نزلت يوم عرفة يوم جُمُعَة. لِصِحَّة سنده، ووَهْيِ أسانيد غيره»

اختُلف فيمن نزلت فيه الآية على أقوال: الأول: المغيرة بن مخزوم. الثاني: النّضر بن الحارث. الثالث: أبو جهل. ذكَره ابنُ عطية (٧‏/‏٥٩١). ورجَّح ابنُ عطية العموم، وأن الآية تعمّ كلّ من دخل تحت الأوصاف المذكورة إلى يوم القيامة، وإن كان سببها ما كان يفعله مَن ذُكر

قال ابنُ جرير (٢١‏/‏٣٨٦-٣٨٧) مبيّنًا معنى الآية استنادًا إلى أقوال السلف: «يقول -تعالى ذِكْرُه-: إنّ أكرمكم -أيها الناس- عند ربكم أشدّكم اتقاءً له بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، لا أعظمكم بيتًا، ولا أكثركم عشيرة». وذكر أثر عقبة بن عامر، وأثر ابن عباس

اختُلِف في معنى قوله: ﴿على عجل﴾ على أقوال: الأول: مِن عَجَل في بنْيته وخلقته. والثاني: من تعجيل في خلق الله إيّاه، وأن ذلك كان في تعجل الله خلقه قبل الغروب. وذكر ابنُ جرير (١٦‏/‏٢٧٣) أن آخرين من أهل العربية -ممن قالوا ذلك أيضًا- وجَّهوا التعجيل مِن الله بأنه كان في الأمر؛ لأنه قال: ﴿إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون﴾ [النحل:٤٠]. ورجَّح ابنُ جرير (١٦‏/‏٢٧٤ بتصرف) مستندًا إلى السنة، وظاهر الآية القولَ الأول الذي قاله سعيد بن جبير، والسدي، وقتادة، وعكرمة، فقال: «وإنما قلنا ذلك لدلالة قوله تعالى: ﴿سأريكم آياتي فلا تستعجلون﴾ على ذلك، ولحديث أبي هريرة...» وساق حديث أبي هريرة الوارد في الآثار المتعلقة بالآية. وانتقد ابنُ عطية (٦‏/‏١٦٩) القول الثاني مستندًا لمخالفته لظاهر الآية، فقال: «وهذا قول ضعيف، ومعناه لا يناسب معنى الآية». وكذا (٦‏/‏١٦٩) توجيه أهل العربية له بأن التعجل كان في الأمر -مستندًا إلى الدلالات العقلية- بأن فيه تخصيص ابن آدم بشيء كل مخلوق يشاركه فيه. وبنحوه ابنُ جرير (١٦‏/‏٢٧٣). وحكى ابنُ عطية (٦‏/‏١٦٨) في الآية أقوالًا أخرى: أحدها: أن قوله ﴿خلق الإنسان من عجل﴾ على المقلوب. وعلَّق عليه بقوله: «كأنه أراد: خُلق العجل مِن الإنسان، على معنى: أنه جعل طبيعة من طبائعه، وجزءًا من أخلاقه. ثم قال:»وهذا التأويل ليس فيه مبالغة، وإنما هو إخبار مجرد، وإنما حمل قائليه عليه عدمهم وجه التجوز والاستعارة في أن يبقى الكلام على ترتيبه«. وانتقده ابنُ جرير (١٦‏/‏٢٧٤) مستندًا لمخالفته الإجماع. وثانيها: أن العجل: الطين، والمعنى: خلق آدم من طين. وانتقده (٦‏/‏١٦٩ بتصرف) مستندًا لمخالفته ظاهر الآية، فقال:»وهذا ضعيف، ومعناه مغاير لمعنى الآية«. وثالثها: أن قوله: ﴿خلق الإنسان من عجل﴾ على جهة المبالغة، كما تقول للرجل البطال: أنت مِن لعب ولهو. ورجَّحه (٦‏/‏١٦٧-١٦٨بتصرف) مستندًا إلى ظاهر الآية، فقال:»وهذا التأويل يتمُّ به معنى الآية المقصود في أن ذُمَّت عجلتهم، وقيل لهم على جهة الوعيد: إن الآيات ستأتي فَلا تستعجلون""

اختُلِف في معنى إنقاص الأرض مِن أطرافها المذكور في الآية على أقوال: الأول: ما ينقص من أرض المشركين بفتح رسول الله ﷺ والمسلمين له وغَلَبَتِهم عليه. الثاني: بخرابها بعد العمارة. الثالث: ننقص من بركتها وثمرتها. الرابع: موت أهلها. الخامس: موت فقهائها وخيارها. وبيَّن ابنُ عطية (٥‏/‏٢١٥) أنّ الأرض على القول الثاني مراد بها اسم الجنس، وأنها على القول الأول يراد بها أرض الكفار المذكورين في الآيات. وبيَّن أنّ القول الأول لا يتأتى القول به إلا بأن يقدر نزول هذه الآية بالمدينة. ورجَّح ابنُ جرير (١٣‏/‏٥٧٩) مستندًا إلى السياق (١٣‏/‏٥٧٩) وابنُ عطية (٥‏/‏٢١٥)، وابنُ كثير (٨‏/‏١٧٠) مستندًا إلى النظائر القولَ الأول، وهو قول ابن عباس من طريقي عكرمة والعوفي، وقول الضحاك، والحسن، وعطية العوفي، والسدي، ومقاتل بن سليمان، وعلَّل ذلك بقوله، فقال: «وذلك أنّ الله تَوَعَّد الذين سألوا رسولَه الآياتِ مِن مشركي قومه بقوله: ﴿وإنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أو نتوفينك﴾، ثم وبَّخهم -تعالى ذِكْرُه- بسوء اعتبارهم ما يعاينون من فعل الله بضربائهم من الكفار، وهم مع ذلك يسألون الآيات، فقال: ﴿أو لم يروا أنّا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها﴾ بقهر أهلها، والغلبة عليها من أطرافها وجوانبها، وهم لا يعتبرون بما يرون من ذلك». وقال ابنُ عطية (٥‏/‏٢١٥) بعد بيانه أنّ كل ما ذكر مِن الأقوال يدخل في لفظ الآية: «وأليق ما يقصد لفظ الآية هو تنقص الأرض بالفتوح على محمد». وقال ابنُ كثير (٨‏/‏١٧٠): «والقول الأول أولى، وهو ظهور الإسلام على الشرك قرية بعد قرية، كقوله تعالى: ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ القُرى﴾ [الأحقاف:٢٧] الآية»

اختلف المفسرون في المُخاطَب بهذه الآية، فقيل: جميع المشركين، كما في هذا الأثر. وقيل: مشركو أهل الكتاب خاصة، كما في أثر مجاهد الآتي. وقد رجَّح ابنُ جرير (١‏/‏٣٩٤-٣٩٥) مستندًا إلى عموم الآية قولَ ابن عباس وقتادة، فقال: «والذي هو أوْلى بتأويل قوله: ﴿وأنتم تعلمون﴾ -إذ كان ما كان عند العرب من العلم بوحدانية الله، وأنه مبدع الخلق وخالقهم ورازقهم، نظير الذي كان من ذلك عند أهل الكتابين، ولم يكن في الآية دلالة على أن الله جل ثناؤه عنى بقوله: ﴿وأنتم تعلمون﴾ أحدَ الحزبين، بل مَخْرَج الخطاب بذلك عامٌّ للناس كافة لهم؛ لأنه تحدى الناس كلهم بقوله: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم﴾- أن يكون تأويله ما قاله ابن عباس وقتادة، من أنه يعني بذلك كُلَّ مكلف عالمٍ بوحدانية الله، وأنه لا شريك له في خلقه، يشرك معه في عبادته غيره، كائنًا مَن كان من الناس، عربيًّا كان أو أعجمِيًّا، كاتبًا أو أُمِّيًّا». وزاد ابن عطية (١‏/‏١٤٦) قولًا آخر نقله عن ابن فورك، فقال: «وقال ابن فورك: يحتمل أن تتناول الآية المؤمنين». ثم وجَّهه بقوله: «فالمعنى: لا ترتدوا أيها المؤمنون وتجعلوا الله أندادًا بعد علمكم الذي هو نفي الجهل بأن الله واحد»

سورة آل عمران — الآية ١٨٠

عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «مَن آتاه الله مالًا فلم يُؤَدِّ زكاته مُثِّلَ له شجاع أقرع، له زبيبتان، يطوقه يوم القيامة، فيأخذ بلهزمتيه -يعني: شدقيه-، يقول: أنا مالك، أنا كنزك». ثم تلا هذه الآية: ﴿ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله﴾ الآية