اختلف أهل التأويل في مَن قال: ﴿لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده﴾ على قولين: الأول: هم أهل إيمان، ولكنَّهم أضعفُ يقينًا مِمَّن قالوا: ﴿كم مِن فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله﴾. والثاني: هم أهل كفر بالله ونفاق، وليسوا مِمَّن شَهِد قتال جالوت وجنوده؛ لأنّهم انصرفوا عن طالوت ومَن ثَبَتَ معه لقتال عَدُوِّ الله جالُوتَ ومَن معه، وهم الذين عَصَوْا أمْرَ اللهِ لِشُرْبِهِم مِن النَّهَر. وقد رَجَّحَ ابنُ جرير (٤‏/‏٤٩٥) القولَ الثاني، كما ذكرنا آنفًا، استنادًا إلى السياق، وهو قول ابن عباس، والسدي، وابن جريج

اختلف في نزول قوله تعالى: ﴿ولَوْ أنَّما فِي الأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ﴾ الآيةَ على أقوال: الأول: أنها نزلت بسبب سؤالٍ سأله أحبار اليهود لرسول الله ﷺ. الثاني: أنها نزلت بسبب أن المشركين قالوا في القرآن: إنما هو كلام يوشك أن ينفد وينقطع. ورجَّح ابنُ عطية (٧‏/‏٥٧) مستندًا إلى أحوال النزول القول الأول، وهو قول ابن عباس من طريق سعيد بن جبير وما في معناه، فقال: «وهذا هو القول الصحيح، والآية مدنية». وعلَّق ابنُ كثير (١١‏/‏٧٨) على القول الأول بقوله: «وهذا يقتضي أن هذه الآية مدنية لا مكية، والمشهور أنها مكية»

قال ابنُ تيمية (١‏/‏٤٦٩-٤٧٠) في حكم التمتع: «أكثر العلماء –كأحمد، وغيره من فقهاء الحديث، وأبي حنيفة، وغيره من فقهاء العراق، والشافعي في أحد قوليه، وغيره من فقهاء مكة- يستحبون المتعة، وإن كان منهم مَن يُرَجِّح القِران؛ كأبي حنيفة، ومنهم مَن يُرَجِّح التَّمَتُّعَ الخاصَّ؛ كأحد القولين في مذهب الشافعي، وأحمد. فالصحيح -وهو الصريح من نص أحمد- أنّه إن ساق الهديَ فالقِران أفضلُ، وإن لم يسقه فالتحللُ من إحرامه بعمرة أفضل؛ فإنّ الأول هو الذي فعله النبي ﷺ في حجة الوداع، والثاني هو الذي أمر به من لم يَسُقِ الهَدْيَ من أصحابه. بل كثير من علماء السنة يوجب المتعة، كما يُروى عن ابن عباس رضي الله عنهما، وهو قول أهل الظاهر كابن حزمٍ وغيره؛ لِما ذُكِرَ من أمرِ النبي ﷺ بها أصحابَه في حجة الوداع». واستدلَّ ابنُ كثير (١‏/‏٥٣٨) على شرعية التمتع من السنة، وأقوال الصحابة، بما رُوِي عن أبي هريرة: أنّ رسول الله ﷺ ذبح بقرةً عن نسائه، وكُنَّ متمتعاتٍ، وبما جاء في الصحيحين عن عمران بن حصين: نزلت آيةُ المتعة في كتاب الله""

اختُلف في قائل هذه المقالة: ﴿هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون﴾ على أقوال: الأول: أنهم المؤمنون. الثاني: أنهم الكفار. الثالث: أنهم الملائكة. وقد رجّح ابنُ جرير (١٩‏/‏٤٥٨) مستندًا إلى الدلالة العقلية القولَ الأول، فقال: «والقول الأول أشبه بظاهر التنزيل، وهو أن يكون من كلام المؤمنين؛ لأن الكفار في قيلهم: ﴿من بعثنا من مرقدنا﴾ دليل على أنهم كانوا بمن بعثهم من مرقدهم جهالًا، ولذلك مِن جهلهم استثبتوا، ومحال أن يكونوا استثبتوا ذلك إلا مِن غيرهم مِمَّن خالفت صفتُه صفتَهم في ذلك». وكذا رجّح ابنُ كثير (١١‏/‏٣٦٨) مستندًا إلى النظائر القول الأول بقوله: «وهو أصح، وذلك كقوله تعالى في الصافات: ﴿وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون﴾ [الصافات:٢٠-٢١]، وقال الله تعالى: ﴿ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون * وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون﴾ [الروم:٥٥-٥٦]». وذكر ابنُ كثير القول الأول والثالث، وعلّق عليهما قائلًا: «ولا منافاة؛ إذ الجمع ممكن»

أفادت الآثارُ الاختلافَ في المراد بالكلالة، ومَن يُسَمّى بها. أما الكلالةُ فالاختلاف فيها على ثلاثة أقوال: أولها: هي خُلُوُّ الميت من الولد والوالد. وهذا قول أبي بكر، وعمر، والمشهور عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، وقتادة، وأبي إسحاق، وسُلَيم بن عبد، والسديّ، وابن زيد، وغيرهم. والثاني: هي خُلُوُّ الميت عن الولد. وهذا مروي عن ابن عباس من طريق طاووس. والثالث: هي خُلُوُّ الميت عن الوالد. وهذا قول الحكم بن عتيبة. ورَجَّحَ ابنُ جرير (٦‏/‏٤٨١)، وابنُ عطية (٢‏/‏٤٨٦)، وابنُ كثير (٣‏/‏٣٧٨) القولَ الأولَ استنادًا إلى السُّنَّة، والإجماع، وأقوال السلف، قال ابنُ كثير: «وبه يقول أهل المدينة والكوفة والبصرة، وهو قول الفقهاء السبعة، والأئمة الأربعة، وجمهور السلف والخلف، بل جميعُهم، وقد حكى الإجماعَ على ذلك غيرُ واحد، وورد فيه حديث مرفوع». وعلَّقَ ابنُ عطية (٢‏/‏٤٨٦ بتصرف) على القول الثاني بقوله: «روي عن ابن عباس، وذلك مُسْتَقْرَأٌ مِن قوله في الإخوة مع الوالدين: إنّهم يَحُطُّون الأم، ويأخذون ما يحطونها. هكذا حكى الطبري. ويلزم على قول ابن عباس إذ ورثهم بأنّ الفريضة كلالة أن يعطيهم الثلث بالنص». ثم انتَقَدَ (٢‏/‏٤٨٦) القولين الثاني والثالث؛ لمخالفتهما للواقع، فقال: «هذان القولان ضعيفان؛ لأنّ مَن بقي والده أو ولده فهو موروث بجزم نسب، لا بتكلل، وأجمعت الآن الأمةُ على أن الإخوة لا يرثون مع ابن ولا مع أب، وعلى هذا مضت الأمصار والأعصار». وزاد ابنُ كثير (٣‏/‏٣٧٨) في نَقْدِ قول ابن عباس الثاني بأنّه قد ورد عنه خلافه، فقال: «والصحيح عنه الأول، ولعل الراوي ما فَهِمَ عنه ما أراد». وأمّا المُسَمّى كلالة؛ فالاختلافُ فيه على ثلاثة أقوال أيضًا: أولها: هو الميِّت الموروث إذا ورثه غيرُ والده وولده. وهذا قول ابن عباس من طريق طاووس، والسديّ. والثاني: هم الورثة إذا لم يكونوا ولدًا ولا والدًا. وهذا قول الجمهور على خلاف وقع بينهم في الكلالة. والثالث: هم الميت والحيُّ جميعًا. وهذا قول ابن زيد. ورجَّحَ ابنُ جرير (٦‏/‏٤٨١-٤٨٢ بتصرف) القولَ الثانيَ استنادًا إلى السنّة، وأقوال السلف، فقال: «الصواب من القول في ذلك عندي ما قاله هؤلاء، وهو أن الكلالة: الذين يرثون الميت مَن عَدا ولده ووالده؛ وذلك لصِحَّة الخبر الذي ذكرناه عن جابر بن عبد الله أنّه قال: قلتُ: يا رسول الله، إنما يرثني كلالة، فكيف بالميراث؟ وعن عمرو بن سعيد قال: كنا مع حميد بن عبد الرحمن في سوق الرقيق، قال: فقام من عندنا ثم رجع، فقال: هذا آخر ثلاثة من بني سعد حدَّثوني هذا الحديث، قالوا: مرِض سعد بمكة مرضًا شديدًا، قال: فأتاه رسول الله ﷺ يعوده، فقال: يا رسول الله، لي مال كثير، وليس لي وارثٌ إلا كلالة، فأوصي بمالي كله؟ فقال: «لا». وعن العلاء بن زياد، قال: جاء شيخٌ إلى عمر رضي الله عنهما، فقال: إنِّي شيخ، وليس لي وارث إلا كلالةٌ، أعْرابٌ مُتراخٍ نسبُهم، أفأوصي بثلث مالي؟ قال: لا. فقد أنبأَتْ هذه الأخبارُ عن صحة ما قلنا في معنى الكلالة، وأنها ورثة الميت دون الميت مِمَّن عدا والده وولده». وذكر ابنُ عطية (٢‏/‏٤٨٦) قولًا رابعًا عن عطاء: أنّ الكلالة: المال. وانتَقَدَه مستندًا إلى اللغة بقوله: «الاشتقاق في معنى الكلالة يُفْسِدُ تسمية المال بها»

سورة الأنعام — الآية ١

عن عبد الرحمن بن أبزى، أنّه أتاه رجلٌ مِن الخوارج، فقرأ عليه: ﴿الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور﴾ الآية. ثم قال: أليس الذين كفروا بربِّهم يَعدِلون؟ قال: بلى. فانصرَف عنه الرجلُ، فقال له رجلٌ مِن القوم: يا ابن أبزى، إنّ هذا أراد تفسيرَ الآية غيرَ ما تَرى، إنّه رجلٌ مِن الخوارج. قال: رُدُّوه عَلَيَّ. فلما جاء، قال: أتَدرِي في مَن أُنزِلت هذه الآية؟ قال: لا. قال: نزلت في أهل الكتاب، فلا تَضَعها في غير موضعها

وجَّه ابنُ جرير (١‏/‏٦٥٣، ٦٥٤) تفسير البلاء بالنعمة بقوله: «وأصل البلاء في كلام العرب: الاختبار والامتحان، ثم يستعمل في الخير والشر؛ لأن الامتحان والاختبار قد يكون بالخير كما يكون بالشر، كما قال ربنا -جل ثناؤه-: ﴿وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون﴾ [الأعراف:١٦٨]، يقول: اختبرناهم، وكما قال -جلَّ ذِكْرثه-: ﴿ونبلوكم بالشر والخير فتنة﴾ [الأنبياء:٣٥]، ثم تسمي العرب الخير: بلاء، والشر: بلاء. غير أن الأكثر في الشر أن يقال: بلوته أبْلُوه بلاءً، وفي الخير: أبليته أبليه إبلاءً وبلاءً»

انتَقَدَ ابنُ جرير (٣‏/‏٤٩٢-٤٩٣ بتصرف) ما ذهب إليه محمد بن كعب القُرَظِيُّ في تفسير الجِدال في الحج، مستندًا إلى عدم وجود دليل يشهد لصحته، أو يُقَدِّمه على العموم، فقال: «وأمّا قول من قال: معناه: النهي عن اختلاف المختلفين في أتمهم حجًّا، فقولٌ في حكايته الكفاية عن الاستشهاد على وهائه وضعفه، وذلك أنّه قولٌ لا تُدْرَك صِحَّتُه إلا بخبر مستفيض، أوخبر صادق يوجب العلم أنّ ذلك كان كذلك فنزلت الآية بالنهي عنه، أو أنّ معنى ذلك في بعض معاني الجدال دون بعض، ولا خبر بذلك بالصفة التي وصَفْنا»

وجّه ابنُ جرير (٤‏/‏١٣٢ بتصرف) هذا القول الذي قال به السدي، والضحاك، فقال: «وكأنّ قائلي هذا القول ذهبوا إلى أنّ معنى الكلام: الطلاق مرتان، فإمساك في كل واحدة منهما لهن بمعروف، أو تسريح لهن بإحسان». ثم استدرك (٤‏/‏١٣٢ بتصرف) قائلًا: «وهذا مذهبٌ مما يحتمله ظاهر التنزيل، لولا الخبر الذي ذكرتُه عن النبي ﷺ الذي رواه إسماعيل بن سميع، عن أبي رزين [المذكور في أوَّل تفسير قوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾]؛ فإنّ اتباع الخبر عن رسول الله ﷺ أوْلى بنا من غيره»

اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿لفيفا﴾ على قولين: الأول: مختلطين. الثاني: جميعًا. وقد رجح ابنُ جرير (١٥‏/‏١١١) القول الأول مستندًا إلى اللغة، فقال: «﴿فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا﴾، يقول: فإذا جاءت الساعة -وهي وعد الآخرة- جئنا بكم لفيفًا، يقول: حشرناكم من قبوركم إلى موقف القيامة لفيفًا، أي: مختلطين قد التف بعضكم على بعض، لا تتعارفون، ولا ينحاز أحد منكم إلى قبيلته وحَيِّه، من قولك: لففت الجيوش، إذا ضربت بعضها ببعض، فاختلط الجميع، وكذلك كل شيء خلط بشيء فقد لفَّ به»