أفادت الآثارُ اختلافَ السلف في تفسير قوله: ﴿وأنتم سكارى﴾ على قولين: الأول: سكر الخمر. والثاني: سكر النوم. ورجّح ابنُ جرير (٧/٤٩ بتصرف) الأول مستندًا إلى أقوال الصحابة، وسبب النزول، وقال: «وذلك للأخبار المتظاهرة عن أصحاب رسول الله ﷺ بأنّ ذلك كذلك نهيٌ من الله، وأنّ هذه الآية نزلت فيمن ذكرت أنها نزلت فيه». وانتَقَدَ ابن عطية (٢/٥٦٠) قولَ الضحاك بأنه سكر النوم بقوله: «وهذا ضعيف». وعلَّق عليه ابنُ تيمية (٢/٢٥٣) بقوله: «وهذا إذا قيل: إنّ الآية دلت عليه بطريق الاعتبار، أو شمول معنى اللفظ العام، وإلا فلا ريب أنّ سبب نزول الآية كان السكر من الخمر، واللفظ صريح في ذلك، والمعنى الآخر صحيح أيضًا»
عن طاووس -من طريق عبد الله بن طاووس- أنّه قال: جَنفُه وإثمه: تَوْلِيجُه: أن يوصي الرجل لبني ابنه؛ ليكونَ المالُ لأبيهم، وتوصي المرأة لزوج ابنتها؛ ليكون المال لابنتها، وذو الوارث الكثير والمالُ قليل، فيوصي بثلث ماله كله، فيصلح بينهم الوصي أو الأمير. قلت: أفي حياته أم بعد موته؟ قال: ما سمعنا أحدًا يقول إلا بعد موته، وإنه لَيُوعَظ عند ذلك
ذكر ابنُ كثير (٨/٤٤) أنّ مجاهدًا، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغيرهما قد فسروا بما فسَّر به قتادة، ثم علَّق على تفسيرهم بقوله: «وحاصله: أنّ مَن تَحَلَّم بباطل، وفسَّره؛ فإنه يلزم بتأويله، والله أعلم. وقد ورد في الحديث الذي رواه الإمام أحمد، عن معاوية بن حيدة، عن النبي ﷺ:»الرؤيا على رِجْلِ طائرٍ ما لم تُعَبَّر، فإذا عُبِّرَت وقعت»""
اختُلف في المراد بقوله: ﴿جاثية﴾ على قولين: الأول: أي: على الركب. الثاني: متميزة. ورجَّح ابنُ كثير (١٢/٣٦٥) القول الأول دون الثاني الذي قاله عكرمة، فقال: «والأول أولى». ولم يذكر مستندًا. وساق حديث أبي هريرة مرفوعًا في حديث الصور: «فيتميز الناس وتجثو الأمم». وهي التي يقول الله: ﴿وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها﴾. وعلَّق عليه بقوله: «وهذا فيه جمع بين القولين، ولا منافاة»
اختُلف في اسم ونسب التي كانت تجادل رسول الله في زوجها على أقوال: الأول: خَوْلَة بنت ثَعْلَبة. الثاني: خَوْلَة بنت خُوَيلد. الثالث: خَوْلَة بنت الدُّلَيْج. الرابع: خَوْلَة بنت الصّامت: الخامس: خُوَيلَة -بالتصغير-. وذكر ابنُ كثير (١٣/٤٤٤) القول الأول والأخير، وزاد قولًا آخر: أنها خَوْلَة بنت مالك بن ثَعْلَبة. وعلَّق على الثلاثة بقوله: «ولا منافاة بين هذه الأقوال؛ فالأمر فيها قريب»
ذكر ابنُ عطية (٨/٣١٩) في قوله: ﴿فأحسن صوركم﴾ قولين: الأول: حُسن الخِلقةِ وجمال الصورة في الوجه والجوارح. وذكر الثاني، فقال: «وقال بعض العلماء: النّعمة المُعدّدة هنا إنما هي صورة الإنسان مِن حيث هو إنسان مُدرك عاقل، فهذا هو الذي حسن له حتى لحق ذلك كمالات كثيرة». ثم رجّح -مستندًا إلى اللغة- الأول، فقال: «والقول الأول أحرى في لغة العرب؛ لأنها لا تعرف الصور إلا الشكل»
ذكر ابنُ كثير (١٤/٢٨٧) قول الشافعي، ثم علّق قائلًا: «وهذا الذي قاله الإمام الشافعي رحمه الله في غاية الحُسن، وهو استدلال بمفهوم هذه الآية، كما دل عليه منطوق قوله: ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ [القيامة:٢٢-٢٣]، وكما دلت على ذلك الأحاديث الصحاح المتواترة في رؤية المؤمنين ربهم عز وجل في الدار الآخرة رؤية بالأبصار في عرصات القيامة، وفي روضات الجنان الفاخرة»
علَّقَ ابن عطية (١/٣٢٦) على قولِ مَن قال: إنها في النصارى. بقوله: «مَن جعل الآية في النصارى روى أنه مرَّ زمانٌ بعد ذلك لا يدخل نصراني بيت المقدس إلا أُوجِع ضربًا». وعلَّقَ ابن كثير (٢/٢٧) على هذا القول أيضًا -وقد كان رجَّح أنها في كفار قريش- بقوله: «وهذا لا ينفي أن يكون داخلًا في معنى عموم الآية؛ فإنّ النصارى لَمّا ظلموا بيت المقدس بامتهان الصخرة التي كانت يصلي إليها اليهود عُوقِبوا شرعًا وقدرًا بالذلة فيه، إلا في أحيان من الدهر امتحن بهم بيت المقدس، وكذلك اليهود لما عصوا الله فيه أيضًا أعظم من عصيان النصارى كانت عقوبتهم أعظم»
قال ابن جرير (١/٤٧٩-٤٨٠) مُبَيِّنًا تأويل الآية على هذه الرواية: «تأويل الآية على هذه الرواية: إني جاعل في الأرض خليفةً منّي، يخلفني في الحكم بين خلقي، وذلك الخليفة هو آدمُ، ومن قام مقامه في طاعة الله والحكم بالعدل بين خلقه، وأمّا الإفساد وسفك الدماء بغير حقها فمن غير خلفائه». ثم انتَقَد ابنُ جرير (١/٤٨٩-٤٩١ بتصرف) هذا الخبر بدلالةِ العقلِ بقوله: «هذا إذا تَدَبَّرَه ذو الفَهْم عَلِم أنّ أوله يُفسِد آخرَه، وأنّ آخرَه يُبْطِل معنى أولِّه؛ وذلك أن الله -جل ثناؤه- إن كان أخبر الملائكة أن ذرية الخليفة الذي يجعله في الأرض تفسد فيها، فقالت الملائكة لربها: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها﴾؛ فلا وجه لتوبيخها على أن أخبرت عمَّن أخبرها اللهُ عنه أنه يفسد في الأرض، فيجوز أن يقال لها فيما طُوِي عنها من العلوم: أخبرونا بالذي قد طوى الله عنكم علمه، كما قد أخبرتمونا بالذي قد أطْلَعَكُم الله عليه. بل ذلك خَلْفٌ من التأويل، ودعوى على الله ما لا يجوز أن يكون له صفة، وأخشى أن يكون بعض نقلة هذا الخبر هو الذي غلط على مَن رواه عنه من الصحابة، وأن يكون التأويل منهم كان على ذلك: أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين فيما ظننتم أنكم أدركتموه من العلم بخبري إيّاكم أن بني آدم يُفسدون في الأرض، ويسفكون الدماء، حتى استجزتم أن تقولوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء. فيكون التوبيخُ حينئذ واقعًا على ما ظَنُّوا أنهم قد أدركوا بقول الله لهم: إنه يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء. لا على إخبارهم بما أخبرهم الله به أنه كائن؛ وذلك أنّ الله -جل ثناؤه- وإن كان أخبرهم عما يكون من بعض ذرية خليفته في الأرض ما يكون منه فيها من الفساد وسفك الدماء، فقد كان طوى عنهم الخبر عَمّا يكون من كثير منهم بما يكون من طاعتهم ربهم، وإصلاحهم في أرضه، وحقن الدماء، ورفعه منزلتهم، وكرامتهم عليه، فلم يخبرهم بذلك. فقالت الملائكة: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾ على ظَنِّ منها -على تأويل هذين الخبرين اللذين ذكرت وظاهرهما- أنّ جميع ذرية الخليفة الذي يجعله في الأرض يُفسِدون فيها، ويسفكون فيها الدماء. فقال الله لهم: ﴿أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين﴾ أنّكم تعلمون أن جميع بني آدم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء، على ما ظننتم في أنفسكم. إنكارًا منه -جل ثناؤه- لقيلهم ما قالوا من ذلك على الجميع والعموم، وهو من صفة خاصِّ ذرية الخليفة منهم». وعلَّقَ ابن كثير (١/٢٣٠) على هذه الرواية بقوله: «هذا الإسناد إلى هؤلاء الصحابة مشهور في تفسير السُّدِّي، ويقع فيه إسرائيليات كثيرة، فلعل بعضها مُدْرَج ليس من كلام الصحابة، أو أنهم أخذوه من بعض الكتب المتقدمة»
لم يذكر ابنُ جرير (٣/٥٤٩-٥٥٥) غيرَ هذا القول من أنّ الأيام المعدودات هي أيام التشريق. وحكى ابنُ كثير (١/٥٦١) هذا القول عن السلف، وقول مَن جعل يوم النحر من الأيام المعدودات، وهو ما نقل عن علي بن أبي طالب، ورَجَّح مستندًا إلى ظاهر الآية القولَ الأول حيث قال: «والقول الأول هو المشهور [يعني: قول من قال: الأيام المعدودات هي أيام التشريق]، وعليه دَلَّ ظاهر الآية الكريمة، حيث قال: ﴿فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه﴾ فدلَّ على ثلاثة بعد النحر»