محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٦٥ من سورة النساء في ١١٩ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، و١٩ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٦٥ من سورة النساء

١١٩ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتّىَ يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمّ لاَ يَجِدُواْ فِيَ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مّمّا قَضَيْتَ وَيُسَلّمُواْ تَسْلِيماً﴾. .
يعني جلّ ثناؤه بقوله :﴿فلا﴾ فليس الأمر كما يزعمون أنهم يؤمنون بما أنزل إليك، وهم يتحاكمون إلى الطاغوت، ويصدّون عنك إذا دعو إليك يا محمد. واستأنف القسَمَ جلّ ذكره، فقال :﴿وَربّكَ﴾ يا محمد ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ أي لا يصدّقون بي وبك، وبما أنزل إليك، ﴿حَتّى يُحَكّمُوكَ فيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ يقول : حتى يجعلوك حكما بينهم فيما اختلط بينهم من أمورهم، فالتبس عليهم حكمه، يقال : شَجَرَ يشجُر شُجُورا وشَجْرا، وتشاجر القوم إذا اختلفوا في الكلام والأمر مشاجرة وشِجَارا ﴿ثُم لا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجا مما قَضَيْتَ﴾ يقول : لا يجدوا في أنفسهم ضيقا مما قضيت، وإنما معناه : ثم لا تحرج أنفسهم مما قضيت : أي لا تأثم بإنكارها ما قضيت وشكها في طاعتك وأن الذي قضيت به بينهم حق لا يجوز لهم خلافه. كما :
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد :﴿حَرَجا مما قَضَيْتَ﴾ قال : شكّا.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد في قوله :﴿حَرَجا مما قَضَيْتَ﴾ يقول : شَكّا.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
حدثنا يحيى بن أبي طالب، قال : أخبرنا يزيد، قال : أخبرنا جويبر، عن الضحاك، في قوله :﴿ثُمّ لا يَجِدُوا فِي أنْفُسهِمْ حَرَجا مِمّا قَضَيْتَ﴾ قال : إثما ﴿وَيُسَلّمُوا تَسْلِيما﴾ يقول : ويسلموا لقضائك وحكمك، إذعانا منهم بالطاعة، وإقرارا لك بالنبوّة تسليما.
واختلف أهل التأويل فيمن عني بهذه الآية وفيمن نزلت، فقال بعضهم : نزلت في الزبير بن العوّام وخصم له من الأنصار، اختصما إلى النبيّ ﷺ في بعض الأمور. ذكر الرواية بذلك :
حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني يونس والليث بن سعد، عن ابن شهاب، أن عروة بن الزبير حدثه، أن عبد الله بن الزبير حدثه، عن الزبير بن العوّام : أنه خاصم رجلاً من الأنصار قد شهد بدرا مع رسول الله ﷺ في شراج من الحرّة كانا يسقيان به كلاهما النخل، فقال الأنصاريّ : سرّح الماء يمرّ ! فأبي عليه، فقال رسول الله ﷺ :«اسْق يا زُبَيْرُ ثُمّ أرْسِل المَاءَ إلى جاركَ ! » فغضب الأنصاريّ وقال : يا رسول الله، أن كان ابن عمتك ؟ فتلوّن وجه رسول الله ﷺ، ثم قال :«اسْق يا زُبَيْرُ ثُمّ احْبِسِ المَاءَ حتى يَرْجِعَ إلى الجَدْرِ ثُمّ أرْسِلِ المَاءَ إلى جارِكَ ! » واستوعى رسول الله ﷺ للزبير حقه قال أبو جعفر : والصواب :«استوعب ». وكان رسول الله ﷺ قبل ذلك أشار على الزبير برأي أراد فيه الشفقة له وللأنصاريّ، فلما أحفظ رسول الله ﷺ الأنصاري استوعب للزبير حقه في صريح الحكم. قال : فقال الزبير : ما أحسب هذه الاَية نزلت إلا في ذلك :﴿فَلا وَرَبّكَ لا يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾. . . الاَية.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، قال : خاصم الزبير رجل من الأنصار في شرج من شراج الحرّة، فقال رسول الله ﷺ :«يا زُبَيْرُ، اشْرَبْ ثُمّ خَلّ سَبِيلَ المَاءِ ! » فقال الذي من الأنصار : اعدل يا نبيّ الله وإن كان ابن عمتك ! قال : فتغير وجه رسول الله ﷺ حتى عرف أن قد ساءه ما قال، ثم قال :«يا زُبَيْرُ احْبِس المَاءَ إلى الجُدُر أوْ إلى الكَعْبَيْن، ثُمّ خَلّ سَبِيلَ المَاء ! »، قال : ونزلت :﴿فَلا وَرَبّكَ لا يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾.
حدثني عبد الله بن عمير الرازي، قال : حدثنا عبد الله بن الزبير، قال : حدثنا سفيان، قال : حدثنا عمرو بن دينار، عن سلمة رجل من ولد أمّ سلمة، عن أمّ سلمة : أن الزبير خاصم رجلاً إلى النبيّ ﷺ، فقضى النبي ﷺ للزبير، فقال الرجل لما قضى للزبير : أن كان ابن عمتك ؟ فأنزل الله :﴿فَلا وَرَبّكَ لا يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمّ لا يَجِدُوا فِي أنْفُسهِمْ حَرَجا ممّا قَضَيْتَ وَيُسَلّمُوا تَسْلِيما﴾.
وقال آخرون : بل نزلت هذه الاَية في المنافق واليهودي اللذين وصف الله صفتهما في قوله :﴿ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ يَزْعُمُونَ أنّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قبلك يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ﴾. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله :﴿فَلا وَرَبّكَ لا يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمّ لا يَجِدُوا فِي أنْفُسِهِمْ حَرَجا مِمّا قَضَيْتَ وَيُسَلّمُوا تَسْلِيما﴾ قال : هذا الرجل اليهودي والرجل المسلم اللذان تحاكما إلى كعب بن الأشرف.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن علية، عن داود، عن الشعبي بنحوه، إلا أنه قال : إلى الكاهن.
قال أبو جعفر : وهذا القول أعني قول من قال : عني به المحتكمان إلى الطاغوت اللذان وصف الله شأنهما في قوله :﴿ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ يَزْعُمُونَ أنّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إلَيْكَ وَما أنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ أولى بالصواب، لأن قوله¹ ﴿فَلا وَرَبّكَ لا يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ في سياق قصة الذين ابتدأ اللّه الخبر عنهم بقوله :﴿ألَمْ تَرَ إلى الّذِينَ يَزْعُمُونَ أنّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾، ولا دلالة تدلّ على انقطاع قصتهم، فإلحاق بعض ذلك ببعض ما لم تأت دلالة على انقطاعه أَوْلَى.
فإن ظنّ ظانّ أن في الذي رُوي عن الزبير وابن الزبير من قصته وقصة الأنصاري في شراج الحرّة، وقول من قال في خبرهما، فنزلت :﴿فَلا ورَبّكَ لا يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ ما ينبئ عن انقطاع حكم هذه الاَية وقصتها من قصة الآيات قبلها، فإنه غير مستحيل أن تكون الاَية نزلت في حصة المحتكمين إلى الطاغوت، ويكون فيها بيان ما احتكم فيه الزبير وصاحبه الأنصاريّ، إذ كانت الاَية دالة على ذك. وإذ كان ذلك غير مستحيل، كان إلحاق معنى بعض ذلك ببعض أولى ما دام الكلام متسقة معانيه على سياق واحد، إلا أن تأتي دلالة على انقطاع بعض ذلك من بعض، فيعدل به عن معنى ما قبله. وأما قوله :﴿وَيُسَلّمُوا﴾ فإنه منصوب عطفا على قوله :﴿ثُمّ لا يَجِدُوا فِي أنْفُسِهِمْ﴾. قوله :﴿ثُمّ لا يَجِدُوا فِي أنْفُسِهِمْ﴾ نصب عطفا على قوله :﴿حتى يُحكّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهمْ﴾.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القول في تأويل قوله: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"فلا" فليس الأمر كما يزعمون: أنهم يؤمنون بما أنزل إليك، وهم يتحاكمون إلى الطاغوت، ويصدّون عنك إذا دعوا إليك يا محمد = واستأنف القسم جل ذكره فقال:"وربك"، يا محمد ="لا يؤمنون"، أي: لا يصدقون بي وبك وبما أنزل إليك ="حتى يحكموك فيما شجر بينهم"، يقول: حتى يجعلوك حكمًا بينهم فيما اختلط بينهم من أمورهم، فالتبس عليهم حكمه. يقال:"شجَر يشجُر شُجورًا وشَجْرًا"، و"تشاجر القوم"، إذا اختلفوا في الكلام والأمر،"مشاجرة وشِجارًا".
* * *
="ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت"، يقول: لا يجدوا في أنفسهم ضيقًا مما قضيت. وإنما معناه: ثم لا تحرَج أنفسهم مما قضيت = أي: لا تأثم بإنكارها ما قضيتَ، وشكّها في طاعتك، وأن الذي قضيت به بينهم حقٌّ لا يجوز لهم خلافه، كما:-
٩٩٠٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"حرجًا مما قضيت"، قال: شكًّا.
٩٩٠٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد في قوله:"حرجًا مما قضيت"، يقول: شكًّا.
٩٩١٠ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
٩٩١١ - حدثنا يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله:"ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت"، قال: إثمًا ="ويسلموا تسليما"، يقول: ويسلّموا لقضائك وحكمك، إذعانًا منهم بالطاعة، وإقرارًا لك بالنبوة تسليمًا.
* * *
واختلف أهل التأويل فيمن عنى بهذه الآية، وفيمن نزلت؟
فقال بعضهم: نزلت في الزبير بن العَوَّام وخصم له من الأنصار، اختصما إلى النبي ﷺ في بعض الأمور.
ذكر الرواية بذلك:
٩٩١٢ - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني يونس والليث بن سعد، عن ابن شهاب، أن عروة بن الزبير حدَّثه: أن عبد الله بن الزبير حدثه، عن الزبير بن العوام: أنه خاصم رجلا من الأنصار قد شهد بدرًا مع رسول الله ﷺ في شِرَاج من الحرّة كانا يسقيان به كَلأهما النخل، (١) فقال الأنصاري: سَرِّح الماء يمرّ! (٢) فأبى عليه، فقال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم: اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك. فغضب الأنصاري وقال: يا رسول الله، أنْ كان ابن عمتك؟ (٣) فتلوّن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم،
(١) "الشراج" (بكسر الشين) جمع"شرج" (بفتح فسكون)، وهو مسيل الماء من الحرة إلى السهل. و"الحرة" موضع معروف بالمدينة، وهي أرض ذات حجارة سود نخرة، كأنما أحرقت بالنار. و"الكلأ" هو العشب ترعاه الأنعام. وكان في المطبوعة: "كلاهما" بغير همز، وهو خطأ يوهم.
(٢) قوله: "سرح الماء"، أي أطلقه، لأن الماء كان يمر على أرض الزبير قبل أرض الأنصاري، فكان يحبسه حتى يسقي أرضه.
(٣) قوله: "أن كان... "، "أن" (بفتح الألف وسكون النون)، التعليل، يقول أمن أجل أنه ابن عمتك؟ وأم الزبير هي: صفية بنت عبد المطلب، عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم قال: اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدْر، (١) ثم أرسل الماء إلى جارك. واستوعَى رسول الله ﷺ للزبير حقه = قال أبو جعفر: والصواب:"استوعب" (٢) = وكان رسول الله ﷺ قبل ذلك أشار على الزبير برأي أراد فيه الشفقة له وللأنصاري. فلما أحفظَ رسولَ الله ﷺ الأنصاريُّ، (٣) استوعب للزبير حقه في صريح الحكم = قال فقال الزبير: ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في ذلك:"فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم"، الآية. (٤)
٩٩١٣ - حدثني يعقوب قال، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري عن عروة، قال: خاصم الزبير رجل من الأنصار في شَرْج من شِراج الحَرَّة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا زبير، أَشْرِب، ثم خلِّ سبيل الماء. فقال الذي من الأنصار من بني أمية: (٥) اعدل يا نبيَّ الله، وإن كان ابن عمتك! قال: فتغيَّر وجه رسول الله ﷺ حتى عُرف
(١) "الجدر" (بفتح الجيم وسكون الدال)، وهي الحواجز التي تحبس الماء.
(٢) الظاهر أن قول أبي جعفر: "والصواب: استوعب"، إنما عنى به صواب الرواية في هذا الخبر بهذا الإسناد، ولا أظن أبا جعفر ينكر"استوعى" أن تكون صحيحة، فإن"استوعى" بمعنى: استوعب الحق واستوفاه، عربي صحيح لا شك فيه.
(٣) "أحفظه" أغضبه.
(٤) الحديث: ٩٩١٢ - سياق هذا الإسناد ظاهره أنه من حديث"الزبير بن العوام" - لقوله"أن عبد الله بن الزبير حدثه عن الزبير بن العوام". ويحتمل أن يكون من حديث"عبد الله بن الزبير" حكاية عن القصة. وقد جاء الحديث بسياقات أخر، بعضها ظاهره أنه من حديث عروة بن الزبير - يحكي القصة، فيكون ظاهره الإرسال. وبعضها ظاهره أنه من رواية عروة عن أبيه الزبير، كما سيأتي:
فرواه ابن أبي حاتم - فيما نقل عنه ابن كثير ٢: ٥٠٣ - بإسناد الطبري هذا: عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، به.
وكذلك رواه ابن الجارود في المنتقى، ص: ٤٥٣، عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن ابن وهب.
وكذلك رواه الإسماعيلي، فيما نقله عند الحافظ في الفتح ٥: ٢٦.
ورواه النسائي ٢: ٣٠٨ - ٣٠٩، كرواية الطبري هذه. ولكن عن شيخين: يونس بن عبد الأعلى والحارث بن مسكين - كلاهما عن ابن وهب، بهذا الإسناد - وعند هؤلاء جميعًا - كما هنا: "أن عبد الله بن الزبير حدثه عن الزبير بن العوام".
ورواه أحمد في المسند: ١٦١٨٥ (ج٤ ص٤ - ٥ حلبي)، في مسند عبد الله بن الزبير - عن هاشم بن القاسم، عن الليث، عن ابن شهاب، "عن عروة بن الزبير، عن عبد الله بن الزبير، قال: خاصم رجل من الأنصار الزبير"، إلخ.
وبنحو ذلك رواه البخاري ٥: ٢٦ - ٢٨، ومسلم ٢: ٢٢١، وأبو داود: ٣٦٣٧، والترمذي ٢: ٢٨٩ - ٢٩٠، وابن ماجه: ٢٤٨٠، وابن حبان في صحيحه: ٢٣ (بتحقيقنا) - كلهم من طريق الليث بن سعد، عن الزهري، عن عروة، عن عبد الله بن الزبير، حكاية للقصة. وفي بعض ألفاظهم: "عن عروة: أن عبد الله بن الزبير حدثه". وظاهر هذه الأسانيد أنه من حديث"عبد الله بن الزبير" - حكاية للقصة، ليس فيها التصريح بروايته عن أبيه الزبير بن العوام.
وقال البخاري عقب هذه الرواية: "ليس أحد يذكر: عروة عن عبد الله - إلا الليث فقط".
وقد تعقبه الحافظ ابن حجر برواية"النسائي وغيره" - المطابقة لرواية الطبري هنا وابن الجارود وابن أبي حاتم - أن يونس بن يزيد الأيلي ذكر فيه"عن عبد الله بن الزبير"، كما ذكره الليث. بل زاد ابن وهب في روايته هذه عن يونس والليث: أنه"عن عبد الله بن الزبير، عن أبيه الزبير بن العوام".
ورواه أحمد في المسند: ١٤١٩، عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، قال، "أخبرني عروة بن الزبير: أن الزبير كان يحدث أنه خاصم رجلا من الأنصار" - إلخ.
وكذلك رواه البخاري ٥: ٢٢٧ (فتح)، عن أبي اليمان، بهذا الإسناد، كرواية أحمد.
فهذه الرواية ظاهرها أن عروة يروي الحديث فيها عن أبيه الزبير بن العوام مباشرة.
وقد نقل ابن كثير ٢: ٥٠٢ - ٥٠٣ هذه الرواية عن المسند. ثم قال: "هكذا رواه الإمام أحمد، وهو منقطع بين عروة وبين أبيه الزبير، فإنه لم يسمع منه. والذي يقطع به أنه سمعه من أخيه عبد الله".
وقد تعقبته في شرح المسند: ١٤١٩ فقلت: إن الحديث حديث الزبير، ولا يبعد أن يكون سمعه منه أبناه عبد الله وعروة، وأن يكون عروة سمعه أيضًا من أخيه عبد الله، أو ثبته عبد الله فيه. وأما ادعاء أن عروة لم يسمع من أبيه فالأدلة تنقضه، فإنه كان مراهقًا أو بالغًا عند مقتل أبيه، كانت سنه ١٣ سنة. وفي التهذيب ٧: ١٨٥: "قال مسلم بن الحجاج في كتاب التمييز: حج عروة مع عثمان، وحفظ عن أبيه فمن دونهما من الصحابة".
وأزيد هنا أن البخاري صرح في ترجمة"عروة" في التاريخ الكبير ٤ / ١ / ٣١ بسماعه من أبيه، فقال: "سمع أباه وعائشة وعبد الله بن عمر". وأن الإمام أحمد روى حديثًا آخر قبله: ١٤١٨، من طريق هشام بن عروة، "عن عروة، قال: أخبرني أبي الزبير" - وإسناده صحيح، وفيه التصريح بسماع عروة من أبيه، وأن الحافظ في الفتح ٥: ٢٦ قال: "وإنما صححه البخاري - مع هذا الاختلاف - اعتمادًا على صحة سماع عروة من أبيه".
ورواه عروة أيضًا من عند نفسه، حكاية للقصة، دون أن يذكر أنه عن أخيه أو عن أبيه - فيكون ظاهره أنه حديث مرسل، كما في الرواية الآتية عقب هذه، وسيأتي باقي الكلام هناك.
(٥) في المطبوعة: حذف قوله: "من بني أمية"، كأنه ظن أن"بني أمية" هنا هم القرشيون!! و"بنو أمية" هنا: هم بنو أمية بن زيد بن قيس بن عامر بن مرة بن مالك بن الأوس.
أن قد ساءه ما قال، ثم قال: يا زبير، احبس الماء إلى الجدْرِ = أو: إلى الكعبين = ثم خل سبيل الماء. قال: ونزلت:"فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم". (١)
٩٩١٤ - حدثني عبد الله بن عمير الرازي قال، حدثنا عبد الله بن الزبير قال، حدثنا سفيان قال، حدثنا عمرو بن دينار، عن سلمة رجلٍ من ولد أم سلمة، عن أم سلمة: أن الزبير خاصم رجلا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقضى النبي ﷺ للزبير، فقال الرجل لما قضى للزبير: أن كان ابن عمتك! فأنزل الله:"فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم
(١) الحديث: ٩٩١٣ - إسماعيل بن إبراهيم: هو ابن علية.
عبد الرحمن بن إسحاق بن عبد الله بن الحارث بن كنانة: ثقة، وثقه ابن معين والبخاري وغيرهما. وأخرج له مسلم في صحيحه. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٢ / ٢ / ٢١٢ - ٢١٣.
وهذا الحديث صورته صورة الإرسال، كما أشرنا في الحديث قبله. لأن عروة بن الزبير - وهو تابعي - يحكي القصة، دون أن يذكر روايته إياها عن أبيه أو عن أخيه.
وكذلك رواه يحيى بن آدم في كتاب الخراج، رقم: ٣٣٧ (بتحقيقنا)، عن ابن علية، كرواية الطبري هذه.
وبهذه الصورة - صورة الإرسال - رواه البخاري ٥: ٢٩ (فتح)، من طريق معمر، عن الزهري، عن عروة، قال: "خاصم الزبير رجلا". - إلخ. وكذلك رواه مرة أخرى ٨: ١٩١، من طريق معمر.
وكذلك رواه ٥: ٣٠، من طريق ابن جريج، عن الزهري - على صوره الإرسال.
وأشار الحافظ في الفتح ٥: ٢٦ إلى روايات أخر عن الزهري توافق روايتي معمر وابن جريج على روايته بصورة الحديث المرسل.
والراجح عندي أن عروة سمع الحديث من أبيه مع أخيه عبد الله، ولعله لم يتثبت من حفظه تمامًا لصغر سنه، فسمعه مرة أخرى من أخيه. فحدث به على تارات: يذكر أنه عن أخيه عن أبيه. أو يذكر أنه عن أبيه مباشرة. أو يرسل القصة إرسالا دون ذكر واحد منهما لثقته بسماعها واطمئنانه.
ولذلك أخرج البخاري في صحيحه الرواية التي صورتها صورة الإرسال في موضعين، توثيقًا منه لثبوته موصولا. وأريد الحافظ في الفتح ٥: ٢٦ صنيع البخاري هذا بقوله: "ثم الحديث ورد في شيء يتعلق بالزبير، فداعية ولده متوفرة على ضبطه".
والحديث - في أصله - ذكره السيوطي ٢: ١٨٠، وزاد نسبته لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والبيهقي.
لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا". (١)
* * *
وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية في المنافق واليهوديّ اللذين وصف الله صفتهما في قوله:"ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت".
*ذكر من قال ذلك:
٩٩١٥ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليما"، قال: هذا الرجل اليهوديُّ والرجل المسلم اللذان تحاكما إلى كعب بن الأشرف.
(١) الحديث: ٩٩١٤ - عبد الله بن عمير الرازي - شيخ الطبري: لم أجد له ترجمة ولا ذكرًا في شيء من المراجع.
عبد الله بن الزبير بن عيسى الأسدي: هو الحميدي الإمام الثقة المشهور، من شيوخ البخاري. قال أبو حاتم: "هو أثبت الناس في ابن عيينة، وهو رئيس أصحابه، وهو ثقة إمام". مات سنة ٢١٩.
سفيان: هو ابن عيينة.
"سلمة رجل من ولد أم سلمة": هو"سلمة بن عبد الله بن عمر بن أبي سلمة". مضت ترجمته في: ٨٣٦٨، ٨٣٦٩.
وهذا الحديث فيه القصة السابقة التي رواها عروة بن الزبير.
وقد أشار إليه الحافظ في الفتح ٥: ٢٦، قال: "وقد جاءت هذه القصة من وجه آخر، أخرجها الطبري والطبراني، من حديث أم سلمة".
وقد ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (ج٧ ص٤) بنحوه. وقال: "رواه الطبراني، وفيه يعقوب بن حميد، وثقه ابن حبان، وضعفه غيره".
وليس"يعقوب بن حميد" في هذا الإسناد - إسناد الطبري - فهو وجه آخر.
وقد ذكره ابن كثير ٢: ٥٠٣ - ٥٠٤ من كتاب ابن مردويه، من طريق الفضل بن دكين، عن ابن عيينة، بهذا الإسناد. ولكن فيه: "عن رجل من آل أبي سلمة، قال: خاصم الزبير رجلا" - إلخ. فلم يذكر فيه"عن أم سلمة".
وذكره السيوطي ٢: ١٨٠، وزاد نسبته للحميدي - وهو الوجه الذي في الطبري هنا - وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر.
٩٩١٦ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
٩٩١٧ - حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن داود، عن الشعبي، بنحوه = إلا أنه قال: إلى الكاهن. (١)
* * *
قال أبو جعفر: وهذا القول = أعني قول من قال: عني به المحتكمان إلى الطاغوت اللذان وصف الله شأنهما في قوله:"ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك" = أولى بالصواب، لأن قوله:"فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم" في سياق قصة الذين ابتدأ الله الخبر عنهم بقوله: (٢) "ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك"، ولا دلالة تدل على انقطاع قصتهم، فإلحاق بعض ذلك ببعض = ما"لم تأت دلالة على انقطاعه = أولى.
* * *
فإن ظن ظانٌّ أن في الذي روي عن الزبير وابن الزبير من قصته وقصة الأنصاري في شِراج الحرة، وقولِ من قال في خبرهما:"فنزلت فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم" = ما ينبئ عن انقطاع حكم هذه الآية وقصتها من قصة الآيات قبلها، فإنه غير مستحيل أن تكون الآية نزلت في قصة المحتكمين إلى الطاغوت، (٣) ويكون فيها بيان ما احتكم فيه الزبير وصاحبه الأنصاري، إذ كانت الآية دلالة دالة (٤) وإذ كان ذلك غير مستحيل، كان إلحاق معنى
(١) وهناك قول آخر ذكر الطبري فيما سلف، دليله في الأثر رقم: ٥٨١٩، أن الآية نزلت في رجل من الأنصار يقال له أبو الحصين، كان له ابنان فتنصرا. وقد بينت آنفًا في ٥: ٤١٠، تعليق: ٤، أن هذا من الأدلة على اختصار أبي جعفر تفسيره هذا.
(٢) في المطبوعة: "الذين أسدى الله الخبر عنهم"، وهو كلام خلو من كل معنى، أوقعه فيه أنه لم يحسن قراءة المخطوطة، ولم يعرف قط قاعدة ناسخها، فإنه يكتب"ابتدأ" هكذا: "ابتدى" غير منقوطة.
(٣) في المطبوعة: "في حصة المحتكمين"، وهو خطأ في الطباعة.
(٤) في المطبوعة: "إذ كانت الآية دالة على ذلك"، وأثبت ما في المخطوطة وهو صواب.
بعض ذلك ببعضٍ، أولى، ما دام الكلام متسقة معانيه على سياق واحد، إلا أن تأتي دلالة على انقطاع بعض ذلك من بعض، فيُعْدَل به عن معنى ما قبله.
* * *
وأما قوله:"ويسلموا"، فإنه منصوب عطفًا، على قوله:"ثم لا يجدوا في أنفسهم" = وقوله:"ثم لا يجدوا في أنفسهم"، نصبٌ عطفًا على قوله:"حتى يحكموك فيما شجر بينهم".
* * *

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
وقوله :﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة : أنه لا يؤمن أحد حتى يُحَكم الرسول ﷺ في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطنا وظاهرا ؛ ولهذا قال :﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أي : إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجا مما حكمت به، وينقادون له في الظاهر والباطن فيسلمون لذلك تسليما كليا من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة، كما ورد في الحديث :" والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ".
وقال البخاري : حدثنا علي بن عبد الله حدثنا محمد بن جعفر، أخبرنا مَعْمَر، عن الزهري، عن عُرْوَة قال : خاصم الزبير رجلا(١) في شُرَيج(٢) من الحَرَّة، فقال النبي ﷺ :" اسق يا زُبير ثم أرْسل الماء إلى جارك " فقال الأنصاري : يا رسول الله، أنْ كان ابن عمتك ؟(٣) فَتَلَوَّن وجه رسول الله ﷺ ثم قال :" اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدْر، ثم أرسل الماء إلى جارك " واستوعى النبي ﷺ للزبير حَقّه في صريح الحكم، حين أحفظه الأنصاري، وكان أشار عليهما بأمر لهما فيه سعة. قال الزبير : فما أحسب هذه الآية إلا نزلت في ذلك :﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية.
وهكذا رواه البخاري هاهنا أعني في كتاب :" التفسير " من صحيحه من حديث معمر : وفي كتاب :" الشرب " من حديث ابن جُرَيْج ومعمر أيضا، وفي كتاب :" الصلح " من حديث شعيب بن أبي حمزة، ثلاثتهم عن الزهري عن عروة، فذكره(٤) وصورته صورة الإرسال، وهو متصل في المعنى.
وقد رواه الإمام أحمد من هذا الوجه فصرح بالإرسال فقال : حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، أخبرني عروة بن الزبير : أن الزبير كان يحدث : أنه كان يخاصم رجلا من الأنصار قد شهد بدرا إلى النبي ﷺ في شراج الحرة، كانا يسقيان بها كلاهما، فقال النبي ﷺ للزبير :" اسق ثم أرسل إلى جارك " فغضب الأنصاري وقال : يا رسول الله، أن كان ابن عمتك ؟(٥) فتلوّن وجه رسول الله ﷺ ثم قال :" اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجَدْر " فاستوعى النبي ﷺ للزبير حقه وكان النبي ﷺ قبل ذلك أشار على الزبير برأي أراد فيه سعة له وللأنصاري، فلما أحفظ(٦) الأنصاري رسول الله ﷺ استوعى النبي ﷺ للزبير حقه في صريح الحكم، قال عروة : فقال الزبير : والله ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في ذلك :﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾
هكذا رواه الإمام أحمد(٧) وهو منقطع بين عروة وبين أبيه الزبير ؛ فإنه لم يسمع منه، والذي يقطع به أنه سمعه من أخيه عبد الله، فإن أبا محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم رواه كذلك في تفسيره فقال :
حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، حدثنا الليث ويونس، عن ابن شهاب، أن عروة بن الزبير حدثه أن عبد الله بن الزبير حدثه عن الزبير بن العوام : أنه خاصم رجلا من الأنصار قد شهد بدرا مع رسول الله ﷺ إلى رسول الله ﷺ في شراج في الحَرة، كانا يسقيان به كلاهما النخل، فقال الأنصاري : سَرِّح الماء يَمُر. فأبى عليه الزبير، فقال رسول الله ﷺ :" اسق يا زبير ثم أرسل إلى جارك " فغضب الأنصاري وقال : يا رسول الله، أن كان ابن عَمَّتك ؟ فتلوَّن وجه رسول الله ﷺ ثم قال :" اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجَدْر " واستوعى رسولُ الله ﷺ للزبير حَقّه وكان رسول الله ﷺ قبل ذلك أشار على الزبير برأي أراد فيه السعة له وللأنصاري، فلما أحفظ(٨) الأنصاري رسولَ الله ﷺ استوعى للزبير حقه في صريح الحكم فقال الزبير : ما أحسب هذه الآية إلا في ذلك :﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يَؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾
وهكذا رواه النسائي من حديث ابن وهب، به(٩) ورواه أحمد والجماعة كلهم من حديث الليث، به(١٠) وجعله أصحاب الأطراف في مسند عبد الله بن الزبير، وكذا ساقه الإمام أحمد في مسند عبد الله بن الزبير، والله أعلم. والعجب كل العجب من الحاكم أبي عبد الله النيسابوري، فإنه روى هذا الحديث من طريق ابن أخي ابن شهاب، عن عمه، عن عروة، عن عبد الله بن الزبير، عن الزبير فذكره، ثم قال : صحيح الإسناد ولم يخرجاه. فإني لا أعلم أحدا قام بهذا الإسناد عن الزهري يذكر عبد الله بن الزبير، غير ابن أخيه، وهو عنه ضعيف. (١١)
وقال الحافظ أبو بكر بن مَرْدُوَيه : حدثنا محمد بن علي أبو دُحَيم، حدثنا أحمد بن حازم، حدثنا الفضل بن دُكَين، حدثنا ابن عُيَيْنة، عن عمرو بن دينار، عن سلمة - رجل من آل أبي سلمة - قال : خاصم الزبير رجلا إلى النبي ﷺ فقضى للزبير، فقال الرجل : إنما قضى له لأنه ابن عمته. فنزلت :﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ الآية(١٢).
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا أبو حيوة، حدثنا سعيد بن عبد العزيز، عن الزُّهري، عن سعيد بن المسيب في قوله :﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ [ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ ](١٣) [ الآية ](١٤) قال : نزلت في الزبير بن العوام، وحاطب بن أبي بلتعة. اختصما في ماء، فقضى النبي ﷺ أن يسقي الأعلى ثم الأسفل. هذا مرسل ولكن فيه فائدة تسمية الأنصاري(١٥).
ذكر سبب آخر غريب جدا :
قال ابن أبي حاتم : حدثنا يونس بن عبد الأعلى قراءة، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عبد الله بن لَهِيعة، عن أبي الأسود قال : اختصم رجلان إلى رسول الله ﷺ فقضى بينهما، فقال الذي قضى عليه : ردنا إلى عمر بن الخطاب فقال رسول الله ﷺ :" انطلقا(١٦) إليه " فلما أتيا إليه قال الرجل : يا ابن الخطاب، قضى لي رسول الله ﷺ على هذا، فقال : ردنا إلى عمر. فردنا إليك. فقال : أكذاك ؟ فقال : نعم فقال عمر : مَكَانَكُمَا حتى أخرج إليكما فأقضي بينكما. فخرج إليهما مشتملا على سيفه، فضرب الذي قال رُدَّنا إلى عمر فقتله، وأدبر الآخر فارا إلى رسول الله ﷺ فقال : يا رسول الله قتل عُمَر والله صاحبي، ولولا أني أعجزتُه لقتلني، فقال رسول الله ﷺ :" ما كنت أظن أن يجترئ عُمَر على قتل مؤمن " فأنزل الله :﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾(١٧) الآية، فهدر دم ذلك الرجل، وبرئ عمر من قتله، فكره الله أن يسن ذلك بعد، فقال :﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: ٦٦].
وكذا رواه ابن مَرْدُويه من طريق ابن لَهِيعة، عن أبي الأسود به.
وهو أثر غريب، وهو مرسل، وابن لهيعة ضعيف(١٨) والله أعلم.
طريق أخرى : قال الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن دُحَيْم في تفسيره : حدثنا شُعَيب بن شعيب حدثنا أبو المغيرة، حدثنا عتبة بن ضَمْرَة، حدثني أبي : أن رجلين اختصما إلى النبي ﷺ فقضى للمحق على المبطل، فقال المقضيّ عليه : لا أرضى. فقال صاحبه : فما تريد ؟ قال : أن نذهب إلى أبي بكر الصديق، فذهبا إليه، فقال الذي قُضي له : قد اختصمنا إلى النبي ﷺ فقضى لي(١٩) فقال أبو بكر : فأنتما على ما قضى به النبي ﷺ فأبى صاحبه أن يرضى، قال : نأتي عمر بن الخطاب، فأتياه، فقال المقضى له : قد اختصمنا إلى النبي ﷺ، فقضى لي عليه، فأبى أن يرضى، [ ثم أتينا أبا بكر، فقال : أنتما على ما قضى به رسول الله ﷺ، فأبى أن يرضى ](٢٠) فسأله عمر، فقال : كذلك، فدخل عمر منزله وخرج والسيف في يده قدْ سَلَّه، فضرب به رأس الذي أبى أن يرضى، فقتله، فأنزل الله :﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [ إلى آخر ](٢١) الآية(٢٢).
١ في أ: "رجلا من الأنصار"..
٢ في ر: "شريح"..
٣ في أ: "عمك"..
٤ صحيح البخاري برقم (٤٥٨٥)، (٢٣٦١)، (٢٣٦٢)، (٢٧٠٨)..
٥ في أ: "عمك".
.

٦ في ر: "أخفظ"..
٧ المسند (١/١٦٥)..
٨ في ر: "أخفظ"..
٩ سنن النسائي (٨/٢٣٨)..
١٠ المسند (٤/٤)، وصحيح البخاري برقم (٢٣٥٩)، وصحيح مسلم برقم (٢٣٥٧)، وسنن أبي داود برقم (٣٦٣٧)، وسنن الترمذي برقم (١٣٦٣)، وسنن النسائي (٨/٢٤٥)، وسنن ابن ماجة برقم (١٥)..
١١ المستدرك (٣/٣٦٤)..
١٢ ورواه الحميدي في مسنده برقم (٣٠٠)، وسعيد بن منصور في سننه برقم (٦٦٠) من طريق سفيان بن عيينة به مرسلا..
١٣ زيادة من أ..
١٤ زيادة من ر، أ..
١٥ ذكره السيوطي في الدر (٢/٥٨٤)..
١٦ في ر، أ: "نعم انطلقا"..
١٧ في ر، أ جاءت الآية تامة..
١٨ ذكره السيوطي في الدر (٢/٥٨٥)..
١٩ في أ: "عليه".
.

٢٠ زيادة من أ، ر..
٢١ زيادة من أ، ر..
٢٢ وذكره المؤلف ابن كثير في مسند عمر بن الخطاب.
.

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
ثم أقسم تعالى بنفسه الكريمة أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا رسوله فيما شجر بينهم، أي : في كل شيء يحصل فيه اختلاف، بخلاف مسائل الإجماع، فإنها لا تكون إلا مستندة للكتاب والسنة، ثم لا يكفي هذا التحكيم حتى ينتفي الحرج من قلوبهم والضيق، وكونهم يحكمونه على وجه الإغماض، ثم لا يكفي ذلك(١)  حتى يسلموا لحكمه تسليمًا بانشراح صدر، وطمأنينة نفس، وانقياد بالظاهر والباطن.
فالتحكيم في مقام الإسلام، وانتفاء الحرج في مقام الإيمان، والتسليم في مقام الإحسان. فمَن استكمل هذه المراتب وكملها، فقد استكمل مراتب الدين كلها. فمَن ترك هذا التحكيم المذكور غير ملتزم له فهو كافر، ومَن تركه، مع التزامه فله حكم أمثاله من العاصين.
١ - في ب: هذا التحكيم..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
﴿٦٤، ٦٥﴾ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا * فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
يخبر تعالى خبرا في ضمنه الأمر والحث على طاعة الرسول والانقياد له. وأن الغاية من إرسال الرسل أن يكونوا مطاعين ينقاد لهم المرسلُ إليهم في جميع ما أمروا به ونهوا عنه، وأن يكونوا معظمين تعظيم المطيع (١) للمطاع.
وفي هذا إثبات عصمة الرسل فيما يبلغونه عن الله، وفيما يأمرون به وينهون عنه؛ لأن الله أمر بطاعتهم مطلقا، فلولا أنهم معصومون لا يشرعون ما هو خطأ، لما أمر بذلك مطلقا.
وقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: الطاعة من المطيع صادرة بقضاء الله وقدره. ففيه إثبات القضاء والقدر، والحث على الاستعانة بالله، وبيان أنه لا يمكن الإنسان -إن لم يعنه الله- أن يطيع الرسول.
ثم أخبر عن كرمه العظيم وجوده، ودعوته لمن اقترفوا السيئات أن يعترفوا ويتوبوا ويستغفروا الله فقال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ أي: معترفين بذنوبهم باخعين بها. -[١٨٥]-
﴿فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ أي: لتاب عليهم بمغفرته ظلْمَهم، ورحمهم بقبول التوبة والتوفيق لها والثواب عليها، وهذا المجيء إلى الرسول ﷺ مختص بحياته؛ لأن السياق يدل على ذلك لكون الاستغفار من الرسول لا يكون إلا في حياته، وأما بعد موته فإنه لا يطلب منه شيء بل ذلك شرك.
ثم أقسم تعالى بنفسه الكريمة أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا رسوله فيما شجر بينهم، أي: في كل شيء يحصل فيه اختلاف، بخلاف مسائل الإجماع، فإنها لا تكون إلا مستندة للكتاب والسنة، ثم لا يكفي هذا التحكيم حتى ينتفي الحرج من قلوبهم والضيق، وكونهم يحكمونه على وجه الإغماض، ثم لا يكفي ذلك (٢) حتى يسلموا لحكمه تسليمًا بانشراح صدر، وطمأنينة نفس، وانقياد بالظاهر والباطن.
فالتحكيم في مقام الإسلام، وانتفاء الحرج في مقام الإيمان، والتسليم في مقام الإحسان. فمَن استكمل هذه المراتب وكملها، فقد استكمل مراتب الدين كلها. فمَن ترك هذا التحكيم المذكور غير ملتزم له فهو كافر، ومَن تركه، مع التزامه فله حكم أمثاله من العاصين.
(١) في النسختين: تعظيم المطاع للمطيع، وهو سبق قلم، وقد عدلت في ب عن طريق المطبعة السلفية إلى تعظيم المطاع من المطيع.
(٢) في ب: هذا التحكيم.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١١٩ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير الشافعي — الشافعي مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة معاني القرآن — الأخفش غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري تفسير النسائي — النسائي معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن المنذر — ابن المنذر تفسير ابن المنذر — ابن المنذر تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي آراء ابن حزم الظاهري في التفسير — ابن حزم تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني تفسير الراغب الأصفهاني — الراغب الأصفهاني جهود الإمام الغزالي في التفسير — أبو حامد الغزالي معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام جهود القرافي في التفسير — القرافي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب أضواء البيان — محمد الأمين الشنقيطي تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
حَرَجًا
ضِيقًا.

إعراب الآية ٦٥ من سورة النساء

من كتاب: إعراب القرآن

تقول: أحمق بلغ وبلغ أي نهاية في الحماقة، وقيل: معناه يبلغ ما يريد وإن كان أحمق.

[سورة النساء (٤) : آية ٦٤]

وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً (٦٤)
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ «من» زائدة للتوكيد. وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ «أنّ» في موضع رفع أي لو وقع هذا لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً أي قابلا لتوبتهم وهما مفعولان لا غير.

[سورة النساء (٤) : آية ٦٥]

فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (٦٥)
فَلا وَرَبِّكَ خفض بواو القسم وهي بدل من الباء لمضارعتها إياها وجواب القسم لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ نصب بحتى وعلامة النصب حذف النون. وقرأ أبو السمّال.
فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ «١» بإسكان الجيم وهذا لحن عند الخليل وسيبويه «٢» لا تحذف الفتحة عندهم لخفّتها. ورواه عروة بن الزبير عن أخيه عبد الله عن أبيه قال: خاصمني رجل من الأنصار إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم في ماء كنّا نسقي منه جميعا فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم «اسق يا زبير ثم خلّ لجارك، فقال الأنصاريّ: يا رسول الله أن كان ابن عمّتك. فتلوّن وجه النبي صلّى الله عليه وسلّم» «٣». قال الزبير: ولا أحسب هذه الآية نزلت إلّا فيه فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ وبغير هذا الإسناد أن الأنصاري حاطب بن أب بلتعة.

[سورة النساء (٤) : آية ٦٦]

وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً (٦٦)
وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ضممت النون لالتقاء الساكنين واختير الضم لأن التاء مضمومة، وإن شئت كسرت على الأصل، وكذا أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ على البدل من الواو، وأهل الكوفة يقولون: على التكرير ما فعلوه ما فعله إلّا قليل منهم وقرأ عبد الله بن عامر وعيسى بن عمر ما فعلوه إلّا قليلا منهم نصبا «٤»
(١) انظر البحر المحيط ٣/ ٢٩٦، وقال: «وكأنه فرّ من توالي الحركات، وليس تعوي لخفّة الفتحة بخلاف الضمة والكسرة».
(٢) انظر الكتاب ٤/ ٢٣١.
(٣) أخرجه البخاري ٥/ ٣٤ في المساقاة باب سكر الأنهار (٣٣٥٩) و (٤٥٨٥)، ومسلم في الفضائل ٤/ ١٨٢٩، وذكره في البحر المحيط ٣/ ٢٩٦.
(٤) انظر تيسير الداني ٨٠.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ٦٥ من سورة النساء

من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي

قوله تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾. [٦٥].
نزلت في الزُّبَير بن العَوَّام وخصمه حاطِبِ بن أبي بَلْتَعَةَ، وقيل: هو ثعلبة بن حاطب.
أخبرنا أبو سعيد بن عبد الرحمن بن حمدان، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر بن مالك قال: حدَّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدَّثنِي أبي، قال: حدَّثنا أبو اليمان، قال: حدَّثنا شُعَيب عن الزُّهْري، قال: أخبرني عُرْوَةُ بن الزُّبير، عن أبيه:
أنه كان يحدث: أنه خاصم رجلاً من الأنصار قد شهد بدراً، إلى النبي صلى الله عليه وسلم، في شِرَاج الحَرَّة كانا يسقيان بها كِلاَهُما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للزُّبَيْر: اسْقِ ثم أرسل إلى جارك، فغضب الأنصاري وقال: يا رسول الله أنْ كان ابن عَمّتك! فتلوَّن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال للزبير: "اسق ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجُدُرِ" فاستوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير حقّه. وكان قبل ذلك اشار على الزبير برأي أراد فيه سعةً للأنصاري وله؛ فلما أحفظ الأنصاري رسول الله استوفى للزبير حقه في صريح الحكم.
قال عروة: قال الزبير: والله ما أحْسِبُ هذه الأية أنزلت إلا في ذلك: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً﴾ رواه البخاري عن علي بن عبد الله عن محمد بن جعفر عن مَعْمَرٍ، رواه مسلم عن قتيبة عن الليث؛ كلاهما عن الزُّهري.
أخبرنا أبو عبد الرحمن بن ابي حامد، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن محمد الحافظ، قال: حدَّثنا أبو أحمد محمد بن محمد بن الحسن الشيباني، قال: حدَّثنا أحمد بن حماد [بن] زُغْبَة، قال: حدَّثنا حامد بن يحيى بن هانئ البَلْخِي، قال: حدَّثنا سفيان، قال: حدَّثني عمرو بن دينار عن أبي سَلَمة، عن أم سَلَمة:
أن الزبير بن العوام خاصم رجلاً فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير، فقال الرجل: إنما قضى له أنه ابن عمته. فأنزل الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ الآية.

الموضوعات القرآنية للآية ٦٥ من سورة النساء

٤ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

١٩ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

٨ أقوال
١
عن الضحاك بن مُزاحِم، في قوله: ﴿حرجا﴾، قال: إثمًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٧‏/‏٢٠١، وابن المنذر (١٩٦٢). وأورده السيوطي دون أن ينسبه إلى الضحاك ٤‏/‏٥٢٥.
٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت﴾، يقول: لا يجدون في قلوبهم شكًّا مِمّا قضيتُ أنّه الحَقُّ١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٣٨٦.
٣
عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق جُوَيْبِر- في قوله: ﴿ويسلموا تسليما﴾، يقول: ويسلموا لقضائك وحُكْمِك، إذعانًا منهم بالطاعة، وإقرارًا لك بالنبوة تسليمًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٧‏/‏٢٠١.
٤
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ويسلموا﴾ لقضائك لهم وعليهم ﴿تسليما﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٣٨٦.
٥
عن عبد الله بن عباس: أنّ نافع بن الأزرق قال له: أخبِرني عن قوله عز وجل: ﴿فيما شجر بينهم﴾، قال: فيما أشكل عليهم. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت زُهَيْرًا وهو يقول: متى تَشْتَجِر قومٌ تَقل سرواتهم١ هم بيننا فهم رضا وهم عدل٢
التخريج
  1. ١وسرواتهم: جمع سراة، وهم الأشراف. ينظر النهاية ٢‏/‏٣٦٣.
  2. ٢أخرجه الطستي -كما في مسائل نافع بن الأزرق (٢٦٧)-.
٦
قال مقاتل بن سليمان: ﴿حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾، يعني: اختلفوا بينهم، يقول: لا يستحقون الإيمان حتى يرضوا بحكمك فيما اختلفوا فيه من شىء١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٣٨٦.
٧
عن أبي سعيد الخدري -من طريق ابن عباس-: أنّه نازع الأنصارَ في «الماء مِن الماء». فقال لهم: أرأيت لو أنِّي علمتُ أنّ ما تقولون كما تقولون، وأغتسل أنا. فقالوا له: لا واللهِ، حتى لا يكون في صدرك حرجٌ مِمّا قضى به رسول الله ﷺ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن المنذر (١٩٦٠).
٨
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجِيح- في قوله: ﴿حرجا﴾، قال: شكًّا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٧‏/‏٢٠١، وابن المنذر (١٩٦٤)، وابن أبي حاتم ٣‏/‏٩٩٥. وذكره عَبد بن حُمَيد كما في قطعة من تفسيره ص١٠٥، ويحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏٣٨٤-.

نزول الآية

١١ قولًا
١
عن الزبير بن العوام أنّه خاصم رجلًا من الأنصار قد شهد بدرًا مع رسول الله ﷺ، في شِراجٍ١ من الحَرَّة كانا يسقيان به كلاهما النخلَ، فقال الأنصاريُّ: سَرِّحِ الماءَ يَمُرّ. فأبى عليه، فقال رسول الله ﷺ: «اسقِ، يا زبيرُ، ثم أرسل الماءَ إلى جارك». فغضِب الأنصاريُّ، وقال: يا رسول الله، أن كان ابنَ عمَّتِك؟ فتلوَّن وجهُ رسول الله ﷺ، ثُمَّ قال: «اسقِ، يا زبيرُ، ثُمَّ احبس الماءَ حتى يرجع إلى الجَدْر، ثم أرسل الماء إلى جارك». واسْتَرْعى رسول الله ﷺ للزبير حقَّه، وكان رسول الله ﷺ قبل ذلك أشار على الزُّبَيْر برأيٍ أراد فيه السَّعَةَ له وللأنصاري، فلمّا أحْفَظَ رسول الله ﷺ الأنصاريُّ اسْتَرْعى للزُّبَيْر حقَّه في صريح الحكم. فقال الزبير: ما أحسبُ هذه الآيةَ نزلت إلا في ذلك: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾ الآية٢
التخريج
  1. ١الشرجة: مَسِيل الماء من الحرّة إلى السّهل. النهاية (شرج).
  2. ٢أخرجه البخاري ٣‏/‏١١١ (٢٣٥٩، ٢٣٦١، ٢٣٦٢)، ٣‏/‏١٨٧ (٢٧٠٨)، ٦‏/‏٤٦ (٤٥٨٥)، ومسلم ٤‏/‏١٨٢٩ (٢٣٥٧)، والواحدي في أسباب النزول ص١٦٣-١٦٤، وابن جرير ٧‏/‏٢٠١-٢٠٢ واللفظ له، وابن المنذر ٢‏/‏٧٧٥-٧٧٦ (١٩٥٧)، وابن أبي حاتم ٣‏/‏٩٩٣-٩٩٤ (٥٥٥٨)، وعبد بن حميد كما في قطعة من تفسيره ص١٠٤-١٠٥ (٣٣٩).
٢
عن أُمِّ سلمة، قالت: خاصم الزبيرُ رجلًا إلى رسول الله ﷺ، فقضى للزبير، فقال الرجل: إنّما قضى له لأنّه ابنَ عمَّتِه. فأنزل الله: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه الحميدي في مسنده (٣٠٠)، وسعيد بن منصور (٦٦٠ - تفسير)، وابن جرير ٧‏/‏٢٠٣، وابن المنذر (١٩٥٨)، والطبراني في الكبير ٢٣‏/‏٢٩٤-٢٩٥. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٣
عن سعيد بن المُسَيِّب -من طريق الزهري- في قوله: ﴿فلا وربك لا يؤمنون﴾ الآية، قال: أُنزِلَتْ في الزبير بن العوام وحاطِب بن أبي بَلْتَعَةَ، اختصما في ماءٍ، فقضى النبي ﷺ أن يَسْقِيَ الأعلى، ثُمَّ الأسفلُ١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٣‏/‏٩٩٤. قال ابن كثير ٤‏/‏١٤٥: «هذا مرسل». وقال الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف ١‏/‏٣٣٣: «وتسمية الأنصاري حاطب ابن أبي بلتعة لم أجده إلا عند ابن أبي حاتم، وهو مرسل».
تعليقات المحققين
  1. ٢علّق ابن كثير (٤/١٤٥) على قول سعيد، فقال: «هذا مرسل، ولكن فيه فائدة تسمية الأنصاري».
٤
عن أبي الأسود، قال: اختصم رجلان إلى رسول الله ﷺ، فقضى بينهما، فقال الذي قُضِي عليه: رُدَّنا إلى عمر بن الخطاب. فقال رسول الله ﷺ: «نعم، انطلِقا إلى عمر». فلمّا أتَيا عمرَ قال الرجلُ: يا ابن الخطاب، قَضى لي رسول الله ﷺ على هذا، فقال: رُدَّنا إلى عمر. فرَدَّنا إليك، فقال: أكذلك؟ قال: نعم. فقال عمر: مكانكما حتى أخرج إليكما، فأقضي بينكما. فخرج إليهما مشتملًا على سيفه، فضرب الذي قال: رُدَّنا إلى عمر. فقتله، وأدبر الآخرُ فارًّا إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، قتل عمرُ -واللهِ- صاحبي، ولوما أنِّي أعْجَزْتُه لَقَتَلَني. فقال رسول الله ﷺ: «ما كنتُ أظُنُّ أن يجترئ عمرُ على قتل مؤمنين». فأنزل الله: ﴿فلا وربك لا يؤمنون﴾ الآية، فَهَدَر دم ذلك الرجل، وبَرِئ عمر من قتله، فكرِه اللهُ أن يُسَنَّ ذلك بعدُ، فقال: ﴿ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم﴾ إلى قوله: ﴿وأشد تثبيتا﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الله بن وهب في الجامع ١‏/‏٧١-٧٢ (١٦٠)، وابن أبي حاتم ٣‏/‏٩٩٤، وابن مردويه -كما في تفسير ابن كثير ٢‏/‏٣٠٨-. قال ابن كثير: «أثر غريب، وهو مرسل، وابن لهيعة ضعيف، من طريق ابن لهيعة».
٥
عن مكحول الشامي، قال: كان بين رجلٍ من المنافقين ورجل من المسلمين مُنازَعَةٌ في شيء، فأَتَيا رسول الله ﷺ، فقضى على المنافق، فانطلقا إلى أبي بكر، فقال: ما كنتُ لِأَقْضِي بين مَن يرغبُ عن قضاء رسول الله ﷺ، فانطلقا إلى عمر، فقصّا عليه، فقال عمر: لا تعجلا حتى أخرج إليكما. فدخل، فاشْتَمَل على السيف، وخرج، فقتل المنافق، ثُمَّ قال: هكذا أقضي بين مَن لم يَرْضَ بقضاء رسول الله. فأتى جبريلُ رسول الله ﷺ، فقال: إنّ عمر قد قتل الرجل، وفرَّق اللهُ بين الحق والباطل على لسان عمر. فسُمِّي: الفاروق١
التخريج
  1. ١أخرجه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول ١‏/‏٢٣١-٢٣٢.
٦
عن عتبة بن ضمرة بن حبيب، عن أبيه: أنّ رجلين اختصما إلى النبي ﷺ، فقضى للمُحِقِّ على المُبْطِل، فقال المَقْضِيُّ عليه: لا أرضى. فقال صاحبُه: فما تريد؟ قال: أن تذهب إلى أبي بكر الصديق. فذهبا إليه، فقال: أنتما على ما قضى به النبي ﷺ. فأبى أن يرضى، قال: نأتي عمر. فأتياه، فدخل عمر منزلَه، وخرج والسيفُ في يده، فضرب به رأسَ الذي أبى أن يرضى، فقتله؛ وأنزل الله: ﴿فلا وربك﴾ الآية١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي للحافظ دحيم في تفسيره. قال ابن كثير ٢‏/‏٣٠٨: «وهو أثر غريب».
٧
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجِيح- في قوله: ﴿فلا وربك﴾ الآية، قال: هذا في الرجل اليهودي والرجلِ المسلم اللَّذَيْنِ تحاكما إلى كعب بن الأشرف١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٧‏/‏٢٠٤، وابن المنذر (١٩٥٤).
٨
عن عامر الشعبي -عن طريق داود-، مثله، إلا أنّه قال: احتكما إلى الكاهن١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٧‏/‏٢٠٤. وفي تفسير الثعلبي ٣‏/‏٣٤٠، وتفسير البغوي ٢‏/‏٢٤٥: عن مجاهد والشعبي: أنّها نزلت في بِشْر المنافق واليهودي اللذين اختصما إلى عمر.
تعليقات المحققين
  1. ٢أفادت الآثارُ اختلاف السلف فيمن نزلت فيه الآية على ثلاثة أقوال: الأول: أنّها نزلت في خصومة كانت بين الزبير وبين رجل من الأنصار. الثاني: أنّها نزلت في المنافق واليهودي اللَّذَيْنِ تحاكما إلى كعب بن الأشرف. الثالث: أنّها نزلت في رجلين تحاكما إلى رسول الله ﷺ، فقضا بينهما، ثم تحاكما بعد إلى عمر، كما أفاده قول أبي الأسود ومكحول. وقد رَجّح ابنُ جرير (٧/٢٠٤) مستندًا إلى السياق القول الثاني، وعلَّل ذلك بقوله: «لأن قوله: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾ في سياق قصة الذين ابتدأ الله الخبر عنهم بقوله: ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك﴾، ولا دلالة تدل على انقطاع قصتهم، فإلحاقُ بعضِ ذلك ببعضِ ما لم تأتِ دلالةٌ على انقطاعه أوْلى».
٩
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق خالد الحَذّاء- في قوله: ﴿فلا وربك لا يؤمنون﴾، قال: نزلت في اليهود١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٣‏/‏٩٩٥.
١٠
عن عبد الملك ابن جُرَيْج -من طريق ابن ثور- قال: لَمّا نزلت هذه الآيةُ قال الرجلُ الذي خاصم الزبير -وكان من الأنصار-: سَلَّمْتُ١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن المنذر (١٩٦٥).
تعليقات المحققين
  1. ٢اختلفت الرواية في شأن الرجل الذي خاصمه الزبير بن العوام؛ فقيل: رجل من الأنصار. كما في قول ابن جريج. وقيل: إنّه حاطب بن أبي بلتعة. كما في قول مقاتل، وسعيد بن المسيب. وقد رَجَّح ابنُ عطية (٢/٥٩٦) مستندًا إلى رواية البخاري أنّه رجلٌ من الأنصار، فقال: «والصحيح الذي وقع في البخاري أنّه رجل من الأنصار، وأنّ الزبير قال: فما أحسبُ أنّ هذه الآية نزلت إلا في ذلك».
١١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فلا وربك لا يؤمنون﴾، وذلك أنّ الزبير بن العوام -وهو من بني أسد بن عبد العُزّى- وحاطب بن أبي بلتعة العَنسِي مِن مَذْحِج -وهو حليف لبني أسد بن عبد العزى- اختصما إلى النبي ﷺ في الماء، وكانت أرض الزبير فوق أرض حاطب، وجاء السَّيْلُ، فقال النبي ﷺ للزبير: «اسْقِ، ثم أرسل الماء إلى جارك». فغضب حاطب، وقال للنبي ﷺ: أما إنّه ابنُ عمَّتك! فتغيَّر وجهُ النبي ﷺ، ومرَّ حاطبٌ على المقداد بن الأسود الكندي، فقال: يا أبا بلتعة، لمن كان القضاء. فقال: قضى لابن عمَّتِه. ولَوى شِدْقَه؛ فأنزل الله عز وجل، فأقسم: ﴿فلا وربك لايؤمنون﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٣٨٦.
التفسير بالمأثور لسورة النساء كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٦٥ من سورة النساء

١١ وقفةً في هذه الآية

  • أعظم دلائل الإيمان الصادق  :  التسليم التام لأمر الله ورسوله من غير حرج في النفس{ ثم لا يجدوا حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما}

    — محمد الربيعة

  • (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك) يردد أنا مسلم و الحمد لله،،لكن ما أرضى أن يحكمنا الإسلام! هذه معضلة فكرية،،يصعب التوفيق بينها،،

    — وليد العاصمي

  • "-1فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم" إيمان بلا تسليم للشريعة ، محض هراء..

    — عبدالله بلقاسم

  • وإذا كان توقف القلب عن الرضا بحكم الرسول يخرج عن الإيمان، كما قال تعالى: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا) فكيف يصح الإيمان مع الاعتراض على الله تعالى؟

    — ابن مفلح

  • "ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيتَ ويسلموا تسليما.." إذا توقف القلب عن الرضا بحكم الله ورسوله يخرج عن الإيمان فكيف بمن ينادي بذلك؟!!

    — محاسن التاويل

  • ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ ﴾.. يحكموك أنت يا رسول الله ,لا دساتيرهم ,و لا ما تريده الغالبية منهم.

    — عبدالله بلقاسم

  • سورة النساء (65) تحكيم الكتاب والسنة

    — سعود بن خالد آل سعود الكبير

  • سورة النساء (65) نور وضياء

    — سعود بن خالد آل سعود الكبير

  • مجالس في تدبر القرآن سورة النساء ، آية 65

    — خالد السبت

  • {ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ...} من صميم الإيمان الرضا والتسليم .. بما جاء به الرسول ﷺ.

    — مجالس التدبر

  • الإعجاب بالرأي. ((ودنياً مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأيٍ برأيه)) بالنسبة لعامة الناس كونهم يصرون على ما يقررونه من أحاديثهم في مجالسهم هذا ليس بغريب؛ لأنهم عوام، لكن طلاب علم، تجده إذا نوقش في مسألة علمية أو أبدي أدنى ملاحظة في كلامه صار كأن الدنيا انهدمت فوق رأسه لا يطيق شيئاً من ذلك، لا يريد أن يقال له: لو قلت كذا لكان كذا، أو ما رأيك لو قيل، لو كانت المسألة كذا، ما يتحمل ولو بالأسلوب المناسب، نعم يوجد من ينتقد بعض طلاب العلم وبعض العلماء بأساليب غير مقبولة البتة، لكن مع ذلك كلٌ له ما يخصه من خطاب، فالذي يلاحظ على أهل العلم ينبغي أن تكون الملاحظة بأدب، وأن تلقى بأسلوب محبب، بحيث يتأثر السامع، وأيضاً بالمقابل الطرف الثاني لا يعجب برأيه، فليس بالمعصوم، فإذا قيل له: لو أن كذا لكان كذا، وما رأيك بكذا ولو أنه...، يعني تطرح الإشكال أو الملاحظة على سبيل الاستفهام، يعني يستفهم منه استفهاماً، وإلا هذا حقيقةً أمرٌ مقلق، ونسمع من الردود شيء تقشعر منه الأبدان، ونجد الثقل في إبداء الملاحظات هذا موجود، نسأل الله السلامة والعافية، عندنا وعند غيرنا من طلاب العلم؛ لأن المقاصد مدخولة، يعني أين نحن من قول الشافعي: "والله لا يهمني أن يكون الحق على لساني أو على لسان خصمي" المقصود أن الحق يبين. أين أهل الخصومات؟ من رجلين بينهما خصومة في عهدٍ قريب، في عهدٍ قريب، بينهما خصومة يقول: لا داعي أن نذهب أنا وأنت ونعطل مصالحنا إلى المحكمة، أنت تعرف القضية واشرحها للشيخ، واللي يقول لك هو الحكم. فذهب إلى القاضي وشرح له القضية، قال: الحق لخصمك وانتهى، قال: الحق لك، شرح له الشيخ وانتهى الإشكال. وشخص في هذه الأيام لما حكم عليه بقضية، قيل له: إن أردت الاعتراض قدم للتمييز هذه اللائحـة، اكتب ما شئت، فانكب على الماصة يبكي، أنا أعترض على حكم الله، والله -جل وعلا- يقول: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا} [(65) سورة النساء]، أنا أعترض؟ فبكى. يعني الأمة ما زال فيها خير، لكن الكلام على الكثير الغالب، الكثير الغالب نجد الردود ونجد بعض الكلمات التي لا يحتمل سماعها. نعم، قد تكون هذه طبيعة البشر مجبولين على هذا، لكن ينبغي أن تكون الطبائع مسيسة ومأطورة بأوامر الشرع.

    — عبدالكريم الخضير

ترجمات معاني الآية ٦٥ من سورة النساء

ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً

(65) But no, by your Lord, they will not [truly] believe until they make you, [O Muḥammad], judge concerning that over which they dispute among themselves and then find within themselves no discomfort from what you have judged and submit in [full, willing] submission.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال