عَلَّق ابنُ تيمية (٢/١٤-١٥)، فقال: «قال قتادةُ والربيعُ: هو القرآن، فرَّق فيه بين الحلال والحرام، والحق والباطل. وهذا لأنّ الشيء الواحد إذا كان له وصفان كبيران فهو مع وصف كالشيء الواحد، وهو مع الوصفين بمنزلة الاثنين، حتى لو كثرت صفاته لتنزل منزلة أشخاص، ألا ترى أنّ الرجل الذي يحسن الحساب والطب بمنزلة حاسب وطبيب»
علَّقَ ابنُ عطية (٢/٥١٦) على قراءة ﴿وأَحَلَّ لكم﴾ بفتح الألف والحاء بقوله: «هذه مُناسِبة لقوله: ﴿كِتابَ اللَّهِ﴾؛ إذ المعنى: كَتَبَ اللهُ ذلك كتابًا». وبنحو ذلك قال ابنُ جرير (٦/٥٨٣)، ثم قال: «والذي نقول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان في قَرَأَة الإسلام، غير مختلفتي المعنى، فبأيَّ ذلك قرأ القارئُ فمصيبٌ الحقَّ»
قال ابنُ عطية (٧/١٥٥): «هي مكية، واختُلِف في قوله تعالى: ﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ هُوَ الحَقَّ﴾ الآية [سبأ:٦]، فقالت فرقة: هي مكية، والمراد: المؤمنون بالنبي ﷺ. وقالت فرقة: هي مدنية، والمراد: مَن أسلم بالمدينة مِن أهل الكتاب؛ كابن سلام وأشباهه»
رجح ابنُ عطية (٨/٦٨) أن هذه الآية محكمة، فقال:«الصحيح أنها محكمة، وأن هذا الحق هو على وجه الندب، لا على وجه الفرض». ثم ذكر عن بعض أهل التأويل أن ذلك كان ثم نُسخ بالزّكاة، وانتقده مستندًا إلى الدلالة التاريخية، فقال: «وقال قوم من المتأولين: كان هذا ثُم نُسخ بالزّكاة، وهذا غير قوي، وما شرع الله عز وجل بمكة قبل الهجرة شيئًا من أخذ الأموال»
قال مقاتل بن سليمان: ﴿قل﴾ يا محمد، لِمَن حرم ذكور الأنعام تارة وإناثها أخرى، ونسب ذلك إلى الله: ﴿آلذكرين﴾ من الضأن والمعز ﴿حرَّم﴾ الله ﴿عليكم أم الأنثيين﴾ منهما، ﴿أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين﴾ ذَكَرًا كان أو أنثى؟ ﴿نبئوني بعلم﴾ عن كيفية تحريم ذلك؛ ﴿إن كنتم صادقين﴾ فيه. المعنى: من أين جاء التحريم؟ فإن كان مِن قبل الذُّكُورة فجميع الذكور حرام، أو الأنوثة فجميع الإناث، أو اشتمال الرحم فالزوجان، فمن أين التخصيص؟! والاستفهام للاستنكار. ﴿نبئوني بعلم إن كنتم صادقين﴾ يقول الله لنبيه ﷺ: قل لهم: نبئوني بعلم إن كنتم صادقين بأنّ الله حرَّم هذا
قال مقاتل بن سليمان: وأما النعمة على مريم عليها السلام فهي أنه اصطفاها -يعني: اختارها-، وطهرها من الإثم، واختارها على نساء العالمين، وجعلها زوجة محمد ﷺ في الجنة... ، ﴿وإذْ كَفَفْتُ بَنِي إسْرائِيلَ عَنْكَ﴾ يعني: عن قتلك حين رفعه الله عز وجل إليه، وقُتل شبيهه، وهو الرقيب الذي كان عليه، ﴿إذْ جِئْتَهُمْ بِالبَيِّناتِ﴾ يعني: بالعجائب التي كان يصنعها؛ من إبراء الأكمه، والأبرص، والموتى، والطائر، ونحوه، ﴿فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهُمْ﴾ يعني: من اليهود من بني إسرائيل: ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ يعني: ما هَذا الَّذِي يصنع عِيسى من الأعاجيب ﴿إلّا سِحرٌ مُبِينٌ﴾ يعني: بيِّن. نظيرها في الصف
وجَّه ابنُ تيمية (١/٥٤١) قولَ مجاهد بقوله: «وأراد بالدُّلْسَة: التحليل. ومعنى كلامه -والله أعلم-: إنْ عَلِمَ المُطَلِّقُ الأولُ والزوجةُ أنّ النكاحَ الثانيَ كان على غير دُلْسَةٍ، فحينئذٍ إذا تَزَوَّجها يكون بحيث يُظَنُّ أن يقيم حدود الله من الطلاق الأول والنكاح الذي بعده، ثم الطلاق والنكاح أيضًا. أمّا إذا تزوجها نكاحَ دُلْسَة، وطلَّقها، ثم تراجعا؛ لم يكونا قد ظَنّا أن يُقِيما حدود الله التي هي تحريمها أولًا، ثم حِلُّها للثاني، ثم حِلُّها للأول، فعلى هذا تكون الآيةُ عامَّةً في ظَنِّ صِحَّة النكاح، وظَنِّ حُسْنِ العِشْرة، وأحدُ الظَّنَّيْنِ لأجل الماضي والحاضر، والآخر مُتَعَلِّقٌ بالمستقبل»
على هذا القول الذي قاله عكرمةُ تكون الوالدةُ التي نهى الرجلُ عن مُضارَّتِها: ظِئْرُ الصبيِّ. وهو ما ذهبَ إليه ابنُ عطية (١/٣٧٣) حيث رأى أنّ الآية تَعُمُّه لعموم لفظه، فقال: «معنى الآية: النهيُ عن أن تُضارَّ الوالدةُ زوجَها المُطَلِّق بسبب ولدها، وأن يُضارَّها هو بسبب الولد، أو يُضارَّ الظِّئْرَ؛ لأنّ لفظة نهيه تَعُمُّ الظِّئْرَ». ووجَّه ابنُ جرير (٤/٢١٨-٢١٩) معنى الآية على هذا القول، فقال: «فمعنى الكلام: لا يُضارِر والدُ مولودٍ والدتَه بمولوده منها، ولا والدةُ مولودٍ والدَه بمولودها منه، ثم ترك ذكر الفاعل في ﴿تضار﴾، فقيل: ﴿لا تضار والدة بولدها، ولا مولود له بولده﴾»
قال مقاتل بن سليمان: ثم قالت المرأة لأهل مشورتها: ﴿وإني مرسلة إليهم بهدية﴾ أُصانِعهم على مُلكي؛ إن كانوا أهل دنيا، ﴿فناظرة بم يرجع المرسلون﴾ مِن عِندِه بالجواب. فأرسلت بالهدية مع الوفد، عليهم المنذر بن عمرو، الهدية مائة وصيف ومائة وصيفة، وجعلت للجارية قُصَّة أمامها، وقُصَّة مؤخرها، وجعلت للغلام قُصَّة أمامه، وذؤابة وسط رأسه، وألبستهم لباسًا واحدًا، وبعثت بحُقَّةٍ فيها جوهرتان؛ إحداهما مثقوبة، والأخرى غير مثقوبة. وقالت للوفد: إن كان نبيًّا فسيُمَيِّز بين الجواري والغلمان، ويخبر بما في الحُقَّة، ويرُدُّ الهدية فلا يقبلها، وإن كان مَلِكًا فسيقبل الهدية، ولا يعلم ما في الحُقَّة. فلما انتهت الهدية إلى سليمان عليه السلام ميَّز بين الوصفاء والوصائف مِن قِبَل الوضوء، وذلك أنّه أمرهم بالوضوء، فكانت الجارية تَصُبُّ الماءَ على بطن ساعِدها، والغلام على ظهر ساعده، فميَّز بين الوصفاء والوصائف، وحرَّك الحُقَّة، وجاء جبريل عليه السلام فأخبره بما فيها، فقيل له: أدخِل في المثقوبة خيطًا مِن غير حيلة إنس ولا جانٍّ، واثقب الأخرى مِن غير حيلة إنس ولا جانٍّ. وكانت الجوهرة المثقوبة معوجة، فأتته دودةٌ تكون في الفصفصة -وهي الرطبة-، فربط في مُؤَخَّرها خيطًا، فدخلت الجوهرة حتى أنفذت الخيط إلى الجانب الآخر، فجعل رزقها في الفصفصة، وجاءت الأرَضَةُ، فقالت لسليمان: اجعل رزقي في الخشب والسقوف والبيوت. قال: نعم. فثقبت الجوهرةَ، فهذه حيلةٌ مِن غير إنس ولا جان، وسألوه ماءً لم ينزل من السماء، ولم يخرج من الأرض، فأمر بالخيل فأجريت حتى عرقت، فجمع العرق في شيء حتى صفا، وجعله في قداح الزجاج، فعجب الوفد مِن علمه، وجاء جبريل عليه السلام، فأخبره بما في الحُقَّة، فأخبرهم سليمان بما فيها، ثم رد سليمان الهدية، ﴿فلما جاء سليمان﴾ قال للوفد: ﴿أتمدونن بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم﴾
عن الزبير بن العوام أنّه خاصم رجلًا من الأنصار قد شهد بدرًا مع رسول الله ﷺ، في شِراجٍ من الحَرَّة كانا يسقيان به كلاهما النخلَ، فقال الأنصاريُّ: سَرِّحِ الماءَ يَمُرّ. فأبى عليه، فقال رسول الله ﷺ: «اسقِ، يا زبيرُ، ثم أرسل الماءَ إلى جارك». فغضِب الأنصاريُّ، وقال: يا رسول الله، أن كان ابنَ عمَّتِك؟ فتلوَّن وجهُ رسول الله ﷺ، ثُمَّ قال: «اسقِ، يا زبيرُ، ثُمَّ احبس الماءَ حتى يرجع إلى الجَدْر، ثم أرسل الماء إلى جارك». واسْتَرْعى رسول الله ﷺ للزبير حقَّه، وكان رسول الله ﷺ قبل ذلك أشار على الزُّبَيْر برأيٍ أراد فيه السَّعَةَ له وللأنصاري، فلمّا أحْفَظَ رسول الله ﷺ الأنصاريُّ اسْتَرْعى للزُّبَيْر حقَّه في صريح الحكم. فقال الزبير: ما أحسبُ هذه الآيةَ نزلت إلا في ذلك: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾ الآية